‏إظهار الرسائل ذات التسميات سلوى النمر. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات سلوى النمر. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 26 يناير 2015

محمد

من المعلوم أن النبوة كانت في إبراهيم شيخ الأنبياء عليه السلام، ومن بعده في ابنيه إسماعيل وإسحاق ، ثم تسلسلت النبوة في ذرية إسحاق، حتى نقلها الله من سلالة إسحاق (ع) إلى رسول الله صلى الله عليه وآله الذي هو من سلالة إسماعيل (ع). تلك الفضائل والكمالات التي نُشرتْ في الأنبياء صلوات الله عليهم جُمعتْ في محمد بن عبد الله صلوات الله عليه. وما قول الله ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ...﴾ [البقرة: 253] إلا لكي نقرأ سيرة الأنبياء قراءة موضوعية، ولا نتحسس من حقيقة أن بعض الأنبياء أفضل من بعض، ولا يكون هذا سببا للخلاف والتفرق.
ولأن النبي كان مَجمع فضائل الأنبياء كان البشارة التي بعث بها نبي الله عيسى وبل كانت هذه البشرى عمدة رسالته ﴿وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: 6] ولا تتحقق البشارة في شيء إلا أن يكون زائدا عن المتعارف.
كل الأنبياء لهم مراتب وفضائل وخدمات قدموها للإنسانية، ورسائلهم تحمل الكثير من العطايا الإلهية, لكن رسول الله استحق البشرى به، لأنه لا نظير له. يقول شيخنا الجوادي في معنى التبشير بالنبي محمد : إذا كان النبي الخاتم في مستوي الأنبياء السابقين وكانت رسالته في مستوي الرسالات السابقة فلا يتحقق معني البشارة، فأنت لا تبشر بشيء قد جرى مثله، البشارة تستدعي أن يكون هناك إضافة وخصوصية استثنائية في رسول الله وإلا لا تكون بشارة. عندما يبشر النبي عيسي بالنبي محمد هذا يعني أن النبي محمد أفضل من النبي عيسي والقرآن أفضل من الإنجيل، وعلي أساس هذه البشارة يحمل النبي محمد كل الامتيازات العلمية للأنبياء السابقين بصورة عامة، وجميع امتيازات النبي عيسي بصورة خاصة ويزيد عليهم.
من هنا ينفتح أمامنا معنى العنوان المنتزع (محمد الأوحد) ، فنحن عندما نصف شخصًا بأنه أوحد دهره وزمانه وأنه متفوق على أقرانه فكل هذه التسميات مجازية بالقياس إلى أوحدية رسول الله صلى الله عليه وآله, فقد كان مظهر الله الأحد الذي لم يكن له كفوا أحد, فمحمد في عالم الإمكان ليس له كفوا أحد.(1) والقرآن يركز على هذه الامتيازات وهذه الأوحدية والتفرد, فلا يقرن بمحمد بشرا، فهو صلوات الله عليه و آله كما يقول أستاذنا الجوادي مظهر (ولم يكن له كفوا أحد). ومظهر (ليس كمثله شيء).
وفي القرآن شواهد على تأكيد هذه الأوحدية وعدم قرن النبي بأحد. فمثلا عندما يتحدث القرآن عن أعلى القيم وهي الإيمان فإنه يفرد رسول الله بالخطاب ولا يجمع إيمان رسول الله مع إيمان أحد ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة: 285] فواو العطف تفيد المغايرة, أي أن إيمان محمد (ص) جنس آخر من الإيمان ليس فوقه جنس ولا يشبهه إيمان.
وحتى حين يكون حديث القرآن عن وحدة المجتمع الإسلامي وعن سير الحياة الإيمانية فإنه يفرد الوجود المحمدي عن وجود سائر الناس(2﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: 29]. بل حينما يتكلم عن الموت الذي هو حق لا ريب فيه يعتبر أن للنبي جنس موت خاص ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ﴾ [الزمر: 30] ولا يمكن أن يجمع موت محمد مع موت البقية. وهكذا في كل مراحل سيره وسلوكه لم يجمع القرآن بين رسل الله (ص) وبين بشر.
عنوان الأوحد ينطبق على الرسول على نحو الحقيقة والواقع، فالوجود المحمدي لا يحيط به أحد من الناس ولا يمكن للناس أن يعرفوه، لأن معرفة شيء تحتاج إلى نحو إدراك وإحاطة بهذا الشيء، ومنذا يحيط برسول الله غير الله. لذلك يقول رسول الله (يا علي ما عرفني إلا الله وأنت)، ولا سبيل لنا إلى معرفة الرسول إلا عن طريق الله تعالى (اللَّهُمَّ عَرِّفْنِي رَسُولَكَ).
علينا أن نخضع بين يدي القرآن لكي نتعرف على محمد بن عبد الله (ص)، وسننتخب بعض الآيات القرآنية التي نتعرف من خلالها على بعض الأبعاد الوجودية في شخصيته (ص). ونعرف وظيفتنا ودورنا العملي -على الصعيدين الشخصي والاجتماعي- أمام هذا الخصائص الاستثنائية في رسول الله.
هناك آيات تتحدث عن أخلاق رسول الله وإدارته وشؤونه التربوية ... هذه الآيات ليست موضع حديثنا. وإنما سنستشهد بالآيات التي تتحدث بشكل مباشر عن ذات رسول الله, وسنقسّم من خلالها خصائص رسول الله إلى:
1- صفات وأبعاد ذاتية للرسول (قبل الرسالة).
2-
صفات وأبعاد ذاتية للرسول (بعد الرسالة).
أمّية النبيّ
من الآيات التي تتحدث عن خصائص النبي التي لا يشاركه فيها أحد, وتمثل بعدا من شخصية محمد الأوحد قوله جل وعلا﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [لعنكبوت: 48] الأنبياء بشروا أممهم بـ (النبي الأمّي), فلا بد أن يكون في هذا الوصف بعد كمالي. فما وجه الكمال في كون النبي أمّيا؟ والجواب يتضح من خلال التأمل في الآية :
(مَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ) من الطبيعي أنه حين يتعلم الإنسان من أي أحد فلا بد أن يخضع له, فحق الأستاذية كبير جدا, وكل حرف يتعلمه الإنسان فهو يسهم في تنمية معارفه, إذ الحرف مندك في الكلمة والكلمة في العبارة والعبارة في الجملة والجملة في المعنى والمعنى في كتاب... وهكذا يولّد الحرف ثروات من المعرفة. ومن أجل هذا قيل (من علمني حرفا صرت له عبدا), ومحمد (ص) هو عبد لله فقط, ويجب ألّا يتقدم عليه أحد, ولا يكون لأحد عليه فضل ولا بتعليم كلمة واحدة , ولا يجب أن يباشر تعليمه إلا الله.
والقرآن يبين هذه الحقيقة ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً﴾ [النساء: 113] يوضح هذا بعدا أساسيا من خصائص رسول الله فهو عبد لله فقط وهو مدين له سبحانه فقط ولا يمكن أن يغنيه إلا الله ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى﴾[الضحى: 8] أي أغنى بك وأغنى من أجلك, وتصور أن النبي استغنى بأموال خديجة ليس دقيقا.
وربّما لأن حقّ الأستاذ والمعلم يبقى يُعبّد الإنسان طوال عمره نفى القرآن عن النبيّ أنه كان يخط حرفا بيمينه (وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ) ذلك أن مقتضى الإنصاف أن يبقى الإنسان ما عاش يجد في نفسه أن من علمه له أولوية عليه وإن بلغ من العلم والمعرفة شأنا عظيما. ومقتضى صدق رسول الله أن لو قدم له شخص علما ما سيبقى يقدم له التبجيل والاحترام على نحو الوجوب الأخلاقي، والحقيقة أن الأجدر بالاحترام هو محمد بن عبد الله لأنّه أمّي مطلقا -كما سيأتينا- فالله وحده هو من علمه, وكل أركانه الوجودية كبيرها وصغيرها إلهية. فهو يفيد كل أحد ولا يستفيد من أحد.
وكما حرم الله على موسى المرضعات بتدخل إلهي ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ﴾ [القصص: 12] حرمة تكوينية لا تشريعية؛ فكذلك بتدخل رباني حرم الله على نبيه أي جهة للتعليم سواه سبحانه. فكل معارف رسول الله حتى العادية منها كانت تصل إليه بعناية غيبية, وقد ورد عن أمير المؤمنين (ع) في وصف رسول الله: (ولقد قَرَنَ اللهُ بهِ مِنْ لَدُن أنْ كانَ فَطِيماً أعظَمَ مَلَكٍ مِنْ مَلائِكَتِهِ يَسلُكُ بهِ طَرِيقَ المَكارِمِ، ومَحاسِنَ أخلاقِ العالــَم، لَيلَهُ ونــَهارَه) فهناك معلم واحد في هذا الكون هو الله ومتعلم واحد في هذا الكون هو محمد صلى الله عليه وآله.
كما أن هذه الخصوصية هي أيضا صيانة لرسالته عن التهمة (إِذاً لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ). ثم من جهة أخرى سيكون أتْباعه يتبعون مع الواسطة غيره أيضا, والحال أن اتّباع محمد والنسبة له شرف عظيم, لذا فقد أغلق القرآن كل أبواب هذه التبعات بالإشارة إلى هذه الخصوصية.
هذا الفهم لأمّيّة رسول الله الأوحد تحلّ لنا شبهة أساسيّة وهي أن البعض يتوهّم أنّ النبي متأثر ببيئته, وأن مضمون رسالته بما حوت من أحكام وسنن ومعارف كلّها وليدة بيئته البدوية ومناخاتها، شأنه شأن أي مفكّر وفيلسوف لا ينفكّ عن تأثيرات بيئته مهما حاول أن يتجرّد. على سبيل المثال يقولون أنه من الطبيعي في مجتمع يقمع المرأة ويهمّشها أن تنعكس تلك الرؤيا على دين ذلك المجتمع فيشرّع تعدّد الزوجات، وأنه لو لو كان حال المرأة أفضل في المجتمع العربي لما شرع تعدّد الزوجات!
والحقيقة أن المجتمع العربي كان منفتحا على كلّ أشكال وأنواع من الزواج، وجاء النبي (ص) ليحد من هذه السعة ويضيّق العلاقات في إطار مدروس.
لا نحتاج أن نفتش آثار البيئة في تصرفات رسول الله وفي شريعته فمحمّد كلّه وحي إلهي ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: 4].
رسول الله كلّه وحيّ والوحي روح ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: 52]، ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾[الشعراء: 193]
وفاقد الروح جثّة وجيفة، لأنّه فاقد للحسّ والإرادة والفاعليّة، فسرّ التفاوت بين النبيّ وبين الموجودات هو أنّ النبيّ له روح ليست عند أحد.
وربما هذه الروح الخاصّة تفسّر أيضا سرّ الرائحة الطيّبة التي اختصّ بها رسول الله كما جاء في كتب السير، وكما في حديث الكساء (يا أُمّاهُ إِنّي أَشَمُّ عِندَكِ رائِحَةً طَيِّبَةً كَأَنَّها رائِحَةُ جَدِي رسول الله (ص)) لم يكن هذا عطرا ماديا وإلا لاقتناه الناس! هذا العطر ينم عن خصوصية وجودية فيه صلوات الله عليه وآله.

