‏إظهار الرسائل ذات التسميات يوسف النمر. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات يوسف النمر. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 1 فبراير 2015

قراءة في بيان حزب الله رقم (1)

ليست هذه أول عملية نوعية معقدة تقوم بها المقاومة الإسلامية في حزب الله ضد العدو الصهيوني , ولكنها تتميز بعدد من المزايا التي لا يجب أن نغفل عنها:
1- العملية تأتي في ظل تضامن غير مسبوق في الوضوح والصراحة من قبل قوى المقاومة الفلسطينية الباسلة واستعدادها المطلق في المساعدة والدخول على الخط في حال تطورت الأحداث وتدحرجت إلى حرب بين المقاومة في حزب الله والعدو الصهيوني.. هذا التضامن يرعب الصهاينة رعباً كبيراً .. فهذا العدو لما تندمل جراحاته من حربه العدوانية على غزة ومعركته مع "الأشباح" التي تخرج من الأنفاق تحت الأرض.
بالأمس كان العدو الصهيوني يحفر الأراضي في الشمال للبحث عن أنفاق لحزب الله بعد أن عاش أهل مستوطنات الشمال حالات رعب وأوهام بأن مجاهدي المقاومة يتسللون إليهم.. فإذا بالرد يأتي في هذه العملية من فوق الأرض وليس من تحتها.
2- لا يفصل هذه العملية التي نفذتها "مجموعة شهداء القنيطرة الأبرار في المقاومة الإسلامية" أكثر من أسبوع عن العملية التي نفذها الطيران الصهيوني ضد كوادر حزب الله في القنيطرة.. خلال هذا الأسبوع اتخذت إسرائيل عدة قرارات كان أبرزها الاستنفار في الحدود الشمالية واعتبار الجبهة اللبنانية أو السورية جبهة واحدة .. وتنفيذ هذه العملية بهذه الحرفية وفي ظل هذا الاستنفار يعني أن قدرة حزب الله الاستخبارية وقدراته التنفيذية على الأرض أقوى من كل التصورات للأعداء والأصدقاء.. فلم يخطر على بال أحد أن يتم الرد إلا في مكان وزمان تتوفر فيهما ثغرة ضعف للعدو الصهيوني .. أما الرد في منطقة مستنفرة يعني اختراقاً ذريعاً قامت به استخبارات الحزب ضد هذا العدو .. وهذا يدفع إلى النقطة الثالثة:
3- المقارنة بين اعتداء الصهاينة على شهداء القنيطرة ورد حزب الله اليوم في مزارع شبعا المحتلة يظهر قدرة المقاومة التي فاقت قدرة الصهاينة .. فعدد الذين قتلتهم المقاومة (15 قتيل) هو أكثر من ضعف عدد شهداء القنيطرة (7 شهداء) .. كذلك فإن عملية الصهاينة أتت من خلال قصف طيران على سيارتين .. بينما قامت المقاومة بتدمير ما لا يقل عن 6 سيارات وقد يصل العدد إلى 9 سيارات وذلك عن طريق عبوات مزروعة وصواريخ.. بالإضافة إلى العامل الأهم وهو أن عملية الصهاينة كانت غدراً وغيلةً في حين أنهم كانوا يتحسبون للرد من قبل حزب الله.
4- لا يغيب المشهد السوري عن هذه العملية .. فالصهاينة والعرب المتصينون يعتقدون أن حزب الله مستنزف في سوريا في حين يؤكد سيد المقاومة الإسلامية السيد حسن نصر الله أن ما يقاتل به الحزب في سوريا هو فائض القوة من الجبهة مع العدو الصهيوني.. فهذه العملية تسقط كل الأوهام التي تبنى على هذا الأساس.
5- المشهد العربي الغارق في الضعف والمتنطع للتطبيع مع الصهاينة وحصر الصراع العربي الصهيوني بالفصائل المقاومة في فلسطين.. فالمقاومة الإسلامية في حزب الله تثبت لكل الرأي العام الصهيوني والعربي المتصهين أن هذا العدو "أوهن من بيت العنكبوت" ولكن الجانب المهم أيضاً هنا هو أن الخيانة العربية هي أيضاً أوهن من بيت العنكبوت.. وهي التي حاولت جاهدة وما تزال تحاصر المقاومة في فلسطين ولبنان وتحاربها في قوتها ورزقها وأمنها .. وهي مع كل هذه الخيانة تصنع الانتصارات التي لا تخطر في بال.. هذا يعني أن الخيانة لا تجر الضعف على المقاومة وإنما تخزي الخائن ليس إلا.
6- لا ينسى أحد خطاب السيد حسن نصر الله الأول في حرب تموز والذي أعلن خلاله عن تدمير البارجة الحربية "ساعر" على سواحل بيروت وإحراقها .. هذا الخطاب الذي لعب دوراً عملاقاً في الحرب النفسية ضد الصهاينة الذين لم يصل إليهم الخبر إلا من خلال متابعتهم لخطاب السيد الأمين.. واليوم تأتي عملية حزب الله الكبرى والمعقدة قبل خطاب السيد نصر الله بيومين .. فيا ترى ما الذي سيقوله السيد في خطابه أكثر مما حدث؟


الموعد يوم الجمعة مع البيان رقم (2)

الاثنين، 15 ديسمبر 2014

كتاب: أصداء الشهادة

كتاب: أصداء الشهادة
رصد للإدانات والآراء حول مجزرة الدالوة

تأليف: يوسف النمر
مقدمة المؤلف:
شكلت «مجزرة الدالوة» التي وقعت في قرية الدالوة بالأحساء في ليلة العاشر من محرم الحرام على حسينية المصطفى منعطفاً خطيراً في تاريخ المنطقة وتطوراً نوعياً في محاولة تصعيد الاحتراب الطائفي في المملكة العربية السعودية وعلى مستوى المنطقة العربية التي تعيش حرباً طاحنة تقودها التيارات التكفيرية المتطرفة، مما دق ناقوس الخطر على مستوى الأمن وكذلك على مستوى الخطاب الإعلامي المحرض على القتل والتكفير على مدار عقود في وسائل الإعلام المحلية والكتب الرسمية والمناهج الدراسية.
وقد توالت ردود الأفعال الرسمية والدولية والدينية والمحلية من أعلى المستويات ومختلف الشرائح والتوجهات على هذه المجزرة التي راح ضحيتها عدد من الشهداء والمصابين، كما تناولتها الصحافة والإعلام بزخم كبير من جوانب جمة برز فيها مناقشة الأسباب وطرح الحلول لتفادي تكرارها حيث، كما برز أيضاً قراءتها في سياق الأحداث على مستوى الإقليم ووضعها في إطارها التاريخي والجغرافي والاجتماعي للوصول إلى رؤية واضحة حول ما يمكن أن يحدث من تطورات بعدها في حال عدم معالجة الأسباب المؤدية إلى الإرهاب من التحريض والتكفير.
ولما لهذه الآراء والنظريات والقراءات والإدانات من أهمية رأيت من الضرورة أن تجمع في كتاب واحد يصدر في أربعين الشهداء رضوان الله تعالى عليهم، فلا شك أن هذا الكتاب سيكون بمثابة هيئة استشارية للجهات الرسمية وغير الرسمية في معالجة الوضع الطائفي في البلاد، وسيكون مستنداً يفيد من يريد قراءة هذا الحدث من جوانبه المتعددة، خصوصاً إذا اعتبرنا أن اختلاف وجهات النظر فيه عامل قوة، فهو ملون بألوان الوطن المتنوعة.
وقد اعتمدت في جمع مادته على وكالات الأنباء الرسمية وعلى الصحافة المحلية والمواقع الشخصية للكتاب، ما عدا القليل منه الذي فرغته من مستندات صوتية كالقصائد الشعرية التي لم أتمكن من الحصول عليها نصاً، وهنا أتقدم بالشكر الجزيل لأخي الحبيب ابن خالتي الصحافي السيد محمد النمر الذي بذل وسعه في إمدادي بكل ما فاتني جمعه من بيانات، فهو متتبع دقيق لكل شاردة وواردة في الصحافة قبل دراسته لهذا الاختصاص.
كما لا يفوتني أن أشكر الصديق العزيز ابن الدالوة البار السيد علي واصل العلي الذي أعانني في التواصل مع الإخوة الأعزاء في اللجنة المنظمة للتشييع وتسليمهم نسخة مسودة من هذا الكتاب في العاشر من صفر. والجمع في هذا الكتاب لم يستبعد رأياً لكاتب أو محلل لأن الغرض من جمعه هو جمع الآراء بكل خلفياتها الثقافية ليتمكن من يطالع فيه من «جمع العقول إليه» كما يعبر أمير المؤمنين .
والله أسأل أن يكون هذا العمل خالصاً له، وأسأله تعالى أن تمتلئ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً وأن يتغمد الشهداء الأبرار في زمرة شهداء الطف.. إنه سميع مجيب.
يوسف النمر
مدينة دنفر/ الولايات المتحدة الأمريكية
الثامن من صفر المظفر 1436

للاطلاع على الكتاب:
أصداء الشهادة: http://y-lnemer.blogspot.com/2014/12/blog-post.html?m=1

الأحد، 16 نوفمبر 2014

داعش .. وخطيب المسجد الحرام


أطل خطيب جمعة المسجد الحرام بمكة المكرمة بخطبة أقل ما يقال عنها أنها إلغائية بامتياز وطائفية بتفوق، ففي الباية بدأ بتلميحات تستبطن اتهام الشيعة بأنهم من يخل بأمن البلاد ويقفون خلف الخلية الإرهابية التي أردت شهداء الحسين عليه السلام في الدالوة.

