‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 16 فبراير 2015

الاتكاء


الاتكاء هو الاعتماد على شيء ما، ونحن نعرف المادي مثل اعتماد الفرد على غيره أو كما عبر أبوالعلاء عن نفسه ب «المستطيع بغيره» وهذا ليس موضوع هذه المقالة.. موضوعها هو الاتكاء المعنوي مثل اتكاء الفكرة على فكرة أخرى سابقة لتعزز من الالتفات إليها أو لإعطائها قوة إقناعية أو شرعية الدخول إلى سدة الأفكار التي توصف بالإبداع أو البكارة، وإذا كانت ذاكرتي أمينة «ولا أظنها» فإن أبا تمام كان يلقب ب «المتكئ على نفسه» ذلك لأنه خرج على الذوق النقدي العام حتى إن بعضهم قال في شعره:
«إن كان هذا شعرا فكلام العرب باطل»
الاتكاء في الآداب والفنون ظاهرة دائمة، ولكن أحد مفكرينا المعاصرين اعتبر هذه الظاهرة نقصا وراح ينعى الأدب العربي كله بأننا لا نهتم بالعمل الإبداعي «إلا لأن دراسات استشراقية سبق وأن ربطته ب «معلمة غربية» لا نقرأ حي بن يقظان إلا لأن علاقة نسجت له مع روبنسون كروزو، ولا رسالة الغفران إلا لما ربطت به من علاقة مع الكوميديا الإلهية، ولا دلائل الإعجاز الا مقارنة بسوسير، ولا المنقذ من الضلال إلا مقارنة بديكارت، ولا المقدمة الا ارتباطا بأوغست كونت... الخ».
وأضيف الى هذا بعدا آخر هو اننا حين نريد اضفاء الاصالة على فكرة ما فلا بد من ربطها بقول احد القدماء، وهذا عجز فادح لأنه يعني تداخل الازمنة واختلاط الحابل بالنابل.
لماذا الاتكاء؟
الابداع هو التجاوز وليس البداية من الصفر، فهذه مستحيلة في ميدان الآداب والفنون.. والاتكاء المؤقت ليس محل جدال فهو ظاهرة موجودة في كل زمان ومكان، انه يكون محل ازدراء حين يكون مستمرا لأنه يدل على الضعف والعجز وجدب الفكر.
ويرى كثير من النقاد ان الاتكاء في الساحة الثقافية عندنا اتكاء مستمر مما يدل على العقم الفكري غير ان هذا - كما يرى من يضع التفاؤل على عينيه - عائد الى اسباب خارجية وليست موضوعية أي ليست عائدة الى الذات المبدعة بل الى الظروف الاجتماعية والسياسية المحدقة بها مثل الرقابة الاجتماعية والسياسية على حركة الابداع، فلا ابداع بدون حرية.
لقد تنبه الناقد القديم حازم القرطاجني الى هذا التداخل أو التساقي بين الذاكرة والتمييز والصناعة حين قال: «لا يكمل الشاعر على الوجه المختار الا بأن تكون له قوة حافظة وقوة مائزة وقوة صانعة» القوة الصانعة هي التجاوز والمائزة هي القدرة النقدية، اما الحافظة فهي التي تقول لنا: «لا شيء يبدأ من الصفر».
ما رأيك انت هل نلبس نظارة التفاؤل أم نظارة التشاؤم؟


 
               

الأحد، 1 فبراير 2015

قراءة في بيان حزب الله رقم (1)

ليست هذه أول عملية نوعية معقدة تقوم بها المقاومة الإسلامية في حزب الله ضد العدو الصهيوني , ولكنها تتميز بعدد من المزايا التي لا يجب أن نغفل عنها:
1- العملية تأتي في ظل تضامن غير مسبوق في الوضوح والصراحة من قبل قوى المقاومة الفلسطينية الباسلة واستعدادها المطلق في المساعدة والدخول على الخط في حال تطورت الأحداث وتدحرجت إلى حرب بين المقاومة في حزب الله والعدو الصهيوني.. هذا التضامن يرعب الصهاينة رعباً كبيراً .. فهذا العدو لما تندمل جراحاته من حربه العدوانية على غزة ومعركته مع "الأشباح" التي تخرج من الأنفاق تحت الأرض.
بالأمس كان العدو الصهيوني يحفر الأراضي في الشمال للبحث عن أنفاق لحزب الله بعد أن عاش أهل مستوطنات الشمال حالات رعب وأوهام بأن مجاهدي المقاومة يتسللون إليهم.. فإذا بالرد يأتي في هذه العملية من فوق الأرض وليس من تحتها.
2- لا يفصل هذه العملية التي نفذتها "مجموعة شهداء القنيطرة الأبرار في المقاومة الإسلامية" أكثر من أسبوع عن العملية التي نفذها الطيران الصهيوني ضد كوادر حزب الله في القنيطرة.. خلال هذا الأسبوع اتخذت إسرائيل عدة قرارات كان أبرزها الاستنفار في الحدود الشمالية واعتبار الجبهة اللبنانية أو السورية جبهة واحدة .. وتنفيذ هذه العملية بهذه الحرفية وفي ظل هذا الاستنفار يعني أن قدرة حزب الله الاستخبارية وقدراته التنفيذية على الأرض أقوى من كل التصورات للأعداء والأصدقاء.. فلم يخطر على بال أحد أن يتم الرد إلا في مكان وزمان تتوفر فيهما ثغرة ضعف للعدو الصهيوني .. أما الرد في منطقة مستنفرة يعني اختراقاً ذريعاً قامت به استخبارات الحزب ضد هذا العدو .. وهذا يدفع إلى النقطة الثالثة:
3- المقارنة بين اعتداء الصهاينة على شهداء القنيطرة ورد حزب الله اليوم في مزارع شبعا المحتلة يظهر قدرة المقاومة التي فاقت قدرة الصهاينة .. فعدد الذين قتلتهم المقاومة (15 قتيل) هو أكثر من ضعف عدد شهداء القنيطرة (7 شهداء) .. كذلك فإن عملية الصهاينة أتت من خلال قصف طيران على سيارتين .. بينما قامت المقاومة بتدمير ما لا يقل عن 6 سيارات وقد يصل العدد إلى 9 سيارات وذلك عن طريق عبوات مزروعة وصواريخ.. بالإضافة إلى العامل الأهم وهو أن عملية الصهاينة كانت غدراً وغيلةً في حين أنهم كانوا يتحسبون للرد من قبل حزب الله.
4- لا يغيب المشهد السوري عن هذه العملية .. فالصهاينة والعرب المتصينون يعتقدون أن حزب الله مستنزف في سوريا في حين يؤكد سيد المقاومة الإسلامية السيد حسن نصر الله أن ما يقاتل به الحزب في سوريا هو فائض القوة من الجبهة مع العدو الصهيوني.. فهذه العملية تسقط كل الأوهام التي تبنى على هذا الأساس.
5- المشهد العربي الغارق في الضعف والمتنطع للتطبيع مع الصهاينة وحصر الصراع العربي الصهيوني بالفصائل المقاومة في فلسطين.. فالمقاومة الإسلامية في حزب الله تثبت لكل الرأي العام الصهيوني والعربي المتصهين أن هذا العدو "أوهن من بيت العنكبوت" ولكن الجانب المهم أيضاً هنا هو أن الخيانة العربية هي أيضاً أوهن من بيت العنكبوت.. وهي التي حاولت جاهدة وما تزال تحاصر المقاومة في فلسطين ولبنان وتحاربها في قوتها ورزقها وأمنها .. وهي مع كل هذه الخيانة تصنع الانتصارات التي لا تخطر في بال.. هذا يعني أن الخيانة لا تجر الضعف على المقاومة وإنما تخزي الخائن ليس إلا.
6- لا ينسى أحد خطاب السيد حسن نصر الله الأول في حرب تموز والذي أعلن خلاله عن تدمير البارجة الحربية "ساعر" على سواحل بيروت وإحراقها .. هذا الخطاب الذي لعب دوراً عملاقاً في الحرب النفسية ضد الصهاينة الذين لم يصل إليهم الخبر إلا من خلال متابعتهم لخطاب السيد الأمين.. واليوم تأتي عملية حزب الله الكبرى والمعقدة قبل خطاب السيد نصر الله بيومين .. فيا ترى ما الذي سيقوله السيد في خطابه أكثر مما حدث؟


