‏إظهار الرسائل ذات التسميات الشيخ عبد المحسن النمر. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الشيخ عبد المحسن النمر. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 25 يناير 2015

الشيخ عبد المحسن النمر: أدعياء حرية التفكير أتاحوا المجال بتعدياتهم لبروز المتطرفين باسم الدفاع عن الرسول

قال الشيخ عبد المحسن النمر أن نتيجة تعدي أدعياء الحرية ومتطرفي العلمانية على مقدسات الأمة ورسولها (ص) هو أن الأشخاص الذين لا أهمية لهم أصبحوا يحملون لواء الدفاع عن الرسول (ص) وعن الإسلام، والضحية في النهاية هو الإسلام ورموز الإسلام.

جاء ذلك في خطبته الأخيرة التي إبتدأها تاليا الآية الكريمة (ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين) وبيّن سماحته أنّ الآية تثبت أمرين مهمين:
·      حرّية الاختيار

1- الحكمة الإلهية اقتضت أن يكون الإنسان حرا في اختياره وفي مسيرته نحو الكمال، ولو أن الله أراد أن يخلق الإنسان مجبرا، وبالتالي لا سبيل لك يا رسول الله ولا لأحد في الوجود أن يزرع الإيمان بالإجبار، بل لا مسيرة تكاملية بلا اختيار.

إذا، حرية الإنسان عنصر أساسي في هذا الوجود، حين نتحدث عن الحرية فلسنا نتحدث عن عنصر كمالي، الله أراد الإنسان أن يكون متمثلا فيه صفات الله تعالى وهو رحيم مريد للخير للإنسان وكذلك أنت أيها الإنسان.
يقول أمير المؤمنين الإمام علي (ع): " ألا لا خير في قراءة ليس فيها تدبر، ألا لا خير في عبادة ليس فيها تفقه ". التفقه مجهود فكري يبذله الإنسان، والعبادة بدون تفكر لا يريدها الشرع.
القراءة: الأقرب أن تكون قراءة القرآن الكريم، ولا من أن تكون مطلق القراءة والتفكّر. عن الإمام الحسن (ع): "التفكر حياة البصير"، وعنه (ع): " أوصيكم بتقوى الله وإدامة التفكر فإن التفكر أبو كل خير وأمه"، لا سبيل إلى الخير والكمال إلا في التفكر.

·      التحرر الفكري


التحرر الفكري ليس عدوا للدين بل هو أساس في الدين فشتان بين من يقبل الدين نزولا عند وضعه الاجتماعي وبين من كانت انطلاقته للإيمان تجربة ومعرفة، عن الرسول (ص) : " إذا أراد الله بعبد خيرا فقهه في الدين وألهمه رشده".

2-  حرية التفكر الديني تنقح أفكار الإنسان. كثيرا ما ترسب أفكار في ذهن الإنسان ولكن حين يعيد النظر فيها يجد أنها بحاجة لإعادة النظر من خلال التفكر، ولا أحد معصوم عن الوقوع في الاشتباهات إلا من خصه الله وإلا فنحن جميعا بحاجة للتفكر.
3-  حينما نطبق معرفتنا يكون لمعرفتنا حالة من التنامي، أما إذا كانت السير بعيدة عن المعارف فإنها تضعف وتذوي، فهي تحتاج إلى تفكر مستدام.
يقول الإمام علي (ع): " العلم يهتف بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل عنه " ، حتى لو اعتقد الإنسان خطأً أنه يعلم فسيعرف أن هذا العلم ليس راسخا.

4- من بنى علمه على ثقافة راسخة فسيمتلك ثقة بما لديه، بعض الناس إذا كلمه البوذي والنصراني تكلم بهدوء وإذا تكلم مع الشيعي انفعل وهذا يشير إلى عدم ثقته من معلوماته تجاه مذهب أهل البيت (ع).

·      محاذير فكرية


5-  التفكر لا يخلو من محاذير، ومنها: 
أ‌-     أن لا ينطلق في تفكره وفي تجديد فكره على معنى التبعية لهواه والتخلص من القيود، فيسمي التفلت من المسؤولية تحررا ويسمي الحجاب قيدا للمرأة والصلاة تضييعا للوقت، ويسمي المعارف الدينية أصنام، هؤلاء ينطلقون في تفكرهم من محاولة التفلت من القيود الدينية.

ب‌-          أن يبقى الإنسان في عالم التشكيك. الشك في أصله صحيح، ولا يمكن الوصول للمعرفة بدونه، فلا ندعو أن يكون الإنسان إمعة، والشك مهم لطرح البدائل، ولكن هذا يجب أن يكون في طريق الوصول إلى المعرفة، كثير من الحداثيين يشكك في العصمة ولكن حين تدخل معه في حوار تجده مصرا على الشك ويقول: لا دليل على هذا ولا دليل على ذاك.
لي حوارٌ مع أحدهم في جانب فقهي، فلمّا تجاوزت الجانب الفقهي قفز إلى العصمة، وشكك في القرآن. ولا يمكن أن يتحرك المجتمع في التطور وهو قابع في مرحلة الشك.

ت‌-          التغرب والانجذاب نحو ما لدى الآخرين، إذا أردنا أن نمارس حرية فكرية فعلينا أن لا نقع تحت ضغط الشهوات، يجب أن تكون هناك حرية في داخل قلب كل إنسان.

المقياس الأساسي الذي يميز الإنسان هو الصدق، أما إذا أراد التلاعب يمنة ويسرة والدخول في أجواء غير سليمة فإنه لا يصل إلى نتيجة.

·      كيف نتعامل؟!


نحن أصحاب الحرية الفكرية، فمرحبا بمن يطلبها بأرضية نفسية سليمة، أما إذا أريد توهين الدين تحت مسمى الحرية الفكرية فإننا لن نسلم أنفسنا ومجتمعنا للأبالسة وأشباه الأبالسة، وأما إذا أريد دعوة أشخاص يمارسون التضليل ثمّ يقال لماذا بمارسون الحكر فهذا غير مقبول، إن المراجعة والتفكر المنضبط بالعقل مرحب به أما هذه الألوان من التلاعب والتطاول على مقدسات الدين فهي أمور غير مقبولة.
سمعتم عما جرى في فرنسا وعن القنوات الإعلامية التي تمارس التعدي على الرسول (ص)، نحن ندين هذا وأيضا نرفض تصرفات وردود الفعل الهوجاء التي لا تفيد في معالجة الأمر، قتل الجاني وغير الجاني، هل هذا رد فعل صحيح؟!
الطرفان كلاهما يصبان في نفس المصبّ في النهاية، كل منهما يتيح للآخر مجالا للدعاية والترويج، الأشخاص الذين لا أهمية لهم أصبحوا يحملون لواء الدفاع عن الرسول (ص) وعن الإسلام، والضحية في النهاية هو الإسلام ورموز الإسلام.
نسأل الله تعالى أن يرد كيد هؤلاء وهؤلاء في نحورهم، وأن يحمي أمة الإسلام من كيدهم، وصلى الله على محمد وآل محمد الطيبين الطاهرين.

الخميس، 15 يناير 2015

الشيخ عبد المحسن النمر: انتاج المراجع وانتخاب الأفضل منهم مسؤولية الأمة بأكملها

أكّد الشيخ عبد المحسن النمر إن الوصول للمعرفة الصحيحة والمطابقة للواقع هو مسؤولية كل فرد في الأمة، وبناءا على ذلك فإن من دورها الواجب عليها تهيئة وإعداد الأرضية لإنتاج العلماء والمراجع ثم اختيار الأصلح والأفضل من بينهم لأخذ المعرفة والموقف منه.
وافتتح سماحته الخطبة الأخيرة تاليا الآية الكريمة (هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين * وآخرين منهم لما يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم )
كما ضم سماحته إلى الآية رواية عن النبي (ص) فيما رواه الصدوق في ( من لا يحضره الفقيه): "يا علي أعجب الناس إيمانا وأعظمهم يقينا قومٌ يكونون في آخر الزمان لم يلحقوا النبي وحجب عنهم الحجة فآمنوا بسواد على بياض".
وقال: نبدأ حديثنا برواية عن رسول الله (ص) لنجعلها مع الآية منطلقا لفهم  خصائص الزمان الذي نعيشه. نحن في هذا الزمن لم نرى النبي أو المعصوم، ومعنى أعجب أنه إما أنه من التعجب، لأن الظروف غير ميسرة للإيمان أو أعجب بمعنى أزهى وأجمل، وهذا يساعد عليه الجملة التالية " أعظمهم يقينا"، بالمجموع هناك أناس يأتون بعد زمن الرسول (ص) ولا يوجد لهم معصوم يرشدهم، ومع ذلك فإيمانهم أزهى وأجمل الإيمان،  فبشرى لكم، هذه ايام عظيمة تمر على الأمة بذكرى تنصيب صاحب الزمان (عج).
نشير بشكل مختصر إلى تدرج المعرفة البشرية، وبالخصوص في مرحلة الرسالة الإسلامية.
·      تسلسل الإيمان والمعرفة

