في اقتصاد كاقتصاد المملكة، فإن للإنفاق الحكومي دورا مؤثرا، فهو القاطرة الفاعلة لبقية الأنشطة، كما أن للدعم والتنظيم الحكوميين أهمية لا تقل تأثيراً. ولذا، فإن عقول وقلوب المتابعين تتبع بأهمية وشغف اعلان الميزانية وبنود الانفاق فيها، فجزء مهم منها سيتحول ليعزز الطلب على منتجات وخدمات القطاع الخاص. ويتبع، أن أي انخفاض في الانفاق أو تغيير في بيئة الأعمال والتنظيم سيؤثر - بطبيعة الحال - على نمو القطاع الخاص.
وهناك من ينظر لإيرادات النفط ويتتبع أسعار البرميل الفورية وفي الأشهر القادمة، وكيف أنها تتراجع. وبالتأكيد فإن أي تراجع لإيرادات النفط سيؤثر في وقت من الأوقات على الخزانة العامة للدولة، ولكن تجدر الإشارة إلى أن هناك ما يمكن التعبير عنه ب «ماص للصدمات»، وهو الاحتياطي العام للدولة والسياسة المالية، إذ نجد أن التذبذبات الآنية لأسعار النفط لن تنعكس مباشرة على الاقتصاد المحلي، فالإيرادات تذهب للخزانة. أما ما يؤثر مباشرة فهو القدر الذي تقرر الحكومة أن تنفقه. وفي هذا السياق فلدينا إجابة حاضرة؛ وهي أن الحكومة قررت مواصلة الانفاق العالي بغض النظر عن إيرادات النفط المتراجعة خلال النصف الثاني من العام 2014، ومازالت ونحن في الشهر الأول من العام 2015، والشواهد تقول ان التراجع مستمر. وكما هو معلوم، فقد انتهجت الحكومة سياسة جسورة في الانفاق من العام 2005، وأكدت التزامها الاستراتيجي بتحقيق التنمية في العام «المحك»، إن جاز التعبير، في العام 2008، بالتزامها بتخصيص 400 مليار دولار للإنفاق على برنامجها التنموي. ذلك الالتزام حقق للاقتصاد السعودي نمواً في أحلك الظروف العالمية.
والنقطة هنا أن استمرار الانفاق الحكومي في المدى المتوسط «خمس سنوات» مستقراً، أمرٌ غاية في الأهمية للحفاظ على استقرار الاقتصاد السعودي، من حيث البعد التنموي، وكذلك لدعم نمو وتوسع الاقتصاد بما في ذلك دور القطاع الخاص. وبالقطع فإن مستويات عالية من الانفاق الحكومي قد لا يكون بالإمكان أن تستمر إلى ما لا نهاية، نتيجة لتذبذب إيرادات النفط التي تعتمد عليها الخزانة العامة اعتماداً هيكلياً، والسبب الثاني تصاعد متطلبات التنمية نتيجة للزيادة المضطردة في السكان، وتأسيساً على ذلك فلابد من السعي حثيثاً لتنفيذ الخطط والاستراتيجيات ذات الصلة بالخصخصة بغية توسيع دور القطاع الخاص، وكذلك العمل على تنويع مصادر إيرادات الخزانة العامة للدولة من خلال تصميم وإقرار برنامج لتنمية الإيرادات غير النفطية، ببناء جسور بينها وبين الأنشطة غير النفطية، ولابد هنا من التفكير جدياً بضرائب الدخل على غير المواطنين عن الدخل المتحقق في المملكة، وليس مطلوبا اجتراح طرق أو أنظمة جديدة فنظام الضريبة الحالي كفيل بذلك إذا فعل. علينا تذكر أن كثيرين من الوافدين يمارسون أنشطة اقتصادية «تجارة وصناعة وزراعة» ويحققون أرباحاً دون أن يكلفهم ذلك شيئاً، والسبب أنها أنشطة غير مقيدة، بل وشريحة منها تتعمد التحايل على النظام من خلال «التستر». وما يتطلبه ذلك، حملة اقتصادية، شبيهة بحملة الجوازات ضد العمالة الوافدة المخالفة. وهذه الحملة ستكون ضد «المستثمرين» الوافدين غير النظاميين.
