‏إظهار الرسائل ذات التسميات إحسان بو حليقة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات إحسان بو حليقة. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 15 يناير 2015

كيف ننمي الإيرادات غير النفطية؟

في اقتصاد كاقتصاد المملكة، فإن للإنفاق الحكومي دورا مؤثرا، فهو القاطرة الفاعلة لبقية الأنشطة، كما أن للدعم والتنظيم الحكوميين أهمية لا تقل تأثيراً. ولذا، فإن عقول وقلوب المتابعين تتبع بأهمية وشغف اعلان الميزانية وبنود الانفاق فيها، فجزء مهم منها سيتحول ليعزز الطلب على منتجات وخدمات القطاع الخاص. ويتبع، أن أي انخفاض في الانفاق أو تغيير في بيئة الأعمال والتنظيم سيؤثر - بطبيعة الحال - على نمو القطاع الخاص.
وهناك من ينظر لإيرادات النفط ويتتبع أسعار البرميل الفورية وفي الأشهر القادمة، وكيف أنها تتراجع. وبالتأكيد فإن أي تراجع لإيرادات النفط سيؤثر في وقت من الأوقات على الخزانة العامة للدولة، ولكن تجدر الإشارة إلى أن هناك ما يمكن التعبير عنه ب «ماص للصدمات»، وهو الاحتياطي العام للدولة والسياسة المالية، إذ نجد أن التذبذبات الآنية لأسعار النفط لن تنعكس مباشرة على الاقتصاد المحلي، فالإيرادات تذهب للخزانة. أما ما يؤثر مباشرة فهو القدر الذي تقرر الحكومة أن تنفقه. وفي هذا السياق فلدينا إجابة حاضرة؛ وهي أن الحكومة قررت مواصلة الانفاق العالي بغض النظر عن إيرادات النفط المتراجعة خلال النصف الثاني من العام 2014، ومازالت ونحن في الشهر الأول من العام 2015، والشواهد تقول ان التراجع مستمر. وكما هو معلوم، فقد انتهجت الحكومة سياسة جسورة في الانفاق من العام 2005، وأكدت التزامها الاستراتيجي بتحقيق التنمية في العام «المحك»، إن جاز التعبير، في العام 2008، بالتزامها بتخصيص 400 مليار دولار للإنفاق على برنامجها التنموي. ذلك الالتزام حقق للاقتصاد السعودي نمواً في أحلك الظروف العالمية.
والنقطة هنا أن استمرار الانفاق الحكومي في المدى المتوسط «خمس سنوات» مستقراً، أمرٌ غاية في الأهمية للحفاظ على استقرار الاقتصاد السعودي، من حيث البعد التنموي، وكذلك لدعم نمو وتوسع الاقتصاد بما في ذلك دور القطاع الخاص. وبالقطع فإن مستويات عالية من الانفاق الحكومي قد لا يكون بالإمكان أن تستمر إلى ما لا نهاية، نتيجة لتذبذب إيرادات النفط التي تعتمد عليها الخزانة العامة اعتماداً هيكلياً، والسبب الثاني تصاعد متطلبات التنمية نتيجة للزيادة المضطردة في السكان، وتأسيساً على ذلك فلابد من السعي حثيثاً لتنفيذ الخطط والاستراتيجيات ذات الصلة بالخصخصة بغية توسيع دور القطاع الخاص، وكذلك العمل على تنويع مصادر إيرادات الخزانة العامة للدولة من خلال تصميم وإقرار برنامج لتنمية الإيرادات غير النفطية، ببناء جسور بينها وبين الأنشطة غير النفطية، ولابد هنا من التفكير جدياً بضرائب الدخل على غير المواطنين عن الدخل المتحقق في المملكة، وليس مطلوبا اجتراح طرق أو أنظمة جديدة فنظام الضريبة الحالي كفيل بذلك إذا فعل. علينا تذكر أن كثيرين من الوافدين يمارسون أنشطة اقتصادية «تجارة وصناعة وزراعة» ويحققون أرباحاً دون أن يكلفهم ذلك شيئاً، والسبب أنها أنشطة غير مقيدة، بل وشريحة منها تتعمد التحايل على النظام من خلال «التستر». وما يتطلبه ذلك، حملة اقتصادية، شبيهة بحملة الجوازات ضد العمالة الوافدة المخالفة. وهذه الحملة ستكون ضد «المستثمرين» الوافدين غير النظاميين.
وبالقطع، فليس كل ما في الجعبة ملاحقة المخالفين من المستثمرين، بل لابد من وضع خطة وتنفيذها لتنمية الإيرادات غير النفطية، فهي حالياً في حدود 130 مليار ريال، وهذه تقل عما يخرجه الوافدون من تحويلات نقدية خارج المملكة! ولعل الأهم في تنمية تلك الإيرادات إيجاد الآلية المنضبطة للجمع ولضبط المتهربين.

الخميس، 18 ديسمبر 2014

ما صلة المواطن بإجماليات الميزانية العامة؟

بعد أيام تصدر الميزانية العامة للدولة، وقد يقول قائل إن الميزانية ليست ذات صلة مباشرة بالمواطن الفرد؛ فهي تُعلن عن مخصصات الوزارات والهيئات. وبالفعل فالميزانية تشتمل على تلك المخصصات، وهي تشمل كذلك الانفاق على المشاريع التنموية شديدة الصلة بالمواطن؛ فالميزانية تعلن كم مدرسة ستبنى، وكم مركز رعاية صحية أولية، وكم مستشفى وسعة كلٍ منها مِن الأسرّة، ومشاريع الصرف الصحي وتصريف الأمطار والسيول، والطرق السريعة المحورية. هذه كلها شديدة الصلة بالمواطن، لكن إعلان الميزانية لا يبين أين سيكون موقع كل مدرسة من المدارس المقرر بناؤها ضمن مخصصات الميزانية، كما أنه لا يبين أين ستقام المستشفيات التي ستستحدث بناء على الانفاق المتاح في الميزانية، ولذا فتأتي الأرقام «تجريدية» في عَقل المتلقي، بمعنى أن المواطن عند سماعهِ أو قراءته لبيان الميزانية يجد أرقاماً مُجمعةً على مستوى البلاد ككل، وبذلك يفتقدّ الصلة بينه وبين تلك الأرقام.
كيف نبني رابطاً بين المواطن الفرد وإعلان الميزانية العامة للدولة؟ أولاً لابد من الإقرار أن إعلان الميزانية لا يمكن أن يشتمل في صُلبهِ كل التفاصيل، فذلك ليس عملياً بكل تأكيد، لكن ما يمكن الجزم به أن توفر ملاحق تفصيلية عبر المواقع الرسمية ذات الصلة سيكون ملائماً، ومن ضمن تلك التفاصيل يمكن سَرد قوائم بالمدارس الابتدائية والمتوسطة والثانوية مع تحديد إن كانت للبنين أم للبنات، وموقعها في الأحياء على مستوى الهجرة أو القرية أو البلدة أو المدينة، وكذلك الأمر في توزيع مراكز الرعاية الصحية الأولية، فعوض عن الاقتصار بالإشارة للعدد الكلي «مثلاً 300 مركز» يذكر أحد ملاحق الميزانية المواقع المحددة مركزاً مركزاً. وبعد ذلك، تصوروا أن تبوب بعد ذلك المشاريع والخدمات الواردة في الميزانية العامة لكل تجمع سكاني في بيان منفصل؛ فمثلاً يورد بيان مدينة الدوادمي ويبين ما تحمله الميزانية لها من مشاريع وخدمات، فيبين المدارس ومراحلها ومواقعها ضمن الدوادمي، وبعد ذلك المستشفيات ومراكز الرعاية الأولية، وبعد ذلك مشاريع المواصلات والاتصالات والمياه. هكذا، سيدرك المواطن - على وجه التحديد - نصيبه ونصيب الحي الذي يقطن فيه، ونصيب المدينة التي يسكنها من الميزانية، وبذلك سيجد أن ثمة صلة وثيقة بينه وبين الإعلان عن الميزانية.
في غابر الأيام، قبل ثورة الاتصالات والمعلومات، وقبل توافر خدمات الانترنت، لم يكن ممكناً نشر كل هذه التفاصيل. أما حالياً، فذلك ممكن بضغطة زر؛ فالمعلومات متوافرة، إذ أن الأرقام التي تعلن في بيان الميزانية هي عبارة عن مجاميع لتفاصيل وتفاصيل التفاصيل. كما أن البيانات حول الانفاق التنموي متاحة ولا تحيطها أية سرية. أما مستوى الإفصاح الحالي، فقد كان ملائماً لعقود ماضية عندما كان متعذراً النشر، وعليه، فلا بد أن نُحَدّث سياسة الاتاحة المتصلة بتفاصيل مخصصات المشاريع، إذ ان ذلك سيعني الكثير للمواطن، فمستوى الاجماليات الذي جرت العادة على إعلانه فله صلة بالمهتمين بالتوجه العام، في حين أن إعلان الميزانية مناسبة لاطلاع العموم على برنامج الحكومة الموقرة لعام قادم، كما أن بيان التفاصيل سيساهم في بناء صلة بين المواطن الفرد والميزانية، وتمكينه من متابعة الإنجاز بعد الإعلان عنه، والارتقاء باهتمامه، فالتناول سيكون عن المدرسة التي سيذهب إليها أبناؤه، والمستشفى الذي تتطبب فيه أسرته، والطريق الذي ينقله من نقطة لأخرى في بلدنا العزيز.