نحن لا نحتفل بميلاد رسول الله بل بميلاد كل واحد منا, لأن ولادتنا الحقيقية هي خروجنا من الظلمات إلى النور، والذي أخرجنا منها هو محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله.

الخميس، 15 يناير 2015

محمد

من المعلوم أن النبوة كانت في إبراهيم شيخ الأنبياء عليه السلام، ومن بعده في ابنيه إسماعيل وإسحاق ، ثم تسلسلت النبوة في ذرية إسحاق، حتى نقلها الله من سلالة إسحاق (ع) إلى رسول الله صلى الله عليه وآله الذي هو من سلالة إسماعيل (ع). تلك الفضائل والكمالات التي نُشرتْ في الأنبياء صلوات الله عليهم جُمعتْ في محمد بن عبد الله صلوات الله عليه. وما قول الله ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ...﴾ [البقرة: 253] إلا لكي نقرأ سيرة الأنبياء قراءة موضوعية، ولا نتحسس من حقيقة أن بعض الأنبياء أفضل من بعض، ولا يكون هذا سببا للخلاف والتفرق.
ولأن النبي كان مَجمع فضائل الأنبياء كان البشارة التي بعث بها نبي الله عيسى وبل كانت هذه البشرى عمدة رسالته ﴿وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: 6] ولا تتحقق البشارة في شيء إلا أن يكون زائدا عن المتعارف.
كل الأنبياء لهم مراتب وفضائل وخدمات قدموها للإنسانية، ورسائلهم تحمل الكثير من العطايا الإلهية, لكن رسول الله استحق البشرى به، لأنه لا نظير له. يقول شيخنا الجوادي في معنى التبشير بالنبي محمد : إذا كان النبي الخاتم في مستوي الأنبياء السابقين وكانت رسالته في مستوي الرسالات السابقة فلا يتحقق معني البشارة، فأنت لا تبشر بشيء قد جرى مثله، البشارة تستدعي أن يكون هناك إضافة وخصوصية استثنائية في رسول الله وإلا لا تكون بشارة. عندما يبشر النبي عيسي بالنبي محمد هذا يعني أن النبي محمد أفضل من النبي عيسي والقرآن أفضل من الإنجيل، وعلي أساس هذه البشارة يحمل النبي محمد كل الامتيازات العلمية للأنبياء السابقين بصورة عامة، وجميع امتيازات النبي عيسي بصورة خاصة ويزيد عليهم.
من هنا ينفتح أمامنا معنى العنوان المنتزع (محمد الأوحد) ، فنحن عندما نصف شخصًا بأنه أوحد دهره وزمانه وأنه متفوق على أقرانه فكل هذه التسميات مجازية بالقياس إلى أوحدية رسول الله صلى الله عليه وآله, فقد كان مظهر الله الأحد الذي لم يكن له كفوا أحد, فمحمد في عالم الإمكان ليس له كفوا أحد.(1) والقرآن يركز على هذه الامتيازات وهذه الأوحدية والتفرد, فلا يقرن بمحمد بشرا، فهو صلوات الله عليه و آله كما يقول أستاذنا الجوادي مظهر (ولم يكن له كفوا أحد). ومظهر (ليس كمثله شيء).
وفي القرآن شواهد على تأكيد هذه الأوحدية وعدم قرن النبي بأحد. فمثلا عندما يتحدث القرآن عن أعلى القيم وهي الإيمان فإنه يفرد رسول الله بالخطاب ولا يجمع إيمان رسول الله مع إيمان أحد ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة: 285] فواو العطف تفيد المغايرة, أي أن إيمان محمد (ص) جنس آخر من الإيمان ليس فوقه جنس ولا يشبهه إيمان.
وحتى حين يكون حديث القرآن عن وحدة المجتمع الإسلامي وعن سير الحياة الإيمانية فإنه يفرد الوجود المحمدي عن وجود سائر الناس(2) ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: 29]. بل حينما يتكلم عن الموت الذي هو حق لا ريب فيه يعتبر أن للنبي جنس موت خاص ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ﴾ [الزمر: 30] ولا يمكن أن يجمع موت محمد مع موت البقية. وهكذا في كل مراحل سيره وسلوكه لم يجمع القرآن بين رسل الله (ص) وبين بشر.
عنوان الأوحد ينطبق على الرسول على نحو الحقيقة والواقع، فالوجود المحمدي لا يحيط به أحد من الناس ولا يمكن للناس أن يعرفوه، لأن معرفة شيء تحتاج إلى نحو إدراك وإحاطة بهذا الشيء، ومنذا يحيط برسول الله غير الله. لذلك يقول رسول الله (يا علي ما عرفني إلا الله وأنت)، ولا سبيل لنا إلى معرفة الرسول إلا عن طريق الله تعالى (اللَّهُمَّ عَرِّفْنِي رَسُولَكَ).
علينا أن نخضع بين يدي القرآن لكي نتعرف على محمد بن عبد الله (ص)، وسننتخب بعض الآيات القرآنية التي نتعرف من خلالها على بعض الأبعاد الوجودية في شخصيته (ص). ونعرف وظيفتنا ودورنا العملي -على الصعيدين الشخصي والاجتماعي- أمام هذا الخصائص الاستثنائية في رسول الله.
هناك آيات تتحدث عن أخلاق رسول الله وإدارته وشؤونه التربوية ... هذه الآيات ليست موضع حديثنا. وإنما سنستشهد بالآيات التي تتحدث بشكل مباشر عن ذات رسول الله, وسنقسّم من خلالها خصائص رسول الله إلى:
1- صفات وأبعاد ذاتية للرسول (قبل الرسالة).
2- صفات وأبعاد ذاتية للرسول (بعد الرسالة).
أمّية النبيّ
من الآيات التي تتحدث عن خصائص النبي التي لا يشاركه فيها أحد, وتمثل بعدا من شخصية محمد الأوحد قوله جل وعلا ﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [لعنكبوت: 48] الأنبياء بشروا أممهم بـ (النبي الأمّي), فلا بد أن يكون في هذا الوصف بعد كمالي. فما وجه الكمال في كون النبي أمّيا؟ والجواب يتضح من خلال التأمل في الآية :
(مَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ) من الطبيعي أنه حين يتعلم الإنسان من أي أحد فلا بد أن يخضع له, فحق الأستاذية كبير جدا, وكل حرف يتعلمه الإنسان فهو يسهم في تنمية معارفه, إذ الحرف مندك في الكلمة والكلمة في العبارة والعبارة في الجملة والجملة في المعنى والمعنى في كتاب... وهكذا يولّد الحرف ثروات من المعرفة. ومن أجل هذا قيل (من علمني حرفا صرت له عبدا), ومحمد (ص) هو عبد لله فقط, ويجب ألّا يتقدم عليه أحد, ولا يكون لأحد عليه فضل ولا بتعليم كلمة واحدة , ولا يجب أن يباشر تعليمه إلا الله.
والقرآن يبين هذه الحقيقة ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً﴾ [النساء: 113] يوضح هذا بعدا أساسيا من خصائص رسول الله فهو عبد لله فقط وهو مدين له سبحانه فقط ولا يمكن أن يغنيه إلا الله ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى﴾ [الضحى: 8] أي أغنى بك وأغنى من أجلك, وتصور أن النبي استغنى بأموال خديجة ليس دقيقا.
وربّما لأن حقّ الأستاذ والمعلم يبقى يُعبّد الإنسان طوال عمره نفى القرآن عن النبيّ أنه كان يخط حرفا بيمينه (وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ) ذلك أن مقتضى الإنصاف أن يبقى الإنسان ما عاش يجد في نفسه أن من علمه له أولوية عليه وإن بلغ من العلم والمعرفة شأنا عظيما. ومقتضى صدق رسول الله أن لو قدم له شخص علما ما سيبقى يقدم له التبجيل والاحترام على نحو الوجوب الأخلاقي، والحقيقة أن الأجدر بالاحترام هو محمد بن عبد الله لأنّه أمّي مطلقا -كما سيأتينا- فالله وحده هو من علمه, وكل أركانه الوجودية كبيرها وصغيرها إلهية. فهو يفيد كل أحد ولا يستفيد من أحد.
وكما حرم الله على موسى المرضعات بتدخل إلهي ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ﴾ [القصص: 12] حرمة تكوينية لا تشريعية؛ فكذلك بتدخل رباني حرم الله على نبيه أي جهة للتعليم سواه سبحانه. فكل معارف رسول الله حتى العادية منها كانت تصل إليه بعناية غيبية, وقد ورد عن أمير المؤمنين (ع) في وصف رسول الله: (ولقد قَرَنَ اللهُ بهِ مِنْ لَدُن أنْ كانَ فَطِيماً أعظَمَ مَلَكٍ مِنْ مَلائِكَتِهِ يَسلُكُ بهِ طَرِيقَ المَكارِمِ، ومَحاسِنَ أخلاقِ العالــَم، لَيلَهُ ونــَهارَه) فهناك معلم واحد في هذا الكون هو الله ومتعلم واحد في هذا الكون هو محمد صلى الله عليه وآله.
كما أن هذه الخصوصية هي أيضا صيانة لرسالته عن التهمة (إِذاً لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ). ثم من جهة أخرى سيكون أتْباعه يتبعون مع الواسطة غيره أيضا, والحال أن اتّباع محمد والنسبة له شرف عظيم, لذا فقد أغلق القرآن كل أبواب هذه التبعات بالإشارة إلى هذه الخصوصية.
هذا الفهم لأمّيّة رسول الله الأوحد تحلّ لنا شبهة أساسيّة وهي أن البعض يتوهّم أنّ النبي متأثر ببيئته, وأن مضمون رسالته بما حوت من أحكام وسنن ومعارف كلّها وليدة بيئته البدوية ومناخاتها، شأنه شأن أي مفكّر وفيلسوف لا ينفكّ عن تأثيرات بيئته مهما حاول أن يتجرّد. على سبيل المثال يقولون أنه من الطبيعي في مجتمع يقمع المرأة ويهمّشها أن تنعكس تلك الرؤيا على دين ذلك المجتمع فيشرّع تعدّد الزوجات، وأنه لو لو كان حال المرأة أفضل في المجتمع العربي لما شرع تعدّد الزوجات!
والحقيقة أن المجتمع العربي كان منفتحا على كلّ أشكال وأنواع من الزواج، وجاء النبي (ص) ليحد من هذه السعة ويضيّق العلاقات في إطار مدروس.
لا نحتاج أن نفتش آثار البيئة في تصرفات رسول الله وفي شريعته فمحمّد كلّه وحي إلهي ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: 4].
رسول الله كلّه وحيّ والوحي روح ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: 52]، ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ [الشعراء: 193]
وفاقد الروح جثّة وجيفة، لأنّه فاقد للحسّ والإرادة والفاعليّة، فسرّ التفاوت بين النبيّ وبين الموجودات هو أنّ النبيّ له روح ليست عند أحد.
وربما هذه الروح الخاصّة تفسّر أيضا سرّ الرائحة الطيّبة التي اختصّ بها رسول الله كما جاء في كتب السير، وكما في حديث الكساء (يا أُمّاهُ إِنّي أَشَمُّ عِندَكِ رائِحَةً طَيِّبَةً كَأَنَّها رائِحَةُ جَدِي رسول الله (ص)) لم يكن هذا عطرا ماديا وإلا لاقتناه الناس! هذا العطر ينم عن خصوصية وجودية فيه صلوات الله عليه وآله.
نحن لا نحتفل بميلاد رسول الله بل بميلاد كل واحد منا, لأن ولادتنا الحقيقية هي خروجنا من الظلمات إلى النور، والذي أخرجنا منها هو محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله.