الموعد يوم الجمعة مع البيان رقم (2)

المستدرك على الأَصمعيَّات في محكيات الخالة نزيهة...!!؟

تمتلك الخالة نزيهة الفضلي ذاكرة شفوية تستوعب ما استأثرت بها الجدات من حكايات معتَّقة المعنى والمغزى في بلد الأصمعي راوية البصرة ومسجل تراثها الشفوي من أشعار وحكايات دالة.
البصرة القديمة أم الأنهر والشناشيل كانت محل تولدها وسكناها..، تلقت تعليمها القراءة والكتابة والحساب على أيدي المعلمات الفاضلات حافظات القرآن الكريم منهن أستاذتها الملاية (أمونة الفيلي) بمحلة (الخليلية)..، وبنشأتها في بيت عالم وفقيه وتراثي كبير والدها الفقيه المحسن الفضلي بمحلة (المجصة) وبتربية والدتها السيدة أم الموسوعي القدير أستاذنا العلامة الشيخ الدكتور عبد الهادي الفضلي والتي كانت ـ أعني أم نزيهة ـ قد تلقت الدراسة في الكتَّاب وحفظت القرآن الكريم وكثيرا من المرويات الدينية والحكم والأمثال والحكايات الشعبية المدهشة التي طالما كان يأنس بها شيخنا الفقيه المحسن الفضلي مصغيا إليها وهي ترويها لأولادها وبناتها تحت (تسلاقة العنب) مع ارتشاف الشاي..؛ لما في تلك الحكايات من معاني ومغازي في قوالب ذات تقنيات سردية تشير إلى عصور الرقي المتقدمة في أدبنا العربي.
نزيهة الصبية كانت شعلة من ذكاء بحيث فاقت أقرانها في حفظ القرآن الكريم وتلاوته..، وقراءته بما يصطلح عليه في ذلك المنهاج التربوي العريق في البصرة الفيحاء بـ:
1
ـ الاسراد (القراءة السردية المألوفة)
2
ـ الإعراب (قراءة هجائية تقرأ النص حروفه وحركاته بمتواليات واسترجاعات بالغة الصعوبة لا يقوى عليها إلا من يتمتع بذكاء خارق وحافظة استثنائية وبموهبة فريدة مقتدرة على ضبط الإيقاعات بين متواليات النص واسترجاعاته..)
قبل أكثر من عقد من الزمان قدمتُ دراسة إلى مؤتمر التراث الشعبي بلبنان كان عنوانها: (الملائية وكتاب الملايات، من شعر التراجيديا الشعبي وأثره في الثقافة العراقية...) نُشرت في أبحاث المؤتمر..، وكان بحثا مثيرا كونه أجاب عن أسئلة لا مجال لذكرها الآن..!؟
الشاهد في الموضوع أن من مصادري الرئيسة في البحث كان ما نهلته من خزين ذاكرة الخالة نزيهة رحمها الله.
غيض من فيض أثار دهشة ذوي الاختصاص في مؤتمر عالمي..، وكأنما الأصمعي حضر ما بينهم..، تلك هي الروح البصرية في الخالة نزيهة، وفي الأصمعي الذي تحفظ له أرجوزته:
صوتُ صفير البلبلِ/ هيَّج قلبَ الثَّملِ...!!؟
تلك الأرجوزة التي كانت تلقيها الخالة نزيهة على مسامعنا ـ ونحن أطفال ـ بطريقة سريعة جدا ذات نبر خاص تثير به انتباه الطفل وتحرضه على الفطنة وتغريه بحب الاستعادة لملاحقة النص ومحاولة فهم شيء منه وتقليده وحفظه...!!!؟ 
إنه مقصد من المقاصد التربوية البصريَّة التي صنعت الخالة نزيهة وأرادت بسط تلك الصناعة لنا بأمانة واقتدار.
مدهش كان إلقاؤها وكأنها تستجيب لتحدي الذاكرة في أرجوزة الأصمعي..، وتتحدى في لهفة طفولتنا كل القصة؛ مما يحرَّضنا على الاستجابة مع كل استعادة والقاء جديد...!؟
إنه الدرس القديم المستعاد في تشقيق كوامن الإبداع في عقل الطفل ومخياله الطري...!!؟
إيهٍ خالتي نزيهة..!!
كم كنتِ وفية لثقافتك..، ولما سار عليه المبدعون من البصريين الأوائل..، وكم كنت نزيهة اسما على مسمى..، وكم كان من أشجار وارفة الظلال في ذاكرتنا الطفولية بذرتيها وسقيتيها ونميتيها بلا تعب ولا ملل ولا تأفف..، كنت تنسين كل آلامك وبلاءاتك ما أن نجثو أمامك لاستماع حكاية أو أنشودة أو مثل وحكمة ولغز ممتع مفيد...!!؟
لنا وقفة أخرى مع تراث الخالة نزيهة...
بقي أن استحضر طيفا جاءني ليلة رحيلها...!!؟
كان حاضرا فيه أبوها وأخوها الشيخان العالمان المحسن والهادي رحمهما الله
وكانت سدرة نبق لم أر مثل حجمها وخضارها في المكان الذي كانت تجلس فيه تروي لنا الحكايات ببيتها في محلة (المجصة)..، السدرة تقطع وكأنها ترتفع إلى السماء..، وأختها ورفيقة دربها أم الحسنين تنادي يريدها حسين...!!؟
رحيلك كان أيام رحيل الإمام الحسين (ع)
ولكنك السدرة الخضراء التي لا تموت
كما لا يموت الحسين...
كلاكما ظُلم
وكنت الوفية له في ما تتلين لنا من أشعار في محرم الحرام
رثاؤك تجاوز الكلمات إلى الوجود
تعلمت من الإمام الحسين كيف تكونين مظلومة وتنتصرين...!!؟
انتصارك كان مترجما بالعطاء..، بالصبر...، بالحب..، بالبراءة التي لا يمتلكها إلا الأطفال...!!؟
هنيئا لك الجنة...أيتها الخالة التي ترجمت مثلَها الشعبي الأثير : (خامَةْ و زبيلْ ترابْ...تاليْ العمرْ موتْ..) ترجمة اليقين الذي يورث الزهد...
والذي يمنحنا فقه وجه الشبه في مقولة الإمام الحسين :
((خُطَّ الموتُ على وُلدِ آدم مَخَطَّ القلادةِ على جيد الفتاة))...!!؟
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الصورة للبصرة 1913م