الثلاثاء، 16 ديسمبر 2014

هل تذكرون انهيار أسعاره من 145 إلى 30 دولارا في أربعة أشهر؟

خلال السنوات العشر المنصرمة استطاعت المملكة أن تتحرك بقوة وعزم نحو تنشيط برنامج التنمية، متجاوزة النهج التقليدي الذي كرس التنمية في محور رئيس وبؤر، واتجهت إلى البدء في تحقيق التنمية المتوازنة، التي تشمل كل المناطق، بل وتحقق التوازن ضمن كل منطقة، حتى لا تستأثر بقعة جغرافية، فكل بقاع الوطن يجب أن تحظى بذات الاهتمام التنموي. وانطلقت تلك الجهود لتطوير البنية التحتية في المدن والمحافظات والقرى، وفي الربط بين جنبات المملكة بخطوط سريعة محورية وبإطلاق برامج وطنية للارتقاء بالمباني المدرسية ولمضاعفة عدد الأسرة المتاحة في المستشفيات. وكما نتابع جميعاً، فقد رصدت من أجل تحقيق ذلك أموالا هائلة، تضاعف على أثرها الانفاق الرأسمالي في الميزانية العامة للدولة مرات عدة، لكن أعاق ذلك الزخم تأخر وتعثر مشاريع تنموية، من غير المعروف على وجه التحديد عددها وتكلفتها، ومن غير المعروف تأثيرها على البرنامج التنموي. وأقصد بعبارة «غير معروف» انه غير معروف للعموم.

ومع نهاية العام المالي الراهن «2014» تختم الخطة الخمسية التاسعة مداها، وهي الخطة التي تميزت بالعديد من التطويرات النوعية، لعل من أهمها - في تقديري - المناداة بالتنمية المتوازنة، التي لا نزال نسعى لتحقيقها، وكذلك المناداة بخفض معدل البطالة لنصف ما كان عليه عند بداية الخطة، أي لحدود 5.5بالمائة، وهذا مازال هدفاً مفتوحاً. مما يسوقنا للقول إن الخطة الخمسية التاسعة استنفذت الوقت دون أن تحقق كل ما كنا نصبو إليه. وبالقطع، فالبرنامج التنموي لا يزال مستمراً، وتنتهي خطة وتتبعها خطة خمسية جديدة.

والخيار التنموي ليس الوحيد، إذ لابد من مزاوجته وتكامله مع استراتيجية تنويع الاقتصاد السعودية، ليصبح متعدد الموارد، فلا يعود معتمداً على إيرادات النفط فقط، ويصبح بوسع القطاعات الاقتصادية توليد فرص عمل لتوظيف الشباب وبالتالي الحد من الاعتماد على العمالة الوافدة، وتصدير السلع والخدمات والاحلال محل الواردات بما يعزز وضع حساب المدفوعات والحساب الجاري. وأمام هذه التحديات الاستراتيجية، من تنمية وتنويع، فيمكن الاستنتاج أن ليس بوسع وتيرة الانفاق المهَادَنةُ، والسبب أن تجاوز تلك التحديات أمرٌ بات حرج الأهمية؛ فهو يعزز الاستقرار الاجتماعي - الاقتصادي في البلاد، ولاسيما أن أمام الخزانة العامة للدولة أدوات عدة للتعامل مع تراجع إيرادات النفط خلال النصف الأول من هذا العام «2014» والمتوقع استمراره للنصف الثاني من العام القادم «2015»، فالخزانة تمتلك الاحتياطي وبوسعها الاقتراض كذلك، وبالتأكيد فبالعودة لجردة حساب المشاريع التي أعلنت ولم تنفذ فسنجد انفاقاً رأسمالياً كافياً لينافس السنوات المنصرمةِ من حيث القيمة. وهكذا، فليس متوقعاً أن يتأثر البرنامج التنموي أو جهد بناء السعة الاقتصادية نتيجة لتراجع إيرادات النفط للأشهر الستة المنصرمة. ولعل من الملائم التذكير أن هذا الخيار هو خيار استراتيجي للمملكة، فقد أعلن خادم الحرمين الشريفين - يحفظه الله - عن مبادرة تنموية لافتةٍ والأزمة المالية الكاسحة في عنفوانها، فقد كان إعلانه إبان حضوره قمة العشرين في نوفمبر 2008 في واشنطن، بأن المملكة سترصد 400 مليار دولار لبرنامجها التنموي. وللتذكير، فقد كانت أسعار النفط آنئذ تنهار انهياراً مؤلماً من 145 دولارا للبرميل في يوليو إلى حدود 30 دولاراً للبرميل في ديسمبر، واستمر الألم؛ فقد كان أداؤها في العام 2009 أعلى قليلاً من 50 دولاراً للبرميل، وفي العام 2010 يحوم حول 70 دولاراً للبرميل، وفي العام 2011 وصل معدل سعر البرميل لأقل من 85 دولاراً.

الاثنين، 15 ديسمبر 2014

سعر النفط.. لا أحد يعلم أين القاع!