تبدأ المعرفة وتدور وتتبلور حول المعرفة الدينية وحقيقة الدين فطوبى لمن أدركها، بدأت هذه المعرفة برسول الله (ص): (هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة)، أي المعرفة التشريعية والحكم المطابق للواقع، كل معرفة إنما أصلها وبذرها عند الرسول (ص).
ثم اتسعت دائرة المعرفة على أيدي الأئمة (ع) في المرحلة الثانية، أما المرحلة الثالثة فهي مرحلتنا، وهي مرحلة أمة المعرفة، حيث اقتضت الحكمة الإلهية أن تنتشر المعرفة ولا تبقى مقتصرة على صدور الأئمة (ع) بل تنتشر وتصل ذروتها وتصل كمال المعرفة على يد الإمام الحجة المنتظر (عج)، فطوبى لكم أنتم يا من تنقلون المعرفة للأمم الأخرى لكونكم الأمة الوسط التي تشهد على الناس، إذا كنتم صادقين في معرفتكم واتباعكم للحجة (ع)، الوسط أي الناقلين للمعرفة لسائر الأمم.

·      خصائص أمة المعرفة
  
النهج الفكري كبديل عن النهج التلقيني، كان الناس في زمن الرسول والأئمة (ص) يصلون للمعرفة بالاتصال المباشر بالمعصوم أو بالمراسلة أو برواية مباشرة عن طريق أشخاص، وهذه وسائل مباشرة توقفت في زمننا فلا بد من الجهد وبذل الفكر والتأمل للوصول إلى أرفع مراحل المعرفة لكي يتكامل الإنسان، ولا بد من الدراسة والتعلم وهو المنهج الصحيح اليوم وهي مسؤولية الأمة بأكملها وليس جهة دون أخرى.
2- الاستقلالية
على الأمة أن تعتمد على نفسها لتصل للمعرفة. سابقا كان هناك قيادة تتبعها، بالطبع كانت هناك جهود وتضحيات لكن في زمننا هناك استقلالية واعتماد على الجهود الذاتية في الوصول للحقيقة، المسؤولية ليست خاصة بفئة دون أخرى بل على الأمة بمجموعها فنحن جميعا مكلفون. نعم إذا قام المجتهدون بالاجتهاد جاز لنا الاعتماد عليهم، ولكن إذا لم يكن هناك مجتهدون وجب علينا جميعا كأفراد الوصول للمعرفة. المعرفة ليست خاصة بذكر دون أنثى أو فرد دون آخر. يجب أن توفر الأمة المكان والكتب والمراكز وما إلى ذلك.
3- اختيار المرجعية الرشيدة، يجب أن يكون في كل زمان مرجع، وإلا لأثمت الأمة بأجمعها، لذا علينا إنشاء المرجعيات وتهيئة الأرضية لوجودهم هو دور المجتمع>
* الاحتياجات المعرفية للمرجع

ودور المرجعية لا يقتصر على علم دون علم، ولا ينحصر في حاجة دون حاجة، اليوم نعيش دائرة دائرة الحاجات، المرجعية لم تعد مقتصرة على العلوم المتعارفة في الحوزات بل لا بد من توفر علوم ومعارف أخرى  في الحوزات ولدى المراجع أولا ومنها:
1- معرفة وفهم روح التشريع الإسلامي، ويحصل عليها العالم بالتدبر في القرآن الكريم، الأحكام في القرآن آياتها محدودة وباقي الآيات تتحدث تؤصل تكوين مدرسة فكرية، تملأ بها الفراغات الاجتهادية في جميع المجالات.
2-  الإلمام الكامل بسيرة المعصومين، ولا سيما سيرة الرسول (ص)، وسيرة أمير المؤمنين (ع)، ومن خلال سيرتهم تتضح الملامح العامة للمواقف التي يحتاجها المجتمع المؤمن، لماذا تصرف الرسول (ص) بهذه الكيفية ولماذا تصرف أمير المؤمنين (ع) بكيفية أخرى، بتلك الكيفية ولماذا صالح الإمام الحسن (ع) ونهض الإمام الحسين (ع)، ولماذا كان زمان الإمام زين العابدين مختلفا عن زمن الإمام الباقر وعن زمان الإمام الصادق (ع) وهكذا، الأمة هي المسؤولة لأن تولد المراجع وأن تنتخب المراجع الأفضل. وهذا أمر درج عليه أتباع أهل البيت (ع).

3-  فهم الحياة المعاصرة فإن هذا يوفر الأرضية للمرجع لاختيار الحكم الأفضل، هذه المسألة ليست اقتراحاً، بل بينها الشهيد محمد الصدر والشهيد المطهري وآية الله محمود الهاشمي في تبيين معنى المرجعية، فهو ليس مجرد مقترح أقدمه لكم بل قدمه أكابر علمائنا، نحن اليوم نحمد الله لأننا نمتلك أمثال هؤلاء المراجع، وما نراه من تقدم وتطور في أبناء مدرسة أهل البيت (ع) هو راجع لاتباع هذه الضوابط.

نسأل الله تعالى بحق مولانا صاحب العصر الذي نفتخر بالانتماء إليه  بأننا زمن إمامته بأن يوفق الأمة لك خير وتقدم، وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.

الاثنين، 22 ديسمبر 2014

الشيخ عبد الكريم الحبيل والشيخ عبد المحسن النمر يطالبان بمحاربة الفكر المتطرف

طالب الشيخ عبد الكريم الحبيل والشيخ عبد المحسن النمر الحكومة السعودية بمحاربة الفكر المتطرف وانتشاله من أحضان المجتمع وذلك للحفاظ على وحدة وتلاحم الشعب الواحد، وجاءت هذه المطالبة خلال كلمة لهما ألقياها في حفل الذي أقامته لجنة وقفة وفاء لشهداء الأحساء مساء الجمعة  في ساحة مسجد المسألة بالقطيف.
وقال الشيخ الحبيل «ان من الواجب تجفيف منابع الإرهاب والفكر المتطرف وازالة مظاهره من المناهج الدراسية والقنوات الإعلامية ورفع حالة التمييز سواء كان قبليا أو طائفيا إو مناطقيا وهذا من واجب الدولة اولا ومن واجب العلماء والنخب الفكرية والمثقفة ثانيا».
وأضاف «إن الدماء الزكية التي سفكت على يد الاٍرهاب في حادثة الأحساء تسألنا ماذا بعد دمائنا هل تنسى وتترك أم ستبقى غضة طرية تدفع بكم أنتم يا أبناء الوطن والجزيرة العربية ويا أبنا البلد الذي تنزل فيه كتاب الله وبعث فيه رسول الله ومنه شع نور الإسلام إلى كل بلاد العالم، هل فَعَّلتم تلك الدماء الزكية لنشر المحبة والإخاء ونشرتم السلام وقضيتم على كل مظاهر التَّمييز».
حفل تأبين شهداء الدالوة
وتابع: نحن نتطلع إلى ذلك اليوم الذي يتساوى فيه الجميع، نحن نتطلع الى ذلك اليوم الذي يصبح فيه مذهب أهل البيت مكون من مكونات هذا البلد وأن يكون مذهبا رسميا في هذا البلد وأن يكون له حضور ومعترف به رسميا وان يكون لعلمائه مشاركات في الإعلام والقنوات وفي غير ذلك وان يكون للقضاء الشيعي مكانته وكرامته وكذلك علماء الدين وأبناء الطائفة الشيعية لهم كرامتهم ولهم أيضا حقوقهم في جميع مرافق الدولة.
وقال: اننا نتطلع الى ذلك اليوم الذي يعيش أبناء هذا الوطن أخوة متحابين في الله ونتطلع الى اليوم الذي تقام فيه برامج تثقيفية تنتشل هذا الفكر المتطرّف»
وشدد الشيخ النمر على ضرورة تنقيح المناهج الدراسية التي ساهمت في في زرع فكر متطرف لا يقبل بالطرف الآخر وتهميش دوره في الوطن ومحاربة فكر متطرف ينقل على الفضائيات ووسائل الإعلام وذلك لتعيش البلاد في وحدة ومحبة خالية من التطرّف والتمييز الطائفي والمذهبي.
وأوضح ان حادثة شهداء دالوة الإحساء هي دليل على الخطر الذي تشكله هذه المناهج ووسائل الإعلام المغرضة من خطر على وحدة الوطن.
وتلا كلمة الشيخين أبيات شعرية ألقاها عيسى العلي من الجش في حق الشهداء ثم أعقب ذلك مشاركة إنشادية لفرقة فجر الإسلام بالربيعية بصوت المنشد مجتبى تراب ومشاركة أخرى لفرقة الهدى بالدمام.
وأعقبها كلمة ذوي المستشهدين والجرحى التي ألقاها الأديب جاسم المشرف الذين عبروا فيها شكرهم وامتنانهم لكل من واساهم في مصابهم وأكدوا ان القطيف والأحساء بلد واحد لا ينفصل واستعرضوا خلال الكلمة أيضا آخر لحظات الشهداء وفي الختام تشرف الحضور بالسلام على أهالي شهداء الدالوة وتقديم التعازي لهم.

