‏إظهار الرسائل ذات التسميات السيد حسن العبد الله النمر. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات السيد حسن العبد الله النمر. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 8 أبريل 2014

العقلانية وفق الرؤية القرآنية وتجلياتها الواقعية

مقدمة أولية حول المصطلح
مع أن البحث يتطرق للتجليات الواقعية للعقلانية في حياة الأمة حسب الرؤية القرآنية، وهذا يفترض ضمناً ما أمكن، تعاطي العقلانية في أبعادها وتجلياتها العملية، إلا أن تنقيح المصطلح ضرورة أساسية للولوج في الموضوع الأساس
إذ يحتل التعريف والمفهوم أولوية قصوى يرتكز عليها حجر الزاوية في تعاطي تجلياتها ما لم تتضح صورة أساسية للمفهوم، كي نتتبع تجلياته ومعطياته، ولا أخالني بحاجة إلى مزيد تبرير في أهمية تعاطي المصطلح وتنقيحه وفق الرؤية المراد بحثها هنا، تمييزاً للعقلانية المقصود تعاطيها وتتبعها قرآنياً، وتركيزاً للجهود في تنقيح بحوثها الأساسية بما يخدم هدف الندوة، وأعتذر مقدماً عن أي إطالة غير مقصودة أو إسهاب معترض قد تتطلبه هذه النقطة على حساب التناول المباشر لتجلياتها الواقعية في الأمة

العقلانية بين المماحكات الفلسفية والتجليات الواقعية
تعرض مفهوم العقلانية لمنازعات عديدة من قبل جميع المدارس و التيارات الفكرية والعقائدية، بل تعرض للمصادرة والأدلجة المذهبية والعقائدية، ولذلك تعددت تعريفاته وفقاً لرؤية كل مدرسة ومفكر، فمنهم من عرّفه بدوره المعرفي الأساسي وكان التمايز في هذا المستوى من التعريف والتبني له هو: هل العقلانية طريق أوحد للمعرفة أم طريق أساس وأول لها؟
كما تم تناول العقلانية في بعض التعريفات كمحدد ومؤطر معرفي، يضم نسقاً معرفياً يفرز صوره المانعة والجامعة.
وتناولها طرف آخر من زاوية: هل أن العقلانية آلية للمعرفة تساهم في توليدها وتكاثرها(1)، أم معيار فارز لها، بحيث يصح نسبته كمحدد لأنواع ومجالات مختلفة وبذا تشترك في التصور السابق كمحدد ومؤطر؟
وفي التصور المطروح للعقلانية كآلية معرفية يتغلغل سؤال مهم يطرح نفسه وهو: هل أن العقلانية وسيط معالج يساهم بالإضافة إلى وسائط أخرى في معالجة المعطيات وتدقيق النظريات؟ أم مؤسس مؤصل وطريق مستقل للمعرفة يمكن التعويل عليه مفرداً بحيث يكون أصلاً أساسياً بغض النظر عن كونه طريق أوحد أم بضميمة غيره من الأصول والآليات المعرفية الأخرى كالوحي والتجربة والحدس؟
كما تناول بعض الفلاسفة مصطلح العقلانية من زاوية الشمولية سعة وضيقاً، وهل أنها شاملة أم نسبية(2)؟
وتفنن الكثيرون في دراسة مصطلحاتها المتعددة، بحيث أصبح لكل مجال وعلم عقلانيته المرجعية والخاصة به كما سيأتي لاحقاً!
ونظراً لتعقيد هذا البحث من جهة الطرح المقارن مع النظريات الفلسفية الأخرى(3)، ولاختلاف زوايا التعاطي مع التعريف حسب المجال المخصوص، مما يخل بالاختصار المطلوب في هذا البحث المعنون، فإن تناول المصطلح من جانبي سيكون في استقراء معانيه وتجلياته في جانبه العملي في واقع الأمة وفق الرؤية القرآنية.

مكانة ودور العقل في القرآن
من الظلم بمكان، وصف العقل كمصدر للفاعلية، والعقلانية كنتاج عقلي، كندٍّ للدين والقرآن، أو حتى كقسيم لهما!
إذ يحرّض القرآن دوماً على تفعيل العقل وقواه الكامنة في موارد مختلفة وعديدة، ضمن سياقات تبرز جزءً من مجالاته الحيوية وبعضاً من مقاصده الكلية، وبذلك تنتفي العداوة والتضاد المزعوم بين العقل والدين وبين النص والتعقل.
كما أن العقل وفق تعريفه القرآني الذي يتناوله كطاقة وفاعلية ولم يتناوله كمادة مجردة أو جسم أصم، أوضح بأن العقل آلة معرفية ناتجها العلم والحكمة والإدراك المعرفي، وأن منظومة المناهج والقيم والأطر المنتجة لذلك هي ما يسمى اصطلاحاً ب"العقلانية". وأن هذا النشاط الفكري والعقلي هو المقصود والمستهدف من عرض الآيات الكونية والقرآنية واستعراض الأدلة والبراهين، إذ به تقام الحجة ويدرك المطلوب.
ولكي نتعرّف على العقلانية في القرآن في بعدها العملي، أي وفق مفهوم الفعل والدور والحاجة، نحتاج إلى تتبع واستقراء الموارد القرآنية للعقلانية، أو ما أسميه بلحظة الوعي و ذروة المعرفة الكاشفة عن الحقيقة في جوهرها الأصفى، وفق المقاصد الكلية للشريعة والمرادات العليا للقرآن الكريم.
عند تتبع الموارد التي طلب القرآن فيها تفعيل العقل لإدراك ملازمات أو مشتركات معرفية، سنجدها تتموضع في محاور محددة، ذكر بعضاُ منها الباحث الدكتور جعفر إدريس نقتبس منها وبتصرف على نحو الإجمال والاختصار، وعلى سبيل ذكر الشاهد فقط:
1 -فهم الكلام: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِياًّ لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) يوسف:2.
2 -عدم التناقض في القول: (يَا أَهْلَ الكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالإِنجِيلُ إِلاَّ مِنْ بَعْدِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ) آل عمران:65
3 -فهم الحجج والبراهين: (ضَرَبَ لَكُم مَّثَلاً مِّنْ أَنفُسِكُمْ هَل لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) الروم:28
4 -موافقة القول للعمل: (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ) البقرة:44
5 - اختيار النافع وترك الضار سواء كان مادياً أو معنوياً: (وَمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ) الأنعام:32
6 - التضحية بالمصلحة القليلة العاجلة من أجل مصلحة كبيرة آجلة: (وَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلاَ تَعْقِلُونَ) القصص:60
7 - استخلاص العبر الصحيحة من الحوادث والتاريخ: (وَلَقَد تَّرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) العنكبوت:35. (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ القُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلاَ تَعْقِلُونَ) يوسف:109.
8 -فَهْم دلالات الآيات الكونية: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ الَليْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَتِي تَجْرِي فِي البَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ المُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) البقرة:164. (وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) النحل:12
10 - حسن معاملة الناس ولا سيما الأنبياء: (إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاءِ الحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ) الحجرات:4." انتهى الاقتباس بتصرف[4].