إمام المسجد الحرام أكد في خطبته أن البلاد تحترم كل المذاهب الإسلامية مع قيد خطير وهو "الأربعة" في تصريح واضح بعدم الاعتراف بالشيعة الجعفرية أو الزيدية أنهم مسلمون.

إن احتكار الإسلام والوصاية على الدين والإدانة على الهوية هي جريمة بكل ما تحمله الكلمة من معنى .. وهي إلغاء لمكونات أساسية في البلاد لا يمكن المزايدة عليها في وطنيتها وانتمائها للأرض والتراب.. وخطورة هذه الخطبة تأتي من رمزية المسجد الحرام القبلة الإسلامية ومهوى الأفئدة وعاصمة الوطن الدينية المقدسة والتي تستغل اليوم في الطائفية.

إن هذا الاستغلال لقدسية الحرم المكي الشريف في التكفير هو خدمة مجانية يقدمها هذا الخطيب للدواعش المتربصين بأمن البلاد والذين يتفقون مع إمام الحرم باعتبار شيعة البلاد كفار .. والتكفير والتحريض بالتصريح أو بالتلميح هو جرم بنص قول رسول الله صلى الله عليه وآله إذ قال: "من كفر مسلما فقد كفر" ولتحذير النبي الأكرم من البلد الحرام من سفك الدماء بقول النبي الأكرم" إن دمائكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا".

ولو أضفنا إلى ذلك وجود التهديد الحقيقي للشيعة ,وأن مشروع قتلهم قد بدأ فعلاً في ليلة العاشر من محرم، ولا ندري متى تتمكن هذه الفئة المنتشرة فكرياً في كل المناطق من تنفيذ عملية ثانية, هنا يجب أن يدق ناقوس الخطر على كل تحريض وبالذات إذا كان من قبل خطيب الحرم , ويجب أن يقابل فوراً بإجراء رادع وواضح من قبل وزارة الداخلية.. لأنه إخلال بأمن البلاد وهدر لدماء العباد.

نحتاج في بلادنا إلى الإسراع في تصفية المؤسسات الرسمية والدينية من التيار التكفيري المتطرف والإسراع في إصدار قرار غير موارب ولا قابل للتأويل يعترف بالمذهب الشيعي أنه مسلم حرام الدم.. ليس منافقاً ولا يهودياً يعامل كما تعامل النبي الأكرم مع جاره اليهودي أو عبد الله بن أبي بن سلول كما صرح كثير من خطباء الجمعة عندما طلب منهم إدانة جريمة الدالوة.

وبدون هذا الاعتراف الواضح وترتيب الأثر عليه في أدبيات الخطاب الديني السلفي الرسمي, ومن دون اقتلاع التطرف والتكفير المستشري في المؤسسات الرسمية وفي الإعلام فإن الخطر ما يزال قائماً على الشيعة وبالتالي على الأمن في البلاد.. لأن الأفكار المتطرفة ليست منحصرة بالخلايا النائمة واليقظة .. ولا يمكن التنبؤ متى يقرر أي شخص تنفيذ الفتاوى التكفيرية المنتشرة في كل مكتبات البلاد العامة والخاصة وعلى منابرها الرسمية.. بل وحتى خطبة المسجد الحرام التي يجب أن تمثل الخطاب الوطني الرسمي.

الأربعاء، 5 نوفمبر 2014

داود الشريان.. والاستخفاف بدماء الشهداء

تتمتع الجهات الإعلامية لدينا بقدرات خرافية في رمي الأخطاء على الجهات الخطأ داود الشريان مثلاً بعقله المائل حاول جاهداً رمي المسؤولية على «الجهات الخارجية الشيعية» بلغة في قمة الهبوط وفي أعلى مراتب الانحطاط الأخلاقي والقيمي..

وإلا ما علاقة مجموعة من الناس في مجلس صغير في قرية نائية بحسب تعبير خالد المطرفي المقاتل السابق في أفغانستان والمدير الإقليمي لقناة العربية حالياً.. ما علاقتها بالشحن الطائفي والتهييج الإعلامي؟
ما علاقة البراعم التي اخترق أجسادها رصاص الغدر القادم من خلفية تكفيرية لم تمتنع أن تصرح بأنها كانت ترغب في المزيد من الدماء وتمنت لو أن الرشاش كان سيارة مفخخة؟كيف لداود الشريان صاحب العقل المائل أن يربط هذا الربط الغبي لولا أنه هو ومن يقف خلفه يريدون إيصال رسالة واضحة سوقية: كلكم غلطانين.. في فهم أحمق لكل ما يجري.

إن هذه العقلية المائلة التي تبرر للإرهاب يجب أن تجتث من الإعلام لأن هذا المنهج يساهم في إقناع الإرهابي بصوابية فعلته.. كما أنها تعطي الرأي العام فسحة واسعة لاعتبار الإرهاب وجهة نظر تستحق المناقشة لأنها تستند إلى مبررات معقولة.في حين يعلم مائل العقل هذا أن هذه المبررات أسخف من أن يتم إقحامها في هذا المورد لأنها بسهولة أجنبية عن الموضوع وأجنبية عن البلاد وأجنبية عن القاتل وأجنبية عن الشهداء الضحايا.

إن من يتحمل مسؤولية أي خطأ في الدولة هي الدولة.. وهي من يجب أن يوجد الطرق لحل المشكلات مهما كانت معقدة.. فضلاً عن أن القول بأن الخلل هو من الخارج هو تسليم باختراق الساحة الداخلية.. وهذا لا يكون إلا بفرضية ضعف الداخل.. ومشروع التصحيح في الداخل مسلم بضرورته لدى الجميع.. حتى الملك عبد الله دائما ما يؤكد على ضرورته..كان الأجدر هو الكلام عن التحريض الموجود في القنوات الرسمية وشبه الرسمية.. وعن المناهج الدراسية التي تكفر الشيعة وتصفهم بعبدة القبور.. وعن أساتذة الدين في المدارس الذين يعقدون اجتماعات يومية تحت شعار ”جماعة التوعية الإسلامية“ يتم فيها من التعبئة وغسيل الأدمغة ما يعرفه الشريان أكثر من غيره.. وعن الكتب التي تباع في المكتبات بشكل رسمي وتكفر كل من عداها.. وحسبك بكتابي ابن بشر وابن غنام الذين يطفحان بالتكفير ويصورون كل مناطق البلاد بأنها وثنية وكافرة وما زالت تباع في الأسواق بلا تنقيح ولا ما يحزنون.

أو كان المفترض أن يتحدث عن المساجد ومنابرها وحلقات الدروس فيها والتي تشكل في بعض المناطق مفرخة حقيقية للتكفير وللدعوة للخروج على نظام البلاد.. ومن تحت تلك المنابر خرجت شريحة واسعة من شباب البلاد إلى أفغانستان والعراق وسوريا وهي اليوم تعود مجدداً لتفرغ تعليمات تلك المنابر في داخل المجتمع.

ولكن الشريان يهرب من ذلك بكل سخافة ويطلب من الشيعة في البلاد الضغط على دعاة الفتنة في الخارج للكف عن الكلام.. بالله عليك يا مائل العقل والعقال هل أنت فعلاً غبي إلى حد التصديق بأن هذه القنوات التي تعتاش على العفن الذي يريدون إلصاقه بالدين ستنصاع لرأي عاقل أو نصيحة ناصح؟ ألا يعلم أن الفتنة تدر عليها من الأموال ما لا يعلمه إلا الله؟ على الأقل هو يعلم أن قناة وصال مثلاً مدعومة من «عزوز» باعترافه على الملأ في تويتر.

إن ما فعله الشريان لهو قمة الاستخفاف بكرامة الشيعة في البلاد.. بل هو استخفاف حتى بدماء رجال الأمن الذين استشهدوا في عملية القبض على هذه العصابة الداعشية الفاسدة.. فالقاتل هو القاتل وهو قتل الشيعة وقتل رجال الأمن.. وخلفيته الثقافية التي تجعله يرى في الشيعة كفار هي عينها التي تجعله يرى الدولة غير شرعية.. ونتيجة ذلك هي استباحة الدماء.وهنا يكون التبرير له بأي طريقة كانت هو إعانة له على فعلته وتشجيع لغيره من الخوارج المارقين على تكرار فعلته.أسأل الله أن يحمي بلادنا من كيد الكائدين وحماقات الإعلاميين.