التنبؤ بعلامات الظهور

"ظاهرة الانتظار موجودة عند الشيعة، حتى قبل أن يولد الإمام المهدي -عجل الله تعالى فرجه الشريف-، والشحن العاطفي عند الشيعة ينبع من الولاء لأهل البيت (ع)، وجاء الانتظار نتيجة الاضطهاد الذي عانى منه الشيعة، فكانوا لا يرون خلاصًا من هذا الظلم والاضطهاد إلا بخروج الإمام المهدي (ع)، فكانوا يعيشون انتظاره، يعيشون على العلامات، وهذا لا يكفي.
السلبي في ذلك أن يتمثل انتظارنا لخروج الإمام في أن يخرج ليعمل بالمعجزة، ويطور العالم بالمعجزة.. النبي (ص) لم يعمل لتطوير العالم عن طريق المعجزة، وإنما استعمل
الطرق الطبيعية المألوفة. فنحن إذن بحاجة إلى أن نهيئ الظروف التي تساعد على خروج الإمام، وقد تناولتُ هذا في محاضرة طويلة بعنوان (مَن ينتظر مَن ؟).
أما أن نبقى على حساب الحوادث، هذه الحادثة من علامات الظهور، وهذه الحادثة من علامات الظهور.. نعم، نقول إن شاء الله أن تكون كذلك، ولكن هذا لا يكفي. في الواقع، نحن علينا واجب تهيئة الظروف."
من كتاب (حوارات في الدين والفكر واللغة) مع العلامة الفضلي (رض)

سرقة الوعي

ما الذي يسرق وعي الإنسان ويأسر ما لديه من طاقة ذهنية طاقة الشوق إلى المعرفة المتطورة ويقنعه بالاكتفاء البليد بما يقدم له من أوهام تدعي أنها حقائق؟ ما الذي يدفع الإنسان ضاحكا إلى أن يضع الحبل في عنقه ليقوده آخر إلى حيث يجعل منه سلما لأطماعه؟
أول ما يبدو من أسباب ذلك هو شل حرية المثقفين عن محاربة الأوهام البراقة التي تغري الشباب بسهولة بالانقياد لها لما فيها من تلبية لرغباته المكبوتة، ولأنها تفتح أمام أمانيه الضبابية افاقا من الوهم، والوهم من أشد الأمور إغراء.
أما ثاني الأسباب فهو التعليم ذو البعد الواحد والأحلام ذات البعد الواحد، فهما بصفتهما هذه يقولان وجها واحدا من وجوه الحقيقة ويطمسان الأجزاء الأخرى وهنا ينشأ المتعلم أو السامع متوهما أن ما تعلمه أو سمعه هو الحقيقة كلها ويظل مخدوعا بهذا الوهم ما لم تتداركه سعة المعرفة والخروج من السياج الذي وضع فيه.
ثالث الأسباب هو «العزلة» عن المجتمع، ان العزلة عن المجتمع تعني التحصن داخل خصوصية ماضوية تعني أن الفرد في صمم عن التعليم ذي الأبعاد المتعددة وعن الإعلام المتصف بهذه الصفة.. ان الشاب في التنشئة الغربية لا يعاني من الأمور المذكورة في السببين الأول والثاني ولكنه غير قادر على تجاوز ذاته.
لذا يقول الفيلسوف كانط في الإجابة عن السؤال ما هي الأنوار؟ ما يلي: «إنها خروج الإنسان من قصوره الذي هو مسئول عنه، قصور عجزه عن استعمال عقله دون إشراف الغير.. قصور هو نفسه مسئول عنه لأن سببه يكمن ليس في عيب في العقل بل في الافتقار إلى القرار والشجاعة.. الخ»
في مقال لصاحب التحليل الثقافي السيد يس يجيب فيه عن السؤال: ما الذي يدفع الشباب من الغربيين إلى الهجرة للانضمام إلى داعش؟ يقول: «مرد ذلك إلى سقوط الأديولوجيات التي كانت تجتذب الشباب سواء كانت رأسمالية او اشتراكية فقد الشباب بفشل هذه الأدلوجيات التي تمنحهم اليقين بصواب اختياراتهم.. الخ».
هذه الإجابة تفتقر إلى التريث قليلا: فهل سقطت فعلا الرأسمالية والاشتراكية؟ وإذا كان سقوطهما واقعا فلماذا لم ينطبق هذا على سائر الشباب؟ ولماذا هو مختص بفئة عقائدية واحدة؟ ولماذا لم يشمل كل شباب هذه الفئة؟
ماذا ترجح أنت؟ هل ترجح مقولة أو تعليل الفيلسوف كانط أم تعليل السيد يس؟ لا شك عندي في أن الفيلسوف كانط قد أصاب كبد الحقيقة كما يقول القدماء.