هل بالعقل وحده يحيا الإنسان؟ وهل يعصمه من الخطأ؟
وقد يرد سؤال يلحٌّ علينا بالإجابة ها هنا، بعد أن تعرفنا على ملامح موجزة ومختصرة على العقلانية كفاعلية أساسية تؤسس لرشد الإنسان وتكامله، وهو : هل بالعقل وحده يحيا الإنسان؟
وهل وجود العقل لوحده كافٍ في تجنبه للخطأ؟
أم أن هناك مسببات أخرى للخطأ تتجاوز دور العقل، بل قد تساهم في توجيهه إلى مقدمات ونتائج خاطئة بالضرورة، كما يبيّن قوله تعالى: (خَتَمَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ) البقرة: 7؟
أو كما يشير إليه قوله تعالى: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُواْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ) سورة البقرة: 93؟
تبيّن هذه الآية الكريمة التالية بوضوح كما تبيّن سابقتها عدم كفاية وجود هذه الإمكانية والفاعلية رغم وجودها الظاهري وفاعليتها الشكلية، ما لم تتوافر عناصر أخرى تتضمن التوفيق الإلهي كقوله تعالى: (أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأَرْضَ مِن بَعْدِ أَهْلِهَا أَن لَّوْ نَشَاء أَصَبْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ) الأعراف: 100
(قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُم مَّنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللّهِ يَأْتِيكُم بِهِ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ) الأنعام: 46
فلا بد من ارتفاع الحواجز والموانع النفسية وغيرها من المؤثرات التي تؤثر في عمل العقل وفاعليته بشكل صحيح! حيث تبرز هذه الآية الكريمة عدم كفاية وجود الفاعلية بالقوة دون الفعل، وهذا يؤكد وجود مؤثرات وموانع تحول دون تحقق الفاعلية خارجاً، أو تؤثر في مسارها ونتيجتها النهائية: (فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بَآيَاتِ اللّهِ وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاء بِغَيْرِ حَقًّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً) النساء:155
ولو لاحظنا القرآن الكريم في تعبيره عن القوة الفاعلة في توجيه الإنسان، بدءً من جهات الاستقبال والتلقي لديه، ومروراً بمكامن معالجة المعلومة والفكرة ومصادر اتخاذ القرار عنده، وانتهاءً بالمخرجات النهائية من سلوك أو معرفة، فإن القرآن لا يقتصر على وصف القوة المفكرة بالعقل تحديداً فقط! ولا يقتصر على وصف الفاعلية أو الفعالية بالتعقل أيضاً!
ويضرب القرآن مثالاً حول أحد الأسباب يتعلق بالمصداقية كمؤثر أساس في إعاقة دور العقل في الرشد والتكامل، بل تحوّله إلى معول هدم وأداة إفساد: (فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىَ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمُ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) المائدة:13، فكان التعبير عن قساوة القلب كمحرض ودافع للتحريف والانحراف، مع أن تحريف الكلم عن مواضعه هو مهمة عقلية في الأساس والصيرورة! ومع ذلك عبّر عن القلب كمؤثر فعال وجهة تمارس دوراً هاماً في التوجيه على مستوى الباعث والحافز والموجه.
وهنا يعبر القرآن عن القلب كمصدر للتفقه مع أن وظيفة التفقه منوطة بالعقل اختصاصاً، حيث يتعلق به التكليف وتناط عليه المسؤولية: (وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا حَتَّى إِذَا جَآؤُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ) الأنعام:25
وقال تعالى: (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ) الأعراف: 179
ويبرز القرآن النفاق كعلة داخلية أخرى، تؤثر على فاعلية العقل، وتساهم في انحراف بوصلته من الصلاح إلى الإفساد، ومن الإدراك إلى التضليل، ومن محاسبة النفس إلى خداعها والتغرير بها، فيقول تعالى: (إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هَؤُلاء دِينُهُمْ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ فَإِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) الأنفال: 49
ويبرز مصطلح الطبع على القلوب في القرآن، كسبب رئيس من أسباب انعدام القابلية الذاتية للتفقه، مع أن وظيفة التفقه ودوره عقلي ظاهرياً، وهنا نقرأ سلوكاً خارجياً كان له دوره النفسي في تبرير المخالفة للحق واستمراء التبرير المخادع حتى يتحول إلى حقيقة فاسدة عند المنافق طلباً لأنانيته وسلامته: (رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ) التوبة: 87، ومن هنا قد تتضح علة تأثيره على العقل وانتزاع دور العقل القيادي والريادي ليكون تابعاً للهوى والشهوة وصنمية الأسلاف والأجداد!
واختصاراً للمطلب هنا، يتضح لنا أن العقل كي يستكمل فاعليته ودوره، لا بد من صيانته من مؤثرات خارجية وداخلية عديدة، منها: النفاق وحب الذات واتباع الهوى والشهوات، بل قد تكون نتيجة تمكّن أحد مصاديق هذه العناوين الإجمالية كافٍ في تحجيم دور العقل بل وتجميده وضموره حتى يكاد يصل إلى مرتبة العدم إن لم يصلها فعلاً، فتصبح غريزة حب البقاء كأحد مصاديق حب الذات كافية في تعطيل دور العقل وانحراف مساره، بحيث يؤدي إلى هلاك أمة وتدمير مستقبلها إن كان هذا الفرد يحتل موقعاً قيادياً فيها.


العقلانية القرآنية في بعدها العملي في البحث المعرفي

الطرح البرهاني المعتمد على المشترك المعرفي الإنساني من الضروريات العقلية
اعتمد القرآن الكريم على الطرح البرهاني المعتمد على المشترك المعرفي الإنساني، مهما اختلفت أنساقه المعرفية ومحاضنه الفكرية وبيئاته العقائدية، سواء كانت ضروريات عقلية، بديهية أو فطرية، أم نظرية تنتهي إلى الضروريات(5).
ولذلك كانت العقلانية القرآنية في البحث المعرفي والاستدلال المنطقي أقوى وأسرع تأثيراً في المتلقي، حتى وصف تأثيرها السريع والفعّال بالسحر، فقال تعالى: (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَن يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ وَقَالُوا مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُّفْتَرًى وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ) سبأ:43
وقال تعالى: (وَلَمَّا جَاءهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ) الزخرف:30
وقال تعالى: (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءهُمْ هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ) الأحقاف:7

ثنائية النص والشارح التكاملية في تعيين الدليل والدلالة
قال الله عز وجل في بيان كتابه الحكيم: (هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ) آل عمران:7
ضمن سعي القرآن المحكم في تكامل الحجة والبينة على البشر، كان لا بد أن تحظى الثنائية التكاملية وهي هنا (النص والشارح) بأهمية قصوى، وباعتبار أن النص يراعي متطلبات التعبير عن مضامين الرسالة بمختلف نواحيها وأبعادها، مما يتطلب وجود شارح ومفسر للمصاديق والتفسيرات الواقعية لها، بعيداً عن التأويلات المتكلفة، أو التوهمات المتنطعة، أو التضارب والتعارض في التخمينات والاستنتاجات في معرفة المقاصد والمرادات والمآلات والصيرورات النهائية لمضامين النص وتجلياته ومعانيه.
لذلك كان دور الرسل في المجتمع، ودور الأوصياء من بعدهم، هو توضيح وتعيين هذه الدلالات، بشكل صريح وواضح، يراعي الزمان والمكان والموضوع، فلعلة قابلية النص لتعدد القراءات، كان لزاماً أن تتوافر قراءة صحيحة رشيدة وراشدة ومرشدة، تعبر عن جوهر النص وحقيقته ومكنوناته، وتنزله تطبيقياً في موارده المخصصة له، واستعمالاته المعبرة عنه، لتكون خير شارح وموضّح في تحديد المراد والمعنى، بما يناسب المعنى الصائب والأصيل للنص من جهة، وتعيّن دلالته خارجياً بما يرفع اللبس والوهم والشطط.
فقال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) إبراهيم:4.
وقال تعالى: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) النحل: 44.
وقال تعالى: (وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) النحل: 64.
فكان البيان والتبيين، من الرسول، وبلسان قومه، ليحدد وبوضوح تام تنجز التكليف في عهدة وربقة المكلف، وتحميله المسؤولية التامة حراً مختاراً نتيجة اختياره الضلالة أو الهدى.