الثلاثاء، 26 أغسطس 2014

لسان الفوزان الناسف.. أخرسوه

الخطاب التحريضي الفتنوي لا يقل خطورة عن تفخيخ السيارات وقتل الأبرياء.. لأن خطبة ملغومة كخطبة المعتوه عبد العزيز الفوزان كفيلة باستحمار مئة من جمهوره أو يزيدون لعمل ما يفسد البلاد ويفتك بالعباد.
الوطن الذي فقد الكثير من شبابه في ساحات الحرب الأفغانية والسورية والعراقية وغيرها ممن غرر بهم مشايخ الفئة الضالة وصوروا لهم أن قتل المسلمين في هذه البلاد مدعاة لدخول الجنة.. وهم لم يسلكوا بهم إلا طريق النار.. وما يزال مع الأسف الشديد الفضاء الإعلامي مفتوحاً لهذه الأبواق النتنة التي تؤدي إلى المهالك والمفاسد في العالم كله رغم تشديد الأنظمة على أن هذا الخطاب الإرهابي التحريضي مخالف للقانون والشرع والعرف والأخلاق.
الفوزان بخطابه المتفجر بالحقد واللهب يفعل فعل الخوارج ذاتهم وإن حاول أن يستغبي الناس بذمهم في خطابه.. وهو يستجلب الفتن والقتل والذبح إلى بلادنا من أصحابه ”المجاهدين“ في سوريا الذين غدرت بهم داعش وهم بلا شك جبهة النصرة الإرهابية.. وكذلك من أصدقائه ”القيادات الجهادية“ في العراق.
هذا كلام لا ينبغي أن يمر مرور الكرام.. ففي الوقت الذي يؤكد فيه العاهل السعودي محاربة هذا الفكر.. وتصدر الدولة اللوائح التي تشمل كل هذه الفصائل الإرهابية التذبيحية وتدين التضامن والتعاطف معها يحاول الفوزان بطريقة خبيثة أن يستجلب هذه الفتن إلى الداخل.. وهذه جريمة في حق الوطن والمواطنين بكل فئاتهم.
إن من الواجب على كل مسؤول في هذه البلاد أن يلجم هذا المعتوه وأمثاله من تهيئة الأرضية للفتنة الطائفية.. وعلى كل مواطن شريف يرى مثل الفوزان يصعد على منابر المسلمين أن ينزله منها لأن ترك مثل هذا الرجل يلقي بأتون الكراهية من على منابر رسول الله وفي بيوت الله دليل على ضعف الوازع الأخلاقي أو الغفلة عن خطر الحرب الطائفية التي ستنفجر على يديه وأمثاله من أصحاب الفكر المنحرف عن جادة الحق.. والمخالفة لصحريح القانون.
في السابق تم التغرير بالشباب السعودي من قبل هذه الشاكلة من مشايخ الفتنة وحطب.. وتم بناء على ذلك إرسال شباب الوطن حطباً لنيران الأحقاد في أفغانستان والعراق وسوريا.. واليوم يتم التغرير بهم للاقتتال الداخلي من خلال كذب صراح باتهام الشيعة السعوديين بقتل السنة في العراق.
إنني أطالب الدولة والشعب بلجم الفوزان وكل طائفي في هذا البلد يحرض المكونات لقتل بعضها.. فالواقع الحالي لا يتحمل الاستهانة بالألسنة المفخخة والخطابات الناسفة.

نشطاء ومغردون يتهكمون من «أبو صحن القطيفي».. ويطالبون بالحد من التحريض الطائفي

تهكم نشطاء ومغردون من اتهام الشيخ عبد العزيز الفوزان لشيعة القطيف بقيادة تنظيم القاعدة، مطالبين برفع دعوة قضائية ضده للحد من دعاوى التحريض المذهبي.
واستنكروا اطلاق الاتهامات ضد أحد مكونات الوطن والتي تساهم في نشر الكراهية والتعصب الطائفي، متداولين بسخرية التعليقات والتغريدات التي تعبر عن استياءهم بشيخصة «أبو صحن القطيفي».
وعبر البعض ضمن التغريدات عن استهجانهم لهذا الطرح والنصب باسم الدين منوهين إلى أن الحرب الطائفية لا زالت تستعر في المنطقة العربية لتؤدي لمزيد من نهر الدماء.
يأتي هذا بعدما اتهم عضو مجلس هيئة حقوق الإنسان بالسعودية الشيخ الفوزان ”شيعة القطيف“ بقيادة تنظيم القاعدة بمنطقة ”أبو غريب“ في العراق.
وشدد الكاتب يوسف النمر في مقالته «لسان الفوزان الناسف.. أخرسوه» على ضرورة أن لا يمر الاتهام مرور الكرام، منوها إلى محاربة العاهل السعودي هذا الفكر، وتصدر الدولة اللوائح التي تشمل كل هذه الفصائل الإرهابية التذبيحية وتدين التضامن والتعاطف معها.
ووصف النمر اتهام الفوزان ب «جريمة في حق الوطن والمواطنين بكل فئاتهم» واستجلاب الفتن إلى الداخل، مطالبا الدولة والشعب بلجم الفوزان وكل طائفي في هذا البلد يحرض المكونات لقتل بعضها.
وشدد العضو السابق في المجلس المحلي في محافظة القطيف سعيد الخباز على أهمية الرد على اتهامات الفوزان ومن هم على شاكلته، معللا أن حديثه تضمن محاولة التملص من علاقة تيار الشيخ بداعش، والقاعدة وركوب تيار تهمة ”الصفويين“ بالوقوف خلف داعش وإجرامها.
ونوه الخباز أن الشيخ الفوزان كان يوجه خطابه للشباب الذي لديه استعداد فطري للدعدشة ”والذي قد يقرر، _بحسب تعبيره _ بينه وبين نفسه، بالانتقام للألف“ سني ”الذي نحرهم“ أبو صحن البغدادي السعودي الشيعي القطيفي" في أبو غريب.
وطالب الكاتب والمهتم بالشأن الثقافي والسياسي حسين بزبوز في تغريدته الإخوان السنة «الشركاء» في هذا الوطن «الكريم» الرد على قصة أبو صحن القطيفي.
وأعرب بزبوز عن استغرابه من مطلقي «الأكاذيب الخطيرة هذه أن يفتتوا اللحمة الوطنية بلا حسيب ولا رقيب» مستنكرًا قبولهم بتدمير الوطن بالفتن.
واعتبر الشيخ عباس السعيد بأن ما تفوه به الفوزان عن داعش وأنها ضمت قيادات من القطيف «هراء» و«تحريض» واضح وإشعال «للطائفية».
وتساءل سماحته ما إن كان سيحاسب الفوزان ويحاكم على إشعاله الفتن.
وتداول المغردون في تويتر العديد من الصور الكاريكاتورية الساخرة كان آخرها مقطعًا مرئيًا على قناة اليوتيوب بعنوان «أبو صحن القطيفي!! حقيقة» مدته 33 ثانية.
وتحدث ناشره بأنه يعد رداً على الداعية الشيخ الفوزان الذي استخف بعقول البسطاء واستخدم الوتر الطائفي لبث الفرقة والفتنة بين المواطنين لضرب الشيعة بالسنة ولكي يوهم مستمعيه البسطاء بأن التنظيم الإرهابي «داعش حزب شيعي!!» موضحًا بأن كل العالم لديه علم بأنه تنظيم «سلفي الهوية».
وتهكم المدير التنفيذي لشركة قيثارة للإنتاج الفني فاضل الشعلة قائلا «هل تعلم بأن عبد العزيز الفوزان مطلق نكتة أبو صحن القطيفي هو عضو مجلس هيئة حقوق الإنسان»، موجها حديثه بشكل ساخر للفوزان «: بما أن أبو صحن القطيفي أسره أصحابك فطبيعيٌ أنهم صوروه، فقط أتحفنا بصورة واحدة له ولك عليّ أن أذبح لك ألف ناقة»
وأوضح الكاتب ناصر جاسب في مقالته «قطيفي نحر ألف سني من العراق!» والتي نشرت بالأمس في صحيفة جهينة الإخبارية أن التحريض على الكراهية والعنصرية، ومحاولة صب الزيت على النار لإشعال الفتنة الداخلية عبر التحريض الطائفي المباشر وغير المباشر يدفع الى الاقتتال الداخلي.
ونوه إلى أن إدعاء الفوزان بأن القطيفي الشيعي نحر أكثر من ألف سني لها حساباتها في الطرف الآخر، مشددا على أن التحريض يندرج تحت مظلة الإخلال بالأمن وشق الصف.
ودعا الجهات الأمنية إلى حفظ الأمن ولحمة الصف باعتبارها أحدى مسؤولياتها، مستنكرا الاتهام والتشهير بالأسماء الصريحة، وفي أماكن عامة مرخصة من قِبل وزارة الداخلية ووزارة الشئون الإسلامية.
وأوضح الشيخ جعفر الربح ان ما ادلى به الفوزان هي محاوله يائسة ومكشوفة لإلقاء مشاكلهم في ملعب الاخر بعد النقد اللاذع الذي تعرض له التيار المتشدد في الاعلام الداخلي.
وانتقد الربح التعليقات على ما وصفها ب «خطبة الفتنه» وتناولها على سبيل التندر والفكاهه، رغم خطورة الوضع، مشددا على ان التنكر للازمه والهروب للامام ليس حلا لها انما هو تعقيد وزيادة تأزيم.
وتأسف لصدور مثل هذه التصريحات من عضو هيئة حقوق الانسان بالمملكة وتحت مظلة رسمية ورعاية حكومية لهذا اللقاء، منوها إلى إن هذا ما آثار حالة من السخط والاستياء الكبيرين لما يمثله هذا من اعتداء سافر على مكون مهم من مكونات الوطن.
وأكد على أن الاتهام الذي قام به الفوزان يرمي إلى ضرب للحمة الوطنية والإسلامية التي شدد عليها وﻻة الامر، مهيبا بقادة البلاد إلى العمل على وقف هذه «المهازل» ومعاقبة كل من تسول له نفسه المساس بأمن الوطن والمواطن.
وأبان الشيخ حميد منصور آل عباس إن السكوت عما قاله الفوزان من قبل السنة يدل على أن غالبية السنة في العالم يبحثون عن نصر عسكري بدل الإخفاقات المتكررة لهم في كثير من الدول العربية والإسلامية وبالخصوص في دول ما يسمى بثورات الربيع العربي والتي من الأولى تسميتها بثورات الثيران العرب.
وأضاف أن كل تجاربهم الدينية هناك لم تفلح «مصر - تونس - ليبيا» فانكسرت نفوسهم في أصقاع العالم فصاروا يبحثون عن نصر عسكري وهمي حتى لو تحقق على أيدي داعش، لافتا إلى انخرط المسلحون السنة من كل مكان «الشيشان - الفلبين - دول أوروبا» ليحققوا النصر العسكري الوهمي في سوريا والعراق ولبنان.