الخميس، 18 ديسمبر 2014

العقيلة (ع) أذان من الله ورسوله

 أربعون يوماً مرّت على أحداث كربلاء كانت انقلابا على كل شيء وعلى جميع الأصعدة . أربعون يوما كانت كفيلة بتطهير عالم الخلقة مما علق به من الرجس والدنس وألوان والوحشية والسبعية .


كان العالم الإسلامي يحتاج إلى أربعين يوما ليبرأ من مرضه العضال ؛ فقد النبي , وغصب الوصي , والسقيفة والشورى والجمل وصفين وشهادة الإمام الحسن (ع) ... كل هذه الأحداث نخرت في بدن الأمة الإسلامية وسبّبت أمراضا في أعماق البدن الإسلامي : في فكره وعقائده وأخلاقه وإنسانيته , وأسقاما في كل مفاصله حتى أصبح عاجزاً عن القيام بأهم وأوضح الواجبات , لذا كان لا بدّ من فصل الخطاب ليشفى الدين ويتعافى ويبرأ من علته .


ولم يكن طبيبه إلا وريثة النبي وحفيدته وغصنه وفرعه , التي تحمل روحه , وتعي حقيقة رسالته , ومن تنطوي جنباتها على إحساسه وشهامته وعزته ورحمته صلوات الله عليه وآله . وكما كان هو صلوات الله عليه طبيبا دوّرا بطبّه (1) كانت عقيلة الطالبين تدور من بلد إلى بلد (قد أحكمت المراهم وأحمت المواسم) , ما حطت أقدامها على أرض إلا وأعادت لأهلها الصحة والسلامة .


ولعمل زينب نظير من تاريخ بيتها العلوي الرفيع الذي أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً , فقد كان لأبيها علي عليه السلام براعة الاستهلال حينما اختاره الله سبحانه ليبلغ سورة براءة إلى مشركي مكة ، وليطهر بيته من أوحال الشرك والكفر والمكر , وليتصدى لصلاتهم عند البيت التي ما كانت إلا مكاء وتصدية , وكان لا بدّ من مواجهة الكافرين في عقر دورهم وديارهم ؛ فلم تعد تنفع العهود والمواثيق والأيمان فيهم ﴿ .. فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ ۙ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ﴾ [ التوبة: 12] لأن الإنسان الذي ليس عنده أَيمان أي لا يحفظ العهود والمواثيق لا يمكن التعايش معه بحال . وهذا لا يصبح كافرا فحسب بل من أئمة الكفر , وقد أمر القرآن بقتالهم فهم ﴿ لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلا وَلا ذِمَّةً .. ﴾ [ التوبة : 10] ومن الذي يمكنه أن يقوم بفعل البراءة غير علي عليه السلام ؟!


يحدثنا التاريخ أنه حينما نزلت سورة براءة معلنة سقوط كل ميثاق بين المسلمين وبين قريش، التي لا تحترم العهود ، والتي حولت بيت الله الذي أُسّس للتوحيد إلى صرح للشرك والكفر , أرسل النبي بدايةً الخليفة الأول ، وأركبه ناقته العضباء ، في أهم موسم وهو موسم الحج ليتلو عليهم هذه الآية ﴿ وَأَذَانٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ ..﴾ [ التوبة : 3 ] ليعلن براءة الله ورسوله من المشركين . لكن الوحي ينزل على رسول الله ليخبره جبرائيل ( يا محمد، لا يبلغ عنك إلا أنت أو رجل منك) (2) فأعطاها عليّا (ع) .



البراءة إبراء العلة



كان يجب أن لا يبلّغ بسورة براءة إلا النبي أو أحد منه ، لأن البراءة ليست صرف إعلام أو قول ورسالة لفظية , البراءة من البرء أي قطع علة المرض والانتهاء منه . فالبرء لغة هو التفصّي (3) مما يكره مجاورته (4) وقد كانت العرب تحتجم إذا مرضت وتتفصّى مما علق ببدنها من علل , ولا يعبّر بالبرء إلا حين الخلاص من مرض صعب قد استحكم في البدن مده طويلة .


ثم إن البرء لا يتحقق إلا بالقطع . يقال في الأصول : اشتغال الذمة لا يرتفع إلا بأداء التكليف على نحو القطع , فإذا كانت ذمة الإنسان مشغولة بدين أو صلاة أو أي واجب فهي تبقى مشغولة حتى يقطع بأداء الفعل . والبراءة هنا تضمنت المفهومين : الشفاء من مرض طويل , والخروج بالانقطاع عنه تماما.


لقد أجرم مشركو مكة بتحويل البيت الذي بناه إبراهيم الخليل خالصا لله إلى مركز للشرك وبيت للأصنام وإرصاد لحرب الله ورسوله . فكان علي عليه السلام أذان من الله ورسوله لتحقيق البراءة بشرطيها . فلا يعود بيت الله سليما إلا بأمرين :


1- أن تخرج منه أسباب مرضه: فيجب أن يكون هناك إنسان يستطيع ولو كان وحيدا فريدا أن يحطم هبل بكل قوة , هذا الإنسان هو علي الذي حمل ( براءة ) وحيدا ليعيد إلى بيت الله صحته .


2- محو كل آثار الشرك: فكل الخطايا التي وقعت في بيت الله أدت الى اشتغال ذمة الإنسانية ومرض روحها , وليس سوى عليّ (ع) يمكن أن يبرئ ذمة الانسانية ويرفع حالة اشتغال ذمتها بالخطايا والمعاصي والمواجهة لرسول الله صلى الله عليه وآله , وأن يزيل أئمة الكفر الذين لا أَيمان لهم فتبرأ بذلك ذمة الأمة السلامية .


ولأداء هذا الدور لم يكن علي يحمل رسالة سرية كالسفراء والقادة في عملية سياسية ومناورة بين طرفين ؛ بل كان لا بد أن يؤذّن بالبراءة , لأن الكون كان يضج بتلك الذنوب . ومعنى الأذان أن يوصل هذه المقاطعة وهذا القرار لكل الآذان, لا فرق في ذلك بين زعماء القوم أو صعاليكهم .


هناك فرق بين النجوى والنداء والأذان : النجوى خفيّة كما يعمل السياسيون الذين يجيدون الدبلوماسية, والنداء أوضح منه لكن يفهمه بعض الناس دون غيرهم , وأما الأذان فيجب أن يملأ فضاء كل أذن ، وهو واضح صريح بيّن ، لذا تجد المؤذن يضع يده على أذنه لأن صوته يملأ فضاء أذنه ويزيد عليه.


دخل علي أمير المؤمنين مكة وقرأ براءة بصوت عال وسبابته في أذنه , كان هو الجدير برفع أسباب العلل والأمراض وإحداث الفصل والقطع الواقعي وهدّ بقية أبنية الشرك . وحوّل مكة التي كانت مركزا للشرك إلى مركز للتوحيد والعفو والغفران .


وإذا أردنا أن نجد شبيها لعلي في هذا فلن تكون سوى زينب عليهما السلام . ولا يمكن حصر أوجه الشبه بين زينب وعلي , لأن الوظيفة واحدة والفاعل هو نفس الفاعل بنفس روحه وقلبه ولبّه وفكره ومخططه.


زينب كانت أذان من الله ورسوله لهذه الأمة ، واستطاعت أن تبرئ بدن الأمة وعقلها وفكرها مما علق فيها من مرض عضال ألمّ به من يوم السقيفة إلى يوم العاشر . وبدأتْ زينب ابنة علي عليهما السلام رحلتها على نفس المنوال ، مقتفية أثر أبيها بكل عزم وجزم واقتدار .