الانفتاح على الكتاب الكوني 
من أبرز سمات الوحي القرآني اهتمامه البالغ بالانفتاح على الآيات والمعطيات الكونية، فكانت هناك السور المعنونة بأجزاء الوقت مثل: "الليل" و "الفجر"، والقسم القرآني بوحدات الزمن، كما تكاثرات الآيات الداعية والمحرصة على تصفح الكتاب الكوني مثل هذه الآية الكريمة: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) فصلت:53، في دلالة ولا أوضح على ترابط الآيات الكونية والقرآنية في الدلالة على الخالق وعظمته، وكيف يكون هذا النظام الكوني البديع بهندسته الرائعة والفريدة خير دليل على الإمكانيات المكتنزة فيه لخدمة الإنسان وعظمة الخالق في آنٍ واحد.

الحكمة جوهر الرؤية القرآنية للحياة
لقد كانت الحكمة في القرآن بمضمونها من الرشد العملي والفكري، من صميم مكونات العقلانية القرآنية، إذ اعتبرها القرآن جوهر الرؤية القرآنية للحياة، والناتج الأهم للبنيان المعرفي الرسالي، حيث كانت الحكمة ناتج تلك البينات الرسالية التي يمكنها لعب دور المبين والموضّح والفارز للصواب من الخطأ، مما يحتم إلزامية إتقاء موارد الضلال والخطأ عبر تقوى الله، وحيازة الحكمة الإلهية بما تشكله من رؤية ثاقبة وبصيرة نافذة لحقائق الأمور. فقال تعالى: (وَلَمَّا جَاء عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ) الزخرف:63
ومن الواضح للعيان تلمس هذه الثنائية المتكررة في الآيات الكريمة بين الكتاب والبينات من جهة والحكمة من جهة أخرى، لتعطي ملمحاً مهماً من ملامح الثنائيات التكاملية الكثيرة في القرآن الكريم، ولتبين الحكمة كناتج مهم بل قد يكون الأهم للبنيان المعرفي الرسالي، بل رديفاً للكتاب بمعنى رقي الرؤية الفكرية وحسن التطبيق العملي للرسالة، وتشهد بذلك الآيات الكثيرة حول الحكمة كمدد معرفي غيبي إلهي للرسل والأنبياء، وهدفٍ مرصودٍ من بعث الأنبياء والرسل، فقال تعالى: (رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ) البقرة:129
وقال تعالى: (كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ) البقرة:151
وقال تعالى: (وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) البقرة:231
ومن هنا اتخذت الحكمة مكانتها كأحد أهم معايير التفضيل والتفاضل الإنساني. ولصعوبة استحقاقاتها ولوزامها، وأهمية موقعها ودورها، فإنها تحتاج إلى: اصطفاء رباني، واستعداد ذاتي يعتمد على تفعيل العقل وتنقية اللب، قال تعالى: (يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ) البقرة:269
وقد رافقت الحكمة الجهد البشري بدءً من تحصيل المعرفة الإلهية وتمييز الحقيقة، وصولاً إلى نشر المعرفة الإلهية وتبليغها والدعوة إليها، فكانت لازمة أخرى من لوازم الثنائيات التكاملية مع الموعظة الحسنة، كصنوان أساسيان في مقومات الدعوة إلى الله: (ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) النحل:125


العقلانية القرآنية في بعدها العملي في الطرح والعلاج الاجتماعي

الدعوة إلى التخصص
حرص القرآن على إعلاء قيمة التخصص، كمدخل أساسي لإتقان لعلم والعمل، ولذلك فإن التعامل مع المستجدات من الإشكاليات الحياتية المختلفة بحاجة إلى توافر مقومات أساسية في الجهات المنوط بها اتخاذ الموقف العام، بحيث تكون ذات اختصاص مناسب وإطلاع كاف، لذلك قال تعالى: (وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً). النساء:83
وأمر القرآن الكريم الجاهل بالرجوع للعالم، وأعلى من قيمة العلم والفكر والذكر، واختصاص أهل العلم بالمرجعية الفكرية والعلمية، مع الحرص المستمر على توافر الارتباط المستمر بين أهل العلم والذكر وبين المنابع الأصيلة والنقية للوحي الإلهي، المتمثل بالكتاب والسنة المشرفة وتراث العترة الطاهرة، فقال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ). النحل:43
ومن هنا أعطى القرآن الكريم العلم مكانته المتألقة والمتميزة، فجعله أحد المعايير التفاضلية والتكاملية أيضاً، مضافاً إلى عناصر أخرى، جميعها اشتركت في كونها اكتسابية وليست قهرية، مع توافر عنصر التوفيق والاصطفاء الإلهي أيضاً، فقال تعالى في مدح المؤمن العالم العابد: (أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ) الزمر:9

التبيّن والتثبّت
من أخطر المزالق المصيرية والمنعطفات الحساسة في وجود الأمة والفرد، هو كيفية التعامل مع المواقف المختلفة، خصوصاً إذا اشتبهت الأمور، وأصبح من الصعوبة بمكان تحديد وجوه الخطأ من الصواب، أو التبس الحق بالباطل نتيجة تداخل غير مقصود أو تدليس متعمد أو إخبار وإعلام مضلل!
لذلك كان عنصر التثبت والتبيّن من أهم عناصر الثقافة القرآنية، بحيث يرتفع الإكراه والفرض الأحادي للرأي من جهة، عبر وضوح المنهج القرآني في عرض الأدلة والبراهين، واعتماد البرهان العقلي والاختيار النفسي كأساس وركن ركين في تحمل المسؤولية النهائية للإنسان في اعتناق أفكاره ومعتقداته!
فقال تعالى: (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) البقرة :256.
وقال تعالى أيضاً: (لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَاذِبِينَ). النحل:39
بل جعل التبيّن والتثبت أساساً في التعامل الاجتماعي خصوصاً في مراحل المواجهة واتخاذ مواقف المفاصلة الاجتماعية والعقائدية، والانتباه إلى مزالق الهوى والشهوات والغلبة والتبريرات والتأويلات الفاسدة الخادعة التي قد تنزع ربقة الإيمان عن الآخر تمهيداً لشن المواقف السلبية تجاهه، دون إطلاع واعٍ على رأيه، وإحاطة مناسبة بحجته وبرهانه، ومراعاة لظروفه وخصوصياته التي قد تؤثر في نهاية الأمر على مجمل التصور النهائي المراد بناء موقف محدد من الآخر وفقاً له، خصوصاً إذا كانت هذه التبريرات مغلفة بالنوايا الحسنة والشعارات المقدسة كنصرة الدين أو الدفاع عن المذهب أو الحرص على مقدسات المجتمع!
فقال تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُواْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً). النساء:94
واهتم القرآن بنقاء قنوات التحصيل المعرفي والتبليغ العلمي والإعلامي، فجعل الوثاقة والمصداقية عنصراً أساسياً ومهماً، يرتكز عليه مبدأ القبول والرفض، مسدداً ومؤيداً بالدراية المناسبة للمضمون وتوافقه مع الواقع ومضمون الخبر، بحيث ترتفع الموانع الذاتية من تصديق الخبر، لعلة في الناقل أو تضارب وتهافت في معطيات النص، لا تنسجم مع العقل أو يبرز منها ملامح الكذب والخداع، فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ [الحجرات : 6]
ولإبراز أهمية عنصر التثبت والتبيّن اشترط فقهاء الإمامية في حكم الردة توفر العلم المسبق عند المنكر لضروري من ضروريات الدين، بتلازم إنكاره هذا الضروري من ضروريات الدين بإنكاره وتكذيبه لرسالة المرسل، وبالتالي تكذيبه لله عز وجل، ولذا كانت مشاقة الرسول بعد "تبيّن الهدى" موجباً للخروج عن ملة الإسلام ومستحقاً ومستوجباً للعذاب الأليم لارتفاع شبهة الجهل أو الغرر، فقال نعالى: {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا} (115) سورة النساء