وبالقطع، فليس كل ما في الجعبة ملاحقة المخالفين من المستثمرين، بل لابد من وضع خطة وتنفيذها لتنمية الإيرادات غير النفطية، فهي حالياً في حدود 130 مليار ريال، وهذه تقل عما يخرجه الوافدون من تحويلات نقدية خارج المملكة! ولعل الأهم في تنمية تلك الإيرادات إيجاد الآلية المنضبطة للجمع ولضبط المتهربين.
الخميس، 15 يناير 2015
كيف ننمي الإيرادات غير النفطية؟
الخميس، 18 ديسمبر 2014
ما صلة المواطن بإجماليات الميزانية العامة؟
بعد أيام تصدر الميزانية العامة للدولة، وقد يقول قائل إن الميزانية ليست ذات صلة مباشرة بالمواطن الفرد؛ فهي تُعلن عن مخصصات الوزارات والهيئات. وبالفعل فالميزانية تشتمل على تلك المخصصات، وهي تشمل كذلك الانفاق على المشاريع التنموية شديدة الصلة بالمواطن؛ فالميزانية تعلن كم مدرسة ستبنى، وكم مركز رعاية صحية أولية، وكم مستشفى وسعة كلٍ منها مِن الأسرّة، ومشاريع الصرف الصحي وتصريف الأمطار والسيول، والطرق السريعة المحورية. هذه كلها شديدة الصلة بالمواطن، لكن إعلان الميزانية لا يبين أين سيكون موقع كل مدرسة من المدارس المقرر بناؤها ضمن مخصصات الميزانية، كما أنه لا يبين أين ستقام المستشفيات التي ستستحدث بناء على الانفاق المتاح في الميزانية، ولذا فتأتي الأرقام «تجريدية» في عَقل المتلقي، بمعنى أن المواطن عند سماعهِ أو قراءته لبيان الميزانية يجد أرقاماً مُجمعةً على مستوى البلاد ككل، وبذلك يفتقدّ الصلة بينه وبين تلك الأرقام.الثلاثاء، 16 ديسمبر 2014
هل تذكرون انهيار أسعاره من 145 إلى 30 دولارا في أربعة أشهر؟
الاثنين، 15 ديسمبر 2014
سعر النفط.. لا أحد يعلم أين القاع!
الأربعاء، 10 ديسمبر 2014
مدينة الملك عبدالله الاقتصادية.. محاولة ثانية
الثلاثاء، 9 ديسمبر 2014
نحتاج مدنا جديدة أقل غباء وأكثر عطاء
لماذا لا نبني مدناً جديدة، تكون أكثر ذكاء، وأقل تكلفة، وأكثر انضباطاً، وأعلى إنتاجاً، وأجود حياةً؟
لماذا لا نشيّد مدناً جديدة تكون فيها دكتاتورية القانون تامة، فلا يستطيع أحد أن يقطع الإشارة دون أن يفلت من العقاب، ولا أن يسرق دون أن تلتقط كاميرا هنا أو هناك سكناته وحركاته وسوء أفعاله؟ لماذا لا نقيم مدناً جديدة تكون فيها الحفريات مستحيلة بسبب وجود أنفاق للمرافق، ويتعذر حدوث تسرب مياه شرب أو ري أو صرف فيها؛ بسبب انتشار المجسات في طول شبكة المياه وعرضها، فما عسى أن تتسرب قطرة ماء حتى تنشر تلك المجسات الخبر، لتهرع فرق الإصلاح للتعامل مع التسرب وتقمعه؟
ولماذا لا نستحدث مدناً رفيقة للبيئة، تمنح سكانها هواء نظيفاً، وتستخدم بدائل الطاقة التي لا تبعث غازات دفيئة، لا سيما وأن شمسنا كريمة معطاءة؟
بل لماذا لا نجعل مدننا القائمة أقل غباء، بأن نحد مما تهدره من كل شيء دون اكتراث، حتى لتكاد أرتال قماماتها تنافس إنتاج أعظم مصانعها كماً ووزناً؟ فمدننا تستهلك كهرباء أكثر مما ينبغي، وينافس ما يتسرب من شبكات مياهها ما يستخدم فعلياً، وتعاني من اختناقات سير وتعطل؛ بسبب عدم احترام قواعد المرور؟!