بدأت معالم استيقاظ مارد التنافس في سوق النفط تأخذ بتلابيب المهتمين، وتمسح أقوال من تحدث عن طغيان السياسة على هذه السلعة الاستراتيجية كما يمسح التلاميذ كلماتٍ كُتبت بالطباشير الجيرية على سبورة سوداء ملأها مدرس قاسٍ بمعاني أكثر قسوة، لتبدأ آثار ”اليد الخفية“، حسب تعبير «أبو الاقتصاد الكلاسيكي» أدم سميث، في الظهور. وما ”اليد الخفية“ إلا تنافس المتنافسين، فأمام قوة وجبروت تلك اليد وقفت ”أوبك“ حائرةً ومنقسمةً، فقررت ألا تفعل شيئاً، إذ لم يك بمقدورها شيئاً لكي تفعله؛ فقد حاصرت ”اليد الخفية“ دور أوبك لتصبح أحد المتنافسين في السوق، فقد ولت الأيام الغابرة عندما كانت منظمة الدول المصدرة للنفط تُمسك السوق النفطية من قرونها لتسير بها «وتحديداً بسعر البرميل من النفط» حيث تشاء.
الآن، ثبت بما لا يدع مجالاً للاجتهاد أو التخمين ألا أحد يعرف أين ستقف أسعار النفط هبوطاً؛ إذ يبدو أن سعر 55 دولاراً للبرميل في المرمى مرحلياً، فحتى سعر 40 دولارا للبرميل في المرمى كذلك! ولا بد من الاستدراك بالقول: إن أحداً لا يستطيع الجزم أين القاع الذي سينتهي عنده هبوط أسعار النفط. ويلاحظ أن الأسعار الفورية للنفط أقل من الأسعار المستقبلية، وهذه النقطة هي محور حديثنا، فذلك سيؤدي حتماً إلى توسع نشاط تجارة شراء النفط من الأسواق الفورية وتخزينه لبيعه لاحقاً بأسعار أفضل، لكن حتى عقود «التأجيل» هذه فيها مخاطرة في حال استمرار تراجع الأسعار الفورية. ومع ذلك ففي حال استمرار السعر في التراجع فإن متوسط السعر الفوري سيكون أفضل من التعاقدات المستقبلية. ولن يلجأ لهذا الأسلوب المضاربون فقط بل حتى مستهلكي النفط بكميات كبيرة مخصوصاً مصافي التكرير ومحطات توليد الطاقة، والحكومات التي تمتلك مخازن استراتيجية!.
لماذا يتجه كبار مستهلكي وتجار النفط للشراء من السوق الفورية؟ لسببين رئيسيين؛ الأول أن القاع ليس متضحاً، والثاني أن الأسعار المستقبلية أعلى من الأسعار الحالية، وفي المحصلة فهذا تحوط ضد مخاطر ارتفاع السعر مستقبلاً بأن يشتري حالاً، ويقتنص في الوقت نفسه فرصة السعر الحالي منخفضا بما يتجاوز ما كان متوقعاً أن يُدفع. وفي المحصلة، فقد يحقق المشتري ربحاً غير متوقع في تكلفة الإنتاج - إن كان مصفاة نفط مثلاً - بما يُحسن ربحيته. ولذا، فسنجد إقبالاً أكثر على الشراء من السوق الفورية، ولن يحد ذلك النهج إلا السعة التخزينية للمشترين. ومع ذلك فهم سيمارسون ذلك بتؤدةٍ تفطنناً لاحتمال تراجع سعر النفط لما دون القاع الحالي.
ولبيان النقطة، فالسعر الفوري حالياً في نايمكس «57.81» دولار للبرميل في حين أن سعر يناير «59.17» دولار للبرميل، وسعر فبراير «59.93» دولار للبرميل، وعقود ديسمبر 2015 «62.55» دولار للبرميل. وهكذا، نجد أن السوق في حالة ”تأجيل“ «contango» بانتظار قاع جديد!، وحسب مقالة نشرتها رويترز بالأمس فإن على المتعاملين في السوق نسيان تصريحات أوبك ووكالة الطاقة الدولية، التي تُحدث توقعاتها هبوطاً بتتابع يبين أنها لا تملك رؤية عن سلوك سعر السلعة الاستراتيجية، وأن يركز المتعاملون على «سوق التأجيل»، فهي أفضل مؤشر استباقي للسعر، حسب مؤلفي المقالة الآنفة الذكر. وهذا، يعيدنا للفكرة الأساس وهي أن السوق النفطية بوضعها الحالي قد تمردت على السياسة وعادت لأحضان الاقتصاد وقوى السوق، التي ليس بوسع أحد أن يوجهها. وهذا يعني أن على البائعين تحمل ألم انخفاض الأسعار بانتظار خروج بعض المنافسين أو حدوث انتعاش يبتلع الفائض في السوق، ولا يمنع أن يشغل البائعون أذرعة المتاجرة لشراء وتخزين وإعادة بيع النفط الرخيص، عسى أن يحققوا أرباحاً. أما العام 2015 فهو عام المستهلك، أو عام انتظار وصول أسعار النفط لمستقرٍ لها

الأربعاء، 10 ديسمبر 2014

مدينة الملك عبدالله الاقتصادية.. محاولة ثانية


الذي يظن أن تنفيذ المشاريع والمبادرات أمرٌ روتيني في المتناول، لم يُجرب التنفيذ، وهو يماثل مَن يظن أن كسبَ حرب أمر يستطيعه كل قائد؛ فالتفكير والتخطيط شيء، وجعل الفكرة والخطة حقيقة ملموسة شيء آخر، يتطلب خبرة ومهارة وعزيمة وإصرارا. والإصرار هو عنوان عريض يختزن بداخله الاعتداد والثقة بأن عدم تنفيذ الفكرة الواعدة من المحاولة الأولى لا يعني أنها فكرة سيئة بالضرورة، بل الأقرب أن ثمة حاجة لمحاولة أو حتى محاولات متكررة وصولاً للنجاح. وتكرار المحاولة لا يعني تكرار ذات الطريقة والأسلوب، فذاك أسلوب يسمى في علم النفس «عقدة الثبات»، بل يعني عدم اليأس وضرورة شحذ الفكر والصدق مع الذات بالاستفادة من التجارب السابقة والسعي حثيثاً لتحسين الأداء.
في مدينة الملك عبدالله الاقتصادية، وقفت ومجموعة من الزملاء أمام مجسم للمدينة الحلم، بعد أن أعيدت هيكلته وتحديثه ليتواءم مع المستجدات، وبعد طرح الأسئلة تملكني إحساس أننا أمام تحد ولسنا أمام مهمة مستحيلة. فكما ذكرتُ هنا بالأمس، اقتصادنا السعودي بحاجة لهذه المدن لكي ينمو نمواً منوعاً خارجاً عن شرنقة النفط.

لنتوقف قليلاً ونطرح السؤال القديم: لماذا بدأنا ننفذ المدن الاقتصادية بعد حقبة كان يكرر فيها بعض المسئولين أن المملكة كلها منطقة حرة؟! نموذج الأعمال الذي تقوم عليه المدن الاقتصادية هو الانفتاح الاقتصادي القائم على جلب القيمة من مال وتقنية وخبراء وأسواق تصدير، فإذا كان هناك إصرار على الاقتصار على جلب «كونتينارات» تعبر من ميناء المدينة الاقتصادية، فستكون حصيلتنا محدودة بالفعل. فضلاً عن أنه يمكن الجدل انتفاء ما يبرر عدم فتح الأبواب والنوافذ أمام المستثمرين الأجانب للاستفادة من مقدرات المدينة الاقتصادية، وبالقطع فنحن متفقون أن الشرط هو عدم تجاوز قيمنا فهي الخط الأحمر. فإذا أخذنا هذا في الاعتبار نجد أن الشرط المسبق الأساس لنجاح المدينة هو قدرتها على استقطاب المستثمرين من دول الجوار وما يليها اتكاءً على المزايا النسبية المتعددة التي يمتلكها الاقتصاد السعودي ككل وتمتلكها المدينة الاقتصادية على وجه الخصوص، لكن لابد لنا من وضع بوصلة على الطاولة أولاً لمعرفة الاتجاه الحالي والوجهة التي نريد أن نبحر بالمدينة إليها: هل نريد الاحلال محل الواردات؟ أم ترويج الصادرات؟ أم تقديم خدمات تعليمية وتدريبية وسياحية ولوجستية؟ أم كل ذلك وأكثر؟ فلكل نشاط نموذج عمل يولد تدفقات نقدية بسمات نمطية، ويتطلب سياسات وخطط ترويج واستقطاب. كما أننا إن عرفنا الاتجاه والجهة، فسيصبح ممكناً استهداف شركات أجنبية بعينها، ومستثمرين في بلدانٍ محددة باعتبار أن الشركات المستهدفة هي التي ستمكن المدينة من توليد القيمة المضافة المستهدفة، وأن المستمرين سيجلبون المال والأسواق.
لعلنا بحاجة أن نأخذ خطوة للخلف ونتأمل في مبادرة الملك عبدالله للاستثمار الزراعي، وكيف أن تطلعاتنا كانت نحو الخارج لتعزيز أمننا الغذائي، وبالمقابل فإن المدن الاقتصادية ليست سوى وسيلة لتحقيق الأمن الاقتصادي الأعرض القائم على تنويع مصادر توليد القيمة المضافة للاقتصاد ككل، وهذا لن يأتي بسهولة والسبب هو المنافسة الشرسة بين دول المنطقة لاستقطاب المستثمرين الأجانب من شركات وأصحاب رؤوس أموال، فإن أردنا أن نكون الأعلى تنافسية فلا مناص - بطبيعة الحال - من أن نقدم أفضل عرض، فمخاطرتنا محدودة ما دام أن الأصول ستحتضنها أرضنا وتغطيها سماؤنا.