خطبه السيدة زينب (ع) ترجمة سورة براءة



كل ما قالته زينب (ع) من لحظات شهادة الإمام الحسين (ع) حتى عودتها إلى المدينة ليس إلا ترجمة لسورة براءة . فقد بدأت زينب خطبتها بقولها ( الحمد لله والصلاة على أبي محمّد وآله الطيبين الأخيار ) فلم تبدأ بما هو مألوف ومعروف في آداب الخطبة في الثقافة الإسلامية حيث البسملة والاستعاذة ثم حمد الله والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وآله , هذا بالضبط كسورة براءة التي خلت من البسملة . ثم هي لم تصل على ( رسول الله ) لتجعل المستمعين مشمولين معها بكونه مرسولا لهم بل قالت ( والصلاة على أبي ) الذي ورثتُ عنه هذا المسلك . ثم تقول ( يا أهل الكوفة ، يا أهل الختر والغدر والمكر ) وهذا ترجمة لنص الآية ( فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ ۙ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ ) . ثم تقول ( ألا فلا رقأت العبرة ولا هدأت الزفرة ) فضلا عما تحمله العبارة من تعنيف , فإن لها معنى دقيقا ، فهي عليها السلام في موقع دلالتهم على طريق الخلاص من هذه الأمراض والخطايا والذنوب ، التي على رأسها ترك نصرة الحسين عليه السلام , فتقول لهم أن الذي يريد أن يعالج ذنوبه فيجب أن لا ترقأ دمعته .


ثم تقول ( إنّما مثلكم كمثل التي نقضت غزلها من بعد قوّة أنكاثاً ، تتّخذون أيمانكم دخلاً بينكم ) لأنه لا أَيمان ولا عهود للذين يعطون ابن بنت رسول الله العهود والمواثيق, ثم يخرجون لحربه وأسر أخواته ، فهم أئمة الكفر ( ألا وهل فيكم إلاّ الصلف والنطف، والصدر الشنف ) هذه نفس قوله تعالى في وصف المشركين بأنهم نجس ﴿ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَٰذَا ﴾ [ التوبة : 28 ] ثم هذا الصلف النطف عندما يتعامل مع الطغاة بـالتملق يكون (كفضة على ملحودة) , تقول عليها السلام ( وملق الإماء، وغمز الأعداء , أو كمرعى على دمنة، أو كفضة على ملحودة، ألا ساء ما قدّمت لكم أنفسكم أن سخط الله عليكم ، وفي العذاب أنتم خالدون ) أي أنكم تدعون الإسلام ومحبتنا أهل البيت كفضة على ملحودة أي وعاء فضة وضع على قبر فيه جيفة , فمهما كان هذا الوعاء جميلا فهو ظاهر والحقيقة تلك الجيفة النتنة . هذا مثل من يدعي الإسلام مع استيلاء الأمراض عليه ، و وهي عليها السلام تقرر أن لا علاج له إلا باتصاله بأهل البيت وبالإمام الحسين عليه السلام .


وليس بعيدا عن زينب التي قضت عمرا في أحضان القرآن و تفسير الآيات الإلهية أن تحاكي القرآن .


كلنا نؤذن للصلاة ولكن أذان زينب يختلف . وذلك لأن توحيدها يختلف , وإخلاصها يختلف . زينب أصبحت في قصر يزيد وكلها أذان بالتوحيد والنبوة والولاية . ومثلت المرأة الواعية الذائبة في مولاها , فتحولت إلى أذان وبراءة , لم تكن صرف طبيب معالج بل كانت هي البرء وهي التي رفعت انشغال ذمة هذه الأمة من قتل الإمام الحسين (ع).


أمة كاملة برجالها وقياداتها وشجعانها ومقاتليها فسدت ومرضت في عقيدتها وأخلاقها ، حتى تهلهل وجودها ، فأذّنت فيها زينب بالبرء والشفاء وقطعت علّتها , وتحملت الآلام نيابة عن الأمة التي انشغلت ذمتها أمام الله بأعظم الواجبات , ودلتها على أداء الواجب . فهاهم الملايين اليوم يقصّون أثر زينب يبحثون عن آثار حركتها .

هؤلاء الزاحفين نحو الحسين لا يرددون شعارات لا يفقهونها بل إن هذه الجموع تعيد أذانا لقنته إياهم امرأة أبرأت أمة جدها وأفرغت ذمتهم أمام الله . وما هذا الزحف المليوني في كل عام إلا استجابة لأذان زينب الذي اسمعتْه للأمة عبر الأزمان , ورسالة الأربعين التي نبعثها للعالم في كل عام إنما تعلمناها من زينب عليها السلام .


-------------------------


1- قال أمير المؤمنين عليه السلام في وصف النبي صلّى الله عليه و آله: طَبِيبٌ دوَّارٌ بِطِبِّهِ، قَد أحكمَ مَراهِمَه، وَ أحمَى مَواسِمَه يَضَعُ ذلكَ حيثُ الحَاجة إلَيهِ مِن قلوبٍ عُمي وَ آذانٍ صُمٍّ وَ أَلسِنَةٍ بُكْمٍ مُتتبِّعٌ بِدَوَائِهِ مَوَاضِعَ الغفلَةِ وَ مَوَاطِنَ الحَيرَةِ. نهج البلاغة ج 1، ص 207




2- تاريخ اليعقوبي ج2 ص76 والبداية والنهاية ج5 ص46 وج7 ص394, والإختصاص للمفيد ص168 وإقبال الأعمال




3- تفصى من الشيء: تخلص منه




4- مفردات الراغب الأصفهاني : أصل البُرْء والبَراء والتبري : التفصي مما يكره مجاورته ، ولذلك قيل بَرَأتُ من المرض وبَرَأتُ من فلان وتَبَرَّأتُ وأبْرَأتُهُ من كذا وبَرَأتُهُ ورجل بريء وقوم برآءُ وبريئون قال عز وجل ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ التوبة /1 ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ التوبة / 3 [2]

الثلاثاء، 16 ديسمبر 2014

الإمام الرضا والمحمّديّة البيضاء

ورد مصطلح المحمدية البيضاء في بعض الأدعية , منها دعاء سريع الإجابة عن الإمام الكاظم سلام الله عليه الذي مطلعه : " اللَّهُمَّ إِنِّي أَطَعْتُكَ فِي أَحَبِّ الْأَشْيَاءِ إِلَيْكَ وَ هُوَ التَّوْحِيدُ ، وَ لَمْ أَعْصِكَ فِي أَبْغَضِ الْأَشْيَاءِ إِلَيْكَ وَ هُوَ الْكُفْرُ ، فَاغْفِرْ لِي مَا بَيْنَهُمَا ، إلى أن يقول : اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِالْوَحْدَانِيَّةِ الْكُبْرَى ، وَ الْمُحَمَّدِيَّةِ الْبَيْضَاءِ ، وَ الْعَلَوِيَّةِ الْعُلْيَا ( الْعَلْيَاءِ ) ، وَ بِجَمِيعِ مَا احْتَجَجْتَ بِهِ عَلَى عِبَادِكَ ، وَ بِالاِسْمِ الَّذِي حَجَبْتَهُ عَنْ خَلْقِكَ فَلَمْ يَخْرُجْ مِنْكَ إِلاَّ إِلَيْكَ ، صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ ، وَ اجْعَلْ لِي مِنْ أَمْرِي فَرَجاً وَ مَخْرَجاً ، وَ ارْزُقْنِي مِنْ حَيْثُ أَحْتَسِبُ وَ مِنْ حَيْثُ لاَ أَحْتَسِبُ ، إِنَّكَ تَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ "(1)

عنوان البحث ( الإمام الرضا والمحمدية البيضاء ) منتزع من فكرة أن الإمام الرضا عليه السلام قد أظهر بطلان ما يدعو إليه المأمون وعموم بني أمية وبني العباس في التوحيد والنبوة ، بل إن فهمهم للرسالة وسائر العقائد مرفوض عند أهل البيت عليهم السلام . وفي الخبر أن المأمون طلب من الإمام الرضا أن يكتب رسالة يوجز فيها عصارة ولب الإسلام الذي يرتضيه الرضا عليه السلام, أي بما يتناسب مع المحمدية البيضاء أو الحقيقة المحمدية كما يعبر العرفاء ، في مقابل الإسلام الذي يطرحه غيره.