الشمولية والإحاطة
إن الرؤية القرآنية في التعامل مع الشأن الاجتماعي، مؤسسة على الإحاطة والشمولية لكل العناصر المؤثرة والفاعلة في معادلة الفعل الاجتماعي.
ولذلك تميزت التشريعات القرآنية في منظومتها الفكرية باحتوائها على بعدين أساسيين: الأحكام والقيم. حيث تمثل الأحكام الشرعية البنية التنظيمية الأساسية، وتوفر الحد المطلوب من منظومة الحقوق والواجبات المتبادلة، وتكمل القيم الجانب الآخر من الرؤية حيث تلعب دور الإطار والمقصد لهذه الأحكام، فيكون للعدل والرفق والمساواة وغيرها من القيم الإطار المقاصدي والثقل المعنوي لمنظومة الأحكام من حقوق وواجبات، حيث لا يمكن للأحكام الشرعية أن تلعب دور الحارس الآلي في منع إساءة استخدام الحق والواجب الشرعي للإضرار بالغير دون بينات خارجية واضحة ومحكمة، فيكون لمنظومة القيم هذا الدور الأساس في تربية النفس وتزكية الفؤاد وتأطير الأحكام الشرعية في حال إثبات سوء الاستفادة من الحقوق والواجبات الشرعية بقصد الإضرار والتعدي.
إن استعراض الجوانب الشمولية في التشريعات الإسلامية واسع وغزير، ويمكن تلمسه في أي دراسة فقهية استدلالية، حيث يبرز بوضوح الحذر التام في التعامل مع كل مصادر الحكم الشرعي وجهات الدلالة المحتملة للنص والاحتياط الواعي في التطبيق.
كما أن التدبر الرصين في الآيات القرآنية خصوصاً فيما يتعلق في البعد الاجتماعي يلاحظ هذه الشمولية والإحاطة في موارد عديدة حيث تشير الآيات الكريمة في تضاعيف مفرداتها بعضاً من علل الأحكام وأسرار التشريع، في إضاءات ولا أروع أو أجمل، تبين عظمة القرآن الكريم وما يدعو له من إعمال للعقل في تدبر الآيات والمعارف القرآنية الفذة.

الواقعية والتناغم
إن العقلانية القرآنية تستشرف أهمية التناغم والانسجام بين الرسول والرسالة من جهة، وأهمية تمثيل هذا الرسول لواقعه وإحاطته به بحيث يكون جديراً بالاصطفاء لتكامل خصائصه من جهة أخرى، لذلك تكتسب أهمية التناغم بين الرسول وخصائص مجتمعه أولوية واضحة وبارزة عبّر عنها القرآن بكل وضوح حيث قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) إبراهيم:4، فجعل توافق اللسان واللغة المعبرة عن مضامين الرسالة والناقلة لمكنوناتها أمراً يحتل مرتبة الصدارة، بحيث يرتفع حاجز التواصل بين الرسالة والمجتمع.
بل يصرّ القرآن في تعاطيه في سجاله مع الكفار حول الشخصية الرسالية التي يمثلها الأنبياء والرسل، أن تكون متناغمة واقعية تعبر بحق وبصدق عن تناغم الرسول مع مجتمعه حتى في الشكل الخارجي واللباس المظهري، فأصرّ على هذا المعنى حتى في الفرض التصوري، فقال تعالى: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ} (9) سورة الأنعام!
كلّ ذلك تدعيماً للواقعية المفترضة والتناغم المطلوب بين الرسول والمجتمع، كي يرتفع حاجز اللغة والشكل والمظهر والانتماء وواقعية الامتثال، سداً لتبريرات التواكل والتخاذل من جهة، وإلزاماً عقلياً وذوقياً بواقعية الرسالة وقابليتها للتطبيق والامتثال عند البشر.
ومهما حاول أهل التضليل والخداع دغدغة النقص البشري، بالمطالبة بالشخصية الرسالية الافتراضية الخارقة تمهيداً للاحتجاج بتغاير الجنس أو الخصوصية الذاتية للرسول، فإن القرآن الكريم يركز على الواقعية والتناغم، بل ويعتبره حجة على الطرف الآخر، عارضاً هذه الحجة التضليلية كعلة مانعة يشترك فيها أهل الكفر والشرك، تبيّن أحد طرق خداع النفس الشهيرة التي يدمن عليها الإنسان، لرفع عبء المسؤولية الذاتية عن كاهله!
فقال تعالى: (فقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قِوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ) هود:27
وقال تعالى: (وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُواْ إِذْ جَاءهُمُ الْهُدَى إِلاَّ أَن قَالُواْ أَبَعَثَ اللّهُ بَشَراً رَّسُولاً) الإسراء:94


مستلزمات الوعي القادر على تفعيل العقلانية القرآنية في الواقع المعاش
لقد اخترت هنا تعبير العقلانية القرآنية لتمييزها عن التعريفات المختلفة للعقلانية المتصادمة مع النص المقدس، وتأطيراً لمفهوم العقلانية كنشاط عقلي وطاقة وفاعلية ذهنية يحرص القرآن على تفعيلها في سياقات وأطر معرفية، تساهم في الوصول للحقيقة الإلهية المنشودة، وهي معرفة الخالق عز وجل، عبر المرور بمعرفة الحجة والإمام، ومعرفة النفس.
وما تقدم ذكره من تجليات للعقلانية القرآنية كتطبيقات سلوكية أو معرفية، منطلق من هذا الإطار للتعريف بمصطلح العقلانية القرآنية كما أراه حسب فهمي القاصر، مستلهماً النصوص القرآنية كمرشد وموجه للتعرف على مصاديق وفعاليات العقلانية القرآنية كنشاط وفاعلية كما سبق ذكره.

محورية دور الطليعة الرسالية في تأسيس الوعي
تلعب الطليعة الرسالية عبر التاريخ دوراً مفصلياً في تأسيس الوعي وتعميق حضوره في مستوى الذهنية والسلوك الفردي والاجتماعي في واقع الأمة.
ومن هنا أولى الأئمة عليهم السلام الطليعة الرسالية من أنصارهم عناية خاصة ومتميزة، فتعاهدوهم بتربية فكرية وروحية خاصة ومتميزة، تساهم في نشر الوعي وتنمية الفكر ورقي المجتمع، في جميع المجالات المختلفة، حيث برز من أصحاب الأئمة المبرزون في مجالات المعرفة العلمية بمختلف أشكالها ومجالاتها وتخصصاتها، كما ضرب هؤلاء الأنصار والأصحاب أروع الصور وأنبلها في مواقف التضحية والفداء، وأدوا دورهم بأفضل ما هو متاح وممكن في حدود الطاقة البشرية المتاحة والقابلية الذاتية مع تفاوت مصاديقها قوة وتأثيرا حسب ما حباهم الله من إمكانيات.
من هنا فإن دور النخب المثقفة والطليعة الرسالية هو في تعميق الوعي كناتج معرفي وسلوكي أصيل للعقلانية القرآنية في فكر وضمير المجتمع، والتخلي عن السلبية والانهزامية والاتكالية في ممارسة دورهم المنوط بها، على أساس التناغم والتكامل مع الشرائح الاجتماعية والدينية الأخرى، وليس على أساس مشروع التصادم المهدر للطاقات والباحث عن النزاعات واختلاق الفجوات والجفوات!
وبإمكاننا أن نضرب مثالاً هنا بالواقع المعاش في لبنان وإيران وماليزيا كنماذج من الشعوب الإسلامية، كيف كان للنخبة المثقفة والطليعة الرسالية وفق مشروع التكامل والتلاقي مع مكونات القوة في المجتمع، من إرساء دعائم ثابتة وقوي لوعي أصيل راسخ، ساهم في انتصارات سياسية وعسكرية وعلمية واقتصادية عديدة، لم تكن لتتحقق لولا إدراك الطليعة الرسالية لدورها المنوط بها، وتحديد سلم أولوياتها بما يناسب الواقع المعاش، ويخدم الأهداف الأساسية لرقي وتطور المجتمع، والذي يلعب الوعي دوراً أصيلاً في قوته ومناعته ووصوله لأهدافه المنشودة.

الفهم الصحيح والمسح الشامل لمعطيات الواقع
في العلم التجريبي تتم دراسة المعطيات وفق قانون الثوابت والمتغيرات، مع متابعة دور وحجم هذا العنصر أو ذاك في أي عملية تفاعل وما هي نتائجه مع تقنين مبرمج للكمية والزمان والمكان والتركيبة المنشود تجربتها واستخلاص النتائج منها.
ولكي نحقق الوعي في أعلى مجالاته، لا بد لنا من مسح شامل وفهم صحيح لمعطيات الواقع، مع مراعاة ومتابعة الثوابت والمتغيرات لكل مرحلة بدقة وعناية، ومدى تأثير أي عنصر داخلي أو خارجي على معادلة التفاعل الاجتماعي في مسار التوعية والتثقيف في مختلف المجالات.
ولقد كان للقرآن الكريم دور في تنبيهنا إلى أهمية هذا النوع من الفهم والتتبع عبر إرشادنا إلى معادلة المتغيرات والثوابت، وقوانين الاستنباط والاستنتاج، وتتبع العلاقات التفاعلية بين المكونات، على صعيد الإشارات العلمية المادية كما يحصل في إشارته إلى بعض القوانين العلمية الطبيعية، أو على صعيد الإشارات العلمية العقلية التي تربط الأسباب بالنتائج والحقائق والمبادئ والبديهيات بلوازمها الذاتية التي لا تنفك عنها.
من هنا فإن أي جهد للتوعية لا يأخذ بعين الاعتبار الفهم الصحيح والمسح الشامل للواقع، سيكون قد أضاع طريقه، واستهلك الكثير من طاقاته، وقد تنحرف بوصلته في تحديد الأولويات، مما يساهم في تأخر المجتمع وتخلفه بدلاً من توعيته وتنميته.

استقراء المآلات والصيرورات
في علم الجريمة والبحث الجنائي هناك مبدأ رئيسي يسلكه جميع المحققون، وهو: البحث عن المستفيد أولاً!
والقرآن الكريم في نصوصه العديدة، المباشرة والمجازية، يدعو دوماً للتدبر، الذي يعني فيما يعنيه تتبع سيناريوهات المستقبل وفق معطيات الحاضر، قال تعالى: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} محمد:24.
بل كان التدبر أحد معايير التفحص والتوثق كقوله تعالى: (أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا) النساء:82، حيث يشير النص بكل صراحة إلى تتبع المسارات الذهنية للتحليل المنطقي، للتأكد من جودة وصحة المعطيات النهائية، ووحدة المصدر تدل عليها بوضوح وحدة النتائج!
إن ضعف الحاسة التنبؤية في المجتمع الإسلامي، الناتج عن ندرة البحوث والدراسات والاهتمامات المستقبلية، والتخطيط المدروس والمتقن والواقعي لها، ساهم في تخبط الحالة الفكرية والاجتماعية المعاشة، حيث أصبح جل الجهد والعطاء المبذول هو ردود أفعال، تقتصر على التنديد أو اتخاذ موقفٍ سلبيٍ أو متفرجٍ لضعف القدرة على التأثير، أو فقدان وانعدام القدرة على التوقع بأي شكل من الأشكال على مستوى الفعل!
بل حتى ردود الأفعال كثيراً ما فاجئت المتتبعين والمهتمين، وذلك للقصور المستمر الناتج عن التقصير المتواصل في الاهتمام بالدراسات المستقبلية، فأصبحنا ككرة يتقاذفها موج الأحداث والتفاعلات الاجتماعية، دون امتلاك القدرة على امتلاك وقت مستقطع لالتقاط الأنفاس وتصفية الذهن وإعداد الخطط المناسبة لرد الفعل في حده الأدنى.

إدراك الثنائيات التكاملية في القرآن ضرورة معرفية
يزخر القرآن الكريم بالكثير من الثنائيات التكاملية، التي تشكل بمجموعها نمطاً سلوكياً ونسقاً معرفياً، مرتبطان ببعضهما البعض في صميم نواتهما الذاتية، فلا يمكن التفكيك بينهما، أو تخيل وجود أحدهما دون الآخر، لأنه متجذر في عمق وجوده، ويشكل النصف الآخر من المعادلة أو حسب التعبير الأدبي المجازي: الوجه الآخر للعملة!
ولا يمكن أبداً إحراز حل المعادلة الوجودية والإشكالية الأخلاقية بدون توافر العناصر الأساسية والتي تشكل بمجموعها أكسير وترياق المشكلة الإنسانية المؤرقة للضمير والعقل.
وتنقسم الثنائيات القرآنية إلى نوعين:
ثنائيات تكاملية إيجابية.
وثنائيات تسافلية سلبية.
ومن نماذج الثنائية الإيجابية، مع ترك مهمة التدبر في وجوه الترابط ووشائج التداخل للقارئ الكريم والمتابع الحصيف ليطلق أعنة ذهنه في تتبعها واستقرائها:
ثنائية العلم والعمل الصالح: {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} (3) سورة العصر
{وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} (57) سورة آل عمران
ثنائية الكتاب والعترة: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللّهُ يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} (213) سورة البقرة
{إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيمًا} (105) سورة النساء
{إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} (55) سورة المائدة
ثنائية الشاهد والشهيد:{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللّهُ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} (143) سورة البقرة
ثنائية الصلاة والزكاة: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} (277) سورة البقرة
{وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَارْكَعُواْ مَعَ الرَّاكِعِينَ} (43) سورة البقرة
{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} (277) سورة البقرة
{لَّكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاَةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أُوْلَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا} (162) سورة النساء
{وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا} (31) سورة مريم
وأما الثنائيات السلبية فنستعرض منها:
ثنائية نقض العهد وقطيعة الرحم:{الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} (27) سورة البقرة
ثنائية الكفر والتكذيب: {وَالَّذِينَ كَفَرواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} (39) سورة البقرة
ثنائية التدليس وكتمان الحق: {وَلاَ تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُواْ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} (42) سورة البقرة
وهناك الكثير من الثنائيات التكاملية الإيجابية، ونقيضتها التسافلية السلبية، التي تثري الباحثين القرآنيين بالمزيد من المعادلات الحضارية في أبعادها الأخلاقية وأسئلتها المعرفية، وتوضح المسار الصائب في معرفة العلائق نوعاُ وكماُ وظرفاُ، والتي تساهم في تغيير الدفع الحضاري للأمة سلباً وإيجاباً.

أزمة الشعار والمصداقية وأهمية المحاسبة والتقييم
من أهم العوائق التي تعيق التوعية وانتشار العقلانية القرآنية كنمط معرفي مؤثر يساهم في رشد المجتمع وتكامله، هي أزمة العقل العربي والإسلامي مع الشعارات!
إذ تفتقد العقلية والذهنية الفردية والجماعية في الواقع المعاش، وعبر مرور الأزمان إلى آلية محاسبة وتقييم ناضجة ومحيطة ومدركة لكل العوامل المؤثرة في اتخاذ القرار، صغيراً كان أم كبيراً!
فقد تعرض القرآن الكريم نفسه للتوظيف السياسي والمذهبي، ورفع على أسنة الرماح، وكان سبباً يصطنعه البعض كمادة للتهييج العاطفي لخدمة أغراض سياسية أو ترويج شعبية قيادية!
ولم يسلم القرآن ذاته من التأويل المذهبي والتعاطي الحزبي والقراءة المزاجية تحت دعوى حرية الرأي وتعدد القراءات.
وهذا يبين بوضوح عمق الأزمة المعرفية مع أهم مصادرها وأنقاها، فكيف الحال مع الموارد والمصاديق الأخرى التي تختلط فيها الآراء وتضيع فيها القرارات ويحار لفهمها الأذهان لتداخل المصالح وتجاذب المواقف فيها!
إن المجتمع الواعي ممثلاً في نخبته وطليعته الرسالية، هو ذلك القادر على إرساء ثقافة المحاسبة المنصفة والتقييم الواعي والعادل بين أفراده، وأي مجتمع تترقى فيه هذه الملكة يكون قادراً على اختصار سباق الزمن وتحدي السرعة وقهر المسافة نحو التحضر والتمدن، وتكامل مقوماته المادية والمعنوية، واختصار مسيرة العذاب المملوءة بآهات القهر والعذاب من تحكم الشعارات البراقة والعناوين المزخرفة على صعيد الأشخاص والمواقف والأفكار، حيث يرزح الجميع تحت مظلة الظلم المستغرق لجميع أفراد المجتمع، حيث يبدأ الفرد في ظلم نفسه قبل أن يظلمه المجتمع لتخليه عن قيمة المحاسبة والتقييم، وحقه في المشاركة والتقويم، وفق آلية مشاركة فاعلة ومنصفة.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
تم بحمد الله الفراغ من هذه المشاركة عصر يوم الخميس الموافق 17 رمضان 1429هجري


الهوامش
1: على سبيل المثال: يعتقد الدكتور "طه عبدالرحمن" أن العقل عقول، وأن كل نسق من الأنساق الاستدلالية هو عقل من العقول، يكفي فيها أن تختار مسلماتك وموضوعاتك في سياق مخصوص، ثم تنتج نتائج وحقائق تكون موصولة بالسياق الذي فرعت عليه مسلماتك وبديهياتك.
ولذلك وسم د.طه عبدالرحمن العقل في كتابه "اللسان والميزان" للوفاء بغرضه من حد العقل بحد الفعل عوض الجوهر أو الماهية. إذ ليس في الأفعال الإنسانية فعلا أكثر تقلبا وتبدلا من العقل. وهكذا صار هو إلى وسم الفعل العقلي بوسم التكوثر. فقد نتحدث بصفة عامة عن العقلانية الحجاجية والعقلانية البرهانية والعقلانية الحدسية أو "العرفانية" وكل بحسب مجاله الخاص كما يمكن أن تزدوج عقلانيتان أو أكثر في نطاق مخصوص.
وأن العقل ليس واحدا لا ثاني له وما عرفه الغرب من العقول، وانه ليس بأعقل العقول أو أتمها، بل هو أدنى العقول الممكنة، إذ يمكن الخروج منه وطلب عقل أتم وأعقل (انظر كتاب طه عبدالرحمن "العمل الديني وتجديد العقل" حيث تحدث عن عقول ثلاثة: العقل المجرد والعقل المسدد والعقل المؤيد). اقتباس من الباحث عبدالعالي العبدوني من منتديات المعارف الحكمية.
2: يميّز الأستاذ "جميل صليبا" في "المعجم الفلسفي" العربي بين نمطين من العقلانية سماهما: مطلقة ونسبية. فيقول: "القول إن المعرفة تنشأ عن المبادئ العقلية القبلية والضرورية لا عن التجارب الحسية، لان هذه التجارب لا تفيد علما كلياً". و"القول إن وجود العقل شرط في إمكان التجربة، فلا تكون التجربة ممكنة إلا إذا كان هناك مبادئ عقلية تنظم معطيات الحس". "فإذا عددت هذه المثل وتلك المعاني والصور شرطاً ضرورياً وكافياً لحصول المعرفة، كانت العقلانية مطلقة، وإذا عددتها شرطا ضروريا فقط كانت العقلانية نسبية."
3: بلغ من تعقيد هذا المصطلح وتشعباته أن الباحث كودوس F.Khodoss كاتب مقالة ال"عقلانية" في أكبر موسوعة فلسفية فرنسية (الموسوعة الفلسفية الشاملة) التي يقدمها أصحابها بوصفها موسوعة مكتوبة خصيصا للفلاسفة وليس للجمهور العادي! يشير في بدء مقالته إلى أن اللفظ لفظ سجالي، لكنه بعد تقريره لسجالية المفهوم يقترح أسلوباً فضفاضاً فيقول: من الأفضل تحديد العقلانية بالرجوع إلى ما يقوله "من يساجلون بها ومن يساجلون ضدها"!.
كما كان أقصى ما عرّفها "جيل غاستون غرانجي" في مقالته "عقلانية" بموسوعة أونيفرساليس: بأن لفظ "العقلانية"، بمعناه العام، لا يشير حقا إلى مذهب، مثلما هو الحال بالنسبة لألفاظ "المثالية"، و"الواقعية"،و"التجريبية"." ولذا فالمسلك الذي يراه ممكنا في تحديدها هو: "جعل العقلانية مخالفة للاعقلانية"!
كما طرح الباحث الطيب بوعزة تصوره لواقع العقلانية في الفلسفة المعاصرة فخلص إلى: "إن التوجه الفكري المهيمن على الوعي الفلسفي في اللحظة المعاصرة لا هو عقلاني إطلاقي و لا هو عقلاني نسبي، بل هو ينحو "منحى اللاعقلانية الرافضة للعقل ذاته". وما نجد من بقايا العقلانية فهي كما قلنا نزعات نسبية تقول بمحدودية العقل واحتياجه إلى غيره من مصادر المعرفة".
4: مفهوم العقل/ أ.د. جعفر شيخ إدريس/ مجلة البيان العدد 158 شوال 1421 هـ
5: يتناول الشيخ محمد هادي معرفة جانباً من هذا الطرح فيقول: "امتاز القرآن في استدلالاته بالجمع بين أسلوبين متنافيين في شرائطهما، هما: أسلوب الخطابة وأسلوب البرهان. ذاك إقناع للعامة بما يتسالمون به من مقبولات مظنونات وهذا إفهام للخاصّة بما يتصادقون عليه من أوّليات يقينيات. ومن الممتنع عادةً أن يقوم المتكلّم بإجابة ملتمس كلا الفريقين، ليجمع بين الظن واليقين في خطاب واحد. الأمر الذي حققه القرآن فعلاً بعجيب بيانه وغريب أسلوبه.
والبرهان: ما تركب من مقدمات يقينية، سواء أكانت ضرورية (بديهية أو فطرية) أم كانت نظرية (منتهية إلى الضروريات).
والقضايا الضرورية ستة أنواع:
1: الأوليات: وهي قضايا قياساتها معها. يكفي في الجزم بالحكم مجرّد تصور الطرفين، كقولنا: (الكلّ أعظم من الجزء). أو مع تصوّر الواسطة وحضورها في الذهن، كقولنا: (الأربعة زوج) لأنه ينقسم إلى متساويين.
2: مشاهدات: هي قضايا محسوسة بالحواسّ الظاهرة كإضاءة الشمس.
3: وجدانيات: منشؤها الحسّ الباطني كالإحساس بالخوف والغضب.
4: متواترات: أخبار جماعة يمتنع عادة تواطؤهم على الكذب والاختلاق.
5: مجربات: يحصل الجزم بالنتيجة على أثر تكرّر المحسوس.
6: حدسيات: هي سرعة الانتقال من المبادئ إلى المطالب. ويقابلها الفكر، الذي هو حركة الذهن نحو المبادئ ثم رجوعه إلى المطالب، فلا بُدّ فيه من حركتين، على خلاف الحدس، إذ لا حركة فيه. لأن الحركة تدريجية، والانتقال آني.
أمّا الخطابة فهي ما تركّب من مقدّمات كانت مقبولة معتقداً بها لأمر سماوي أو لمزيد عقل ودين.
ونظيرها الجدل: المتركّب من قضايا مشهورات تقبّلتها العامة وخضعت لها أعرافهم ونسجت عليها طبائعهم، فألفوها وأذعنوا بها إذعاناً. أو قضايا مسلمات تسلّم بها المخاطبون كأصول مفروضة مسلم بها. والقرآن الكريم قد استفاد في دلائله من كل هذه الأساليب، وفي الأكثر جمع بينها في خطاب مع العامة يشترك معهم الخواّص. وهذا غاية في القدرة على الاستدلال وإقامة البرهان". لمزيد من التوسع في تناول الفكرة راجع مجلة التقريب.نت، العدد الثالث، مقال "الاستدلالُ في القُرآن" للشيخ محمد هادي معرفة.


المصدر

الاثنين، 31 مارس 2014

الوسطية خيار أم معيار؟

الوسطية لغةً: تعرض أرباب المعاجم للفظ الوسطية فعرفوها بأنها: مأخوذة من مادة ( وسط ).يقول ابن فارس: "الواو والسين والطاء بناء صحيح يدل على العَدل و النِّصف، وأعدل الشيء : أوسطه ووسطه" (المقاييس: 1091 ط: دار الفكر).وقال الدامغاني: "العدل: الوسط بعينه" (الوجوه والنظائر في القرآن الكريم: 488 ط: دار المعرفة).وقال الفيروزآبادي: "الوسط من كل شيء أعدله. قال الله تعالى : {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً}; أي عدولاً خياراً" (بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز: 5 / 209 ط).وقال الرَّاغب: "وسط الشيء: ما لـه طرفان متساويا القدر، ويقال ذلك في الكمية المتصلة كالجسم الواحد إذا قلت وَسَطُهُ صُلْبُ، وضربت وسَطَ رأسه بفتح السين، و يقال بسكون السين في الكمية المنفصلة، كشيء يفصل بين جسمين نحو: وسط القوم.والوسط تارة يقال: فيما لـه طرفان مذمومان، يقال هذا أوسطهم حسباً إذا كان في واسطة قومه وأرفعهم محلاً، وكالجود الذي هو بين البخل والسرف.وتارة يقال: فيما لـه طرف محمود وآخر مذموم كالخير والشر أو الجودة والرداءة، تقول من هذا المعنى: شيء وسط: أي بين الجيد والرديء.ويقال: فلان وسط في قومه، إذا كان أوسطهم نسباً وأرفعهم مجداً. وفي صفة نبينا (ص)، أنه كان من أوسط قومه: أي خيارهم. فوسط الوادي: خير مكان فيه. وكذلك كان نبينا (ص) من خير مكان في نسب العرب، وأمته أيضاً كذلك جعلت وسطاً أي خياراً" (معجم مفردات ألفاظ القرآن: ( 559 – 560 ) ط: دار الفكر).
نقاش حول المفهوم:يحقّ لسائل أن يسأل: هل الوسطية مفهوم مشكك أم أصيل؟ وذلك لأن الكل يدعي وصلاً بليلى الوسطية، وهي لا تقرّ لهم بذاكا! فأين الخلل يا ترى؟لابد لنا هنا من أن نلقي بعض الإضاءات حول مفهوم الوسطية، لأن التوسع الحاصل في تطبيق مفاهيمها، والتداخل بين مصاديقها، والتشابه بين مرادفاتها اللفظية والمعنوية، سبّب خلطاً كبيراً في المفاهيم، بحيث أمكن لكل من شاء أن يصف جهة أو طريقة أو فكرة أو منهج ما بالوسطية، دون وضوح جهة الوسطية وتحققها في هذه الفكرة أو المنهج أو الجهة، فقد يعتبر البعض أن المرونة بدون ضوابط هي وسطية اجتماعية ولو أدّى ذلك لقبول الظلم والرضوخ له، والالتقاط العشوائي والخلط المزاجي انفتاحاً فكرياً ووسطية منهجية في المنهج البحثي مثلاً ويخلط بين الأمرين، مع ما يوجد من اختلاف في المفهوم والمورد والدلالة والحالة مثلاً.وهنا أقتبس ما يفيد ضرورة التمييز بين المعاني الشائعة والدارجة للوسطية، من محاضرة الباحث أحمد توفيق وزير الأوقاف المغربي فقال: "ذهب البروفيسور فضل الرحمن، رحمه الله، إلى القول بأن الوسطية في الإسلام ليست طريقاً للاختيار بين عدة طرق، بل هي الطريق الأوحد، لأنها طريق الوقوف مع الحق الذي نجتهد باستمرار في الوصول إليه في كل الأمور، وليست الوقوف في نقطة بين الحق والباطل، فالعدل ليس عملا حيادياً بل هو التزام وميل إلى جهة الحق، كما يقول ابن عربي في (الفتوحات)، ومادة عَدَلَ في العربية تؤيد ذلك، وبهذا المعنى يمكن أن يقال اليوم عن الإسلام إنه دين الميزان، كما نقول إنه دين الوسطية والاعتدال، وإنما دُعي الإنسان إلى استعمال هذا الميزان لسبب ولغاية".فمع وجود النسبية في الوسطية الناتجة من كون أطرافها متغيرة وليست ثابتة، ولكونها عادة بين حدين أو طرفين، ولكن هذا لا ينفي التحيّز في مستوى العقيدة والقيم، فلا بد من التحيّز في هذا المستوى، ولكنه ليس تحيزاً مسبقاً واعتباطياً، بل تحيز لمعطيات ونتائج صحيحة وسليمة نتجت عن تطبيق منهج وسطي يمازج بين النص والعقل في استقراء النصوص وفهم الدلالات، أشار إليه الخالق وبينّه ووضحه في محكم آياته وبراهين دلالاته حتى على مستوى الحقائق والمعطيات الكونية.لقد نطقت الآيات الكريمة صادحة قاطعة في هذا الصدد، فقالت في مجال العقيدة: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} 85:سورة آل عمران. فجعلت الإسلام الدين المقبول دون سواه، وعنصر الربح الأكيد.كما أكدت في مجال جوهرية القيم والالتزام بها: {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا} 58:سورة النساء. فجعلت الوفاء وأداء الأمانة والعدل قيماً إنسانية، تطبق على بني البشر عموماً دون تمييز بينهم، أو تفريغ لهذه القيم من محتواها الحقيقي.فالوسطية الحقيقية إذن إنما تكون في الآليات والمناهج والأدوات، أي في المستويات والمراحل السابقة للمنتج اليقيني والعقائدي النهائي المتمثل في منظومة العقيدة والقيم. مما ينعكس بدوره سلوكاً معتدلاً موفقاً يضع الأمور في نصابها وإطارها المقتضي والمناسب لها، بين الشدة واللين، بين الانفتاح المحمود وبين الالتقاط المذموم.لقد ارتبطت الوسطية في جوهرها وماهيتها بأنها وظيفة وأداة ومنهج، وبعبارة أخرى مقدمات منضبطة ومتوازنة تفضي مراعاتها إلى معطيات سليمة وصائبة، لأنها لم تجنح للإقصاء المبرمج أو المسبق في معالجة المعطيات {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} 8:سورة المائدة، أو التحيّز لغير حكم العقل والشرع والوجدان في المنهج، والإتقان والتوافق والاعتدال في السلوك والطرح {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} 125:سورة النحل.إذن فليس هناك من موضوع للوسطية بين الحق والباطل، إذ كيف نكون وسطاً بين الحق والباطل، أو بين الخير والشر، مع اعتقادنا بوجود الحق أو الخير في هذه الجهة، أو وجود الباطل والشر في الجهة الأخرى! حتى مع تحقق نسبية الباطل والحق موضوعياً حسب الموقف والجهة وتعدد القناعات والآراء.
إشكالية الوسطية؟وتكمن إشكالية الوسطية في: أهمية تحديد طرفي الموضوع حتى يمكن تحديد الوسط فيهما؟ وكذلك أهمية معرفة منشأ الوسطية المبتغاة ومقياسها؟ فهل هي وسطية زمنية لأن طرفيها مختلفان زماناً؟ أم وسطية موضوعية لكونها تسلك دوراً وظيفياً بين فئتين وشريحتين وفكرتين؟ فكما هو واضح أن الوسطية هي نقطة وسط بين طرفين أو حدين، مهما اختلفت مناشيء هذين الحدين أو نوعيتهما؟كي أقرب الفكرة، لنقرأ معاً الآية الشريفة: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللّهُ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} 143:سورة البقرةفالآية تبين بوضوح أن هناك جعلاً إلهياً مؤطرٌ باستحقاق وظيفي، فوسطية الأمة جاءت كعلة فاعلة للشهادة على الأمم، واستحقاق عملي للقيام بالدور الرسالي المنوط بها كوسيط بين رسالة الرسول والبشرية جمعاء، وكعلة قابلة لشهادة الرسول وقيمومته وناظريته على الأمة، ثمّ بينت أحد مفردات الوسطية الفعلية وهي رمزية في شكلها عميقة في مضمونها، باختيار قبلة جديدة، ليست تابعة لقبلة إحدى الديانات السابقة، كبيان لاستقلالية وكمال هذا الدين، وفارز جوهري لعنصر الإيمان أو قابلية الردة بمعانيها الأعمق.وهذا يبين وبوضوح أن الوسطية كما هي ظاهرة بمعناها البسيط والقريب والمباشر، إلا إنها في غاية التعقيد عندما نتفحص مصاديقها، لأننا بحاجة حينئذٍ إلى التمعن في شروطها وضوابطها ولوازمها، وهو ما سنعرض له في فقرة أخرى لاحقاً في هذا المقال.إن من أبرز أسباب التداخل والاضطراب في تحديد مفهوم الوسطية، هو تنوع مصاديقها وتشعباتها على المستوى الفكري والثقافي، وكذلك على المستوى الاجتماعي، سلوكاً وقيماً وقناعات، ولذلك تعددت مفاهيم الوسطية فكانت أداة للمعرفة ومنهجاً للبحث وميزة فارقة للعقيدة والسلوك، فالوسطية سماحة في التعامل، واعتدال في الطرح، وموضوعية في البحث، ورفق ومداراة في الأخلاق والتعامل مع الآخرين، ويقيناَ راسخاً بالتعايش والتوافق بين الرأي والرأي الآخر، يقوم على أساس التبليغ والدعوة والتبشير، وليس على القمع والإقصاء والإبادة والتنفير.وقد يرد سؤال جوهري في هذه الحالة وهو: هل يمكن للإنسان مع كل هذه التجاذبات المختلفة في حياته، أن يدرك موقع الوسطية ومكانها، وهو الذي تتجاذبه الأهواء والآراء؟والجواب: نعم، فكما أن الإنسان يستمد من الله سبحانه وتعالى الهداية التي تضيء له درب الفلاح والنجاح، فيقرأ في كل صلاة في فاتحة الكتاب: {اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ} 6و7:سورة الفاتحة، فإن القرآن يبين وبوضوح أيضاً وجود هذه القابلية في الإدراك والتمييز بين الحق والباطل، بين الشكر وبين الكفر، فيقول: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} 3:سورة الإنسان، مما يعني وجود الهداية المسبقة فعلاً من الله لعباده، وأن حقيقة الدعاء بالهداية هو في التوفيق للالتزام بها، والتمسك بمرشداتها ومحدداتها، وهي: القرآن الكريم والعترة الهادية (ع).
أهمية الوسطية وضرورتها:ما يهمنا في هذا البحث، وقد عنوِّن بعنوان (الوسطية خيار أم معيار)، هو أن ندرك مدى أهمية وضرورة الوسطية كوظيفة ومنهج وأداة تحليل وطريقة عيش وسلوك.ولعل أبرز ما يبين أهمية الوسطية، كونها مفهوم وظيفي أساسي في التفكير والسلوك البشري، بمعنى أنها بمثابة المقدمة والبوابة الرئيسية لغيرها من المفاهيم والواجبات.وهذا يعني أن الإنسان لن يتمكن من نيل كمال المعرفة أو السلوك إلا بها، وبالتالي فإن إحرازها والتعلق بها فكراً وسلوكاً، هو الطريق المفضي للكمال الإنساني والرقي البشري، ومن هنا تنبع أهمية وضرورة الوسطية في حياة ووجدان الأمة والفرد.
لوازم الوسطية:
1- الأفضلية:فقد جاءت الآيات الكريمة والروايات الشريفة طافحة ناطقة بعلو مكانة الوسطية، وكذلك كونها معيار للخير والكمال والصواب، وهذا يعني أن الوسطية تكون في لزوم أفضلية هذا المنهج أو السلوك على غيره من المناهج والسلوكيات، فما كان مورداً للتناقص أو التناقض، إهمالاً تفريطاً أو غلواً وتنطعاً، فإن هذا يوضح بعده عن الوسطية كمفهوم أو مصداق.
2- البينية:طبيعة الوسطية وماهيتها ومضمونها هو: كونها واقعة بين طرفين أو حدين كما ذكرنا سابقاً في مواضع عديدة من هذا المقال.وبالتالي فإن الوسطية يجب أن تكون عصية على التصنيف، بل تكون هي فارزته الموضوعية، بحيث يكون من خرج عنها هو من خرج عن خطة الإنصاف والاعتدال، إلى خطة الإفراط أو التفريط.
3- التوافق مع العقل والشرع:لأن العقل والشرع هما المرشدان لمضمونها، والمحددان لحقائقها، بل أن الوسطية هي التوفيق الأمثل لهذين العنصرين الأساسيين في المعرفة والسلوك الإنساني، وبدونهما تفرّغ الوسطية من محتواها، لأنها تفقد المحددات الموضوعية السليمة لها، وتعبر عن حالة من التخبط وفقدان الهوية وانسحاق الذات أمام الآخر، وتعلن خوائها وعجزها التام عن امتلاك الحقيقة!
خاتمة:من هنا نخلص إلى نتيجة مهمة نختم بها مقالنا فنقول: أن الوسطية هي معيار أساس لمنهج المعرفة وجوهر السلوك، وليست خياراً مترفاً ضمن رزمة خيارات أخرى، بل تكاد أن تكون قدراً نهائياً لازم لحقيقة رسالة الدين الإسلامي، الذي طوّق أعناق الأمة أفراداً وجماعات، كدين يجب الوفاء به تجاه من أنعم بالهداية والاستقامة، وأبرز لها علامات الهدى ومنارات البصيرة، كي تنال شرف شهادة الرسول الأكرم (ص) عليها كأمة رسالية، ذات هدف ورسالة أنيطت بها تحديداً، بسبب وسطيتها الوظيفية بين الرسول وباقي الأمم والمجتمعات، مما يلقي عبئاً ثقيلاً على كل مسلم ومسلم، أن يعكس هذه الحقيقة سلوكاً ومعرفة.