الاثنين، 8 ديسمبر 2014

في دعوته للتشاور بين المؤمنين . . الشيخ عبد المحسن النمر : الواقع الشيعي متراجع في اتخاذ القرار على أساس التشاور


قال سماحة الشيخ عبد المحسن النمر في دعوته إلى التشاور بين المؤمنين أننا كمجتمع إسلامي تأخرنا عن تطبيق إرشادات الإسلام وتعاليم أهل البيت (ع) فيما يختص بإدارة شؤوننا على أساس التشاور الجماعي واستشفاف جميع الآراء للآخرين والاستفادة من عقولهم والاستنارة بأفكارهم، ما جعلنا في مؤخرة الركب الإنساني الذي تقدم علينا في إدارة أمور حياته بهذا النمط.
وابتدأ سماحته الخطبة تاليا الآيات الكريمة: (فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون* والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحشَ وإذا ما غضبوا هم يغفرون* والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون).
·      أهمية الاستشارة

وعلق سماحته: في ضمن سلسلة من آيات توضح حقيقة وكيان المجتمع الإسلامي وصفاته الأساسية المتجذرة فيه تظهر لنا هذه الإنارة الربانية (والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون)، هذه الصفة ليست أمرا جزئيا فالتشاور بين أبناء المجتمع الإسلامي وإدارة أموره بالتفاهم بينهم ليست قضية ثانوية وهامشية بل هي جذر من جذور تكوين المجتمع الإسلامي.
·      معانى الاستشارة وتجلياتها
التشاور وإدارة الأمور بين مختلف الفئات وفي تعامل الإنسان في شتى التعاملات يحتاج إلى استشفاف رأي من يرتبط به والجهات يشترك معها ويحتاج إليها في تحريك أموره.
لعلنا اليوم نشاهد في المجتمعات الإنسانية وخصوصا المجتمعات التي قطعت مشوارا متقدما في إدارة شؤونها، نجدهم لا يقدمون على أمر يمس وجودهم ومستقبلهم إلا بنحو من الاستشارة وجمع الآراء ثم الحركة طبقا لهذه التوجهات التي تمثلها فئات أبناء المجتمع الإسلامي.
مع الأسف الشديد نحن كأمة إسلامية تخلفنا عن الإسلام في نواح عديدة وتنازلنا عن جملة من مؤسسات الفكر الإسلامي والدعوة الإسلامية ومن أهمها هذا الجانب، نحن اليوم إذا قورنا بالمجتمعات الأخرى فإننا بلا شك في الدرجات المتأخرة في إدارة شؤوننا بالتفاهم الجماعي بين فئات المجتمع، نحن على منهج خلاف المنهج الذي جاءت به الرسالة الإسلامية، ولنقرأ جملة من الروايات التي أكدت على الاستشارة والاستفادة من الآراء، ولنقف موقف المتأسف على حالنا حينما تنازلنا وتأخرنا في تطبيق هذا الجانب الإسلامي المهم:
·      الاستهداء
 

1-  أول ركن من أركان الاستشارة هو الاستهداء، أي أن يضم الإنسان إلى فكره فكرا وإلى عقله عقلا وإلى معرفته معرفة وإلى معلوماته معلومات وإلى خبرته خبرة، ليستضيء له الطريق ويتضح له الموقف، يقول أمير المؤمنين (ع): "الإستشارة عين الهداية، وقد خاطر من استقل برأيه". إذا اعتقد الإنسان الشاب أنه لا يحتاج إلى استشارة أبيه أو استشارة عالم أو شخص آخر، وإذا رأت المرأة انها ليست بحاجة للاستشارة لأنها مستقلة، عند ذاك يكون الوقوع في الخطر.
 
المسؤول أيضا، وفي أي جهة من الجهات يكون، هو في أمس الحاجة إلى الاستشارة، ويقول أيضا (ع): " من شاور ذوي العقول استضاء بأنوار العقول"، كل رأي تضمه إلى رأيك يزيد في إضاءة الطريق وإنارته بالنسبة لك.
ويقول (ع): " حقّ على العاقل أن يضيف إلى رأيه رأي العقلاء، ويضم إلى علومه علوم الحكماء".
 
·      الوحدة والقوة
 

2-  الاستشارة هي توحيد فئات المجتمع وتوحيد للأسر، فحينما يتصرف الإنسان لوحده دون استشارة أحد سيشعر الجميع بأنه قد استبدّ برأيه واتخذ هذه المواقف على تقديره ومزاجه الشخصي دون أن يضم إلى ذلك آراء الآخرين، وهذا أمر في غاية الأهمية، وهو أمر يختلف عن الاستهداء، فتارة أنا أريد رأيا وفكرة وإضاءة جديدة، وتارة لا، حتى لو كنت عالما عارفا، إن أخذ رأي الآخرين يجعلهم يقفون على جانبك ويتحملون معك مسؤولية العمل.
-        عن رسول الله (ص) أنه قال:. لا مظاهرة أوثق من المشاورة".
-         وقال الله عز وجل في كتابه الكريم( فبما رحمة من الله لنت لهم، ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك)، ولو كان هناك مجال للحديث عن هذه الآية على وجه الخصوص، لوجدنا أن وحدة الأمة وتكاتف المجتمع يعتمد على هذا العنصر، إن من أهم معجزاتك التي منحك الله إياها هذه الرحمة التي لممت بها قلوب المؤمنين، فكيف وحّد الرسول (ص) قلوب الناس، قال تعالى في تمام الآية ( فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر).
 
-        رسول الله (ص) هو أكمل العقول ولا ينقص عقله في جهة من الجهات وأمر من الأمور أي شي، الله تعالى يأمره أن يمارس الاستشارة وأن يعامل قومه معاملة أصحاب الرأي، فهم لن يكونوا معك وحولك ما لم تعاملهم بالعفو والاستغفار والمشورة ( فإذا عزمت فتوكل على الله ).
 
 
 يقول مولانا الإمام الصادق (ع) مبينا أهمية التشاور في الأمور الجامعة التي تكون أمرا مشتركا بين المؤمنين وفي أي شكل من أشكال، يقول حاكيا عن وصية لقمان لابنه: "إذا سافرت مع قوم فأكثر استشارتك إياهم في أمرك وأمورهم"، الاستشارة مطلوبة ولكن إذا كان هناك أمر يمس مجتمعكم وكيانكم كالسفر مثلا حيث يشترك المسافرون في حركتهم ووقفاتهم وإدارة أمورهم وسكنهم فهنا يكونون في أمس الحاجة للاستشارة.

·      المشورة إحاطة
 
3-  إلى أن يقول (ع) بعد جملة من النصائح والتنبيهات " ولا تجب في مشورة حتى تقوم فيها وتقعد" أي لا تجب بمجرد الخاطر الذي يخطر ببالك، وإنما اعتن بالاستشارة وابذل جهدك وعنايتك وفكر بالأمر وقلب المسألة وانظر في جوانبها وأدر الرأي وتأكد بأنك أحطت وأشرت بما هو الأصلح والأحسن.