الأربعاء، 13 أغسطس 2014

أيها الفلسطيني .. نحن أعداؤك

المعركة الواقعة في فلسطين المحتلة بين قوى المقاومة والكيان الصهيوني تمخضت عن عدة نتائج معروفة تماماً وهي أيضاً راسخة في الوعي منذ معركة الوعد الصادق, فالكيان المحتل وإن كان يجيد اختلاق الذرائع الغبية للدخول في حرب ضد خصومه الذين يهددونه في أمنه الداخلي إلا أنه أشد غباء بحيث لا يجيد الخروج من المعركة.
أضف إلى ذلك أنه جيد في استعراض عضلاته على المدنيين .. وهذا من الرواسخ في عقيدته الحربية وطريقته في بناء الملك على الجماجم والدماء.
وكذلك لا جديد في أن المقاومة من خلال توحدها ووقوفها مستندة على إرادة الشعب تمكنت من سحق آلته العسكرية واقتصاده الهش أمام الحرب وجبهته الداخلية المتخمة بالهلع والرعب.
الحكومات العربية في بعض النقاط هي أشد ضراوة وتعطشاً لدماء المجاهدين ضد الصهاينة وذلك لمصالح خرقاء هنا وخلافات حمقاء هناك يستطيع أي دبلوماسي تسويتها من خلال رغبته في تسويتها .. ولكن حكوماتنا العربية لها من العزة والأنفة ما يمنعها من النزول عن عروشها لتسوية خلافاتها مع الحركات المقاومة.. ولكنها سريعة الهرولة للتواصل مع الصهيوني وحلفائه في العالم للاتفاق على المقاومين .. وعلى رأي المثل: "أنا والغريب على ولد عمي".
كل ذلك لا جديد فيه وسبق أن شاهدناه رأي العين في معارك سابقة في فلسطين ولبنان .. إنما الجديد في هذه المعركة هو الخنوع الذي بدا من الشعوب العربية.. فصمتها المطبق هو مشاركة سافرة في قتل الشعب الفلسطيني.. هذا إذ استثنينا من كان يجاهر من الشعوب بالوقوف ضد الفلسطينيين في مشهد يدفعك دفعاً للشعور بالعار لأنك من هذه الأمة الخانعة الوضيعة الحقيرة التي تستمرئ الذل وتستطيب الإهانة لنفسها.
ألا لعنة الله علينا عندما رضينا بأن يكون الانحراف عن عداوة إسرائيل رأياً محترماً .. ولعنة الله علينا بعدد كل قذيفة قتلت طفلاً ونحن غارقون في التبرير للقاتل.. ولعنة الله علينا بكل دمعة أم ذرفت ونحن نضحك على بعضنا بانتصارات موهومة يحققها لنا صهيوني يهودي هنا أو صهيوني تكفيري هناك.
للفلسطينيين أقول: عندما ترفعون راية النصر فلا يذهبن عن بالكم أننا أعداؤكم .. وأننا لم ولن نستحي من دعاء الله الذي نصركم أن يخذلكم وهو خاذلنا .. لأننا أغبياء ولا نستحي من الله.
عندما تروننا فابصقوا علينا لأننا شركاء في دمائكم .. قتلناكم بالأموال التي ننمي بها اقتصاد الصهاينة بشراء سلعهم .. وقتلناكم بسكوتنا عن حقوقكم .. وقتلناكم بجهرنا بمناصرة أعداء الله أعدائكم .. ولكننا قتلنا ضمائرنا معكم ووضعنا ديننا أمامنا ثم قطعنا رأسه ونحن نقول : الله أكبر
إنكم لم تقاتوا نيابة عن أحد .. ولم تكونوا تمثلون أحداً إلا أنفسكم ومن ساندكم بالسلاح والمال والتوجيه .. وأما نحن الذين شحذنا ضدكم كل ما أوتينا من قباحة ووقاحة وصفاقة .. لا يحق لنا أبداً حتى أن ندعو لكم.

أيها الفلسطيني .. أنت وحدك الحي والحر .. أنت وحدك الإنسان .. 

الاثنين، 23 يونيو 2014

دور المسجد في المجتمع .. من خلال الرؤية الحسنية

مدخل

الإنسان عندما تحاصره الهموم وتلفحه الأحزان وتطرق بابه النوائب فإنه يفتش عن الروح الذي يبثه همومه وأحزانه وربما يناجيه ويفضي إليه ما يجد ويحط من الثقل الجاثم على صدره ويرجّل الهم الممتطي قلبه وذلك لأن النفس تمل من الحمل وتحتاج إلى البوح ولا تبوح إلا لمن يستحق ويتحمل.

والذي يتسع صدره إلى هذا البوح يستحق الجائزة الإلهية على هذا الاستماع لأنه ساعد أخاه على تحمل همه وربما مد إليه يد العون في إيجاد المخارج مما هو فيه وهذا العمل هو من أحب الأعمال إلى الله تعالى. يقول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام: "من كفارات الذنوب العظام إغاثة الملهوف والتنفيس عن المكروب".

وهنا أعتقد أنه علينا أن نتوقف قليلا ونرجع إلى أنفسنا ونسألها: إلى من يا ترى كان علي بن أبي طالب يلجأ ليلقي عن كاهله الهموم إذا ألمت به؟! ومن هو الذي يستحق أن يحمل هم الإمام علي عليه السلام الذي حمل هموم الدنيا وحسبه أنه صبر"وفي العين أذى وفي الحلق شجا"؟! يا ترى من هو هذا الذي يعي هم الإمام أمير المؤمنين حق الوعي؟!

هذه الاستفهامات نجد جوابها في كتاب أمير المؤمنين الخالد ووصيته الرائعة التي أوصى بها ابنه الإمام الحسن حيث يقول: "أما بعد: فإن فيما تبينت من إدبار الدنيا عني وجموح الدهر علي وإقبال الآخرة إلي ما يزعني عن ذكر من سواي والاهتمام بما ورائي غير أني حيث تفرد بي دون هموم الناس هم نفسي فصدفني رأيي وصرفني عن هواي وصرح لي محض أمري فأفضى بي إلى جد لا يكون فيه لعب وصدق لا يشوبه كذب. ووجدتك بعضي بل وجدتك كلي حتى كأن شيئا لو أصابك أصابني وكأن الموت لو أتاك أتاني فعناني من أمرك ما يعنيني من أمر نفسي .......".

هنا نجد أن أمير المؤمنين الذي جعله القرآن الكريم في منزلة رسول الله صلى الله عليه وآله (وأنفسنا وأنفسكم) قد جعل منزلة الإمام الحسن من نفسه كذلك "بل وجدتك كلي" "فعناني من أمرك ما يعنيني من أمر نفسي" وهذا يدعونا إلى الوقوف أمام شخصية الإمام الحسن عليه السلام.

ولا يجدر بأحد أن يدعي بأنه سيسلط الضوء على شخصيته عليه السلام لأنه من أهل بيت خلفهم من سلفهم "كالضوء من الضوء" ولكننا سنحاول أن نقتبس من هذه الأنوار التي اختارها الله لنا وسأحاول أن يكون هذا الموضوع انطلاقة لي ولك عزيزي القارئ إلى البحث عن هذه الشخصية التي أجحف بها الكثير وذلك من خلال إطلالة على بعض تراثه الذي نحاول أن نستفيد منه في التكامل الشخصي:

التكامل في السير إلى الله

يقول الإمام المجتبى عليه السلام: "من أدام الاختلاف إلى المسجد أصاب إحدى ثمان: آيةً محكمةً وأخاً مستفاداً وعلماً مستطرفاً ورحمةً منتظرةً وكلمةً تدله على الهدى أو ترده عن ردى وترك الذنوب حياءً أو خشيةً".