الثلاثاء، 9 ديسمبر 2014

نحتاج مدنا جديدة أقل غباء وأكثر عطاء

لماذا لا نبني مدناً جديدة، تكون أكثر ذكاء، وأقل تكلفة، وأكثر انضباطاً، وأعلى إنتاجاً، وأجود حياةً؟
لماذا لا نشيّد مدناً جديدة تكون فيها دكتاتورية القانون تامة، فلا يستطيع أحد أن يقطع الإشارة دون أن يفلت من العقاب، ولا أن يسرق دون أن تلتقط كاميرا هنا أو هناك سكناته وحركاته وسوء أفعاله؟ لماذا لا نقيم مدناً جديدة تكون فيها الحفريات مستحيلة بسبب وجود أنفاق للمرافق، ويتعذر حدوث تسرب مياه شرب أو ري أو صرف فيها؛ بسبب انتشار المجسات في طول شبكة المياه وعرضها، فما عسى أن تتسرب قطرة ماء حتى تنشر تلك المجسات الخبر، لتهرع فرق الإصلاح للتعامل مع التسرب وتقمعه؟
ولماذا لا نستحدث مدناً رفيقة للبيئة، تمنح سكانها هواء نظيفاً، وتستخدم بدائل الطاقة التي لا تبعث غازات دفيئة، لا سيما وأن شمسنا كريمة معطاءة؟
بل لماذا لا نجعل مدننا القائمة أقل غباء، بأن نحد مما تهدره من كل شيء دون اكتراث، حتى لتكاد أرتال قماماتها تنافس إنتاج أعظم مصانعها كماً ووزناً؟ فمدننا تستهلك كهرباء أكثر مما ينبغي، وينافس ما يتسرب من شبكات مياهها ما يستخدم فعلياً، وتعاني من اختناقات سير وتعطل؛ بسبب عدم احترام قواعد المرور؟!
قد يظن البعض أن بناء مدن جديدة مكلف، لكننا بنينا مدناً عندما كنا أقرب للفقر منا للثراء! فمتى بنينا الدمام والخبر؟ وها هما أصبحتا حاضرتين عظيمتين واشتبكتا مع سيهات والقطيف والظهران والثقبة، فأصبحت ثالث أكبر تجمع حضري في البلاد. ثم أننا في ماضي الأيام فكرنا في المدن الجديدة ليس كمستوطنات نخبوية، بل كأماكن تنطلق منها حياة جديدة لمن يرغب من السعوديين. وهذا لا يتعارض مع المدن الاقتصادية قيد التأسيس، مثل: مدينة الملك عبدالله الاقتصادية، أو مدينة جازان الاقتصادية، أو مدينة حائل الاقتصادية، أو مدينة وعد الشمال، إلا من حيث أنها مدنٌ عامة، وليست بالضرورة قامت مرتكزة على مشروع اقتصادي من نوع أو آخر.
لعلنا أمام مفارقة بوسعنا أن نستخرج منها مبادرة نقننها في استراتيجية، فنصنع منها خطة ونحولها لبرنامج لإحياء المدن. الفكرة أن بداياتنا النفطية استوجبت بناء مدن جديدة، والآن بداياتنا «ما بعد النفطية» تتطلب بناء مدنا أقل استهلاكا للموارد وأكثر توظيفاً منتجاً.
هناك من لا يتحمس كثيراً لفكرة بناء مدن جديدة، على الرغم من أن تجربتنا ثرية في هذا المجال، وهي متنوعة كذلك، فالمدن الثلاث الدمام والخبر والظهران مدن عامة، في حين أن مدينتي الجبيل وينبع الصناعيتين مدينتان متخصصتان. ومؤخراً تطورت تلك الخبرة بمبادرة سعت لإطلاق مدن افتصادية، تعتمد على توليد القيمة والفرص الوظيفية الناتجة عن أنشطة غير نفطية. وبالقطع مرت تجربة المدن الاقتصادية بتحديات عاصفة، تطلبت إعادة النظر في كيفية تنفيذ المبادرة، وليس في المبادرة بحد ذاتها، إذ أن إطلاق مدن اقتصادية جديدة مطلب ضروري؛ لتنويع الاقتصاد الوطني.
الأمر المشجع أن التجارب تضعنا جميعاً على المحك، والاصرار على النجاح دفع مدينة الملك عبدالله الاقتصادية لتعيد صياغة استراتيجيتها ومنهجية التنفيذ، بأسلوب مختلف نوعاً ينطلق من القاع «من السوق لاشباع الطلب»، وهكذا نرى الميناء يعمل بنشاط، ونجد مواطنين من رابغ يعملون هناك، كما أن ثلاثين شركة مقرها المدينة تعرض حالياً مئات فرص العمل لشبابنا، وليس عشرات آلاف الفرص، لكن لنتذكر أن بداية الغيث قطرة، نحن في أمس الحاجة لها حينما ينقطع «انهمار» النفط أو يخبو سعره وتقل إيراداته.