روى الصدوق بسنده عن الفضل بن شاذان قال : سأل المأمون علي بن موسى الرضا أن يكتب له محض الإسلام على سبيل الإيجاز والاختصار ، فكتب ( عليه السلام ) له : " إن محض الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إلها واحدا ، أحدا ، فردا ، صمدا ، قيوما ، سميعا ، بصيرا ... إلى أن قال : وأن محمدا عبده ورسوله وأمينه وصفيه وصفوته من خلقه ، وسيد المرسلين وخاتم النبيين وأفضل العالمين ، لا نبي بعده ولا تبديل لملّته ولا تغيير لشريعته ، وأن جميع ما جاء به محمد بن عبد الله هو الحق المبين ..." (2)

ما يهمنا هو عبارة " وأن جميع ما جاء به محمد بن عبد الله هو الحق المبين" ومن خلالها سنبين المحمدية البيضاء ، ودور الإمام الرضا (ع) في بسط وتوضيح المحمدية البيضاء وتحقيقها في الخارج .


أقسام الناس في الإيمان بنبوّة رسول الله (ص)



من خلال قول الإمام صلوات الله وسلامه عليه ( ولا تبديل لملّته ولا تغيير لشريعته ) يقسّم الاعتقاد والإيمان بالنبي ورسالته إلى قسمين: الأول / هو ما يدعيه العباسيون والأمويون وأكثر الناس ، والقسم الثاني / هو ما يدعيه أهل البيت (ع) ويدعون إليه ، وهو ما نسميه بالمحمدية البيضاء . وبيانهما كالتالي :

القسم الأول :

الاعتقاد والشهادة بأن محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله الذي بعثه الله سبحانه وتعالى في مكة المكرمة هو منتخب مصطفى من قبل الله , وأنه خاتم النبيين و أفضل العالمين و أنه لا نبي بعده , وتنتهي العقيدة عند هذا المستوى .

وبناء على هذا النوع من الإيمان فإن محمدا صلى الله عليه وآله رحل مع كل هذه الخصائص ورحلت معه رسالته ووظيفته في مواجهة الكفر والشرك والباطل , وإن كان بقي لمحمد بن عبد الله (ص) شيء فقد بقيت الدولة و السلطان , أما الوجود المحمدي فلا امتداد له في و لا اتساع لحقيقته في هذا الكون .

هذا خلاصة القسم الأول من الإيمان برسالة النبي صلى الله عليه وآله , وبناء على عبارة الإمام التي أسلفناها فإن من يحملون هذا النوع من الاعتقاد هم مسلمون من حيث الظاهر , و لكنهم في الحقيقة غيروا من شرعته وبدلوا في ملّته , لأنهم لم يروا امتداد الوجود الحقيقي لرسول الله (ص) و لم يروا بقاء وثبات الشريعة وديمومة الملّة .

القسم الثاني :

و هو معنى الحقيقة المحمدية التي يقصدها العرفاء , هو الاعتقاد بامتداد رسالة النبيّ (ص) التي يستحيل أن تتغير وتتبدل ، وأن لها حملة ، وأن الجبهة التي أوجدها النبي في مواجه الضلال مازالت مفتوحة ، فلا تبديل لملّته و لا تغيير لشريعته .

هذا النوع من الإيمان بنبوّة رسول الله يعني الإيمان بأن هناك حقيقة محمدية ثابتة وأصيلة ومستقرة في كل زمان . وهي المحمدية البيضاء التي لا يخالطها شيء . (3) و هذا ما يسميه العرفاء بالحقيقة المحمدية . ومفادها أن النبي إذا رحل فإن له حقيقة وروح تبقى موجودة في كل زمان , وأن هناك من يجسد هذه الروح و يحققها في الخارج . ودليل العرفاء على ذلك هو أنه إذا كانت ملّة وشرعة رسول الله (ص) باقية وموجودة وهي عرض من أعراضه , فلا شك أن العرض يعود إلى ما بالذات , فالذات موجودة أيضا .

الإمام الرضا يبيّن أن الإيمان بالحقيقة المحمدية المحضة يتقوّم بشرطين : الأول / الإيمان بأن النبي منتخب من قبل الله وأن لا نبي بعده , والثاني / أنه لا تبديل لملّته و لا تغيير لشريعته .


ما هو التبديل في الشريعة ؟



يتكلم القرآن عن مسألة التبديل و التغيير في الشرائع وخصوصا في ملّة رسول الله ، الآية تقول ﴿ الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ اللّهِ كُفْراً وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ ﴾ [ إبراهيم 28-29] .

إن أعظم نعمة ومنّة هي محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله ؛ هي الحقيقة المحمدية التي تمتد بامتداد الوجود ، و تظهر في مظهر الولاية . لو دققنا في هذه الآية لوجدنا أنها جاءت في سياق آيات توجهها ، فالآية التي قبلها ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا ۗ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ ﴾ [ إبراهيم : 24-26 ] وقد رد في الرواية ما مضمونه : أن الشجرة الخبيثة هي عدونا ، و الكلمة الطيبة هي ولايتنا . إذن هذه الآية توجه ما بعدها ، وتعيّن الذين بدلوا نعمة الله كفرا .

ما الفرق بين التبديل و التحويل و التغيير ؟ 
التبديل ليس تغيير ماهية شيء ، وإنما إزالة شيء ووضع شيء آخر مكانه , فهؤلاء الذين بدّلوا لم يتصرفوا فقط في هوية هذه المحمدية وتغيير بعض معالمها و إنما أزالوها و نصبوا غيرها ، والسبب أنهم لا يعتقدون ضمن إيمانهم بالرسالة أن محمد بن عبد الله (ص) لا تبديل لملّته . (4)

( الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ اللّهِ كُفْراً وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ ) هنا نجد في الآية نكتتين ينبغي الالتفات إليهما :

النكتة الأولى / ( وأحلوا قومهم ) بدلالة كلمة قومهم نفهم أن هؤلاء أصحاب نفوذ وعلى رأس السلطة ، و أن لهم مواقع مؤثرة ويستطيعون أن يزيلوا هذه النعمة ويرفعوها ويضعوا في مقابلها النقمة . فليس كل أحد يستطيع أن يقود الناس باتجاه تغيير حقيقة و تبديلها .

النكتة الثانية / دار البوار المراد منها كل شيء غير هادف و لا ينتهي إلى نتيجة . لأنّ المراد من البوار فساد العاقبة والنتيجة ، و هؤلاء الذين بدلوا المحمدية البيضاء مسلمون ظاهرا لكنهم في الواقع أحلوا قومهم دار البوار . ولعلّهم يفتحون البلدان ويملكون الأرض ويحوزون الأموال ولكن بلا بركة ، فتصبح البلاد بوارا ، أي ليس فيها نتاج إنساني.

هؤلاء يقعون في مقابل أولئك الذين يؤمنون بالمحمدية البيضاء .
والذي يؤمن بذلك فهو في الحقيقة يؤمن بأن الجبهة التي فتحها رسول الله (ص) في مقابل الباطل موجودة وباقية وممتدة بامتداد حقيقته (ص) لأنهم يعتقدون بالامتداد الزماني والمكاني الأصيل الثابت لمحمد (ص) .