هذه الرواية تذكرنا بما قاله رسول الله صلى الله عليه وآله "أوتيت جوامع الكلم" لأنها مع إيجازها وسهولتها إلا أنها تحمل معان كبيرة وتحدد لنا الرؤية الإسلامية في التكامل الشخصي وهذا ليس بغريب على وارث علم رسول الله صلى الله عليه وآله، فقد أشار الإمام الحسن عليه السلام إلى الأبعاد التي يحتاج الفرد المسلم إلى تطويرها في شخصيته وذلك ليستطيع أن يبنيها وفق المنهج الإسلامي وكيف استطاع الإسلام من خلال المسجد أن يعمل على بناء الشخصية بناء متكاملا محكما نوجزها في الآتي محاولين إيضاح دور المسجد في كل من هذه الأبعاد:-

أ – البعد الفكري:

الإنسان في سيره إلى الله سبحانه وتعالى يحتاج إلى الرفد الفكري وهذا الأمر بديهي فتفكر ساعة خير من عبادة سنة فالإنسان قد يقع في بعض المهالك التي لا يمكنه تجنبها من دون رافد فكري متين.

يقول الإمام الحسن عليه السلام: "عجبت لمن يفكر في مأكوله كيف لا يفكر في معقوله فيجنب بطنه ما يؤذيه ويودع صدره ما يرديه". فحري بالإنسان أن ينظر إلى ما يودعه صدره تجنبا للمهلكة وابتغاء مرضاة الله عز وجل.

وقد حدد الإمام الروافد التي يحتاج إليها المفكر لكي يستطيع أن يكون من الناظرين إلى ودائع صدره وهي – أي الروافد – على قسمين ترتيبيين:– 

أولا: الروافد السماوية (آية محكمة)

فعلى المفكر أن يشكل لنفسه قاعدة ثقافية صلبة عمادها القرآن الكريم وسنة النبي الأكرم وأهل بيته عليهم السلام وذلك لتكون هذه الأرضية هي الأساس والفيصل في سائر الأمور.

يقول الإمام الحسن عليه السلام: "ما بقي في الدنيا بقية غير هذا القرآن فاتخذوه إماماً يدلكم على هداكم".

ثانيا: الروافد المعرفية العقلية (علما مستطرفا) 

بحيث يعرض كل ما توصلت إليه الإنسانية من المعارف على القرآن الكريم وسنة النبي وأهل بيته ويأخذ ما يتوافق وما يقولون وإذا كان مخالفا لكلامهم فإنه مردود.

والمتبع لهذا المنهج يستطيع أن يستفيد من كل شيء وذلك من دون مخالفة الدين ومن دون التقوقع والتحجر في الفكر (وكذلك جعلناكم أمة وسطا).

يقول الإمام الحسن عليه السلام: "ما يعلم المخزون المكنون المجزوم المكتوم الذي لم يطلع عليه ملك مقرب ولا نبي مرسل غيرُ محمد وذريته".

دور المسجد في البعد الفكري

والذي يديم الاختلاف والتردد على المساجد يستطيع أن ينهل من أصول الفكر الإسلامي وأن يشكل القاعدة الثقافية القرآنية وفق منهج الرسول الأكرم وأهل بيته سلام الله عليهم أجمعين وذلك لأن المسجد يفترض أن يكون مدرسة لمثل هذه العلوم وهو وأن لا يخلو من حلقة درس ومنبر يبث فكر أهل البيت وتلاوة لكتاب الله العزيز، وذلك حتماً يشمل كل العلوم التي يحتاجها المجتمع.

ب – البعد الاجتماعي:

لقد خلق الله الإنسان اجتماعيا بطبيعته فهو لا يستطيع أن يعيش بمعزل عن المجتمع ولذلك فإنه يحتاج إلى النظام من أجل الاستمرار في الحياة من دون تضارب في الحقوق والواجبات التي تحتمها عليه الطبيعة الاجتماعية.

ما نريد الإشارة إليه في هذا المورد هو ما يقوله الإمام الحسن عليه السلام في الرواية التي اتخذناها موضوعا حيث يشير بعبقرية – وليس ذلك عليه بغريب – إلى أمر مهم ومرتبط جداً بقضية التكامل:

الأخوة الإسلامية (أخا مستفادا):–

إن الأخوة من دون شك من أكبر الإنجازات التي حققها الإسلام ويسعى إلى ترسيخها على أساس سليم. ولو استعرضنا التاريخ لوجدنا المؤاخاة التي قام بها رسول الله صلى الله عليه وآله وأثرها في المجتمع حيث تغيرت الاعتبارات القبلية والعصبية لها إلى العلاقات الأخوية الإسلامية وقد ساهم بناء المسجد النبوي في تخصيب الأرواح من أجل هذه المؤاخاة كما كان اختيار رسول الله للمتآخين اختيارا دقيقا وحسبنا أنه اختار لنفسه علي بن أبي طالب وهذا دليل قطعي على أن المؤاخاة ليست بالأمر الهين وأنها خاضعة لنظام وقانون لا تكون صحيحة ما لم ينطبق عليها هذا النظام وهي على عدة أصعدة : الاختيار والاستمرار والكماليات إن صحت التسمية.

وللإمام الحسن عليه السلام نصيحة ينصح بها ولده يقول فيها: "يا بني لا تؤاخِ أحدا حتى تعرف موارده ومصادره فإذا استنبطت الخبرة ورضيت العشرة فآخه على إقالة العثرة والمواساة في العسرة".

من خلال هذه الرواية نستنبط المواصفات التي نحتاجها لمن نريد مؤاخاته على صعيد الاختيار والاستمرار

1.الاختيار ومعاييره:

أ.أن تكون مصادره الفكرية سليمة.

ب. أن نتيقن منه الفطنة والتدبير.

ج. أن نتيقن منه حسن المعاشرة.

2. الاستمرار ودعائمه:

أ.أن تكون الأخوة مبنية على تبادل إقالة العثرات.

ب. التواصي بالصبر والمواساة في الأمور العسيرة بما يستطيع.

3.كمالات:

هناك رواية أخرى أعتقد أنها كافية في تبيان الكماليات التي نحتاج إليها على هذا الصعيد لا بأس بذكرها كاملة.

يقول الإمام الحسن عليه السلام: " إني أخبركم عن أخ كان من أعظم الناس في عيني

· . وكان عظيم ما عظمه في عيني صغر الدنيا في عينه.

· . كان خارجا عن سلطان بطنه فلا يشتهي ما لا يجد ولا يكثر إن وجد.

· . وكان خارجا عن سلطان فرجه فلا يستخف له عقله ولا رأيه.

· . وكان خارجا عن سلطان جهله فلا يمد يداً إلا على ثقة المنفعة ولا يخطو خطوة إلا لحسابه.

· . كان لا يسخط ولا يتبرم.

· . كان إذا اجتمع بالعلماء يكون على أن يسمع أحرص منه على أن يتكلم.

· . وكان إذا غلب على الكلام لا يغلب على الصمت.

· . كان أكثر دهره صامتا فإذا قال بزّ القائلين.

· . وكان لا يشارك في دعوى ولا يدخل في مراء ولا يدلي بحجة حتى يرى قاضياً يقول ما لا يفعل ويفعل ما لا يقول تفضلا وتكرما.

· . كان لا يغفل عن إخوانه ولا يستخص بشيء دونهم.

· . كان لا يكرم أحداً فيما يقع القدر بمثله.

· . كان إذا ابتدأه أمران لا يدري أيهما أقرب إلى الحق نظر فيما هو أقرب إلى هواه فخالفه.".



دور المسجد في البعد الاجتماعي





إننا عند ملاحظة مركزية المسجد وأهميته في حياة الفرد المسلم بحيث يبحث عن السكن بالقرب منه ولا يترك التردد عليه والتعرف على رواده ندرك دوره الفعال في البنية الاجتماعية وبناء الأخوة الإسلامية مما لا غبار عليه، أضف إلى ذلك أن المساجد يجب أن تحتوي على كل ما من شأنه أن يجعلها محورية في المجتمع، كقاعات الدراسة والمكتبة وحتى رعاية الأطفال. لأن هذه العوامل كلما توافرت كلما صار المسجد مستقطِباً للمجتمع، وأما إن أردناه مسجداً أجوف من كل ذلك هو لن يكون إلا معبداً تعزله جدرانه عن الحياة.

ج– البعد الروحي:

عندما نتكلم عن الجانب الروحي فإن الموازين والمعايير التي نتحدث بها تختلف عنها في الجانب الفكري والجانب الاجتماعي لأن هذا البعد لا يمكننا أن نتحسسه بالمواد وإنما له أدوات أخرى يدركها الوجدان وأقرب مثال على معايير هذا العالم هو الحب والبغض حيث يمكنهما أن يقلبا الحسن قبيحا والقبيح حسنا إذا ما تمكنا وتغلبا على الجوانب الأخرى وفي ذلك يقول الإمام الحسن عليه السلام: "القريب من قربته المودة وإن بعد نسبه والبعيد من باعدته المودة وإن قرب نسبه فلا شيء أقرب من يد إلى جسد وإن اليد تغل فتقطع وتحسم".