الاثنين، 8 ديسمبر 2014

استهلال ميزانية 2015

ما تداعيات تراجع أسعار النفط علينا في المملكة العربية السعودية؟ يبدو أن أول المتأثرين هي سوق الأسهم السعودية، فهي مرهفة لأي خبر «سلبي»! ولعل سبب ذلك أنها سوق مضاربين، فهم الشريحة النشطة المؤثرة في حجم التداول في السوق.
وبعيداً عن سوق الأسهم، فما تأثير تراجع أسعار النفط علينا داخلياً؟ هما تأثيران: مباشر، وغير مباشر، والمباشر يتجلى في الإنفاق الحكومي، ولذا فالجميع في حالة ترقب لما ستسفر عنه أرقام الميزانية العامة للعام المالي القادم. فهناك من يتوقع أن يتقلص الإنفاق على الباب الرابع تحديداً، لما دون 200 مليار ريال، أي بتراجع في حدود 20 - 30 بالمائة عما هو عليه في العام المالي الحالي «2014».
وإن افترضنا أن ذلك حدث بالفعل، فلن يستشعره الاقتصاد المحلي بسبب أن حجم المشاريع قيد الإنجاز والمخطط إنجازها من سنوات سابقة كفيلة بأن تشغل الجميع لسنوات قادمة دون أن يكون لدى أي وقت منهم ليتساءل: هل من مزيد؟!
إذ يبلغ تعداد تلك المشاريع «المتأخرة والمتعثرة» مئات كثيرة قيمتها بعشرات المليارات، ونظراً لعدم وجود إحصائية رسمية عن تلك المشاريع أو بيانات موثوقة من جهة رصينة فليس ملائماً تناول تقديرات رقمية عن قيمة المشاريع المتعثرة والمخصص لها أموال من موازنات سابقة، وهذه نقطة جوهرية من الناحية العلمية باعتبار أننا وصلنا - أو نكاد - للسعة التعاقدية للمقاولين.
ولنتصور أن كل شيء سيكون في العام المالي 2015، كما كان عليه العام المالي الحالي «2014» فيما يتصل بتقديرات الإنفاق في الميزانية العامة، أي أن الإنفاق العام المقدر للعام المالي «2015» سيكون 855 مليار ريال.
لكن كيف سيكون الحال والإنفاق يعتمد اعتماداً شبه كلي على الإيرادات النفطية؟! إذا انخفض السعر عن 60 دولارا فقد تضطر الخزانة للجوء للاحتياطي. وبالإمكان التعامل مع هذا على مستويين: رصد 855 مليارا كإنفاق تقديري للعام «2015» وتغطية العجز من الاحتياطي، أو الهبوط بالميزانية لتكون ميزانية صفرية؛ أي أن يعادل الإنفاق ما تحققه الخزانة العامة من إيرادات فلا يتجاوزه، وإن ارتفعت الإيرادات عن التقديرات فلا يتجاوز الإنفاق 855 مليارا باعتباره سقفاً غير قابل للرفع.
وهنا تبرز نقطة فلسفية، هل الاحتياطي هو للحفاظ على استقرار إيرادات الميزانية بقصد تجنيبها الاقتراض؟ أم هو احتياطي للأجيال؟ إن كان للأجيال، فالملائم أن نُصدر ميزانية «صفريةُ» العَجز، فننفق بقدر ما يتحقق للخزانة العامة من إيرادات ولا نتجاوزه.
أما إن كان الاحتياطي العام هو لتفادي الاقتراض، فسيكون لزاماً السحب منهُ اضطراراً، وهذا يعني أن تكون الميزانية تقشفية بالضرورة. ولطالما طُرح إصدار ميزانية «صفرية» تجنباً لعودة الدين العام للتنامي لخزانة تعتمد اعتماداً شبه كامل على مورد واحد متذبذب، لا سيما أننا حديثو عهدٍ بتصاعد دَيننا العام حتى وازى «من حيث القيمة» الناتج المحلي الإجمالي للمملكة، وكانت انطلاقته إبان انهيار أسعار النفط في العام 1986.
نقطة المشاريع ضبابية بالفعل، فقد كان الباب الرابع هو «نجم» الميزانيات العامة المتتابعة على مدى السنوات العشر المنصرمة، فقد شهد وتيرة تصاعدية كبيرة، لكن لا يوجد «جردة حساب» لوضع المشاريع التي شملها هذا البند، بما يجعل واضحاً كيف سيكون عملياً وضع هذا الباب في العام 2015 وما يليه من أعوام.
لماذا أخص الباب الرابع «المشاريع» بالنظر هنا؟ أن الأبواب الأخرى محسومة، والتقليص فيها مستبعد تماماً، ولا سيما الباب الأول، وهو الأكبر قيمةً. أما الباب الرابع، فهو باب المشاريع القابل للتغيير هبوطاً وصعوداً بعشرات المليارات.
ومع عدم وضوح الحصيلة «الجردة» الحالية، فمن الصعب التنبؤ بتوجهات الإنفاق الرأسمالي للعام «2015»، أما إجمالاً، فمن غير المحبذ تعطيل التنمية ولا سيما جهود نشرها وموازنتها في أنحاء المملكة، وكذلك من غير المحبذ تعطيل أو تباطؤ جهود بناء السعة لاقتصادنا الوطني.

الأحد، 7 ديسمبر 2014

قصةُ حَسنٍ القصيرة


قبل أقل من ثلاثة أشهر تقدم للعمل شابٌ جامعي متحفز، لفت نظري أنه خريج من جامعتي، جامعة الملك فهد للبترول والمعادن بالظهران، منذ أشهرٍ عدةٍ. أتاني أحد الخبراء في المكتب ممن قابلوه قائلاً: يجب أن نوظف هذا الشاب، أجده متحفزاً للعمل، ويمتلك القدرات للتعلم والتطور. أجريت له مقابلة شخصية بعد تلقي تقارير المقابلات من الزملاء، وكانت جميعها إيجابية.
في مقابلتي له كان سؤالي الأول: لماذا تتقدم للعمل في مركز في الرياض يبعد عن أسرتك أكثر من 300 كم، يا حسن؟ أجاب: أرغب العمل في مجال الدراسات والبحوث. قلت: سؤالي لماذا لم تبحث عن العمل في مكان أقرب لسكن أسرتك؟! أجاب: بحثت ولم أجد عملاً. أثارت إجابته تساؤلات أكثر مما أجابت؛ فكيف لا يجد خريج من جامعة مرموقة بمعدل مرتفع وتخصص مطلوب وظيفةً في محيط أسرته؟! أؤكد لكم أن إجابته لم تك مفاجئة، فنحن نعاني من الهجرة الداخلية بحثاً عن العمل، وأوضح مثال كيف نمت عاصمتنا الرياض في فترة من الفترات بمعدل نمو سنوي للسكان فاق الأربعة بالمائة.
ولعل الرغبة في السيطرة على هذه الظاهرة، هي أحد المبررات الرئيسية لما تنادي به الخطة الخمسية الحالية بتحقيق التنمية المتوازنة؛ على مستوى مناطق المملكة، وضمن كل منطقة. وهنا يكمن التحدي بأن ننمي الاقتصاد المحلي في كل بلدة ومدينة وحاضرة، بما يمكنها من توليد فرص عمل، وفرص العمل المقصودة هنا ليست فقط تلك الناتجة عن الانفاق الحكومي مثل: وظائف التعليم والصحة والمرتبطة بالجهاز الحكومي فقط، بل كذلك وظائف القطاع الخاص، والتي يذهب نصيب الأسد منها للعمالة الوافدة من جهة، وينحصر القَيّم منها في المدن والحواضر الرئيسية.
وبالفعل توظف حسن، فوجده الجميع حسن الطلعة والطباع، يسبق فعله قوله، كأنه النسمة التي تنعشكَ ولا تزعجك؛ فقد كان مبادراً بهدوء، ومُنجزاً بسكون، يبدأ نهاره مبكراً ولا يغادر إلا مكملاً ما تحت يده من مهام بل ويطلب المزيد، يُقبلُ ببسمة متحفزة ويغادر ببسمةٍ متحمسة.
وبالأمس، في طريقي للأحساء، كنت أستمع لبرنامج عن حوادث نقل المعلمات وكيف أن معدلها أعلى بنحو 50 بالمائة من المعدل الوطني للحوادث المرتفع مقارنة بما هو سائد في بلدان العالم، وقد استضاف البرنامج مواطنين من أصحاب الرأي هما أ. سعد الدوسري ود. عبدالله الكعيد، فدفعهما الألم دفعاً للحديث بلغة واضحة بليغة بأنه ليس مقبولاً أن نمكث متلقين لحوادث مروعة حتى أصبح سماعها روتيناً يومياً مفجعاً، دون أن نفعل شيئاً ملموساً للحدّ من هذا الفعل القاتل لمواطنات كريمات، يجاهدن في سبيل خدمة الوطن وأهله، فمنهن من تترك بيتها قبل الفجر لتصل إلى مقر عملها تقلها سيارة وسائق لا أحد يعلم مدى قدرتهما على تحقيق اشتراطات السلامة للنقل المدرسي.
حرك حديثهما شجوني، فقد تحدث د. عبدالله الكعيد بحرقةٍ عن بناتنا اللاتي يقتلن على الطريق دون أن نفعل الكثير للحد من ذلك. ثم أن الأمر لا يقتصر فقط على بناتنا، ففي الليلة التي قبل شيعنا الشاب اليافع حسن، وفي الليلة التي قبلها وافاه الأجل المحتوم في مستشفى الملك فهد بالهفوف؛ إثر تعرضه لحادث مروع على الطريق السريع، لم يمهله طويلاً.
كنت أستمع لهما متجهاً إلى مجلس العزاء في حسن، الشاب الذي لم يمكث بيننا طويلاً، وقضى متنقلاً بين الرياض والأحساء. وبقبول تامٍ بإرادة الله، جل شأنه، شعرت بمرارة مضاعفة في فَقدِ شابٍ جاد كان يسعى لتحقيق ذاته وخدمة مجتمعه، فقضى على الطريق بحثاً عن مستقبلٍ وفرصةٍ وهو ما زال في بدايةِ البداية.