بين مكارثية ثقافية وتسلط كنسي

أبرزت استضافة شاعر أحسائي في مسجد، له اطروحات مسّت بعض الثوابت والمسلمات للشيعة، مساحة خلافات أكبر وأشد مما أحدثته «جريمة إرهابية» تمثل منعطفا نوعيا خطيرا في تاريخ الأحساء الحديث، مما يكشف خللا وهشاشة وتناقضا في المساحة الوجدانية للمجتمع…!
فالجميع بحاجة لمعرفة خريطة ودوائر الأزمات المتداخلة في بين الاجتماعي والديني، لفهم ما يحدث من جدل في هذه الحاضرة التاريخية ذات المذاهب المتعددة ومنها المذهب الإمامي الجعفري الذي يشكل المنتمون له أكثر من نصف سكانها، وهو مجتمع عريق في تدينه وفي محافظته، خاضع لمنظومة دينية تقليدية أصولية ذات اتجاهات مختلفة، وإخبارية.
وربما لا يتفق الجميع بشكل تام فيما بينهم حول حراكهم الاجتماعي العام، ولا تخلو هذه المنظومة من حراك ثقافي متصل بالجسم الاجتماعي العام في وطنها، كما أن لها علاقة واسعة واتصالا بالحراك العام في الساحة الاقليمية والاسلامية العامة، دون أن يصطدم، أغلب متبنيه، بأسس تلك المنظومة الأم وثوابتها العقدية التي ينتمي لها.
ولكن الفترة الأخيرة شهدت بروز أحداث وخلافات وتجاذبات تمثل انعطافة كبيرة في تاريخ الأحساء الاجتماعي، كان أبرزها «الجريمة الإرهابية في الدالوة» بما حملته من معطيات مؤشرات وتداعيات، بدءاً من الاستهداف وانتهاءا بالتشييع الذي أظهر وكشف تنافراً في البنية الفكرية لتلك المنظومة حول رؤيتها للمسيرة الاجتماعية..!
وهذا ما يدعونا للتعرف على هذه الخريطة «الاعتبارية» بشكل مكثف لمعرفة بعض الدقائق التفصيلية لما يحدث، لإن هذا الخلاف سابق لتلك الاستضافة، مما يؤكد أن ما ظهر بعدها لم يكن إلاّ امتدادا لما سبقها.
هناك تيارٌ «ديني تجديدي» يبحث عن تجديد الواقع وتطويره، بعيدا عن الجمود والتخلف والاستغلال الناجم عن سيطرة «بعض» رجال الدين على مفاصل المجتمع، كما يرى أن الاستفادة من الخطاب الثقافي عاملا مهما وأحد الأدوات الموثرة لهذا الغرض، باعتبار أن تجديد الخطاب الديني أفضل السبل لتجاوز العديد من الأزمات.
وهذا يعني تلاقي هذا التيار وتقاطعه مع تيار «ثقافي» متديّن، ولكن ينضوى في خيمته الثقافية «متلبسون» بالتنوير والثقافة، همهم الرئيس ضرب الدين والتشكيك بثوابته، فهم بذلك يمثلون «مكارثية فكرية» ولكن تجاه الدين وكل ما يتصل به.
كما يوجد تيار ديني «تقليدي محافظ» يرى في خطوات ذلك التيار «بشقّيه» ما يمثل تجاوزات تشكل تهديدا لسلامة المجتمع وسعيا لتشكيكه في عقيدته وثوابته، فاتخذ مواقفا متصلبة لمواجهته، وقد تلاقى في ذلك مع «بعض» رجال الدين المتنفذين الذين رأوا في استقلالية رجال الدين «التجديدين» خروجاً عن نفوذهم، فتموضعوا لمواجهتهم، لحماية نفوذهم وتسلّطهم الاجتماعي باسم الدين، ومارسوا تسقيطهم، فهم بذلك مثّلوا «تسلّطا كنسيا» جديدا.
سيبقى - حسب رأيي القاصر - وسيستمر الصراع بين هذه «المكارثية الفكرية» وبين هذا «التسلط الكنسي»، ما دام تقاطع المصالح بين تلك التيارات قائما ومتلازما، وسيكون ذلك واقعا مريرا، إن لم يتم التفكيك الواضح على أرض الواقع بينها، وسيكون ذلك ذريعة ووسيلة وغطاءا كسلاح مرفوع بين السيئين منهم، وهم في حصانة الطيبين، والأخطر أن يجد الاتباع أنفسهم جنودا مخلصين في جبهات تصفية حسابات لا علاقة لهم بها، وادوات تنفيذية فقط، لا يملكون في هذا الصراع قرارا.
فهل سنشهد هذا التفكيك قريبا، أم سنجد أنفسنا يوما جنودا لأحدهما..؟

أين حقوق المواطن من القرارات الملكية؟ 


الحديث حول التطورات والتغيرات السريعة والقرارات المفاجئة في السعودية منذ لحظة اعلان وفاة العاهل السابق الملك عبدالله وقبل دفنه، تمثل انقلابا للعهد السابق،... تحتاج إلى العديد من المقالات.
.. وهنا سيتم الحديث حول ما أعلانه العاهل الجديد الملك سلمان ابن عبدالعزيز، من توزيع راتبين  لكل موظف حكومي، وذلك بلغة بسيطة، ومع بعض التساؤلات ربما تتناسب مع الاجواء المصاحبة لمناسبة عهد لـ ملك جديد.
اولا:
الثروة الوطنية ملك للشعب، وليس للحاكم وعائلته، وهي حق للشعب والرعية، ومن الظلم حرمان الشعب من حقوقه ومنها الثروة المادية التي أنعم الله على البلاد، والعباد أولى بخيرات الوطن متى توفرت في ظل عدم تمكن 80 % من الشعب من أمتلاك مسكن خاص في أوطانهم، وذلك بسسبب العوز والحاجة – الفقر-، فكان ينبغي أن تعمل الحكومة على اعطاء الشعب حقوقه ومنها المادية ليتمكن من القضاء على الفقر بكرامة وعزة، وليس كما يحدث حيث يتم التوزيع على بعض الشعب دون عدالة، وبالتقطير في المناسبات باسم هدية ومكرمة لكسب تأييد الشعب.
هل المبلغ الذي سيتم توزيعه على بعض المواطنين من الجيب الخاص للحاكم  الجديد أو هو من المال العام؟.
اذا كان من المال العام، لماذا لا يوزع على الجميع بالتساوي والعدالة وبشكل دائم إذا كان متوفرا  فهذا  حقهم، أو يحول إلى صندوق الادخار للمواطنين (صندوق الأجيال)؟.
أين العدالة والمساواة في التوزيع بين المواطنين؟.

ما يحدث هو بداية لعهد لا يتناسب مع الإصلاح الشامل المطلوب بل فيه ظلم كبير للشعب المسكين الذي أصبح يفرح بالفتات من حقوقه الكبيرة، وحرمانه من حق المشاركة في القضايا المصيرية!!.
ولنركز حول ما حدث من مضاعفة الراتب فيه ظلم لفئات كثيرة من المواطنين وبالخصوص من لا يعمل في القطاع الحكومي ومنهم: المتسببون واصحاب الأعمال الحرة الصغيرة الذين يبحوث عن لقمة العيش في ظل منافسة العمالة الأجنبية لهم المدعومة من شخصيات متنفذة في الدولة؛ والعاطلون ولمن يبحثون عن فرصة عمل؛ ومن يعمل في القطاع الخاص حيث الرواتب ضعيفة والوظائف غير مستقر اي لا أمان وظيفي.
والمسكين من يعمل في القطاع  الحكومي  وراتبه ضعيف جدا  لا يؤمن  له حياة كريمة  2 الف حيث سيكون  4 آلاف ، ومن راتبه 25 الف سيكون 50 الف!!.
أين العدالة والمساواة بين المواطنين؟.
أليس من الأفضل ومن باب العدالة والمساواة أن يتم إعطاء كل مواطن  موظف حكومي أو خاص  أو غير موظف أو عاطل عن العمل لمبلغ مقطوع بالتساوي كحق وطني لكل مواطن؟.
من حرم الشعب من حقه من الثروة الوطنية وأين بقية حقوقه؟ .
والمثير في أمر توزيع الفتات مبلغ بسيط على المواطنين هو من  حقوقهم الطبيعية من الثروة الوطنية، أن السلطة تصر على تسمية ذلك بالمكرمة الملكية، والأكثر غرابة ان عدد كبير من الشعب يردد ذلك الكرامة ويقدم الشكر والثناء على المكرمة رغم معرفة الجميع  بالحقيقة!!.

ثانيا:
أين حقوق المواطن من اختيار الحاكم والنظام (الدستور) والمشاركة في تقرير مصير الوطن وأين حقوقه من ممارسة الحرية والتعبير عن الرأي والتعددية  ونصيبه من الثروة وحق الانتخاب لمن يمثله في مجلس الشورى؟.
أين القوانين التي تحاكم وتجرم الفساد والمفسدين، ومن يسرقون الأراضي ويستغلون المناصب؟.
أين القوانين لمكافحة الفقر والبطالة والتشدد والكراهية والتحريض الطائفي؟.
أين الحلول لمعالجة أزمة السكن والفقر والبطالة والفساد والاعتقالات التعسفية للنشطاء والحقوقيين السلميين؟.
متى سيتم إغلاق ملف المعتقلين من النشطاء الساسة والحقوقيين والإصلاحيين، وقبل ذلك تحقيق المطالب الشعبية للإصلاح والتغيير؟.
وللحديث بقية حول تشييد وطن الكرامة والعزة لكافة المواطنين ...