على هذا الصعيد يجب على الإنسان أن يحترس جداً كي لا يقع في ما لا يحمد عقباه من حب الدنيا التي يقول عنها الإمام الحسن: "من أحب الدنيا ذهب خوف الآخرة من قلبه".

هذا ما يخص المعايير والموازين أما ما نريد أن نتكلم عنه في هذا الصدد هو الإشارة البارعة التي أشار بها الإمام الحسن إلى هذا الجانب في الرواية حيث اختصر الكثير من الأمور في كلمته "...ورحمةً منتظرةً...".

هنا يتبادر إلى الذهن سؤال يقول: هل رحمة الله تعالى مختصة برواد المسجد أم أنها عامة على جميع المخلوقات ؟

الواقع أن الجواب يتراوح بين هذا وذاك ولا يكون دقيقا إلا إذا عرفنا أن الرحمة مقسومة إلى قسمين

1- الرحمة العامة (الرحمن) : وهي التي وسعت كل شيء فالمؤمن والكافر والولي والعدو كلهم ينالون منها ولا يستغني عنها أحد وهي الدليل إلى العبودية حيث كانت فطرة الإنسان تحتم عليه أن يبحث عن مصدر الجود المطلق والمنعم الأكبر فيهدي الله برحمته من يشاء وهذه الرحمة خاصة بالله سبحانه وتعالى ولكنها عامة للخلق أجمعين.

2- الرحمة الخاصة (الرحيم) : وهي الرحمة المنتظرة كما عبر عنها الإمام الحسن التي لا ينالها كل أحد لأنها مشروطة بعدة شروط. فهي خاصة لبعض العباد لكنها -أي الرحيمية- قابلة للإطلاق على غير الله فتجد أنه سبحانه وصف بها نبيه حيث يقول : " بالمؤمنين رؤوف رحيم".

دور المسجد في البعد الروحي

إن المساجد هي بيوت الله وهذه الحقيقة تبين لنا دور المسجد في تنزل الرحمة على أهله حيث يقول الإمام الحسن عليه السلام: "أهل المسجد زوار الله وحق على المزور التحفة لزائره".ومن مصاديق الرحمة المنزلة والتحفة الربانية في بيوت الله ذلك الدرس العظيم الذي نأخذه بشكل غير مباشر فنحن حين نصلي نذكر رحمة الله أربعين مرة في اليوم والليلة وذلك بقراءة سورة الحمد مرتين في الصلوات الخمس وبهذا التكرار تنتقل الرحمة إلى دواخلنا.

حصيلة التكامل:

إن الإنسان عندما يلتزم بمنهج التكامل الإسلامي فإنه تلقائيا سيستمر في البحث عن رضا الله في جميع الجوانب الفكرية والاجتماعية والروحية وسيتجنب مسخطات الله فيها وهذا ما أوصى به الإمام الحسن عليه السلام حيث يقول: "ابن آدم إنك لم تزل في هدم عمرك منذ سقطك من بطن أمك فخذ مما في يديك فإن المؤمن يتزود وإن الكافر يتمتع {وتزودا فإن خير الزاد التقوى}".

على هذا الأساس فإننا نستطيع أن نستنتج أن الذنوب تنقسم إلى قسمين:

1- المعاصي: وهذه هي ما تسير عكس تيار التكامل وسببها إما الجهل وإما تعمد المعصية.

2- الوقوف: وهي عبارة عن التوقف عن العمل والمكوث في مرحلة معينة وعدم التطور والتمتع بالزاد.

ولأن الذنوب تختلف عن بعضها فإن أسباب تر ك الذنوب تختلف أيضا فالمعاصي تترك لأنها تجلب غضب الله وتترك خشية من الله أما الوقوف فيترك لأنه مخالف لسنة الكون وهي الحركة ويترك لأنه مخالف لكلام الله حيث يقول"يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه".

وهنا نجد أن تعبير الإمام الحسن دقيق جدا في أن بعض الذنوب يترك من خشية الله وهذه هي المعاصي وبعضها يترك حياء من الله وهذه إشارة إلى المضي قدما في مسيرة التكامل هو ما يقوله الإمام الحسن عليه السلام: "ترك الذنوب حياء أو خشية".

الجمعة، 2 مايو 2014

القطار

قطاري الروتيني إلى حيث الدراسة لم يعد مجرد وسيلة نقل. 
إنه جزء من يومي .. حتى أنني أعرف الركاب الجدد.. ولو تأخرت أشعر بالغربة بين ركاب القطار التالي.
اليوم عند تأخري عن قطاري التقيت أحد المتأخرين مثلي .. بادرني بابتسامة تفضح أنسه بابن قطاره الفائت.
استقليت القطار وكان جليسي "شاب"ثمانيني .. كان منهمكا في الكتابة .. وكان خلفنا شاب يبذل قصارى جهده في الكذب على فتاتين ليبدو بطلا .. يعرض تجاربه من "الناحية البايلوجية" ليبدو مهذبا.. وعلى مقربة منهم عجوز تسترق النظر وتكتم ضحكها ..
تجد غير واحد ينهمكون في قراءة الكتب .. وأعتقد أنهم يخصصون للقطار كتاباً خاصاً به .. ولكن هذه الشريحة القارئة هي التي تكابر على اقتناء الهواتف الذكية..
في أحد الأيام تجولت في القطار ﻷتتبع أصحاب الهواتف ماذا يفعلون.. وجدتهم مثلنا ﻻ يفعلون إلا اللعب وتصفح الصور واسماع الأغاني.
عند بوابة القطار يفضل البعض الوقوف .. غالبا المشغولون هم .. عندما يقف عند الباب يشعر أنه يوفر الوقت على نفسه للنزول والصعود.. 
جميلة هي لحظات القطار.

الخميس، 1 مايو 2014

كيف نقرأ الحدث التاريخي ؟؟

تلعب صياغة الخبر دورا كبيرا في الانطباع الذي سينطبع في ذهن المتلقي، وذلك لأن أحاسيس ورؤية الناقل تمتطي المفردات المختارة, فتسوقها بما يصل إلى مقاصده وغاياته.
لذلك لا يكتفي المهتمون بقراءة الأخبار بمصدر واحد, بل تراهم يتابعون نشرات الأخبار في عدد من القنوات, المقروءة منها والمسموعة والمرئية, مع مراعاة اختلاف الجهة التي تسوق الخبر, وذلك لأن القنوات الإعلامية -للأسف- غالبا ما تكون تابعة لجهة ما، تخدم مصالحها وتوظف صياغة الأخبار بما يتناسب و أهدافها.
المؤرخون كذلك غالبا, لأنهم كانوا يلعبون نفس الدور في ذلك الزمن, فإذا ما رأينا قنوات الأخبار تغير معالم الخبر, إلى حد أنك ترى الخبر في قناة ما فتفرح, وتراه في غيرها فتبكي, والحدث لا يبعد عنك زمنيا سوى لحظات, ومكانيا سوى أميال, فما بالك بأحداث جرت قبل ألف من السنين أو يزيدون؟!
لذلك, لا يمكننا أبدا أن نكتفي في قراءة التاريخ بمؤرخ واحد, أو عدد من مؤرخين ينتمون إلى نفس الجهة الفكرية أو الدينية أو السياسية, إلا القليل القليل من أهل التجرد, وهم أيضا لا يتمكنون من الحيادية في كل شيء, بل علينا أن ننظر إلى أي قضية من جميع الأوجه التي نتمكن من النظر منها, وبعد ذلك, وبمراعاة المقاييس العادلة التي سنتها السماء في الحكم, نستطيع أن ندعي أن انطباعاتنا قد اقتربت أكثر إلى الصواب.
في السطور الآتية نقوم بإيضاح هذه الفكرة, عن طريق نقل حوار مجرد, وبعد ذلك, سنقوم بعرض الخلفيات الفكرية والتاريخية التي سبقت هذا الحدث من جهتين مختلفتين, لنرى بأم العين, كيف أن المؤرخ يقوم بدور يشبه دور مسؤول الإضاءة في الأعمال المسرحية, فيسلط الضوء على ما يريد, ويترك ما يريد خلف ستار الظلام.


أبو سفيان بن حرب يوم فتح مكة المكرمة


عن العباس عم النبي "ص" وهو يتحدث عن معسكر النبي يوم فتح مكة المكرمة - حيث كان أبو سفيان في المعسكر وقد استجار بالعباس- أنه قال: "فلما دخل رسول الله "ص" الصلاة كبر وكبر الناس، ثم ركع، فركعوا، ثم رفع، فرفعوا، ثم سجد فسجدوا.
فقال أبو سفيان: ما رأيت كاليوم طاعة!! قوم جمعهم من ههنا وههنا!
ولا فارس الأكارم! ولا الروم ذات القرون بأطوع منهم له!
يا أبا الفضل!! أصبح ابن أخيك والله عظيم الملك.
فقال العباس: أنه ليس بملك، ولكنها النبوة.
قال: أو ذاك؟!"