دور الإمام الرضا إظهار للمحمدية البيضاء



إن سيرة الإمام الرضا تكشف دوره عليه السلام في إظهار محض الإسلام والمحمدية البيضاء , وبيان هذه اللون الصافي من الشريعة المحمدية مقابل أولئك الذين بدلوا نعمه الله كفرا واحلوا قومهم دار البوار .

ولعل قبول الإمام الرضا بولاية العهد كان هدفه بيان السنة المحمدية البيضاء الخالصة ، واقتطاف ثمار الشجرة الطيبة وإطعامها للأمة . ولعله عين الهدف الذي صالح من أجله الإمام الحسن عليه السلام , الفرق أن الإمام الحسن سلّم الحكم لمعاوية ليسلب منه المشروعية, والامام الرضا استلم ولاية العهد ليبين عدم مشروعية المأمون ، واعتمد كلاهما على ذات الوسيلة وهي إظهار السنّة الأصيلة الصافية للنبي محمد صلوات الله عليه وآله .

لقد كان هدف المأمون هو تشويه سمعة الإمام الرضا (ع) ، لأن من الطبيعي أن ينتظر شيعة الإمام منه بعد وصوله إلى الحكم أن يعيد نعمة الله حمدا وثناء ، وأن يحل قومه دار العدل والرخاء ، وإن بقاء الواقع الفاسد سيفاجئهم ويصدمهم مما سيؤثر في علاقتهم وقناعتهم بالإمام , لكن الإمام قلب السحر على المأمون بشروطه التي اشترطها مقابل قبول ولاية العهد , كجده الحسن (ع) حين قلب الأمر على معاوية بصياغة شروط الصلح .

لقد قبل الإمام الرضا (ع) ولاية العهد بشروط كان أهمها ألا يتدخل في شأن من شؤون الدولة ، و أن لا تناط به أية مسؤولية . ورد في كتابه للمأمون : « إنّي داخل في ولاية العهد على أن لا آمر ولا أنهى، ولا أفتي ولا أقضي، ولا أولّي ولا أعزل، ولا أغيّر شيئاً ممّا هو قائم، وتعفيني من ذلك كلّه » (5) ومعنى ذلك أن المعارضة يمكن أن تكون في أعلى المناصب في الدولة ، وأن قبول أي منصب في الدول الجائرة لا يعني أبد الرضا بسياسة هذه الدول , كان الإمام يريد بذلك إرسال رسالة للأمة مفاها : ابقوا معارضة أيا كان المنصب الذي تشغلونه مهما كان موقعكم حساسا ، ولا تغشكم المناصب ولا تبرر لكم التعاطي مع الطغاة , فان المعارضة هي سيره النبي البيضاء .

كثير ما يتصوّر الناس أن الوصول إلى المناصب والمواقع الاجتماعيّة الكبيرة في ظلّ الدولة الجائرة والحكومة غير الشرعيّة يجعل أصحاب هذه المواقع محتاجين إلى المجاملة وممارسة التقيّة أكثر ، لأنهم تحت الرقابة. والحال أن الإيمان بامتداد الثقافة المحمدية يقضي بالانحياز إلى الخيار المقابل تماما، فإن ضريبة الوصول إلى تلك المواقع (أو زكاتها) أن يكون الإنسان أكثر حقانية وأفصح بالحق ولا يلحن في حجته ، لأنّ موقعه الحساس يجعله أقدر على إيصال الحقائق . أما من يدّعي أنه يتولى الإمام الرضا (ع) ويستنّ بسنته ثم يكون ضعيف الحجة منصهرا في بوتقة الظلم ذائبا في الواقع فهذا يمارس خديعة في حقّ الأمة وتزييفا وتزلفا ، ويخالف تماما سيرة الإمام (ع) ، فيكون مصداقا لتبديل ملّته (ص) وتغيير شرعته.

لقد أظهر الإمام الرضا المحمدية البيضاء الخالصة ليعلمنا أن علينا أن لا نغيّر في دين محمد وشرعته مهما تعسرت ، وعلّمنا أن نقلب الواقع إلى اللون المحمدي الثابت الذي لا يتغير ، و أن نستثمر المنصب -لو وصلنا إليه- في إحياء السيرة والسنة المحمدية التي صدع بها رسول الله (ص) في مكة يوم قال للكافرين ﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ *وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ *وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ﴾ ليس في الآية تكرار بل تأكيد على أن لا انسجام بيني وبينكم , وهذا بعينه ما فعله الرضا عليه السلام ، فهو بشرط عدم تدخله في الدولة يقول للمأمون أنا أدخل في السلطة لكني لا أنسجم معك أبدا ، ولا يمكن أن تنسجم معي ، ولا توجد بيننا لغة مشتركة أصلا .

هذا يعني أن الوجود المحمدي ممتد في الإمام الرضا ، وأن المحمدية البيضاء التي تواجه الباطل ممتدة . لقد كان الإمام الرضا عليه السلام لونا طاهرا أبيضا نقيا مع كونه في أكثر المواقع حساسية ، وهذا ليس إلا لأنه امتداد لروح رسول الله صلى الله عليه وآله , وهذا معنى قوله عليه السلام ( ولا تبديل لملّته ولا تغيير لشريعته) ، يعني أنا لن أتغير ، ومحمد بن عبد الله (ص) لا تبديل لملته ولا تغيير لشرعته مهما قست الظروف . من هنا حين طلب المأمون من الإمام الرضا (ع) أن يخرج لصلاة العيد رفض الإمام لاشتراط المأمون عدم ممارسة شأن من شؤون الولاية (6) لكنه مع إصرار المأمون قبل بشرط أن يصلي كما صلى رسول الله (ص) ، والقصة مشهورة ومعروفة . وهي عذبة جدا إذ تروي الأخبار أن الإمام لبس لباسا أبيضا كلباس رسول الله (ص), وأمر من معه بذلك ، ومشى في موكب مهيب مؤثر يعيد سيرة رسول الله حية نابضة . ولعل من أفضل من صوّر حادثة خروج الإمام الرضا (ع) للصلاة هو الشهيد المطهري في محاضرة له بالفارسية ، وأتصوّر أنّ كمال السيد نقلها عنه في روايته التاريخية ( الطريق إلى خراسان ) حيث يقول :

كان الرجل الذي يحمل ميراث الأنبياء قد اغتسل، وبعض قطرات الماء تتألق فوق جبينه المضيء ، واستكمل ارتداءه ثياباً بيضاء بلون حمائم السلام.. واعتمّ بعمامة بيضاء وقد أرخى طرفها الأول فوق صدره والطرف الآخر بين كتفيه، وطلب من مواليه أن يفعلوا مثله ، وأن يقتدوا بحركاته عندما يخرج إلى الصلاة . أمسك بعكّازة وغادر المنزل حافياً... وفوجئ الجميع بطلعته البسيطة: ثياب بيضاء ناصعة قصيرة، وخلفه رجال يرتدون مثل هيئتة!! وقف الإمام عند عتبة الباب وهتف عالياً وهو ينظر إلى السماء الزرقاء: ـ الله أكبر.. الله أكبر... الله أكبر.. الله أكبر. الله أكبر على ما هدانا... الله أكبر على ما رزقنا... الحمد لله على ما أولانا... وردّد الرجال خلفه الكلمات المقدسة. وبدأ الموكب العجيب يشقّ طريقه بين صَفّين طويلين من الجنود.
قطع الإمام عشر خطوات، وتوقف ليردّد كلمات الثناء والحمد لله رب العالمين. وراحت الجماهير تردّد كلمات التكبير، وقفز القادة والجنود بأنفسهم من فوق الخيول، وكان أحسنهم حالاً من عنده سكين ليقطع أربطة حذائه وليحتفي. لا أحد يعرف سرّ البكاء، سرّ الدموع.. هل هي دموع فرح أم دموع شوق إلى هوّية فُقدت منذ زمن بعيد؟! وربّما تصوّر بعضهم أن رسول الله قد بُعث إلى الحياة. ها هو الرجل المدني يجسّد ثقافة الإسلام الحقيقية: البساطة، الخشوع لله، التواضع.. ليسجّل تناقضه مع كل مظاهر الأُبّهة والتسلّط وقهر الآخرين .