الأربعاء، 28 يناير 2015

المجتمع … الإصرار على التخلف

تعيش المجتمعات تخلفاً عميقاً مما أدى إلى إنتاج أشكال من التعصب و التطرف ، والنتيجة هي المعاناة التي بسببها حصلت تشققات يصعب التئامها، وهذا لا يعني عدم وجود من هو واعٍ ، إلا أن التخلف كان أسرع انتشاراً من الوعي ، وعليه فإن الأفراد الذين لهم علاقة بصناعة التخلف لا يريدون إزاحته وذلك لحجج واهية ، فهم يصدرون مخالفات تخالف الحقيقة في كثير من الأحيان  دون استيعاب ، بل هم غير قادرين على تحمل ما هو جديد ومواجهته ، فيكون سلاحهم ممتلئاً من ذخائر الحقد و يطلقون القذف و الاستنقاص ، ولربما يتصدى البعض منهم لهذا الجديد و بإقناع إلا أنه لا يتخلى عن عفونة ردوده ، فبالتالي يكون عدم تقبل لما طرح ، لعدم إجادة الطبخ فيه ، بينما يفرح له ممجدوه ويصفقون له دون مبالاة لما يجري إلا أن ثقتهم العمياء هي التي جعلتهم متخلفين أكثر ، بل يصنعون التخلف ويتوارثونه بحماقة ، وعلى هذا كله فإن الكثير منهم لا يقبل الرأي إلا من أطراف معينة ممن يتغنى بهم بحجة أن هؤلاء يستطيعون تقييم ما يجري في كل شيء ولا يحق لغيرهم مراجعة ما يمارسونه ، وهذا ما أنجب داخل مجتمعاتنا التخلف المتسلط الديكتاتوري الذي إن لم تكن معه فأنت ضده ، وما أن تختلف معهم إلا و شنوا هجوماً عنيفاً يخالف حتى ما هم عليه من ادعاءات أنهم وحدهم من لهم الحق في أن يديروا المجتمعات ، وفوق كل هذا يفتقرون إلى كيفية التعامل بالطريقة الصحيحة التي حث عليها الإسلام ويخالفون تعاليم الدين كثيراً باسم الدين ، الدين الذي أصبح في هذه المجتمعات كالأرجوحة يتلاعبون به حسب أهوائهم ، ويغنون ويطربون بأشكالهم وألفاظهم التي يخادعون الناس بها من خلال اختراع بعض القصص التي تحتوي على جذب الناس لهم من خلال استخدامهم لعواطفهم ، فينمو التخلف يوماً بعد يوم ، ولا أعرف ، هل هم يفكرون في كيفية بناء المجتمعات ؟ أو في كيفية تنشيط العقول ؟ أو بث التوعية من خلال العقل بدلاً من التقوقع داخل العواطف والتي من خلالها يتم خلق القصص التي يجيدون طرحها بأساليب مختلفة ولعل منها ما يشبه "كان يا ما كان " ، و تريد هذه الفئة العدائية أن تبث معلوماتها مستخدمةً السموم من خلال أوهام لا تجدي نفعاً ، فلابد من ثورة ضد هذه الفئة التي تسلطت على الناس بطرق شتى ، و أن نستخدم ما وهبه الله لخلقه من البشر و ميزها عن باقي المخلوقات وهو العقل وما أدراك ما العقل الذي يبكي و ينحب من شدة هجران البشر له ، يبكي من مرضه حتى أصبح هزيلاً لعدم إعطائه علاجه ، و قد هزلت لياقته من حرمانه ممارسة نشاطه .
لذلك نرى أن التخلف هو الرجوع أو عدم التقدم للأمام ورفض كل ما هو جديد ، وهذا ما جعل المجتمعات تزداد تخلفاً ، على الرغم من تطور العالم نحو المستقبل إلا أنها مازالت  عاجزة عن تصحيح مساراتها في التفكير الذي تدكدك في رؤوسهم من شدة الهراء ، والتبعية المجتمعية لها الدور الأكبر في ازدياد التخلف والذي تختفي ورائه فئة تتستر بقناع التطور وهي خالية تماماً منه ، والمشكلة هي الخوف من معرفة الحقيقة ، والعداء و الكراهية لها ، على الرغم من وجود شتى الوسائل للوصول إلى المعلومات .
  * وسائل الخلاص من التخلف :

لكي نتخلص من هذا التخلف توجد عدة أمور منها :
١. التعليم على أن يكون منهجه متزناً و رصيناً خال من الشوائب التي تحرض وتدعو إلى إسقاط الآخر لمجرد الاختلاف ، خال من العنصرية التي تميز بين فلان و فلتان ، خال من الطائفية ، و أن يكون ممتلئاً بالدعوة السلمية التي تحتوي على الحب و المودة لكي تستطيع المجتمعات التعايش مع بعضها .
٢. التربية داخل المجتمع تحتاج إلى أن تعود الناس كيفية الاحترام ، كيفية تقبل الآخر ، و أن ترسخ في العقول أن الاختلاف أياً كان فهو حق مشروع مادام أنه غير مسيء وإن كان مسيئاً يتربون على أن الإسلام يحث على الآداب وبهذا تكسب ود المخالف و إن كابر داخل نفسه .
٣. التوعية التي من خلالها يتم بث آلية الفهم و إدراك ما يجري من شتى النواحي بحيث لا تتخلخل أفكار المجتمع ، ويجب أن نكافح من أجل تقوية التوعية الصحيحة وذلك بالاستفادة ممن هو عصري كالأسلوب الراقي واستخدام الأدوات التي لها الأثر والفائدة ، ومن خلالها يتم الرفع من مستوى الوعي والثقافة والشعور بالقيمة الذاتية دون تدخل الفرضيات المعتادة .
٤. الابتعاد عن كل سلوك سيئ فيه أذى بالآخرين سواءً كان بالعنف أو بالتسلط ، والابتعاد عن كل من يحارب الآراء لمجرد عدم فهم أو تقديم ما يثبت .
وبهذه الحالة نستطيع أن نخلق مجتمعاً يمحو هذا التخلف الذي يتكاثر بين فترة وأخرى ، حتى أصبح العقل في خبر كان لا يعمل إلا بغيره ، وعليه نحتاج إلى تنميته لنخرج بنتائج إيجابية تساعدنا لبناء مجتمع متفهم يواكب ما يجري من تغيرات ، وبحاجة إلى نهوض ضد هذا التخلف الذي لم يجلب لنا إلا الويلات التي تسببت في خلق الكثير من المشاكل ومنها التدخل في شؤون الغير ، والتحكم بمستوى الإيمان في نفوس الناس ، وغيرها التي ربما لاتنتهي لو أحصيناها و لابد من قول الحق شريطة عدم خلطه مع الكلام البذيئ كما استعمله المتخلفون وأن يقتل الخوف الذي بسببه خرست الألسن حتى أصبحت لاتنطق إلا بأوامر الأسياد المجتمعية التي لا تقبل بأي رأي يخالفها ، وتمييز الحقيقة بعيداً عن الأهواء المزاجية و الرغبات الشهوانية .
** دور الصنمية البشرية في التخلف :