وقفة تأمل:
هذا المشهد, يمكننا قراءته من عدة زوايا, نصل بكل واحدة منها إلى نتيجة مختلفة عن الأخرى, وهنا سنكتفي بقراءته من زاويتين فقط, مع مراجعة الخلفيات الفكرية, والرواسب التاريخية التي ساهمت في صناعة هذا المشهد, وبعد ذلك سنتمكن من فهم هذا الموقف فهما صحيحا.


القراءة الأولى:
ما أعجب هذا الرجل, الذي جاء بدين جديد, يرفع فيه العبيد والأحابش إلى مرتبة الزعماء, ولا يفرق بين العرب الأعزاء, وبين البربر والعجم, ولا يضع أي اعتبار لما تحتويه خزائن التجار الكبار من أموال يمكن من خلالها شراء أي شيء, واستمالة أي قلب.
إنه لا يقيم اعتبارا لأرباب القوافل من العرب, ولا لشيوخ قبائلها, كما أن معاييره في التقييم مختلفة, فلا يهمه الثراء ولا اللون ولا الأصل, فالجميع عنده سواء!!
لقد طمع في السير خلفه الذين هم أراذلنا, والبسطاء, والعبيد, فهو يعلي أقدارهم, ويرفع من شأنهم, وهم أهل ذلة, لا يصلحون لشيء, إلا لخدمة علية القوم وتنفيذ أوامرهم فقط.
هو رجل غريب!
لقد عرضنا عليه أن يكون ملك قريش, وزعيم العرب, مقابل ترك هذه الدعوة, التي أفسدت عقول الناس, إلا أنه رفض ما لا يرفضه عاقل, ولا يصل إليه بجهده واصل.
وغلماننا الحمقى! لقد ضربناهم, وأذقنا جلودهم رمضاء مكة الملتهبة, ومرارة السياط الموجعة, وحرارة النار, إلا أن ذلك لا يزيدهم إلا عنادا وملاججة!
يا عبيد السوء! ألا ترون اللات والعزى! ألا ترون أساف ونائلة! ألا ترون هبل! إنها شامخة عالية, تركع أمامها العرب قاطبة, وتقصدها القبائل من كل مكان!
ونحن! ألا ترون أننا ننعم عليكم من فاضل طعامنا, بينما يربط محمد على بطنه حجر الجوع؟!
كيف تفضلونه علينا, وهو فقير جائع, ونحن أغنياء؟! وكيف تتركون آلهتنا, وهي شامخة أمامكم, موجودة يخضع لها الناس, بينما ربه لا يحس ولا يجس, ولا يغدق عليه من النعيم ما يجعله ملكا, ولا يرسل له جنوداً من الملائكة نراها؟!
لا فائدة منهم! فقد أغوتهم الأطماع, التي يسوقها لهم نبيهم, فيخدعهم بجنة وحور عين.
واعجباه!!
أبو طالب! شيخ البطحاء! صاحب الكلمة المسموعة! والرأي السديد! والعقل الراجح! وابن عبد المطلب!! كيف له أن يدخل في طاعة ابن أخيه؟! والحال أن محمدا كان يجب عليه أن يطيع عمه؟! كيف؟!
إن هذا يخالف الأعراف والخلق, بشكل سافر لا يحتمل السكوت!
ما الدافع يا ترى؟! الذي يدفع أبا طالب إلى الإيمان به, وإلى الاستماتة في الدفاع عنه؟! هل عند محمد ما ليس عند زعماء قريش؟! ألا يرى أخاه أبا جهل, كيف يتصدر أندية قريش؟! وكيف لا يجسر عليه أحد ؟! لماذا يترك عزته التي ورثها عن آبائه وأجداده؟!
مصعب بن عمير! ذلك الفتى المترف! الذي يعرفه المارة من رائحة عطره! ويحسده الشباب على جماله والخير الوفير الذي عنده! ما الذي يدفعه إلى دين محمد, وترك النعيم الذي هو غارق فيه؟! ما الذي يدفعه إلى تحمل العذاب والحبس والقيد؟! إن هذا لأمر عجاب!!
كيف تمكن محمد من خداعهم جميعا بأوهامه التي يصوغها لهم؟!
-علينا أن نتصرف! ونفعل أي شيء في سبيل إيقاف سيل الفساد هذا, الذي سيجرف الناس جميعاً.
-علينا مصادرة أموال من يتبعونه حتى لا نمنعهم من إعانته.
-لا! هذا لا يكفي! بل علينا أن نفعل أمرا أكثر صرامة!
-علينا أن نقتله! نعم. نقتل هذا الرجل – محمد – دفعا لما جاء به من فتنه أفسدت بيوتنا, وأفسدت علاقاتنا الاجتماعية, وجعلت الرجل منا في خلاف مع زوجته, ومع ولده ومع غلامه, وجاريته حتى! وهذا أمر غير مقبول!!
كيف يا ترى تمكن من الفرار وقد أطبقنا عليه الحصار؟! ألم نقل لكم إنه ساحر؟!
عجيب أمر أهل يثرب! المنشغلون في قتل بعضهم! كيف توحدوا كلهم تحت رايته, وقاموا بالهجوم على قوافلنا ونهبها! لماذا؟!
ما الذي وجدوه عند محمد يدفعهم إلى التعدي على قريش؟! قريش زعامة العرب الكبرى, وصاحبة النفوذ الأعظم بين العرب!
كيف لهم أن يهاجموننا بسعف النخيل والعصي والحجارة راجلين, فيلحقون بجيشنا الجرار أعظم الهزائم؟! ونحن الفرسان الشجعان أصحاب العدة والعتاد!
كيف لم نتمكن من قتل محمد في أحد؟!
كيف استطاع علي بن أبي طالب - وهو الشاب الصغير - أن يواجه الجيوش الجرارة بمفرده, وأن يدحرها؟! ألسنا أعمامه وبني عمومته؟! كيف يطاوعه قلبه على محاربتنا وقتالنا بهذه الشراسة, التي لا يمكن أن نراها إلا عندما يواجه العدو عدوه؟!
كيف له أن يرد علينا عندما قلنا: اعل هبل! اعل هبل؟!
اسمعوه يصيح: الله أعلى وأجل. الله أعلى وأجل!
لقد حقر من آلهتنا التي يعبدها العرب قاطبة, منذ مئات السنين! وهذه جريمة في حق ديننا, ودين آبائنا الطيبين.
إن محمدا هذا, استطاع - بسحره وقوة بيانه - أن يخدع الناس, من أجل الملك! نعم الملك! الذي يمتد على جزيرة العرب كاملة! وإلا ما الدافع الذي يدفعه إلى تجييش الجيوش وإرسال الكتب إلى القبائل يدعوها إلى دينه؟!
لكننا سنقف له بالمرصاد!
واعجباه!!
كيف لم تتمكن أحزاب العرب من هزيمة هذه الشرذمة, المحاصرة في يثرب, أو كما سماها محمد المدينة؟!
هم أبطال العرب, الذين لا قبل لأحد بهم, وحسبنا عمرو بن ود الذي يعد بألف فارس!
كيف استطاع علي أن يقتله؟!
اسمعوا محمداً يصيح: برز الإسلام كله إلى الشرك كله! انظروا كيف يخدع أصحابه بالكلمات الرنانة, والشعارات الزائفة!
إنه يدعي أنه مرسل من عند الله! ألم يجد الله أحدا من أغنيائنا أجدر منه بالرسالة؟! لماذا هذا الكذب, وخداع البسطاء من الناس بهذا الكلام المعسول, الذي يحرضهم فيه على عصياننا؟!
علينا أن نقوم بواجبنا في إبطال دعوته الجديدة!
انظروا إليه كيف يغسل وجهه, فيتهافت الناس على هذه القطرات!! والماء وفير!!
انظروا إلى صحبه كيف يكبرون إذا كبر, ويركعون إذا ركع, ويرفعون إذا رفع, ويسجدون إذا سجد, وكأنهم لا يفقهون إلا أوامره!
إنها طاعة لا مثيل لها, ولا مبرر لها إلا الخديعة! التي انطلت عليهم جميعا, فأطاعوه بما لم تطع به الشعوب الأخرى ملوكها!


"يا أبا الفضل!! أصبح ابن أخيك والله عظيم الملك."




هذا هو الواقع من وجهة نظر بعض أهل ذلك الزمن.
في القراءة الثانية سنقوم باستعراض نفس الفترة الزمنية, ولكن من زاوية تمثل وجهة النظر الثانية في الزمن نفسه.