لم ير الناس رسول الله صلى الله عليه وآله ولكن ما كان مرسوما من سيرته في أذهانهم جسده الإمام الرضا وأظهر المحمدية في الخارج لأن الامام الرضا كان هو الامتداد لهذه الحقيقة , وبإظهاره لها كشف زيف ما سواها .




-----------------------------------




1- المصباح : 292

2- روى الصدوق بسنده عن الفضل بن شاذان قال : سأل المأمون علي بن موسى الرضا أن يكتب له محض الإسلام على سبيل الإيجاز والاختصار ، فكتب ( عليه السلام ) له : " إن محض الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إلها واحدا ، أحدا ، فردا ، صمدا ، قيوما ، سميعا ، بصيرا ، قديرا ، قديما ، قائما ، باقيا ، عالما لا يجهل ، قادرا لا يعجز ، غنيا لا يحتاج ، عدلا لا يجور ، وأنه خالق كل شئ ، ليس كمثله شئ ، لا شبه له ، ولا ضد له ، ولا ند له ، ولا كفو له ، وأنه المقصود بالعبادة والدعاء والرغبة والرهبة . وأن محمدا عبده ورسوله وأمينه وصفيه وصفوته من خلقه ، وسيد المرسلين وخاتم النبيين وأفضل العالمين ، لا نبي بعده ولا تبديل لملته ولا تغيير لشريعته ، وأن جميع ما جاء به محمد بن عبد الله هو الحق المبين ، والتصديق به وبجميع من مضى قبله من رسل الله ، وأنبيائه ، وحججه والتصديق بكتابه الصادق العزيز الذي : ﴿ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴾ وأنه المهيمن على الكتب كلها ، وأنه حق من فاتحته إلى خاتمته ، نؤمن بمحكمه ومتشابهه ، وخاصه وعامه ، ووعده ووعيده ، وناسخه ومنسوخه ، وقصصه وأخباره ، لا يقدر أحد من المخلوقين أن يأتي بمثله . وأن الدليل بعده والحجة على المؤمنين والقائم بأمر المسلمين ، والناطق عن القرآن ، والعالم بأحكامه : أخوه وخليفته ووصيه ووليه ، والذي كان منه بمنزلة هارون من موسى : علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) أمير المؤمنين ، وإمام المتقين ، وقائد الغر المحجلين ، وأفضل الوصيين ، ووارث علم النبيين ، والمرسلين ، وبعده الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة ، ثم علي بن الحسين زين العابدين ، ثم محمد بن علي باقر علم النبيين ، ثم جعفر بن محمد الصادق وارث علم الوصيين ، ثم موسى بن جعفر الكاظم ، ثم علي بن موسى الرضا ، ثم محمد بن علي ، ثم علي بن محمد ، ثم الحسن بن علي ، ثم الحجة القائم المنتظر صلوات الله عليهم أجمعين أشهد لهم بالوصية والإمامة ، وأن الأرض لا تخلو من حجة لله تعالى على خلقه في كل عصر وأوان ، وأنهم العروة الوثقى ، وأئمة الهدى ، والحجة على أهل الدنيا ، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ، وأن كل من خالفهم ضال مضل باطل ، تارك للحق والهدى ، وأنهم المعبرون عن القرآن ، والناطقون عن الرسول ( صلى الله عليه وآله ) بالبيان ، ومن مات ولم يعرفهم مات ميتة جاهلية ، وأن من دينهم الورع والفقه والصدق والصلاة والاستقامة والاجتهاد ، وأداء الأمانة إلى البر والفاجر ، وطول السجود ، وصيام النهار وقيام الليل ، واجتناب المحارم ، وانتظار الفرج بالصبر ، وحسن العزاء وكرم الصحبة [عيون أخبار الرضا 2 : 121 – 122]

3- وصف المحمدية بالبيضاء لوضوح معالمها من جهة ، ومن جهة أخرى أن كل ما علق فيها مما هو ليس منها فسيظهر ويبين بوضوح . يقال أن استحباب لبس البياض لاهتمام الدين بالطهارة , البياض هو مادية التمحض , والتمحض هو معنوية البياض . المحمدية البيضاء تظهر كل من يحدث أي تغيير فيها , ومن يحدث أي تغيير يكفر.

4- الملة هنا تقابل الشريعة فنعرف أنها الأصول و أنها الحقيقة و الأركان إن صح التعبير ، في مقابل الشريعة التي هي بمعنى الدين كله وليس الفقه .


5- الكافي 1/489


6- في إرشاد المفيد روى علي بن إبراهيم عن ياسر الخادم والريان بن الصلت جميعا قال: لما حضر العيد وكان قد عقد للرضا عليه السلام الأمر بولاية العهد بعث المأمون إليه في الركوب إلى العيد والصلاة بالناس والخطبة بهم فبعث إليه الرضا عليه السلام قد علمت ما كان بيني وبينك من الشروط في دخول هذا الأمر فاعفني من الصلاة بالناس، فقال له المأمون إنما أريد بذلك أن تطمئن قلوب الناس ويعرفوا فضلك، ولم تزل الرسل تتردد بينهما في ذلك، فلما ألح عليه المأمون أرسل إليه إن اعفيتني فهو أحب إلي وإن لم تعفني خرجت كما خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام فقال له المأمون اخرج كيف شئت وأمر القواد والحجاب والناس أن يبكروا إلى باب الرضا عليه السلام قال فقعد الناس لأبي الحسن عليه السلام في الطرقات والسطوح واجتمع النساء والصبيان ينتظرون خروجه وصار جميع القواد والجند إلى بابه فوقفوا على دوابهم حتى طلعت الشمس فاغتسل أبو الحسن عليه السلام ولبس ثيابه وتعمم بعمامة بيضاء من قطن ألقى طرفا منها على صدره وطرفا بين كتفيه ومس شيئا من الطيب وأخذ بيده عكازا وقال لمواليه افعلوا مثل ما فعلت فخرجوا بين يديه وهو حاف قد شمر سراويله إلى نصف الساق وعليه ثياب مشمرة فمشى قليلا ورفع رأسه إلى السماء وكبر وكبر مواليه معه ثم مشى حتى وقف على الباب فلما رآه القواد والجند على تلك الصورة سقطوا كلهم عن الدواب إلى الأرض وكان أحسنهم حالا من كان معه سكين فقطع بها شرابة جاجيلته ونزعها وتحفى. وكبر الرضا عليه السلام على الباب الأكبر وكبر الناس معه فخيل إلينا أن السماء والحيطان تجاوبه وتزعزعت مرو بالبكاء والضجيج لما رأوا أبا الحسن عليه السلام وسمعوا تكبيره وبلغ المأمون ذلك فقال له الفضل بن سهل ذو الرياستين يا أمير المؤمنين إن بلغ الرضا المصلى على هذا السبيل افتتن به الناس وخفنا كلنا على دمائنا فأنفذ إليه أن يرجع فبعث إليه المأمون قد كلفناك شططا واتعبناك ولسنا نحب أن تلحقك مشقة فارجع وليصل بالناس من كان يصلي بهم على رسمه، فدعا أبو الحسن عليهالسلام بخفه فلبسه وركب ورجع واختلف أمر الناس في ذلك اليوم ولم ينتظم في صلاتهم