الأربعاء، 3 ديسمبر 2014

الاستراتيجية الجديدة لأوبك: «العوض ولا الحريمة»

أعود لما سبق أن ذكرته هنا ألا أساس لقناعة البعض أن انخفاض أسعار النفط المعاش ناتجٌ عن «ترتيبات» سياسية لمحاربة أو «مناكفة» دول أخرى، ولست في موقع لإثبات غير المثبت مما هو قائم على «أحاسيس» وتخرصات.
أما ما تقوله بيانات السوق، فهو يفصح عن أن السوق النفطية خرجت من سطوة «أوبك» كما سبق أن خرجت من سطوة شركات النفط العملاقة، وهي في طريقها لتصبح مؤهلة لتنضم للسلوك الطبيعي لبقية السلع، أي يخضع سعرها للعرض وللطلب، ولا يعني هذا انتفاء التأثير السياسي لدولةٍ أو لدولٍ أو للتأثير الجيوسياسي لأحداث إقليمية، فالتأثير السياسي لم يغب أبداً، لكن هناك من يتحدث عن أن الترتيبات السياسية هي ذات تأثير طاغٍ على سعر النفط، وأقول إن هذا كان في الماضي.

وللعلم، فإن القهوة والشاي والبتروكيماويات السلعية والألمونيوم والنحاس وحتى فول الصويا وزيت الذرة وعصير البرتقال، وهي سلع تتداول في الأسواق العالمية ولها بورصات متخصصة، كلها تتأثر بصورة أو بأخرى بعوامل سياسية، لكنها تستوعب في قوى العرض والطلب في نهاية المطاف ولا تتحكم فيها.

وتتفاوت ضمن «أوبك» توجهات الدول، فثمة دول تنتهج أسلوباً «صفقاتياً» «من صَفقة» قصير المدى يرتكز إلى السعي للتأثير على السعر ارتفاعاً، ولا تثريب على هؤلاء سوى أن هذه المدرسة لم تَعدّ مؤثرة لأربعة أسباب رئيسية: وجود فائض كبير في السوق، وتوفر نفط بأسعار بخسة من مناطق النزاع، وتنافس دول أوبك على الحصص، وتزايد قوة المنتجين خارج أوبك ولاسيما من الدول الصناعية وتحديداً الولايات المتحدة الأمريكية.

وهناك دول ضمن «أوبك» تنتهج أسلوباً استراتيجياً يرتكز إلى التأثير عبر الحفاظ على استقرار السوق واعتمادية الامدادات، وبالقطع لا تمانع هذه الدول أن يرتفع السعر بل تسعى إليه بأسلوب مختلف، يقوم على بناء علاقات وثيقة مع المستهلكين. ومع مرور الوقت، ثبت تفوق تأثير النهج الاستراتيجي في طمأنة الزبائن أن الحفاظ على استقرار اقتصاداتهم عبر توفير الامدادات ليس محل مزايدة أو تفاوض، ولذلك نجد أن هذا النهج قد أقنع دولة متحوطة لدرجة الوسواس أن تعتمد في تأمين نحو ثلث وارداتها النفطية على السعودية.

وعلى الرغم من أن مَدرسة «الصفقة» تقول إن النفط سلعة استراتيجية لكنها لا تتعامل معها باتساق مع ذلك المنطلق؛ فهي ليس لها زبائن دائمون يعتمدون عليها لتوفير احتياجاتهم من الطاقة، بل تسعى لبيع ما لديها في عرض البحر أو البورصات أو لوسطاء، بمعنى أن ليس مهماً لها من يشتري، بل مَن يَدفع.

ولا أعيب هذا النهج من حيث المبدأ، لكنه في جوهره يقوم على منطق «جود السوق ولا جود البضاعة»، وهو منطق يمكن أن يعمل في الاتجاه المضاد كذلك، فالمنافس الشرس والمباشر لتيار «الصفقة» هم تجار النفط الجدد ممن استولوا عليه في مناطق النزاع العربية، مثل سوريا والعراق وليبيا، ويعرضوه بأسعارٍ بخسةٍ على السماسرة ليجد طريقه في نهاية المطاف لأسواق الاستهلاك! ومع ذلك، فأصحاب مدرسة «الصفقة» ضمن «أوبك» عاشوا فترة إنكار ولم يستوعبوا سريعاً فداحة التغييرات في السوق، وهذا ما يبرر أنشطتهم المحمومة قبل انعقاد اجتماع «أوبك» الأخير في نوفمبر.

ومع قبول أتباع مدرسة «الصفقة» ضمن «أوبك» بعدم مس سقف الإنتاج والحفاظ على الحصص، يصبح من المقبول القول إنهم أدركوا أخيراً سلامة منطق «العوض ولا الحريمة» «أو العوض ولا القطيعة»، بأنهم إن خفضوا الكميات فسيخسرون السوق لوجود من ينافسهم على الزبائن، وهكذا قبلوا.

الثلاثاء، 2 ديسمبر 2014

مَن «رَمَش» أولاً أوبك أم الوكالة؟

لم تؤسس «أوبك» لتكون منظمة تتعامل مع ردة أفعال الطلب، فترفع الكميات وتخفضها ثم ينفض الاجتماع، بل أُسست لتحقيق أهداف استراتيجية لابد من النهوض بها إن كانت «أوبك» تريد البقاء، وهذه الأهداف تتمحور حول أسعار مستقرة وعوائد مجزية مقابل الاستثمار في قطاع النفط، بما يؤدي إلى استقرار السوق العالمية دون انتكاسات ناتجة عن ارتفاعات مفاجئة أو انخفاضات متسارعة.

وهذا الاستقرار للسوق يعني فقط إدارة العرض استراتيجياً، بل السعي لإدارة العرض والطلب بصورة متسقة، وهذا لن يحدث دون تنسيق، فهو يتطلب حواراً بين الدول المستهلكة والمنتجة، يفضي لوضع سياسات متوائمة توازن بين مصالح الجانبين المتعارضة، وتبعد مواجهات «كَسر العظم». لكن «أوبك» وعبر تاريخها تعرضت لتجارب «كسر عظم» عدة، بعضها كان عنيفاً أدى لكسور مضاعفة ومركبة، منها انهيار الأسعار في العام 1986 على سبيل المثال لا الحصر، وأخرى انتهت برضوض متفرقة وهذه كثيرة لم تخل منها قط ساحة تجارة النفط العالمية.