القراءة الثانية:
ما هذه الحياة الحجرية المادية, القائمة على استغلال الضعيف, وتبجيل أصحاب الأموال, مهما كانت إنسانيتهم في الحضيض؟!
كيف لهذه العصابات, التي تتسلط على رقاب الناس, أن تمنح نفسها حق ملكية الإنسان؟! الإنسان الذي دخل هذه الحياة حراً, تماما كما دخلها غيره من الأحرار؟!
لماذا يعتبرون أبا لهب - الفاجر الذي لا خلق له ولا حمية - أفضل من بلال بن رباح, ذلك الفتى المتزن العاقل, الذي يحمل في نفسه طموح الإنسان, وطاقاته المتفجرة التي لا تعرف الحدود؟!
ألا ترون وجه هذا الرجل, كيف اسود عندما بشروه بالأنثى؟! ألـم تكن زوجته أنثى وأمه أنثى؟! انظروا إليه وهو يحفر لابنته حفرة, ويدفنها حية!! يا لقلبه الحجري, الذي لا يعرف غير الدينار والدرهم!! إنه لا يقدر حتى شعور زوجته وصاحبة حياته, التي عانت آلام الحمل والولادة؟!
انظروا إليه وهو يسحق كرامته, ويفسد عقله بشرب الخمرة!! كيف لأحد أن يقبل على نفسه الظهور أمام الناس, وهو يترنح مثل البهيمة المذبوحة؟!
ما أبشعها من حياة! هذه التي لا قلب لها, ولا ترق لأنين المظلوم, وتنظر إلى الأنثى على أنها أداة من أدوات المنزل, لا تعدو في - أفضل الحالات - أن تكون سلعة للبيع في السوق, أو سلعة للبيع بمهر كبير!
إن الحياة التي لا تقيم للروح والوجدان قيمة, والتي أصبح قلبها من الحديد, وجفت دماؤها من فرط ما انهمكت في عد النقود! إنها حياة لا تستحق الحياة!
إن الكون المظلم بحاجة إلى رشفة من النور تتقاطر في أفق المستضعفين الذين يحملون في وجدانهم آخر رمق للإنسانية.
ألا تسمعون؟!
إنه محمد بن عبد الله الصادق الأمين يدعو إلى دين جديد! يقول إن ربه خالق السماوات والأرض وهو ينزل (الغيث) من السماء ويصوركم في الأرحام كيف يشاء.
إن ربه خلق الناس سواء العربي والحبشي ويقول بأن ميزان التفاضل هو العمل على طاعته.
إن ربه يريد من الناس أن تكون علاقاتهم حسنة ببعضهم البعض قائمة على المحبة والمودة مهما كان الاختلاف فيما بينهم. أن يرفق بعضهم ببعض حتى المالك يجب عليه أن يرفق بمملوكه وأن يعامله بإنسانية لا أن يستغله أبشع استغلال كما يفعل هؤلاء.
إن ربه يأمر بالعدل وليس فقط العدل بل يأمر بالإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي.
إنها شمعة الأمل التي أوقدت في زمنٍ كادت القلوب تخلو فيه من الحب وكاد الإنسان أن يصبح جسدا خاليا من الإنسان, لا يعرف الحياة, لا يعرف الأمل, لا يعرف إلا الطول والعرض والارتفاع.
نحن نعرف محمدا في خلقه وتعامله فلم نجد منه السوء في خلقه ولا نعلم منه كذبا. حتى هؤلاء كانوا قبل قليل يسمونه بالصادق الأمين فكيف بهم عندما جاء بهذا الدين صاروا يرشقونه بالحجارة ويسمونه: الساحر المجنون الكذاب الشاعر؟!
لماذا يريدون إسكاته بأي وسيلة؟!
لماذا يعرضون عليه ملكهم وأموالهم؟!
لماذا أصبحت قريش في هذا الاضطراب؟!
لماذا يضربون غلمانهم الذين آمنوا به مع أنهم لم يعلنوا عليهم العصيان؟!
لماذا هذا العنف وكأنهم في حرب؟!
انظروا إلى سمية وياسر كيف ماتا تحت وطأة التعذيب الشديد!! يا لهذه القسوة!! انظروا إليهم وهم يجبرون عمار بن ياسر أن يثني على اللات والعزى وهبل!! هل يعتقدون أنه إذا نطق بلسانه ما يريدون فإن قلبه سيؤمن بما هم به يؤمنون؟!
يا لهذه السطحية في التفكير!!
كلا ! ليست السطحية وإنما هو العجز عن المادة عن الدخول إلى عالم القلوب وتغييرها.
هؤلاء لم يدركوا أن القلوب النابضة بالحياة هي المساحات الواسعة التي لا تضيق بالكون وآلامه وآماله. هي القلوب التي نجد فيها الله قد أجرى أنهار الحب والرحمة المفعمة بالري الروي.
لكن القلوب الحديدية التي في صدور هؤلاء لا تدرك لذلك معنى فهي تكتفي بلقلقة اللسان لأنها لا تفقه أعمق من ذلك.
انظروا إلى مصعب بن عمير كيف ترك الترف واستجاب لنداء قلبه وكيف أدرك بأن الحياة أكبر من الزينة والبخور والطيب! وكيف تحمل من أجل المبدأ كل ما صبوه عليه من عذاب وكل المحاولات التي تكرست في سبيل سحق شخصيته وما يزال متمسكا بما جاء به النبي من تعاليم إنسانية نازلة من ساحة الله المفعمة بالخير للإنسان.
ليست هذه الاستجابة استجابة الأحمق بل هي تلبية لنداء القلب الذي أحياه حب الله فلم يعد الجسد ذا قيمة يستحق من أجلها التهرب من الحق والبقاء في مستنقع الأباطيل.
انظروا إلى جعفر بن أبي طالب ومن معه من المؤمنين كيف اختاروا حريتهم الفكرية وتركوا ديارهم ديار العرب وهاجروا إلى الحبشة تلك البلاد التي يحتقر العرب أهلها ويعتبرونهم عبيدا دون مستوى العرب!
لقد قامت هذه المجموعة بكسر كل الحواجز النفسية والاجتماعية المقيتة التي بناها طواغيت مجتمع قريش!
واعجباه!! انظروا إلى زعامات قريش كيف أصابها الذل وقامت بإرسال الهدايا إلى ملك الحبشة من أجل إرجاع أبناء عمومتهم وسحقهم وقتلهم؟! انظروا كيف أصاب قلوبهم العمى ونكسوا قيمهم التي توارثوها عن آبائهم من إجارة المستجير وإكرام الضيف فطلبوا من النجاشي تسليم جعفر ومن معه من أجل إفساد مشروع النبي محمد الذي جاء لهم بعز لا عز بعده لو أدركوه؟!
لكنه الطغيان في الأرض والتمسك بالمصالح إلى الرمق الأخير.
هذا ما لم نتوقعه!! لقد خرج محمد من أحب البلاد إليه! لقد خرج من مكة المكرمة فارّاً بدينه تاركا وطنه وأهله الذين كادت تذهب نفسه عليهم حسرات!
ها هو علي بن أبي طالب الذي ذاب في محبة أخيه وابن عمه يبيت في فراشه فداء له! إنه معرض لأسياف مشرعة تريد أن تنقض على جسد محمد فتفتك به كلها وتجعل دمه موزعا بين القبائل!
إن هذا الموقف يدل على قلب عامر بحب الله وطلب مرضاته وليست هذه الطاعة برجاء فائدة أو منفعة إلا إرضاء الضمير وخدمة الحق والقضية الإسلامية حتى بتقديم الأرواح لأن من أراد الحياة فعليه أن يطلب الموت وهذا ما لم يفهمه زعماء قريش.
لقد تغيرت الموازين في جزيرة العرب كلها. فهاهي قريش قد أصيبت بالهزائم وهي ذات الجحافل والجيوش! وأمام من؟! أمام فئة قليلة لا تملك من العتاد ما يكفي للقتال لكنها تحمل في قلبها الإيمان بقضيتها وهنا يكمن سبب النصر وسبب الطاعة التي يبذلها المحيطون برسول الله في تنفيذ أوامره واجتناب نواهيه.
ليسوا بالمغفلين كما حاولت قريش تصويرهم. هم ينطلقون من وعي وفهم وإدراك لما هم يقدمون عليه وطلبا لرضا الرب الذي بيده ملكوت كل شيء.
وهاهم الآن يدخلون إلى مكة المكرمة دخول الفاتحين وهاهو قائد القوات المسلحة من قريش والتي تلطخت أياديها بدماء الكرام من أصحاب رسول الله أمثال حمزة بن عبد المطلب ومصعب بن عمير وحنظلة غسيل الملائكة الذي ترك الحياة صبيحة زفافه وذهب إلى الجهاد وقدم نفسه في سبيل الله.
إنه أبو سفيان قد نكس رأسه الذل وقد جاء به الخوف من الموت فخضع للدين وهو لم يؤمن بالله طرفة عين ولم يتمكن عقله الضيق من إدراك فلسفة هذه الدعوة فهو لا يرى ما وصل إليه النبي إلا ملكا.
نعم إنه الملك في وعييه! ألا تسمعونه يصيح


"يا أبا الفضل!! أصبح ابن أخيك والله عظيم الملك."


النتيجة:


لقد لاحظنا كيف تختلف الآراء في الحادثة نفسها وكيف يجب على القارئ أن يتعدد في قراءته للأحداث.
وهنا لا أعتقد أننا بحاجة إلى ذكر نتيجة نستخلصها من خلال هاتين القراءتين إلا أننا نجد في الأفق سؤالا:
هل من العدل أن نجعل من حملة الرأي الأول وحملة الرأي الثاني طرفين متساويين في قضية واحدة؟!
أنا كإنسان أعتقد أن أبلغ جواب على هذا السؤال سيكون ما قال علي بن أبي طالب: مازال الدهر بي حتى أصبح يقال علي ومعاوية.






يوسف حسن اليوسف النمر
6 \ 5 \ 2009