إن أفراد المجتمع المتأدلج الذي لاتنفك عنهم عقدتهم النفسية فيمن يحبون و يقدسون ، يبنون أفكارهم على أوهام الإعجاب لشخصيات متعددة ، ولم تكن محصورة في الشخصيات الدينية فحسب كما هو رائج بل هي موجودة في كل المجالات ، ولذلك وضعوا محاذير كثيرة في عدم التعرض لما يقولونه أو يكتبونه وكأنما هو نازل من الخالق عز و جل ، لذلك تغلغل التخلف في كل جهة  مما أدى إلى الانشقاقات المجتمعية ، أدى إلى رفض التحقيق ، إلى إلغاء العقل دون أن يشعروا ماذا يفعلون ، جعلوا العقل يعمل في دائرة  مرسومة لاتستطيع الخروج منها ، وإن أي محاولة للخروج منها ستنهال الافتراءات المكذوبة ، ثم أغلقوا باب النقد لكي لا تثار عليهم أسئلة تفتح أبواباً ذات مفاهيم جديدة ، فهم لا يريدون إلا المدح و التبجيل و التصفيق ، فإذا كانت الشخصيات المؤثرة بهذه العقلية ، فماذا سننتج غير الإكثار من صناعة الصنمية البشرية .

الاثنين، 26 يناير 2015

وسائط الإعلام الجديد وأثرها على الأسرة ..

إعلام جديد، إعلام مطور، إعلام معاصر، إعلام حديث وتتعدد الأسماء والمفهوم واحد لسلاح ذي حدين، متى ما استخدم بالطريقة السليمة أصبح نعمة وعكس ذلك يصبح نقمة، وتنطبق عليه مقولة توماس كول (لا يهمني من يمتلك الجيوش والبنادق فالإعلام هو من يضغط على الزناد ويوجه المعارك ) .
وسائط الإعلام الجديد أصبحت حتمية لا مفر منها، لذا من الحكمة دعم جوانبها الإيجابية للحد من خطورتها وآثارها السلبية، هذه الوسائط الإعلامية جعلت من العالم قرية إلكترونية صغيرة، وبسحرها الخلاب زادت من إقبال الشباب على مواقع التواصل الاجتماعي بصورة لافتة للنظر، واستهوتهم لاقتناء كل جديد من الأجهزة الذكية، وقد شهدت بذلك مبيعات الأسواق الإلكترونية المحلية مقارنة بالسنوات الماضية، والسبب الرئيس خلف هذا الهوس الإلكتروني والإدمان على وسائط الإعلام الحديث ومواقع التواصل هو خروجها عن سيطرة الحكومة، حيث يستطيع الشاب إنشاء مؤسسته الإعلامية أو موقعه الشخصي عبر هذه الوسائط الإعلامية ودعوة جمهوره إليها.
قلة الأماكن الترفيهية في المملكة ساعدت على ازدهار سوق الإعلام الحديث وسوق الإلكترونيات، التي بدورها كبلت الشباب وزجتهم في معاركها الطاحنة لساعات طويلة داخل منازلهم، بعيداً عن أسرهم، والنتيجة تفكك أسري وإدمان إلكتروني بأعراضه المخيفة كالقلق والتوتر والعصبية والانطواء والبعد عن البرامج الرياضية والنشاطات الاجتماعية، وذلك لعشقهم أشخاصاً صورهم هذا الإعلام اللعين مثاليين والمثالية عنهم بعيدة كل البعد.
وسائط الإعلام الجديد أعطت الجميع منصات إعلامية خاصة (الهاتف الذكي) لبث الأخبار، وبذلك ساعدت على نشر الأخبار والمعلومات المغلوطة دون تمحيص نتج عنه إعلام مضلل، ناهيك عن تسريب شائعات مغرضة لا أساس لها من الصحة تسببت في انهيار بورصات عالمية والهجمات الشرسة على أشخاص بأعينهم نتيجة خلافات شخصية يلجأ لها أصحاب النفوس الدنيئة، لصب جام غضبهم وحقدهم وكراهيتهم عبر هذه الوسائط، مما خلط الحابل بالنابل وصعب على المستهلك الحصول على المعلومة الصحيحة والدقيقة، وبالتالي علينا الحذر في أخذ المعلومة الصحيحة والسليمة من منابع القنوات الموثوقة الخاضعة لنظام وإشراف الدولة.
مجتمعات أخرى وظفت وسائط الإعلام الجديد للضغط على إدارات ومؤسسات حكومية لاتخاذ قرارات تريدها تلك الشعوب أو المجتمعات، وعلى الرغم من أن القرارات الحكومية تتخذ قبل ولادة وسائط الإعلام المطور إلا أنها ساعدت الشعوب على مشاركة المؤسسات الحكومية في اتخاذ القرارات والمنافذ والسبل المعيشية.
وسائط الإعلام الجديد أفرزت الإدمان الإلكتروني الذي تسبب في تفكك أسري وما يرافقه من تزعزع في العلاقات والصلات الإنسانية والاجتماعية والتربوية، الذي تفشى عنه ظاهرة الطلاق وهجر الزوجات وإهمال الأبناء وتدهور القدرات المهنية وخسران وظيفي يستوجب ضرورة استعادة بناء دور الأسرة، الذي هدم بوضع برامج يومية تحد من تسلط هذه الآفة الشريرة والعودة لممارسة الحياة الأسرية بما تحتوي من نقاشات وحوارات وزيارات للأصدقاء ومزاولة النشاطات الرياضية والتواصل الاجتماعي والاندماج في معترك الحياة العادية بحلوها ومرها، فهي قواعد العيش الرغد والحياة السعيدة
.

نجاحك يبدأ بتنظيم يومك ..