·      المشورة اعتدال
 
4-  الأمر الرابع أن الاستشارة تجنب متخذ القرار الإفراط والتفريط، الإنسان إذا كان يخوض في خضم مسألة عادة يتأثر بأجوائها إما خوفا أو رغبة أو آثار نفسية تقع في نفسه فيتحرك بحركة متأثرة بهذه العواطف، فيتخذ مواقفا إما ذات تطرف هنا أو هناك، إما إفراط في الحركة أو تفريط في الموقف.
-        يقول أمير المؤمنين (ع) " إنما حُضّ على المشورة لأن راي المشير صرف ورأي المستشير منسوب بالهوى " يعني حض العقل وأصحاب العقل وحض الدين على المشورة لأنك إذا استشرت مجموعة من الناس فهم ليسوا كله متأثرين بتأثرك، وليس لهم أهواء بنفس أهواءك، وإنما هناك آراء صرفة، طبيعة حال الإنسان الذي يواجه مشكلة أن يتأثر بها فيتخذ مواقف غير متوازنة وغير منضبطة، فإذا استشار الناس وقلب آراهم فسيجد فيهم من يكون موقفه متوازنا صحيحا.
 
·      قرار الجميع
 
5-  خامسا المسؤولية الجماعية، حينما يتفرد الإنسان برأيه فإنه لن يجد له من يعذره في موقفه، بل على العكس من ذلك حتى من يتخذ موقفا خاصا به دون استشارة فسيجد من يلومه من هذا الطرف أو ذاك، ممن يقبل هذا العمل والموقف أو يرفض، بعكس لو كان العمل قائما على الاستشارة، فإنه يتخذ موقفا جماعيا.
 
يقول الإمام الكاظم (ع): " من استشار لم يعدم عند الصواب مادحا وعند الخطأ عاذرا"، إذا هو أصاب وجاء بالنتيجة المطلوبة فسيمدحه الناس لأنه اتبع أسلوب التشاور، وإن أخطأ وهذا أمر طبيعي يحدث ولكن حين يكون القرار ناتجا عن تشاور فسيجد التفهم لأنه أخذ بمجموع الآراء.
 
·      الفئات المستفيدة والمعنيّة
 

وقدّم سماحته رسائل مباشرة خاصة ببعض فئات المجتمع كالشباب والأسر والقادة:
 
-        الشباب في مقتبل عمره يكون لديه الاعتداد والشعور بالرجولة والاستقلال فلا يرى أهمية لا ستشارة والديه أو أهل الخبرة وهذا خطأ فالاستشارة ليست علامة ضعف بل علامة قوة وسبب من أسباب متانة الموقف وحصانته. 
 
-        في رواية عن الإمام الرضا (ع) أنه كان في مجلس فدار الحديث عن أبيه الكاظم (ع) فقال: " كان عقله لا توازن به العقول، وربما شاور الأسود من سودانه" أي العبيد أو الذين يعملون عنده، فإذا كان الإمام الكاظم (ع) يشاور وإذا كان القرآن الكريم يخاط نبيه قائلا ( وشاورهم في الأمر)، وإذا كان رسول الله (ص) الإنسان الكامل مطلوب منه أن يشاور الآخرين فكيف بك أيها الشاب وكيف بنا نحن جميعا.
-        لا بد لنا من أن تكون حالة الاستشارة والتشاور حالة طبيعية جارية في أسلوب منهجنا وفي طريقة حياتنا.
 
·    الأسرة 

الوالدان، يستشيرون من؟ لا أقصد أنهما فقط يحتاجون استشارة المختصين في التربية، بل يحتاجون إلى استشارة أهلهم وأهل بيتهم والزوج يحتاج إلى استشارة زوجته وأبنائه، هناك عنصر تربوي مهم في استشارة الأبناء ومعاملتهم معاملة أصحاب الرأي وأصحاب الشأن فيما يعود لإدارة أمر المنزل.
 
لا تتفرد أيها الأب في اتخاذ المواقف، أو مثلا تحديد الجهة التي ستتوجهون نحوها في السفر، أو تفرض شكلا أو ذوقا خاصا، الروايات تذم من يجعل أهله يأكلون على مشتهاه، حين يحب ذوق معين أو مسكن معين فيجعل أهله يعيشون على ذوقه، الروايات تذم هذا الأمر وتوصي بإدارة الحياة بطريقة متقبلة من الجميع.
 
·      أصحاب القرار
 

قد يظن الإنسان أن صاحب المرتبة العلمية والاجتماعية هو إنسان يرجع إليه وهو مستغن عن الآخرين، لعل ما قرأناه في الآية القرآنية عن النبي (ص) وفي الحديث عن الإمام الكاظم (ع) جواب كاف وواضح، كل إنسان، بل كلما ازدادت مسؤولية الإنسان كلما ازادت حاجته إلى الاستشارة، وكلما ازداد مقام الإنسان ومرتبته كلما احتاج إلى أصحابه وأصحاب الرأي أكثر فأكثر، لا يوجد كبير ولا صغير ولا رجل ولا امرأة يستغني عن الأخذ برأي الآخرين والتعامل معهم.
 
·      واقع الاستشارة في البيت الشيعي

 
وإذا كان من تعليق فإن تجربتنا نحن أتباع مذهب أهل البيت مع الأسف الشديد لا تخلو من ضعف في جوانب كثيرة منها، في الطبقات العلمية عندنا، ولأكون واضحا في مرتبة المرجعية عندنا.
 
نحن تعودنا أن يكون ابن المرجع وأقاربه هم الذين هم الذين يشيرون عليه، وهذه المسألة يفترض أن يتوجه إليها أبناء المجتمع، يفترض أن تتضح عندهم هذه المسألة، المرجعية اليوم في أمس الحاجة، وذكرت أنه كلما زادت مسؤولية الإنسان كلما زادت حاجته للاستشارة، الآن جوانب الحياة تتسع، وفي المسائل التي يحتاج إليها في الفتيا وفي إصدار البيان الشرعي أخذت جانبا من الاتساع بحيث يصعب اتخاذ القرار بدون وجود مستشارين وأهل خبرة ومعرفة.
 
إننا ندعو الله عز وجل أن يزيد في إيماننا وفي تمسكنا بمنهج رسول الله (ص) وأهل بيته الأطهار، وأن يزيد في عنايتنا بشؤون مجتمعنا وأمتنا وأن يمن علينا وعلى المؤمنين جميعا بتوفيقه وهدايته ونصره والحمد لله رب العالمين.   

الاثنين، 1 ديسمبر 2014

الشيخ عبد المحسن النمر: ينبغي التوازن في الحركة الاجتماعية وعدم مسايرة الباطل

دعا سماحة العلامة الشيخ عبد المحسن النمر في خطبته الأخيرة إلى التوازن في الحركة الاجتماعية والدعوة إلى الله تعالى بمراعاة قاعدتين هامتين وهما التدرج في الدعوة وعدم الوقوع في الطرح المثالي من جهة وعدم خلط الحق بالباطل من جهة أخرى بحجة عدم توفر الإمكانية ما قد يوقع الإنسان في الوهن والدعوة للباطل في بعض الأحيان، ودعا سماحته الإنسان الذي لا يستطيع الوقوف في وجه المجتمع إلى السكوت وعدم مسايرته في الباطل. 

 

وابتدأ سمحته الخطبة تاليا الآية الكريمة ( ومن يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها وكان الله على كل شيء مقيتا)

الدعوة إلى الله إلى الله عز وجل وحركة الأمة إلى الله تحتاج إلى طاقات وجهود وتحتاج إلى صدق نية وصدق في تحرك الإنسان في هذا المجال.

هذه الآية القرآنية وأحاديث شريفة مؤكدة تدل على أن الإنسان بدعوته إلى الله عز وجل يكون شريكا في نتاج هذه الدعوة ويكون له نصيب من ثمرتها.

في الحديث عن مولانا الإمام الصادق (ع) قال: كل سنّة أقامها الرجل وجاهد في إقامتها وبلوغها وإحيائها فالعمل والسعي فيها من أفضل الأعمال، قال رسول الله (ص): " من سنّ سنة حسنة (في بعض بعض الروايات: "في الإسلام" والمعنى واحد) ، فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من أجرهم شيء، وفي بعض الروايات: ومن سنّ سنة سيئة كان له وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة. هذا الحديث الذي يرويه الإمام هو من الأحاديث الذي بلغ حد التواتر من الطائفتين

وهو بلا شك يعطينا قاعدة إسلامية هامة، أن الإنسان إذا اختط وابتدع ودعا إلى شيء كان له أجر ذلك العمل الذي أحياه وأجر من يعمل بذلك العمل إذا كان العمل حسنا، وإذا كان عملا سيئا كان له وزره ووزر من عمل به.

·      قاعدتان للحركة الاجتماعية

 هذه حقيقة إسلامية ينبغي لنا التبصر فيها. قبل أن نخوض في هذا الأمر يجب أن نلاحظ الحركة الدينية، الدين والتعامل مع حركة المجتمع لكي تتأكد لنا حقيقتان مهمتان:

الأولى: الدين حقيقة في مقابل كل باطل، الدين ليس فيه من الباطل شيء ولا يقبل شيئا من الباطل لا كبيرا ولا صغيرا، يقول الله تعالى:( ماذا بعد الحق إلا الضلال) إذا لم يكن حقا فهو ضلال، الدين هو أمرٌ في حقيقته وفي علوه أمر لا يختلط بالباطل ولا يقبله ولا يندمج معه.

 هذا هو الدين في حقيقته العلوية، أما الدين في انطلاقته في وضعه الاجتماعي فلا بد أن يتدرج مع المجتمع بما يتناسب وإدراكه ووضعه المسلكي والاجتماعي لكل مجتمع، وهذا يحتاج إلى البيان في الفرق بين التدرج في طرح الدين والتدرج في التغيير الديني من جهة وبين تغيير الدين وحرفه.

التدرج بمعنى أن تكون صياغة الخطاب الديني صياغة متدرجة، مثل أن تريد من ابنك أن يكون عالم رياضيات أو فيزياء، فأنت تتبع التدرج في تعليممه الرياضيات والفيزياء ففي السنة الأولى تعلمه المقدار المناسب لفهمه وإدراكه ولا يمكن أن تبدأ معه بتعليمه حقائق الفيزياء من أول يوم، وهكذا يكون الدين فهو يأخذ الناس بمنهاج يجعلهم قادرين على استيعابه، وهناك اختلاف في المجتمعات باختلاف الظروف والأماكن والأمور المحيطة والأمور المساعدة والأمور المثبطة في حركة المجتمع.

هذا شيء وتغيير أهداف الدين ومبادئه شيء آخر، يجب أن نميز بين الأمرين، الخطاب الديني يكون تدريجيا صحيح ولكن لا يغير أهدافه ولا ومبادئه، بل كما قال الله عز وجل ( ماذا بعد الحق إلا الضلال)، تغيير المبادئ يعني إدخال الباطل فيما هو حقّ وهذا أمر غير مقبول في الشريعة والعقل.

إذا في فهمنا وحركتنا نحو التغيير والدعوة والإصلاح يجب أن نأخذ في اعتبارنا أمرين لا بد من التوازن بينهما.

 الأول: لا يمكن أن تطرح  للناس مثالية لا يستطيع المجتمع تقبلها، لا يمكن أن تطرح للمجتمع بعض الكمالات وتأمره بها وهو لا قدرة على استيعابها من ناحية المفهوم والإدراكية، أو من ناحية العمل والتطبيق، فحين يكون واقع المجتمع مكبلا بالأعداء وأعداؤه أقوى وأقدر منه مثلا، فلا يمكن أن تطلب منه الحركة والوصول إلى أعلى المراحل في الحركة.

 

2- العنصر عدم الخضوع للواقع الاجتماعي وهذا  في مقابل المثالية، أحيانا يقع الإنسان في القبول والاستسلام للواقع الاجتماعي  بل في الذوبان في الواقع الاجتماعي، فبدلا أن يكون عنصرا فاعلا ومبدعا يقفد كل طاقة من طاقات العمل، فيقول أنا لا أستطيع ولا أتمكن ولا أجد الإمكانيات.

فحينما يقف الإنسان على النحو المثالي فإنه يدعو إلى أمر لا يمكن للمجتمع القيام به، ومن جهة أخرى حينما يفقد طاقة العمل بسبب ذوبانه واستسلامه في الواقع الاجتماعي فهو يقع في العجز والاستسلام وحينها تتجمد الحركة الإصلاحية التي يدعو إليها الدين، فيؤدي ذلك إلى ترويج الباطل أحيانا باعتبار عدم القدرة على تطبيق الحقّ، وهذا من أخطر ما يمكن أن يصيب المجتمع، قد يكون الإنسان غير قادر على البوح بالحقيقة فمن الأفضل حينها بل من الضروري أن لا يكون داعيا إلى الباطل فيها، أنت لا تستطيع أن تقف في وجه بعض تصرفات المجتمع في بعض الجهات، فهل تدعو إلى الباطل وهل تسير مع المجتمع في باطله؟ يقولون في المثل: إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب، أحيانا لا أستطيع أن أقول الحق فعلي أن ألتزم بالصمت على الأقل، وعدم التهريج مع المهرجين والسير مع السائرين إلى الخلل والإنحراف.

 

·      مسألة فقهية
 

يكثر الاشتباه فيها، يجب أن يعرف الإنسان حقه حتى يعرف كيف يتصرف؟ هناك مسألة تسمى حريم البئر أو حريم الدار أو حريم العقار، بمعنى أن هناك للعقار حد لا يجوز التعدي عليه؟ ما هو الضابط في تحديدها؟ الضابط أن لا يقوم آخر بعمل شيء يمنع من الاستفادة من العقار والحصول على منفعته، مثلا لو أن شخصا امتلك بئرا أو نهرا فلا يجوز لك بناء جدار يمنعه من الاستفادة منه، مواقف السيارات مثلا، حقك أن لا يمنعك من الدخول، أو الدخول بسيارتك إلى كراجك، أما ما يحيط بالدار من جميع الجهات فليس من حقه، نلاحظ أن البعض يكتب على جدار داره ممنوع الوقوف، وقد يتعدى على السيارة الواقفة.

 نعم من الأدب أن لا تضيق عليه وأن تتجنب ما استطعت مضايقته، ولكن ليس من حقه المنع من الوقوف أو الاعتداء على من يقف بجانب بيته. ندعو إلى تعلم الأحكام والحدود الشرعية قبل التصرف تجاه الآخرين.

 

الأحد، 30 نوفمبر 2014

الشيخ عبد المحسن النمر: علاقة العلم بالدين علاقة تكاملية


تناول سماحة الشيخ عبد المحسن النمر في خطبة الجمعة الأخيرة العلاقة ما بين الدين والعلم وانتهى من خلال حديثه عن العلاقة بينهما هي في الحقيقة علاقة تعاضد وتكامل بخلاف ما نتج من بعض التجارب التاريخية البشرية التي تبنى فيها علماء دين نظريات خاطئة وربطوها بالدين  وحاربوا من يتبنى خلافها.

 

وابتدأ سماححته الخطبة منطلقا من الآية الكريمة ( قالت رسلهم أفي الله شك خالق السموات والأرض) مبيّنا أمن الكثير مما تواجهه الإنسانية من مصاعب في يومنا الحاضر هو بسبب ضعف إيماننا بالله، وأوضح أن الانطلاقة العلمية والتجريبية والتقدم المادي غير المسبوق الذي تعيشه البشرية، كان لها آثار سلبية سيئة ومرّة على الإنسان.

·      الغرور العلمي

 وأوضح سماحته أن أكبر هذه النتائج السيئة هو الشعور بالغرور والانبهار بما وصل إليه الإنسان حتى شعر أنه المسيطر وصاحب الكلمة الأولى في هذا الوجود، ولذا فإن معظم هؤلاء ضعيفوا الاعتقاد بالخالق والتمسك بما جاءت به السماء، والقليل منهم يؤمن بوجود الله تعالى.

والمشكلة ليست في وجود شعور فطري لدى الإنسان بوجود الله لا يمكن التهرب منه، بل في الغرور والضعف في الإيمان والشك في الله ( أفي الله الله شك فاطر السموات والأرض)، هذه الآية متعددة الأبعاد، فهي ذات نهج فلسفي، وذات بعد آخر هو الحركة العقلية، وذات بعد ثالث هو الالنهج العرفاني، ولكننا سنقتصر على التعريف الفطري.

 

كأن الآية تقول: أيها الإنسن، ألا تجد في داخلك شعورا بالإيمان بخالق هذا الوجود ؟ ألا تشعر بأن وراء هذا الوجود الجميل مبدع؟

·      آراء حول علاقة العلم بالدين
 

طبيعة التداخل بين العلم والإيمان تتضح من خلال عدّة مواقف:

1- علاقة تناقض بسبب حكم أوروبا من قبل مدرسة دينية ادّعت جملة من الخرافات، ولا شك أن إجبار الناس على الإيمان بهذه الخرافات ولّد ردة فعل لدى العلماء.
 

وكذلك بعض المسلمين مع الأسف تبنى بعض الخرافات، فرفض كروية الأرض ونسبة هذا الرأي إلى القرآن يؤدي إلى تعارض العلم مع الدين والدين من هذا بريء.

 

2- وهناك توجه يرى أن الدين لا دخل له في بالعلم، والعلم لا شأن له بالدين، فالدين ميتافيزيقيا لا تمس الواقع، فالمسألة مزاجية قد يتبناها أشخاص ويرفضها آخرون.
 

وهذا توجّه خطير لأنه يرى أنّ الدين لا يحكي عن شيء واقعي، ولا حقيقة لهذا الدين، وهذا الكلام لا حقيقة له، الدين منتج علمي، والإنسان بمنهجه العلمي الفطري يدرك أن هذه الكائنات لا تملك أمر نفسها وأن هناك خالق ومدبر لها وأرسل لها رسلا وكتبا.
 

·      كيف نأخذ العلم

كيف نأخذ هذا الدين وما الشروط الصحيحة للوصول إلى العلم:

 

1- العلم مقدس من مقدسات الدين، والدين جعل العلم مقدمة للمعرفة ومقدمة لليقين، ولم يقل الدين للإنسان: أنت لا قيمة لك ولا لتفكيرك ولم يلغ تجربة الإنسان ومناهجه. 
 

2- (إنما يخشى الله من عباده العلماء) إن الله تعالى يريد منّا الخشوع ويقول إن الطريق لله هو العلم فقط، كما أنه لا قيمة للعلم إذا تخلى عن أول حقيقة يشير إليها وهي وجود الله تعالى مدبر الكون.
 

 

3-  العلم والدين مظهران لحقيقة واحدة، الله فطر الإنسان للعبادة كما فطرهم للمعرفة والسعس والإدراك. يقول الرسول الأكرم (ص) : " العلم دين والصلاة دين"، التعلم تقرب لله، وحركة فطرية وحركة فطرية نحو الكمال، والصلاة هي رمز للتقرب والتوجه نحو الله، إذا فهما منسجمان ويدعمان بعضهما.
 

·      من أين يستقى الدين؟

عن الإمام الحسن (ع) "عجبا لمن يتفكر في مأكوله كيف لا يتفكر في معقوله". يجب التدقيق ومعرفة ممن نأخذ الدين.

فلينظر الإنسان إلى طعامه). عن الإمام الباقر(ع) أنه قال: فلينظر إلى علمه ممن يأخذه، يجب أن يكون لدينا حرص على نزاهة معرفتنا الدينية.

 

عن الإمام الصادق (ع) أن الله تعالى قال " لا تجعل بيني وبينك عالما مفتونا بالدنيا فيصدك عن معرفتي". فلا بد أن تختار من علاقته بالله تعالى صافية.

 

عن أمير المؤمنين (ع)" زلة العالم كانكسار السفينة، تغرق

وتغرق معها غيرها". ولذلك العالم يجب أن يكون على حذر من أن يخطئ ويجر الناس إلى الأخطاء والضياع.

 

-        ما نراه من حروب أكثرها ترجع أسبابها إلى أناس ادعوا الارتباط بالله فانزلقت البشرية بسبب ثقتها فيهم إلى ما لا يحمد عقباه.
 

-        يجب على الساعي إلى الله تعالى أن يكون على بصيرة ومعرفة، حتى في اتباعه لأهل الحق. عن أمير المؤمنين (ع): " لا تطلب الباطل من أهل الحقّ، كونوا نقّاد الكلام".
الناقد هو من لا تفوته الأخطاء حتى لو كانت مخلوطة بالحق.

 

 

في الختام:

 في حركتنا في الحياة نحو الكمال يجب أن نتمسك بمبدأي العلم والإيمان معا دون تفريق. يقول آية الله جوادي آملي في حديثه لطلاب الجامعات: في الحوزات نحن ندرس كلام الله، أما أنتم فتدرسون أفعال الله، وكما أن التدارس في كلام الله تعالى له قدسيّة، كذلك التدارس في أفعاله هو نحو من أنحاء التعرّف على جلال الله وكماله.


الخميس، 20 نوفمبر 2014

الشيخ عبد المحسن النمر: علاقة العلم بالدين علاقة تكاملية

تناول الشيخ عبد المحسن النمر في خطبة الجمعة الأخيرة العلاقة ما بين الدين والعلم وانتهى من خلال حديثه عن العلاقة بينهما هي في الحقيقة علاقة تعاضد وتكامل بخلاف ما نتج من بعض التجارب التاريخية البشرية التي تبنى فيها علماء دين نظريات خاطئة وربطوها بالدين وحاربوا من يتبنى خلافها.

وابتدأ سماححته الخطبة منطلقا من الآية الكريمة ( قالت رسلهم أفي الله شك خالق السموات والأرض) مبيّنا أمن الكثير مما تواجهه الإنسانية من مصاعب في يومنا الحاضر هو بسبب ضعف إيماننا بالله، وأوضح أن الانطلاقة العلمية والتجريبية والتقدم المادي غير المسبوق الذي تعيشه البشرية، كان لها آثار سلبية سيئة ومرّة على الإنسان.

· الغرور العلمي

وأوضح سماحته أن أكبر هذه النتائج السيئة هو الشعور بالغرور والانبهار بما وصل إليه الإنسان حتى شعر أنه المسيطر وصاحب الكلمة الأولى في هذا الوجود، ولذا فإن معظم هؤلاء ضعيفوا الاعتقاد بالخالق والتمسك بما جاءت به السماء، والقليل منهم يؤمن بوجود الله تعالى.

والمشكلة ليست في وجود شعور فطري لدى الإنسان بوجود الله لا يمكن التهرب منه، بل في الغرور والضعف في الإيمان والشك في الله ( أفي الله الله شك فاطر السموات والأرض)، هذه الآية متعددة الأبعاد، فهي ذات نهج فلسفي، وذات بعد آخر هو الحركة العقلية، وذات بعد ثالث هو الالنهج العرفاني، ولكننا سنقتصر على التعريف الفطري.



كأن الآية تقول: أيها الإنسن، ألا تجد في داخلك شعورا بالإيمان بخالق هذا الوجود ؟ ألا تشعر بأن وراء هذا الوجود الجميل مبدع؟

· آراء حول علاقة العلم بالدين


طبيعة التداخل بين العلم والإيمان تتضح من خلال عدّة مواقف:

1- علاقة تناقض بسبب حكم أوروبا من قبل مدرسة دينية ادّعت جملة من الخرافات، ولا شك أن إجبار الناس على الإيمان بهذه الخرافات ولّد ردة فعل لدى العلماء.


وكذلك بعض المسلمين مع الأسف تبنى بعض الخرافات، فرفض كروية الأرض ونسبة هذا الرأي إلى القرآن يؤدي إلى تعارض العلم مع الدين والدين من هذا بريء.



2- وهناك توجه يرى أن الدين لا دخل له في بالعلم، والعلم لا شأن له بالدين، فالدين ميتافيزيقيا لا تمس الواقع، فالمسألة مزاجية قد يتبناها أشخاص ويرفضها آخرون.


وهذا توجّه خطير لأنه يرى أنّ الدين لا يحكي عن شيء واقعي، ولا حقيقة لهذا الدين، وهذا الكلام لا حقيقة له، الدين منتج علمي، والإنسان بمنهجه العلمي الفطري يدرك أن هذه الكائنات لا تملك أمر نفسها وأن هناك خالق ومدبر لها وأرسل لها رسلا وكتبا.


· كيف نأخذ العلم


كيف نأخذ هذا الدين وما الشروط الصحيحة للوصول إلى العلم:



1- العلم مقدس من مقدسات الدين، والدين جعل العلم مقدمة للمعرفة ومقدمة لليقين، ولم يقل الدين للإنسان: أنت لا قيمة لك ولا لتفكيرك ولم يلغ تجربة الإنسان ومناهجه.


2- (إنما يخشى الله من عباده العلماء) إن الله تعالى يريد منّا الخشوع ويقول إن الطريق لله هو العلم فقط، كما أنه لا قيمة للعلم إذا تخلى عن أول حقيقة يشير إليها وهي وجود الله تعالى مدبر الكون.




3- العلم والدين مظهران لحقيقة واحدة، الله فطر الإنسان للعبادة كما فطرهم للمعرفة والسعس والإدراك. يقول الرسول الأكرم (ص) : " العلم دين والصلاة دين"، التعلم تقرب لله، وحركة فطرية وحركة فطرية نحو الكمال، والصلاة هي رمز للتقرب والتوجه نحو الله، إذا فهما منسجمان ويدعمان بعضهما.


· من أين يستقى الدين؟


عن الإمام الحسن (ع) "عجبا لمن يتفكر في مأكوله كيف لا يتفكر في معقوله". يجب التدقيق ومعرفة ممن نأخذ الدين.

فلينظر الإنسان إلى طعامه). عن الإمام الباقر(ع) أنه قال: فلينظر إلى علمه ممن يأخذه، يجب أن يكون لدينا حرص على نزاهة معرفتنا الدينية.



عن الإمام الصادق (ع) أن الله تعالى قال " لا تجعل بيني وبينك عالما مفتونا بالدنيا فيصدك عن معرفتي". فلا بد أن تختار من علاقته بالله تعالى صافية.



عن أمير المؤمنين (ع)" زلة العالم كانكسار السفينة، تغرق

وتغرق معها غيرها". ولذلك العالم يجب أن يكون على حذر من أن يخطئ ويجر الناس إلى الأخطاء والضياع.



- ما نراه من حروب أكثرها ترجع أسبابها إلى أناس ادعوا الارتباط بالله فانزلقت البشرية بسبب ثقتها فيهم إلى ما لا يحمد عقباه.


- يجب على الساعي إلى الله تعالى أن يكون على بصيرة ومعرفة، حتى في اتباعه لأهل الحق. عن أمير المؤمنين (ع): " لا تطلب الباطل من أهل الحقّ، كونوا نقّاد الكلام".
الناقد هو من لا تفوته الأخطاء حتى لو كانت مخلوطة بالحق.





في الختام:

في حركتنا في الحياة نحو الكمال يجب أن نتمسك بمبدأي العلم والإيمان معا دون تفريق. يقول آية الله جوادي آملي في حديثه لطلاب الجامعات: في الحوزات نحن ندرس كلام الله، أما أنتم فتدرسون أفعال الله، وكما أن التدارس في كلام الله تعالى له قدسيّة، كذلك التدارس في أفعاله هو نحو من أنحاء التعرّف على جلال الله وكماله.

الخميس، 16 أكتوبر 2014

الشيخ عبد المحسن النمر: ما بعد أيام الحج يجب أن تكون مرحلة انطلاق جديدة للإنسان

قال الشيخ عبد المحسن النمر في خطبته الأخيرة أن أيام الحج ليست سوى موسم للتجدد الروحي الذي لا يقتصر أثره على الحجاج بل تشمل بركاته الأمة الإسلامية جمعاء من نواح عدة أهمها الارتباط بالله تعالى وإشادة التآلف بين المسلمين، داعيا كل أفراد الأمة إلى الاستثمار الروحي لهذا الموسم بقوله: لا بد أن ينظر إليه على أنه ترقي من مرحلة الإيمان البسيط الساذج إلى مرحلة الإيمان الصادق.



وابتدأ سماحته الخطبة تاليا الآية الكريمة ( وأذّن في الناس يالحج يأتوك رجالا وعلى كلّ ضامر يأتين من كل فج عميق، ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معدودات)

وافتتح سماحته الخطبة بقوله: تشرفنا هذه الأيام رحمة جديدة من الرحمات الإلهية ومنبع جديد من منابع الخير والعطاء والفيض الإلهي الرباني، ألا وهي أيام الحج إلى بيت الله تعالى، أيام العشرة الأولى من ذي الحجة التي تحلّ فيها رحمة جديدة من الله، في الحديث المروي من كتب الفريقين عن رسول الله (ص) أنه بشّر بهذه الأيام وقال أنّ أحبّ الأعمال إلى الله عزّ وجلّ هي الأعمال في هذه الأيام من ذي الحجة.

 وبيّن سماحته أن هذا المظهر الذي يمارسه أبناء الأمة الإسلامية في كل عام هو جدير بالوقوف عليه، المرة تلو المرة لتدارس آثاره. وتوقف سماحته عندل ثلاث مسائل رئيسة حول الحج " الذي تقوم به ثلة من الأمة الإسلامية معبرة عن نهضة إسلامية متجددة في كل عام":

·      التحرّك نحو الله


أول مظاهر ومعاني وأهداف هذا التواجد المليوني في كلّ سنة في أداء مناسك الحج هو توحيد الله عز وجل.
 فالدعوة إلى الله، والعمل لتحريك الإنسانية إلى الله تارة يكون بين المرء ونفسه في صلاته ودعائه، وتارة يكون بالفرد بما هو فرد، وتارة يكون مظهرا عاما ودعوة صادقة علنية جهرية إلى البشرية للعودة إلى فطرتها بتوحيد الله عزّ وجل، فالحج ليس خاصاً بالأمة الإسلامية وإن كانت البشرية تركته وتناسته، ولكن أن الحج إلى عزّ وجل عمل يدعو له نبي الله إبراهيم (ع) الإنسانية بما هي إنسانية والبشرية بما هي بشرية، وهذا التواجد المليوني الهائل لأفراد الأمة الإسلامية في تلك الأماكن المقدسة هو استجابة وإحياء وتبليغ لهذه الدعوة الإبراهيمية التي ظهرت على يد الأنبياء (ع) واستكملت على يد المصطفى (ص).



 لا يظهر في هذا الوجود وفي هذا العالم مظهر توحيدي علني جلي يحرك البشرية بأكلملها بأكمل من مظهر الحج والتواجد في هذه الأيام المباركة في بيت الله الحرام.



·      دعوة للتآلف


الجانب الثاني من جوانب مظاهر العالمية العامة هي انّ الحج قوة وتوحيد وتآلف وتعاضد للموحدين التابعين للأنبياء، وللموحدين التابعين لرسول الله (ص)، إن التوحيد حينما يتجلى في أمة من الأمم وفي مظهر من المظاهر الخارجية فإنّ الحج هو ذلك المظهر. وحينما تتآلف هذه الملايين من كل فج عميق ومن كل جهة من جهات العالم، لتتواجد في هذا المكان وتعلن أن إله ولا معبود إلا الله عزّ وجل، فإنّ هذه عزّة وقوّة لهذه الأمة، وإنّ هؤلاء الشرذمة الذين يدعون إلى تمزيق الأمة وتفرقتها هي شرذمة بائدة ضالة لا قيمة لها ولا ار لها ولا امتداد.
هذا الذي نراه اليوم ممن يتبنى تمزيق الأمة والتفرقة بينها، فهذا مشرك لأنه يعمل كذا وهذا مبتدع لأنه يعمل كذا وهذا كافر لأنه يزور القبر الفلاني، وهذا ناقصد التوحيد والعقيدة لأنه يختلف عما يوجد عندنا، هذه دعوة بائدة لا قيمة لها.

 ما النتيجة التي توصل إليها دعاة التفرقة والتمزّق؟! النتيجة هو ما نراه اليوم في ذاك البلد وتلك البلدة، وكما يسميها بعض العرفاء بأنها فتنة جوّالة، تدور في كل أنحاء العالم الإسلامي وتنتقي من البسطاء والسذج لتحرك فيهم دوافع الفتنة والتمزق والتعدي على الآخرين والتجبر على بعضهم البعض.

هذه الدعوات يمحوها هذا التجمّع، الفكر الإسلامي فكر موحد للإنسانية وموحّد للدعاة إلى الله عزّ وجل وموحّد للدعاةإلى الحق والإنسانية والفطرة البشرية.



هذه هي المظاهر العامة التي نراها واضحة جلية في الحج، وهذه هي القواعد الأساسية والثابتة لمعاني الحج، لا يمكن التنازل عنها، ولا يمكن للإنسان أنّ يحجّ إلى الله عزّ وجلّ وهو يدعو إلى هذين الركنين التوحيديين، توحيد عبادة الله عزّ وجلّ وقوة الأمة وعزّتها ووحدتها وتماسكها، وأي دعوة على خلاف هذين المبدأين وهذين الاتجاهين، هي دعوة تتعارض مع الحج، بل تتعارض مع أصل الإسلام، لا يمكن أن يكون الإنسان حاجا قاصدا لبيت الله، ذاهبا إلى أداء ما ينادي به الأنبياء وما ختم عليه الخاتم المصطفى (ص) وأتمه بدعوته وهو يحمل ما يعارض هذين الركنين.



·      بركات عامة


النقطة الثالثة هي أن بركات الحج وآثار الحج ليست مقتصرة على الحججاج الذين يوفقون لأداء مناسك الحج لهذه السنة، الحج آثاره وبركاته أعمّ وأشمل، فالأمة الإسلامية بأسرها موضع للحج.


لقد أشرت في بداية الكلام إلى هذا الحديث النبوي، ما من  عمل يكون أجمل وأتم وأكمل من هذه الأيام العشرة، بالطبع قد يكون لليالي القدر خصوصيات، ولكن حديثنا أن سائر الأيام ليس فيها من البركة ما في هذه الأيام.



علينا أن نكون ممن يستثمر هذه القاعدة الربانية المحمدية، علينا أن تكون هذه اليام لنا أيام وعي ومعرفة وأيام عمل صالح وبر ةتةاصل ومد يد إلى بعضنا البعض، وأيام خدمة بعضنا البعض وعودة الأمة الإسلامية إلى تكلتلها ووحدتها.



يقول الإمام زين العابدين (ع) مبينا أن الحج عمل وإن قامت به فئة من الفئات إلا أن آثاره وبركته تعم جميع من يساهم في هذا العمل ويقوم بخدمة هذا العمل. يقول الإمام (ع) " من خلف حاجا في أهله وماله كان له كأجره حتى كأ يستلم الأحجار".

الذين يقومون بخدمة الحجاج، والذي يحفظ الحاج في أهلهى وماله، أبناؤك الذين يقومون بشأنك إذا أنت سافرت، الذين علّموك ودلّوك على الحج، الذين هدوك لاتّباع الأنبياء، القائمون على مواكب وحملات الحج، الذين حثوك، زوجتك التي تحفظ بيتك ومالك، كل من يكون رافدا مؤيدا لهذا العمل، كل هؤلاء يكون لهم شراكة وجزء من ثواب وبركات الحج.



·      سبيل الوحدة



ويقول الإمام الرضا (ع) مبينا علة الحج وأهدافه ودوافعه، وبعد أن يعدد الكثير من منافعه يقول: ومنفعة من في شرق الأرض وغربها، ومن في البر والبحر، ممن يحج وممن لا يحج". هي منفعة غير مقتصرة على من ذهب للحج وطاف وسعى، بل هي شاملة لكل أفراد المسلمين، في نشاطها وحركتها واقتصادها وحركتها واتحادها واتفاق كلمتها.

إن الدول والأمم اليوم تسعى لتوجد لها أسبابا لارتباطاتها، حينما تجتمع الدول الأوروبية لتشكل لها وحدة اقتصادية وسياسية، ةحينما تجتمع دول شرق آسيا لتشكل لها شكلا من أشكال التكتل السياسي والاقتصادي، إلى غير ذلك من أشكال التكتل الاقتصادي والسياسي الفاعل في العالم، فإن الحج بلا شك يوجد حالة من الترابط أقوى من كل شكل من أشكال التآلف.



 فهؤلاء الآسيويون على ماذا يتآلفون، الصين ودول شنغهاي على ماذا يتآلفون؟ على لغة أو على عرق يعودون إليه؟ نحن نتفق كأمة إسلامية على المبادئ ووحدة الأهداف والحركة، فالحج أقوى سبب من أسباب تآزر الأمة وتآلفها وتآزر المجتمعات الإسلامية.



·      استثمار روحي


جملة من المستحبات التي تبين أهمية الحج وأهمية هذه الأيام لكل إنسان ولكل مسلم ولكل متبع للمصطفى (ص) سواءا وفق للحج أم لا.



-       فقد ورد فيها جملة من المستحبات ومنها صيام التسعة الأيام الأولى، فقد ورد فيها أن من صامها كان كمن صام الدهر، أي كمن عاش طول حياته صائما، كما ورد صلاة بهيئة خاصة من أداها كان شريكا للحجاج في أعمالهم.


-       الأدعية التي وردت، وبالأخص الأدعية التهليلية والتوحيدية، وحينما تلاحظون جملة الأدعية التي وردت في هذه الأيام تجدون أنها تصب في عنصر الارتباط بالله وتوحيده ومعرفة جلاله وعظمته، ومعرفة عبوديتنا لله عز وجل وتحقيق ذلك في أنفسنا.


·      سلالم الإيمان



-       أختم كلامي بالنصيحة لي ولمن يعزم على أداء هذه الفريضة أولا أن تون حجتنا بداية مرحلة جديدة من مراحل أعمالنا، فإذا كانت الولادة قد نقلتنا من عالم الرحم إلى عالم الوجود الخارجي لتشكل مرحلة أولى من مراحل وجودنا، وإذا كان التكليف ينقلنا إلى مرحلة أعلى وأسمى، فإن الحج وخصوصا لمن يحج للمرة الأولى، لا بد أن ينظر إليه على أنه ترقي من مرحلة الإيمان البسيط الساذج إلى مرحلة الإيمان الصادق، بعد كل هذا الجهد المبذول، وبعد هذا البذل المالي والبدني، يجب أن تكون حياتكم بعد ذلك مختلفة عما قبلها، تلك مرحلة وما بعد الحج مرحلة أخرى من حيث الاعتناء بالدين والاهتمام بأداء الرسالة الدينية والعناية بالتربية وتوعية الأبناء، وتربية أهليكم وتقوية الجانب الديني في قلوبهم، يجب أن يكون الآن في مرحلة متقدمة عما سبق.


·      رسالة الهوية


-       الثانية أن تلتفت أنك في هذا الحج تحمل رسالة مبادئك فأنت تمثل هذه المبادئ التي انطلقت منها، أنت تمثل الدين الذي تحركت فيه والوعي الذي تمتلكه والمذهب الذي تتبناه، يجب عليك في أثناء أدائك للحج أن تراعي هذه الصورة التي تريد نقلها للناس، يجب أن تكون أعمالك في الحج أعمالا معلمة راعية ومناسبة لفهم الناس وقدراتهم. 


مما يؤسف له أنّ بعض تصرفاتنا في الحج هي مما يسبب خدشا للمبادئ التي نحملها، حينما نقوم ببعض الأعمال التي تستفز الآخر، حينما ندعو دعاءا أو توسلا لا يكون مفهوما لدى الآخرين، فاعلم بأننا نضع أمام مبادئنا علامة استفهام، اذ لا يفهم الآخرون ماذا تقول، حينما نكون في الطواف أو المسعى ونقرأ بعض الأدعية التي هي في ذاتها صحيحة ولا بأس بها ولكنها غير مفهومة لدى الآخرين، وما يزيفه الإعلام عن مذهبنا من أكاذيب علينا أن لا نكون معينين على تحقيق هذه الصورة في أذهان الآخرين.



مع الأسف الشديد كثيرا ما يواجه الإنسان في أثناء الطواف من يتوسل برسول الله (ص) وآل بيته الأطهار، هذه المسألة صحيحة عقائديا ولا إشكال فيها، ولكن كثيرا من المسلمين تكون الصورة غريبة لديهم، غير مفهوم وغير واضح، يرى الناس يذكرون الله ويقرؤون القرآن وأنت تذكر أسماء رسول الله وأهل بيته الأطهار، هذه المسألة غريبة على أذهان الناس، فلنتجنب كل أمر لا يعيه ولا يدركه سائر الناس. وهذا ينعكس على جميع تصرفاتنا في الحج. 



-       النقطة الثالثة: تجنّب صغائر الأمور، لا تنشغل ببعض النقائص التي يواجهها الإنسان، بل أحيانا بعض التعديات، في الحج تأتي الناس من كل فئات المجتمعات البشرية، في طباعهم وتصرفاتهم وأشكالهم، فلا تجعل همك في أن تنظر إلى هؤلاء يعملون بهذه الكيفية، وأولئك يتصرفون بتلك الطريقة، دع عنك هذه الأمور وانشغل بالبحث عن الحقيقة وتربية نفسك وارتباطك بالله عز وجل.
-       نسأل الله تعالى بجاه محمد وآله (ص) أن يجعلنا وإياكم ممن يستفيد من هذه الرحمة الإلهية وندعوا الله للحجاج بالمغفرة والقبول، وللأمة الإسلامية بالنجاة والعودة إلى منهج رسول الله وأن يرزقنا جميعا شفاعته وآل بيته الطاهرين.