قد يظن البعض أن بناء مدن جديدة مكلف، لكننا بنينا مدناً عندما كنا أقرب للفقر منا للثراء! فمتى بنينا الدمام والخبر؟ وها هما أصبحتا حاضرتين عظيمتين واشتبكتا مع سيهات والقطيف والظهران والثقبة، فأصبحت ثالث أكبر تجمع حضري في البلاد. ثم أننا في ماضي الأيام فكرنا في المدن الجديدة ليس كمستوطنات نخبوية، بل كأماكن تنطلق منها حياة جديدة لمن يرغب من السعوديين. وهذا لا يتعارض مع المدن الاقتصادية قيد التأسيس، مثل: مدينة الملك عبدالله الاقتصادية، أو مدينة جازان الاقتصادية، أو مدينة حائل الاقتصادية، أو مدينة وعد الشمال، إلا من حيث أنها مدنٌ عامة، وليست بالضرورة قامت مرتكزة على مشروع اقتصادي من نوع أو آخر.
لعلنا أمام مفارقة بوسعنا أن نستخرج منها مبادرة نقننها في استراتيجية، فنصنع منها خطة ونحولها لبرنامج لإحياء المدن. الفكرة أن بداياتنا النفطية استوجبت بناء مدن جديدة، والآن بداياتنا «ما بعد النفطية» تتطلب بناء مدنا أقل استهلاكا للموارد وأكثر توظيفاً منتجاً.
هناك من لا يتحمس كثيراً لفكرة بناء مدن جديدة، على الرغم من أن تجربتنا ثرية في هذا المجال، وهي متنوعة كذلك، فالمدن الثلاث الدمام والخبر والظهران مدن عامة، في حين أن مدينتي الجبيل وينبع الصناعيتين مدينتان متخصصتان. ومؤخراً تطورت تلك الخبرة بمبادرة سعت لإطلاق مدن افتصادية، تعتمد على توليد القيمة والفرص الوظيفية الناتجة عن أنشطة غير نفطية. وبالقطع مرت تجربة المدن الاقتصادية بتحديات عاصفة، تطلبت إعادة النظر في كيفية تنفيذ المبادرة، وليس في المبادرة بحد ذاتها، إذ أن إطلاق مدن اقتصادية جديدة مطلب ضروري؛ لتنويع الاقتصاد الوطني.
الأمر المشجع أن التجارب تضعنا جميعاً على المحك، والاصرار على النجاح دفع مدينة الملك عبدالله الاقتصادية لتعيد صياغة استراتيجيتها ومنهجية التنفيذ، بأسلوب مختلف نوعاً ينطلق من القاع «من السوق لاشباع الطلب»، وهكذا نرى الميناء يعمل بنشاط، ونجد مواطنين من رابغ يعملون هناك، كما أن ثلاثين شركة مقرها المدينة تعرض حالياً مئات فرص العمل لشبابنا، وليس عشرات آلاف الفرص، لكن لنتذكر أن بداية الغيث قطرة، نحن في أمس الحاجة لها حينما ينقطع «انهمار» النفط أو يخبو سعره وتقل إيراداته.
الاثنين، 8 ديسمبر 2014
استهلال ميزانية 2015
الأحد، 7 ديسمبر 2014
قصةُ حَسنٍ القصيرة
الأربعاء، 3 ديسمبر 2014
الاستراتيجية الجديدة لأوبك: «العوض ولا الحريمة»
أعود لما سبق أن ذكرته هنا ألا أساس لقناعة البعض أن انخفاض أسعار النفط المعاش ناتجٌ عن «ترتيبات» سياسية لمحاربة أو «مناكفة» دول أخرى، ولست في موقع لإثبات غير المثبت مما هو قائم على «أحاسيس» وتخرصات.
أما ما تقوله بيانات السوق، فهو يفصح عن أن السوق النفطية خرجت من سطوة «أوبك» كما سبق أن خرجت من سطوة شركات النفط العملاقة، وهي في طريقها لتصبح مؤهلة لتنضم للسلوك الطبيعي لبقية السلع، أي يخضع سعرها للعرض وللطلب، ولا يعني هذا انتفاء التأثير السياسي لدولةٍ أو لدولٍ أو للتأثير الجيوسياسي لأحداث إقليمية، فالتأثير السياسي لم يغب أبداً، لكن هناك من يتحدث عن أن الترتيبات السياسية هي ذات تأثير طاغٍ على سعر النفط، وأقول إن هذا كان في الماضي.
وللعلم، فإن القهوة والشاي والبتروكيماويات السلعية والألمونيوم والنحاس وحتى فول الصويا وزيت الذرة وعصير البرتقال، وهي سلع تتداول في الأسواق العالمية ولها بورصات متخصصة، كلها تتأثر بصورة أو بأخرى بعوامل سياسية، لكنها تستوعب في قوى العرض والطلب في نهاية المطاف ولا تتحكم فيها.
وتتفاوت ضمن «أوبك» توجهات الدول، فثمة دول تنتهج أسلوباً «صفقاتياً» «من صَفقة» قصير المدى يرتكز إلى السعي للتأثير على السعر ارتفاعاً، ولا تثريب على هؤلاء سوى أن هذه المدرسة لم تَعدّ مؤثرة لأربعة أسباب رئيسية: وجود فائض كبير في السوق، وتوفر نفط بأسعار بخسة من مناطق النزاع، وتنافس دول أوبك على الحصص، وتزايد قوة المنتجين خارج أوبك ولاسيما من الدول الصناعية وتحديداً الولايات المتحدة الأمريكية.
وهناك دول ضمن «أوبك» تنتهج أسلوباً استراتيجياً يرتكز إلى التأثير عبر الحفاظ على استقرار السوق واعتمادية الامدادات، وبالقطع لا تمانع هذه الدول أن يرتفع السعر بل تسعى إليه بأسلوب مختلف، يقوم على بناء علاقات وثيقة مع المستهلكين. ومع مرور الوقت، ثبت تفوق تأثير النهج الاستراتيجي في طمأنة الزبائن أن الحفاظ على استقرار اقتصاداتهم عبر توفير الامدادات ليس محل مزايدة أو تفاوض، ولذلك نجد أن هذا النهج قد أقنع دولة متحوطة لدرجة الوسواس أن تعتمد في تأمين نحو ثلث وارداتها النفطية على السعودية.
وعلى الرغم من أن مَدرسة «الصفقة» تقول إن النفط سلعة استراتيجية لكنها لا تتعامل معها باتساق مع ذلك المنطلق؛ فهي ليس لها زبائن دائمون يعتمدون عليها لتوفير احتياجاتهم من الطاقة، بل تسعى لبيع ما لديها في عرض البحر أو البورصات أو لوسطاء، بمعنى أن ليس مهماً لها من يشتري، بل مَن يَدفع.
ولا أعيب هذا النهج من حيث المبدأ، لكنه في جوهره يقوم على منطق «جود السوق ولا جود البضاعة»، وهو منطق يمكن أن يعمل في الاتجاه المضاد كذلك، فالمنافس الشرس والمباشر لتيار «الصفقة» هم تجار النفط الجدد ممن استولوا عليه في مناطق النزاع العربية، مثل سوريا والعراق وليبيا، ويعرضوه بأسعارٍ بخسةٍ على السماسرة ليجد طريقه في نهاية المطاف لأسواق الاستهلاك! ومع ذلك، فأصحاب مدرسة «الصفقة» ضمن «أوبك» عاشوا فترة إنكار ولم يستوعبوا سريعاً فداحة التغييرات في السوق، وهذا ما يبرر أنشطتهم المحمومة قبل انعقاد اجتماع «أوبك» الأخير في نوفمبر.
ومع قبول أتباع مدرسة «الصفقة» ضمن «أوبك» بعدم مس سقف الإنتاج والحفاظ على الحصص، يصبح من المقبول القول إنهم أدركوا أخيراً سلامة منطق «العوض ولا الحريمة» «أو العوض ولا القطيعة»، بأنهم إن خفضوا الكميات فسيخسرون السوق لوجود من ينافسهم على الزبائن، وهكذا قبلوا.
الثلاثاء، 2 ديسمبر 2014
مَن «رَمَش» أولاً أوبك أم الوكالة؟
الاثنين، 1 ديسمبر 2014
إحسان بوحليقة يسلط الضوء على التنوع الاقتصادي في الأحساء
الخميس، 20 نوفمبر 2014
البيانات الضخمة وحديث بين شاب وشيخ
الثلاثاء، 18 نوفمبر 2014
كفاءة استهلاك الوقود بين «مازيراتي» ونبض السوق
جمعتني مائدة العشاء بزملاء المهنة والاهتمام، وريثما تبدأ الاحتفالية أخذنا نناقش السكن وتمويله وما الذي سيحل بقطاع العقار بعد فرض دفعة مقدمة قدرها الثلاثون بالمائة، واكتتاب البنك الأهلي، والقوائم المالية لموبايلي، وتوجهات سعر البترول واحتمال تأثيره على السوق المالية وعلى مستوى الانفاق في الميزانية القادمة.
وقطع النقاش المحتدم شاب أوربي أنيق، ألقى التحية وعَرَّفَ باسمه وجلس، فسألناه: أين تَعمل؟ أجاب: «مازيراتي»، فانهالت عليه الأسئلة، أخبرنا أنهم يبيعون سنوياً مئات من هذه السيارة الفخمة! ثم ما لبثت أن بدأت الاحتفالية المهيبة.
لا شك أن إهدار الطاقة أصبح سجية لا بد لها من حَلّ، حتى أصبح مألوفاً أن تجد أجهزة تكييف وإنارة تعمل في غرف وقاعات بل وحتى في مبان فارغة أو شبه فارغة ليلاً ونهاراً وشتاءً وصيفاً! وبالمقابل، عندما تذهب لبقية بلدان الدنيا لا سيما أصدقاؤنا في مجموعة العشرين، فتجد أن الاقتصاد في استخدام الطاقة قد غدا طريقة حياة، أما نحن فلم نبرح الكلمة الأولى من السطر الأول بعد؛ نتحدث عن أهمية استخدام المواد العازلة في المباني في حين ما زال التطبيق حِبياً فمُلاك المباني الاستثمارية لا يأبهون كثيراً لهذا الأمر، باعتبار أن تكلفة الكهرباء ليست ضمن اهتماماتهم، وقس على ذلك. هذه السلبية لم تأت عبثاً بل هي أحد نتائج عدم وجود معايير مُلزمة، مما يجعل الأمر عبارة عن قرار شخصي وليس فَرضا لا مناص منه.
وأخذاً في الاعتبار عدم وجود تنظيمات توجب الترشيد، فكان الأمر الذي طرحه العديد من المشاركين في اجتماعات الهيئة الاستشارية لبرنامج كفاءة الطاقة قبل نحو عامين: لماذا لا يُرفَع السعر؟ فقد كان النقاش محتدماً بأن الطريق القصير للحدّ من إهدار الطاقة وتقليص وتائر نمو الاستهلاك المحلي يتجسد في رفع سعر بيع المشتقات، وعلى نقيض ذلك فقد كان لفِرَق العمل المتخصصة رأي آخر، يتلخص في أنها ستسلك الطريق الصعب والمتمثل في إطلاق مبادرات متعددة للترشيد.
ومع أن رفع السعر هو أقصر الطرق بالفعل، لكنه أكثرها بُعداً عن تحسس أوضاع الشرائح منخفضة الدخل، ولا يأخذ في الاعتبار أن استهلاك الوقود في السيارات الصغيرة ناتج إلى حدٍ بعيد عن عدم توافر بدائل للنقل داخل المدن ومحدوديتها بين المدن، ولذا نلجأ جميعاً لاستخدام سياراتنا الخاصة؛ الغني والفقير والمواطن والوافد.وبالفعل أخذت الحلول تتبلور، وبالأمس نُظِمَت في الرياض احتفالية بمناسبة توقيع مذكرات تفاهم بين الهيئة السعودية للمواصفات والمقاييس ومصنعي السيارات تتعلق بالتزامهم بالمعيار السعودي لكفاءة استخدام الوقود في المركبات الخفيفة الجديدة، وسيصدر المعيار السعودي عن هيئة المواصفات والمقاييس في يناير 2015 ليُعمَل به اعتباراً من يناير 2016.
وعند اكتمال تطبيق كافة البرامج في قطاع النقل البري، فيمكن تحقيق وفر يصل إلى «300، 000» ثلاثمائة ألف برميل يومياً من البنزين والديزل بحلول عام 2030م، ولذا فعلى مصنعي السيارات تطبيقه والالتزام به في سياراتهم الجديدة التي سيصدرونها للمملكة اعتباراً من ذلك التاريخ.
والتفتُ إلى التنفيذي في الشركة المصنعة لسيارات مازيراتي، بعد أن عاد من منصة التوقيع، وسألته: هل سيكون من الصعب عليكم الالتزام بالمعيار السعودي لكفاءة الوقود؟ قال: إنه تحد بالفعل، بالنسبة للسيارات كبيرة المحرك «8 سلندر فما فوق»؟انتهت الاحتفالية وغادر كبار الضيوف، لكن مائدتنا بقيت عامرة؛ فقد عدنا للحديث عن التمويل العقاري واتفقنا أن لدينا مشكلة بحاجة لحلّ، واحتدم النقاش ثانية حول الحل!