التغير النمطي في أسلوب الحياة وطبيعتها يستدعي مواكبة مستمرة ومعالجة سريعة للأمور والتعامل مع أي مشكلة أو خلل بشكل فوري ولا مجال للتسويف أو التأجيل، بالأمس كان العمل يكتفي بحضور الموظف لمقر عمله والقيام ببعض الأعمال لعدة ساعات وانتظار آخر الشهر ليتلقى راتبه الشهري، تغيّرت الحياة وبرز مفهوم المنافسة بين الموظفين وعليه قامت الشركات والمؤسسات بتطبيق نظام تقييم الأداء الوظيفي، بعض الشركات ذهبت أبعد من تلك المرحلة وسنحت الفرصة لموظفيها للعمل من خارج مكاتبهم سواء من منازلهم أو من مقاهي الإنترنت عبر شبكة (الإنترنت) وبذلك يتم تقيم وتقدير أدائهم بكمية إنتاجهم بغض النظر عن عدد ساعات حضورهم في مكاتبهم وقد أظهرت نتائج دراسة مسحية أجرتها شركة ( أروبا نتوركس) أن 42% من الموظفين العاملين في دولة الإمارات العربية المتحدة أكدوا أنهم يؤدون أعمالهم بكفاءة أعلى من منازلهم مقارنة بأدائهم في مكاتبهم، أصبح الموظفون في هذه الشركات يعملون بسرعة أكبر ويقدمون التضحيات لتحقيق مردود ربحيّ أكبر وهذه ثقافة غيّرت ظروف وكيفية وأسلوب العمل والعلاقات والاتصالات بين أفراد المجتمع وأصبحت الحياة كالماراثون، الجميع يلهث من أجل معيشة أكثر قيمة ومعنوية رامين خلف ظهورهم كثيراً من العادات السلبية واللقاءات الاستهلاكية التي تؤثر في استغلال الوقت المتاح وتقود إلى انخفاض الإنتاجية وتدني جودتها.
نمط الحياة المتسارع وضع الجميع أمام عديد من التحديات ولا عذر للتأخير تحت أي ظرف أو حجة والقوة الوحيدة والمناص الوحيد القادر على الوقوف أمام دكتاتورية هذه التحديات لمسايرة الركب ومتطلبات روح العصر هو استخدام قوة السرعة في تحقيق المصالح وقهر الصعاب والتغلب على المشكلات والعوائق وتهيئة الظروف بالتخطيط والجدول اليومي وتدوين المهام المطلوب إنجازها وعدم الاعتماد على الذاكرة حتى لا تتكالب المهمات والواجبات ونجد أنفسنا تحت طاحونة ضغوط الحياة المتسارعة وينتهي بنا المطاف إلى العجز والتخلي عن مسؤولياتنا وواجباتنا الوظيفية والأسرية والاجتماعية.
ظروف الحياة العصرية المتسارعة تفرض علينا كيفية تناول ظروفها العملية والاجتماعية والأسرية والترفيهية واجتماعاتنا وحواراتنا، كافة هذه التفاصيل يجب أن نتناولها عبر برنامج يومي يساعدنا على التخطيط من اللحظة التي نستيقظ فيها إلى اللحظة التي نستلقي على سريرنا مرة أخرى للنوم في نهاية اليوم ندوّن فيه جميع المهام والواجبات وأولوياتها لمسايرة متطلبات الحياة العصرية ومواكبة الركب المتسارع للإمساك بوسام النجاح.
أيام قلائل ويطل علينا عام جديد فلنجعل منه عام تغيّر في نمط حياتنا بالتخطيط والجدولة اليومية وأخذ العبرة من هفواتنا وتقصيرنا والنظر بعين التفاؤل لحياة جديدة تعزز طريقة تعاملنا مع الناس من حولنا بعيداً عن الغضب والانفجار العصبي وبهذا المنهج حتماً سنعيش حياة أفضل وأكثر انسجاماً وقبولاً من الأمس مما يطور أداءنا الوظيفي والاجتماعي والأسري.