مما يدلل أن تنسيقاً لم يحدث بدايةً بين الطرفين «أوبك والمستهلكين الرئيسيين»، فقد نظرت الدول المستهلكة الرئيسة، وتحديداً الصناعية، ومن خلفها شركات النفط العملاقة لنشوء أوبك باعتباره عملاً شائناً، ليس فقط لأنه سيؤدي لرفع أسعار النفط بل لما سيعنيه من قوة تفاوضية هائلة للمنظمة الوليدة، وهذا بالفعل ما كان؛ ارتفعت الأسعار وأصبحت «أوبك» الكيان الوحيد التابع للعالم النامي المرهوب الجانب، ويمكن القول ان الاقتصادات الصناعية وقفت حائرة أمام «أوبك»، وبعد المقاطعة النفطية في العام 1973 وجدت تلك الاقتصادات «من خلال منظمتها النافذة، منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD» أنها عليها إيجاد منظمة لمجابهة أوبك، ولكن بإطار أوسع، فأطلقت في العام 1974 وكالة الطاقة الدولية «IEA».

لم تُضِع وكالة الطاقة الدولية كثير وقت في ترجمة استراتيجيتها إلى مبادرات وخطوات تنفيذية ألحقت بها برامج، ولعل أنجح تلك المبادرات على الاطلاق برنامج إدارة الطلب، وما ولده من: أبحاث، وبراءات اختراع، وسياسات وإجراءات ترشيد الطاقة والرفع من كفاءة استخدامها والبحث المستديم عن بدائلها المتأتية من موارد غير أحفورية.

وكانت الدول الأعضاء في وكالة الطاقة الدولية طيعة ومساندة، أدخلت تعديلات حقيقية، وفي أحيان أعادت كتابة سياسات الطاقة المعمول بها، فمثلاً وضعت وكالة الطاقة الدولية دراسات مستفيضة حول ”موازنات الطاقة“ «energy balance» على مستوى المجموعة ثم تفرعت لكل دولة على حدة، في مسعى للتعرف على الاستخدامات والمصادر والخيارات لتلبية العجز، أخذاً في الاعتبار أن الترشيد ورفع الكفاءة هو الخيار الوحيد ولا خيار سواه. وقد فتحت الوكالة كل أبواب ونوافذ التمويل للإبداع التقني المؤدي للترشيد، ومن ذلك مثلاً إيجاد مصادر بديلة والارتقاء باقتصادياتها من جهة وفي نفس الوقت العمل على إيجاد طرق للحد من استهلاك النفط المستورد، بما في ذلك التحول ابتداء للغاز الطبيعي لإنتاج الكهرباء واستخدام العدادات الذكية للاستفادة من تفاوت أسعار بيع الطاقة الكهربية من فصل لآخر ومن ساعة لأخرى. النقطة هنا أن الوكالة عملت وفق منهجية علمية متماسكة تؤدي لتحقيق الغرض من إنشائها، ولا تستند فقط إلى رؤية واستراتيجية وخطط والأفعال مما أشرت له سابقاً، بل كذلك إلى رصد تفصيلي مرعب للبيانات ذات الصلة بالطاقة. فلوكالة الطاقة الدولية «IEA» بنك معلومات هائل، حيث تنشر شعبة إحصاءات الطاقة «ESD» سلاسل زمنية سنوية وفصلية تمتد من العام 1960 فصاعداً عن عوامل عدة، منها: إنتاج الطاقة، والتجارة، والمخزون، والتحول، والاستهلاك، والأسعار، والضرائب فضلا عن انبعاثات الغازات الدفيئة لأعضاء منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية التعاون والتنمية «OECD» الثلاثين ولأكثر من مئة دولة أخرى.

الاثنين، 1 ديسمبر 2014

إحسان بوحليقة يسلط الضوء على التنوع الاقتصادي في الأحساء

تستضيف اللجنة التجارية في غرفة الأحساء مساء الأربعاء المقبل رئيس مركز جواثا للاستشارات الدكتور إحسان بن علي بوحليقة، الذي سيلقي محاضرة بعنوان «الأحساء واحة للاستثمار والتنوع الاقتصادي». وأوضح رئيس اللجنة التجارية نعيم المطوع أن انعقاد المحاضرة يأتي ضمن توجهات وخطط اللجنة لتحفيز وجذب الاستثمارات الكبيرة والمتنوعة إلى الأحساء باعتبارها وجهة استثمارية واعدة، مع إبراز مقومات النمو فيها وميزاتها النسبية واستعراض الإمكانات والموارد وفرص توظيفها، وأشار إلى أن الأحساء تشهد خلال الفترة الأخيرة حراكاً دؤوباً وسعياً جاداً وتحدياً حقيقياً للحاق بركب التنمية المتوازنة المستدامة وإبراز وجهتها الاستثمارية النموذجية الواعدة من خلال جهودها المتواصلة ومبادراتها المستمرة لتوسيع وتحفيز نشاطاتها الاقتصادية بما ينسجم مع الطفرة التنموية الكبيرة التي تشهدها خلال السنوات الأخيرة، وتعزيز مشاريع البنى التحتية والمشاريع التنموية والخدمات وإبراز أهميتها ومزاياها ومقوماتها على المستوى الوطني.
يُشار إلى أن انعقاد المحاضرة يواكب جهود وخطط الغرفة الملموسة في تبني ومتابعة عدة ملفات تنموية منها مشروع تطوير العقير، المدينتان الصناعيتان الثانية والثالثة، دعم وتأهيل وتشجيع توظيف الموارد البشرية الشبابية والنسائية في كافة القطاعات الصناعية والإنتاجية، دعم بنية المشاريع السياحية ومرافق الإيواء السياحي، وكذلك تحويل مطار الأحساء إلى مطار دولي.
يذكر أن الدكتور إحسان بوحليقة يُعد من أبرز الاقتصاديين السعوديين؛ فهو حاصل على درجة دكتوراة الفلسفة في علم الإدارة من الولايات المتحدة الأمريكية، فيما شغل عضوية مجلس الشورى ورئيس لجنة الشؤون المالية في المجلس في دورته السابقة، ولديه عديد من المؤلفات والبحوث في مجالات النمذجة وتطبيقات الذكاء الاصطناعي والإدارة والاقتصاد.

الخميس، 20 نوفمبر 2014

البيانات الضخمة وحديث بين شاب وشيخ

صدمني أحد حديثي التخرج بسؤاله: ما الفرق بين الوقت الذي كنتَ تدرس فيه في الجامعة ووقتنا نحن؟ قلت له لعل الفارق جيل لكن ما حدث خلال هذا الجيل أعاد هيكلة حياتنا، ليس الجامعيةِ فحسب بل تقريباً كل ما حولنا، بما في ذلك تعاطينا مع بعضنا البعض وطرق تواصلنا كأهل وكأصدقاء، وتجاوز ذلك حتى لكيفية أداء العديد من المهام، خذ مثلاً الوضع الآن وكيف أصبحت الانترنت شريكاً في كل مقرر دراسي، فهي المكتبة الهائلة التي لم نك أيامنا بأي شيءٍ قريب منها! بل كنا نحرص لقضاء أكبر وقت للمكتبة إن كنا نُعدّ بحثاً، أما إن أردنا الوصول للمراجع ولاسيما الدوريات خارج المكتبة عن طريق التواصل بقواعد المعلومات والمكتبات الأخرى، فكان ذلك أمرا يحتاج إلى ترتيبات وينطوي على تكلفة ينوء عن تحملها معظم الطلبة.

لا شك في ان التقنية تعيد هيكلة العالم من جوانب متعددة؛ فجبال هائلة من البيانات والمعلومات محفوظة في "سُحب" افتراضية تمكنك أن تصل لها عبر الانترنت، وأنت لست مُقيداً بالجلوس في مكتبك بل حُرّا طليقا؛ فبوسعك أن تبيع وتشتري وتوقع محاضر خطابات وتفوض صلاحيات وتنقل أموالا باستخدام جوالك وأنت قبالة سواحل البوسفور أو في مياه المالديف الضحلة أو أمام نوافير دبي الراقصة أو في مكتبك، الخيار لكَ. ولا ننسى أبداً أنك- وبفضل التقنية- لم تَعد وحيداً، بل العالم بأسره على بعد "ضغطة زر" لتصل لقنوات التواصل الاجتماعي، ومن خلالها للبشر، سواء أهلا أو أصدقاء أو زبائن أو معارف أو حتى زملاء في مكتب او تشترك معهم في اهتمامات جادة أو فقط للترويح عن النفس.

وعندما تجمع كل هذه التغييرات التي لم تك موجودة وأصبحت في المتناول تجد أنك تمارس حياتك الجامعية بصورة مختلفة تماماً، أو على الأقل بوسعك أن تمارسها بصورة مختلفة، إذا استطاع الأساتذة التعايش واستيعاب التقنيات الحديثة التي لا يتوقف تدفقها. وفوق ذلك لابد من إدراك أن القادم سيكون بمثابة تحد حقيقي، وهو يتعلق بتحسين فهمنا للأشياء! مازلت أتذكر كيف كان تتبع الأخبار يتطلب جهداً كبيراً من الجيل الذي سبقنا، إذ كانوا ينكبون على تحريك "إبرة" راديو ضخم الحجم للإنصات لراديو لندن، أما الوضع الآن فكل المحطات تحت يدك من خلال الانترنت. وهكذا فلم يصبح التحدي متابعة الأخبار من مصادر مختلفة ولحظة بلحظة، بل نريد معرفة لماذا حدثت، وما الذي من المتوقع أن يحدث تبعاً لذلك، وكيف يمكن أن نؤثر في حدوثها؟ ولكل عنصر من هذه أدوات تقنية للوصف والتشخيص والتوقع والاقتراح. وإن كنا قبل جيل نتحدث عن ثورة المعلومات، فنحن حالياً امام ثورة للبيانات، والسبب أن التقنيات في السابق لم تك تسعفنا للتعامل مع جميع أنواع البيانات، بل كان لابد أن تصاغ في قوالب مقننة، أما الآن فنحن في طريقنا لتحليل أية بيانات بغض النظر عن القالب أو الصيغة، بما يؤدي لأن تتعامل معها التقنيات الحوسبية لتساعدنا أن نفهم ما يدور حولنا، وليس بعض ما يدور حولنا. بمعنى أننا بدأنا نكتشف أن كميات هائلة من البيانات هي حولنا لكننا لا نستوعبها– لسبب أو لآخر- وبذلك يكون إدراكنا قاصراً. وهنا قاطعني الشاب قائلاً: فعلاً كانت حياتكم خالية، قلت له: أنت لا تعرف ما لا تعرفه، ولذا فلم نفتقد آنئذ كل ما أتى لاحقاً من تقنيات ومنتجاتها، لأنها لم تكن قد اخترعت بعد.

الثلاثاء، 18 نوفمبر 2014

كفاءة استهلاك الوقود بين «مازيراتي» ونبض السوق

جمعتني مائدة العشاء بزملاء المهنة والاهتمام، وريثما تبدأ الاحتفالية أخذنا نناقش السكن وتمويله وما الذي سيحل بقطاع العقار بعد فرض دفعة مقدمة قدرها الثلاثون بالمائة، واكتتاب البنك الأهلي، والقوائم المالية لموبايلي، وتوجهات سعر البترول واحتمال تأثيره على السوق المالية وعلى مستوى الانفاق في الميزانية القادمة.

وقطع النقاش المحتدم شاب أوربي أنيق، ألقى التحية وعَرَّفَ باسمه وجلس، فسألناه: أين تَعمل؟ أجاب: «مازيراتي»، فانهالت عليه الأسئلة، أخبرنا أنهم يبيعون سنوياً مئات من هذه السيارة الفخمة! ثم ما لبثت أن بدأت الاحتفالية المهيبة.

لا شك أن إهدار الطاقة أصبح سجية لا بد لها من حَلّ، حتى أصبح مألوفاً أن تجد أجهزة تكييف وإنارة تعمل في غرف وقاعات بل وحتى في مبان فارغة أو شبه فارغة ليلاً ونهاراً وشتاءً وصيفاً! وبالمقابل، عندما تذهب لبقية بلدان الدنيا لا سيما أصدقاؤنا في مجموعة العشرين، فتجد أن الاقتصاد في استخدام الطاقة قد غدا طريقة حياة، أما نحن فلم نبرح الكلمة الأولى من السطر الأول بعد؛ نتحدث عن أهمية استخدام المواد العازلة في المباني في حين ما زال التطبيق حِبياً فمُلاك المباني الاستثمارية لا يأبهون كثيراً لهذا الأمر، باعتبار أن تكلفة الكهرباء ليست ضمن اهتماماتهم، وقس على ذلك. هذه السلبية لم تأت عبثاً بل هي أحد نتائج عدم وجود معايير مُلزمة، مما يجعل الأمر عبارة عن قرار شخصي وليس فَرضا لا مناص منه.

وأخذاً في الاعتبار عدم وجود تنظيمات توجب الترشيد، فكان الأمر الذي طرحه العديد من المشاركين في اجتماعات الهيئة الاستشارية لبرنامج كفاءة الطاقة قبل نحو عامين: لماذا لا يُرفَع السعر؟ فقد كان النقاش محتدماً بأن الطريق القصير للحدّ من إهدار الطاقة وتقليص وتائر نمو الاستهلاك المحلي يتجسد في رفع سعر بيع المشتقات، وعلى نقيض ذلك فقد كان لفِرَق العمل المتخصصة رأي آخر، يتلخص في أنها ستسلك الطريق الصعب والمتمثل في إطلاق مبادرات متعددة للترشيد.

ومع أن رفع السعر هو أقصر الطرق بالفعل، لكنه أكثرها بُعداً عن تحسس أوضاع الشرائح منخفضة الدخل، ولا يأخذ في الاعتبار أن استهلاك الوقود في السيارات الصغيرة ناتج إلى حدٍ بعيد عن عدم توافر بدائل للنقل داخل المدن ومحدوديتها بين المدن، ولذا نلجأ جميعاً لاستخدام سياراتنا الخاصة؛ الغني والفقير والمواطن والوافد.وبالفعل أخذت الحلول تتبلور، وبالأمس نُظِمَت في الرياض احتفالية بمناسبة توقيع مذكرات تفاهم بين الهيئة السعودية للمواصفات والمقاييس ومصنعي السيارات تتعلق بالتزامهم بالمعيار السعودي لكفاءة استخدام الوقود في المركبات الخفيفة الجديدة، وسيصدر المعيار السعودي عن هيئة المواصفات والمقاييس في يناير 2015 ليُعمَل به اعتباراً من يناير 2016.

وعند اكتمال تطبيق كافة البرامج في قطاع النقل البري، فيمكن تحقيق وفر يصل إلى «300، 000» ثلاثمائة ألف برميل يومياً من البنزين والديزل بحلول عام 2030م، ولذا فعلى مصنعي السيارات تطبيقه والالتزام به في سياراتهم الجديدة التي سيصدرونها للمملكة اعتباراً من ذلك التاريخ.

والتفتُ إلى التنفيذي في الشركة المصنعة لسيارات مازيراتي، بعد أن عاد من منصة التوقيع، وسألته: هل سيكون من الصعب عليكم الالتزام بالمعيار السعودي لكفاءة الوقود؟ قال: إنه تحد بالفعل، بالنسبة للسيارات كبيرة المحرك «8 سلندر فما فوق»؟انتهت الاحتفالية وغادر كبار الضيوف، لكن مائدتنا بقيت عامرة؛ فقد عدنا للحديث عن التمويل العقاري واتفقنا أن لدينا مشكلة بحاجة لحلّ، واحتدم النقاش ثانية حول الحل!