محمد

من المعلوم أن النبوة كانت في إبراهيم شيخ الأنبياء عليه السلام، ومن بعده في ابنيه إسماعيل وإسحاق ، ثم تسلسلت النبوة في ذرية إسحاق، حتى نقلها الله من سلالة إسحاق (ع) إلى رسول الله صلى الله عليه وآله الذي هو من سلالة إسماعيل (ع). تلك الفضائل والكمالات التي نُشرتْ في الأنبياء صلوات الله عليهم جُمعتْ في محمد بن عبد الله صلوات الله عليه. وما قول الله ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ...﴾ [البقرة: 253] إلا لكي نقرأ سيرة الأنبياء قراءة موضوعية، ولا نتحسس من حقيقة أن بعض الأنبياء أفضل من بعض، ولا يكون هذا سببا للخلاف والتفرق.
ولأن النبي كان مَجمع فضائل الأنبياء كان البشارة التي بعث بها نبي الله عيسى وبل كانت هذه البشرى عمدة رسالته ﴿وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: 6] ولا تتحقق البشارة في شيء إلا أن يكون زائدا عن المتعارف.
كل الأنبياء لهم مراتب وفضائل وخدمات قدموها للإنسانية، ورسائلهم تحمل الكثير من العطايا الإلهية, لكن رسول الله استحق البشرى به، لأنه لا نظير له. يقول شيخنا الجوادي في معنى التبشير بالنبي محمد : إذا كان النبي الخاتم في مستوي الأنبياء السابقين وكانت رسالته في مستوي الرسالات السابقة فلا يتحقق معني البشارة، فأنت لا تبشر بشيء قد جرى مثله، البشارة تستدعي أن يكون هناك إضافة وخصوصية استثنائية في رسول الله وإلا لا تكون بشارة. عندما يبشر النبي عيسي بالنبي محمد هذا يعني أن النبي محمد أفضل من النبي عيسي والقرآن أفضل من الإنجيل، وعلي أساس هذه البشارة يحمل النبي محمد كل الامتيازات العلمية للأنبياء السابقين بصورة عامة، وجميع امتيازات النبي عيسي بصورة خاصة ويزيد عليهم.
من هنا ينفتح أمامنا معنى العنوان المنتزع (محمد الأوحد) ، فنحن عندما نصف شخصًا بأنه أوحد دهره وزمانه وأنه متفوق على أقرانه فكل هذه التسميات مجازية بالقياس إلى أوحدية رسول الله صلى الله عليه وآله, فقد كان مظهر الله الأحد الذي لم يكن له كفوا أحد, فمحمد في عالم الإمكان ليس له كفوا أحد.(1) والقرآن يركز على هذه الامتيازات وهذه الأوحدية والتفرد, فلا يقرن بمحمد بشرا، فهو صلوات الله عليه و آله كما يقول أستاذنا الجوادي مظهر (ولم يكن له كفوا أحد). ومظهر (ليس كمثله شيء).
وفي القرآن شواهد على تأكيد هذه الأوحدية وعدم قرن النبي بأحد. فمثلا عندما يتحدث القرآن عن أعلى القيم وهي الإيمان فإنه يفرد رسول الله بالخطاب ولا يجمع إيمان رسول الله مع إيمان أحد ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة: 285] فواو العطف تفيد المغايرة, أي أن إيمان محمد (ص) جنس آخر من الإيمان ليس فوقه جنس ولا يشبهه إيمان.
وحتى حين يكون حديث القرآن عن وحدة المجتمع الإسلامي وعن سير الحياة الإيمانية فإنه يفرد الوجود المحمدي عن وجود سائر الناس(2﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: 29]. بل حينما يتكلم عن الموت الذي هو حق لا ريب فيه يعتبر أن للنبي جنس موت خاص ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ﴾ [الزمر: 30] ولا يمكن أن يجمع موت محمد مع موت البقية. وهكذا في كل مراحل سيره وسلوكه لم يجمع القرآن بين رسل الله (ص) وبين بشر.
عنوان الأوحد ينطبق على الرسول على نحو الحقيقة والواقع، فالوجود المحمدي لا يحيط به أحد من الناس ولا يمكن للناس أن يعرفوه، لأن معرفة شيء تحتاج إلى نحو إدراك وإحاطة بهذا الشيء، ومنذا يحيط برسول الله غير الله. لذلك يقول رسول الله (يا علي ما عرفني إلا الله وأنت)، ولا سبيل لنا إلى معرفة الرسول إلا عن طريق الله تعالى (اللَّهُمَّ عَرِّفْنِي رَسُولَكَ).
علينا أن نخضع بين يدي القرآن لكي نتعرف على محمد بن عبد الله (ص)، وسننتخب بعض الآيات القرآنية التي نتعرف من خلالها على بعض الأبعاد الوجودية في شخصيته (ص). ونعرف وظيفتنا ودورنا العملي -على الصعيدين الشخصي والاجتماعي- أمام هذا الخصائص الاستثنائية في رسول الله.
هناك آيات تتحدث عن أخلاق رسول الله وإدارته وشؤونه التربوية ... هذه الآيات ليست موضع حديثنا. وإنما سنستشهد بالآيات التي تتحدث بشكل مباشر عن ذات رسول الله, وسنقسّم من خلالها خصائص رسول الله إلى:
1- صفات وأبعاد ذاتية للرسول (قبل الرسالة).
2-
صفات وأبعاد ذاتية للرسول (بعد الرسالة).
أمّية النبيّ
من الآيات التي تتحدث عن خصائص النبي التي لا يشاركه فيها أحد, وتمثل بعدا من شخصية محمد الأوحد قوله جل وعلا﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [لعنكبوت: 48] الأنبياء بشروا أممهم بـ (النبي الأمّي), فلا بد أن يكون في هذا الوصف بعد كمالي. فما وجه الكمال في كون النبي أمّيا؟ والجواب يتضح من خلال التأمل في الآية :
(مَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ) من الطبيعي أنه حين يتعلم الإنسان من أي أحد فلا بد أن يخضع له, فحق الأستاذية كبير جدا, وكل حرف يتعلمه الإنسان فهو يسهم في تنمية معارفه, إذ الحرف مندك في الكلمة والكلمة في العبارة والعبارة في الجملة والجملة في المعنى والمعنى في كتاب... وهكذا يولّد الحرف ثروات من المعرفة. ومن أجل هذا قيل (من علمني حرفا صرت له عبدا), ومحمد (ص) هو عبد لله فقط, ويجب ألّا يتقدم عليه أحد, ولا يكون لأحد عليه فضل ولا بتعليم كلمة واحدة , ولا يجب أن يباشر تعليمه إلا الله.
والقرآن يبين هذه الحقيقة ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً﴾ [النساء: 113] يوضح هذا بعدا أساسيا من خصائص رسول الله فهو عبد لله فقط وهو مدين له سبحانه فقط ولا يمكن أن يغنيه إلا الله ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى﴾[الضحى: 8] أي أغنى بك وأغنى من أجلك, وتصور أن النبي استغنى بأموال خديجة ليس دقيقا.
وربّما لأن حقّ الأستاذ والمعلم يبقى يُعبّد الإنسان طوال عمره نفى القرآن عن النبيّ أنه كان يخط حرفا بيمينه (وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ) ذلك أن مقتضى الإنصاف أن يبقى الإنسان ما عاش يجد في نفسه أن من علمه له أولوية عليه وإن بلغ من العلم والمعرفة شأنا عظيما. ومقتضى صدق رسول الله أن لو قدم له شخص علما ما سيبقى يقدم له التبجيل والاحترام على نحو الوجوب الأخلاقي، والحقيقة أن الأجدر بالاحترام هو محمد بن عبد الله لأنّه أمّي مطلقا -كما سيأتينا- فالله وحده هو من علمه, وكل أركانه الوجودية كبيرها وصغيرها إلهية. فهو يفيد كل أحد ولا يستفيد من أحد.
وكما حرم الله على موسى المرضعات بتدخل إلهي ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ﴾ [القصص: 12] حرمة تكوينية لا تشريعية؛ فكذلك بتدخل رباني حرم الله على نبيه أي جهة للتعليم سواه سبحانه. فكل معارف رسول الله حتى العادية منها كانت تصل إليه بعناية غيبية, وقد ورد عن أمير المؤمنين (ع) في وصف رسول الله: (ولقد قَرَنَ اللهُ بهِ مِنْ لَدُن أنْ كانَ فَطِيماً أعظَمَ مَلَكٍ مِنْ مَلائِكَتِهِ يَسلُكُ بهِ طَرِيقَ المَكارِمِ، ومَحاسِنَ أخلاقِ العالــَم، لَيلَهُ ونــَهارَه) فهناك معلم واحد في هذا الكون هو الله ومتعلم واحد في هذا الكون هو محمد صلى الله عليه وآله.
كما أن هذه الخصوصية هي أيضا صيانة لرسالته عن التهمة (إِذاً لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ). ثم من جهة أخرى سيكون أتْباعه يتبعون مع الواسطة غيره أيضا, والحال أن اتّباع محمد والنسبة له شرف عظيم, لذا فقد أغلق القرآن كل أبواب هذه التبعات بالإشارة إلى هذه الخصوصية.
هذا الفهم لأمّيّة رسول الله الأوحد تحلّ لنا شبهة أساسيّة وهي أن البعض يتوهّم أنّ النبي متأثر ببيئته, وأن مضمون رسالته بما حوت من أحكام وسنن ومعارف كلّها وليدة بيئته البدوية ومناخاتها، شأنه شأن أي مفكّر وفيلسوف لا ينفكّ عن تأثيرات بيئته مهما حاول أن يتجرّد. على سبيل المثال يقولون أنه من الطبيعي في مجتمع يقمع المرأة ويهمّشها أن تنعكس تلك الرؤيا على دين ذلك المجتمع فيشرّع تعدّد الزوجات، وأنه لو لو كان حال المرأة أفضل في المجتمع العربي لما شرع تعدّد الزوجات!
والحقيقة أن المجتمع العربي كان منفتحا على كلّ أشكال وأنواع من الزواج، وجاء النبي (ص) ليحد من هذه السعة ويضيّق العلاقات في إطار مدروس.
لا نحتاج أن نفتش آثار البيئة في تصرفات رسول الله وفي شريعته فمحمّد كلّه وحي إلهي ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: 4].
رسول الله كلّه وحيّ والوحي روح ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: 52]، ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾[الشعراء: 193]
وفاقد الروح جثّة وجيفة، لأنّه فاقد للحسّ والإرادة والفاعليّة، فسرّ التفاوت بين النبيّ وبين الموجودات هو أنّ النبيّ له روح ليست عند أحد.
وربما هذه الروح الخاصّة تفسّر أيضا سرّ الرائحة الطيّبة التي اختصّ بها رسول الله كما جاء في كتب السير، وكما في حديث الكساء (يا أُمّاهُ إِنّي أَشَمُّ عِندَكِ رائِحَةً طَيِّبَةً كَأَنَّها رائِحَةُ جَدِي رسول الله (ص)) لم يكن هذا عطرا ماديا وإلا لاقتناه الناس! هذا العطر ينم عن خصوصية وجودية فيه صلوات الله عليه وآله.

نحن لا نحتفل بميلاد رسول الله بل بميلاد كل واحد منا, لأن ولادتنا الحقيقية هي خروجنا من الظلمات إلى النور، والذي أخرجنا منها هو محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله.