‏إظهار الرسائل ذات التسميات محمد العلي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات محمد العلي. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 16 فبراير 2015

الاتكاء


الاتكاء هو الاعتماد على شيء ما، ونحن نعرف المادي مثل اعتماد الفرد على غيره أو كما عبر أبوالعلاء عن نفسه ب «المستطيع بغيره» وهذا ليس موضوع هذه المقالة.. موضوعها هو الاتكاء المعنوي مثل اتكاء الفكرة على فكرة أخرى سابقة لتعزز من الالتفات إليها أو لإعطائها قوة إقناعية أو شرعية الدخول إلى سدة الأفكار التي توصف بالإبداع أو البكارة، وإذا كانت ذاكرتي أمينة «ولا أظنها» فإن أبا تمام كان يلقب ب «المتكئ على نفسه» ذلك لأنه خرج على الذوق النقدي العام حتى إن بعضهم قال في شعره:
«إن كان هذا شعرا فكلام العرب باطل»
الاتكاء في الآداب والفنون ظاهرة دائمة، ولكن أحد مفكرينا المعاصرين اعتبر هذه الظاهرة نقصا وراح ينعى الأدب العربي كله بأننا لا نهتم بالعمل الإبداعي «إلا لأن دراسات استشراقية سبق وأن ربطته ب «معلمة غربية» لا نقرأ حي بن يقظان إلا لأن علاقة نسجت له مع روبنسون كروزو، ولا رسالة الغفران إلا لما ربطت به من علاقة مع الكوميديا الإلهية، ولا دلائل الإعجاز الا مقارنة بسوسير، ولا المنقذ من الضلال إلا مقارنة بديكارت، ولا المقدمة الا ارتباطا بأوغست كونت... الخ».
وأضيف الى هذا بعدا آخر هو اننا حين نريد اضفاء الاصالة على فكرة ما فلا بد من ربطها بقول احد القدماء، وهذا عجز فادح لأنه يعني تداخل الازمنة واختلاط الحابل بالنابل.
لماذا الاتكاء؟
الابداع هو التجاوز وليس البداية من الصفر، فهذه مستحيلة في ميدان الآداب والفنون.. والاتكاء المؤقت ليس محل جدال فهو ظاهرة موجودة في كل زمان ومكان، انه يكون محل ازدراء حين يكون مستمرا لأنه يدل على الضعف والعجز وجدب الفكر.
ويرى كثير من النقاد ان الاتكاء في الساحة الثقافية عندنا اتكاء مستمر مما يدل على العقم الفكري غير ان هذا - كما يرى من يضع التفاؤل على عينيه - عائد الى اسباب خارجية وليست موضوعية أي ليست عائدة الى الذات المبدعة بل الى الظروف الاجتماعية والسياسية المحدقة بها مثل الرقابة الاجتماعية والسياسية على حركة الابداع، فلا ابداع بدون حرية.
لقد تنبه الناقد القديم حازم القرطاجني الى هذا التداخل أو التساقي بين الذاكرة والتمييز والصناعة حين قال: «لا يكمل الشاعر على الوجه المختار الا بأن تكون له قوة حافظة وقوة مائزة وقوة صانعة» القوة الصانعة هي التجاوز والمائزة هي القدرة النقدية، اما الحافظة فهي التي تقول لنا: «لا شيء يبدأ من الصفر».
ما رأيك انت هل نلبس نظارة التفاؤل أم نظارة التشاؤم؟


 
               

الأحد، 1 فبراير 2015

سرقة الوعي

ما الذي يسرق وعي الإنسان ويأسر ما لديه من طاقة ذهنية طاقة الشوق إلى المعرفة المتطورة ويقنعه بالاكتفاء البليد بما يقدم له من أوهام تدعي أنها حقائق؟ ما الذي يدفع الإنسان ضاحكا إلى أن يضع الحبل في عنقه ليقوده آخر إلى حيث يجعل منه سلما لأطماعه؟
أول ما يبدو من أسباب ذلك هو شل حرية المثقفين عن محاربة الأوهام البراقة التي تغري الشباب بسهولة بالانقياد لها لما فيها من تلبية لرغباته المكبوتة، ولأنها تفتح أمام أمانيه الضبابية افاقا من الوهم، والوهم من أشد الأمور إغراء.
أما ثاني الأسباب فهو التعليم ذو البعد الواحد والأحلام ذات البعد الواحد، فهما بصفتهما هذه يقولان وجها واحدا من وجوه الحقيقة ويطمسان الأجزاء الأخرى وهنا ينشأ المتعلم أو السامع متوهما أن ما تعلمه أو سمعه هو الحقيقة كلها ويظل مخدوعا بهذا الوهم ما لم تتداركه سعة المعرفة والخروج من السياج الذي وضع فيه.
ثالث الأسباب هو «العزلة» عن المجتمع، ان العزلة عن المجتمع تعني التحصن داخل خصوصية ماضوية تعني أن الفرد في صمم عن التعليم ذي الأبعاد المتعددة وعن الإعلام المتصف بهذه الصفة.. ان الشاب في التنشئة الغربية لا يعاني من الأمور المذكورة في السببين الأول والثاني ولكنه غير قادر على تجاوز ذاته.
لذا يقول الفيلسوف كانط في الإجابة عن السؤال ما هي الأنوار؟ ما يلي: «إنها خروج الإنسان من قصوره الذي هو مسئول عنه، قصور عجزه عن استعمال عقله دون إشراف الغير.. قصور هو نفسه مسئول عنه لأن سببه يكمن ليس في عيب في العقل بل في الافتقار إلى القرار والشجاعة.. الخ»
في مقال لصاحب التحليل الثقافي السيد يس يجيب فيه عن السؤال: ما الذي يدفع الشباب من الغربيين إلى الهجرة للانضمام إلى داعش؟ يقول: «مرد ذلك إلى سقوط الأديولوجيات التي كانت تجتذب الشباب سواء كانت رأسمالية او اشتراكية فقد الشباب بفشل هذه الأدلوجيات التي تمنحهم اليقين بصواب اختياراتهم.. الخ».
هذه الإجابة تفتقر إلى التريث قليلا: فهل سقطت فعلا الرأسمالية والاشتراكية؟ وإذا كان سقوطهما واقعا فلماذا لم ينطبق هذا على سائر الشباب؟ ولماذا هو مختص بفئة عقائدية واحدة؟ ولماذا لم يشمل كل شباب هذه الفئة؟
ماذا ترجح أنت؟ هل ترجح مقولة أو تعليل الفيلسوف كانط أم تعليل السيد يس؟ لا شك عندي في أن الفيلسوف كانط قد أصاب كبد الحقيقة كما يقول القدماء.


الخميس، 15 يناير 2015

المفارقة «2»

دار المقال السابق حول التنافض في حياة سعيد عقل.. والفرق بين رقة إبداعه الشعري وغلظة أخلاقه.. وقد عرف التاريخ الماضي والحاضر كثيرا من الذين تصاب بالحيرة في تفسير حياتهم الداخلية والخارجية أو بين إبداعهم العلمي أو الجماعي وبين سلوكهم المكيافيلي المنح.
من أشهر هؤلاء في التاريخ الغربي الفيلسوف فرنسيس بيكون «1561 - 1626» فهو يلقب بحق بقائد الثورة العلمية لفلسفته القائمة على «المنهج التجريبي» وقد قال فيه أحد الفلاسفة «بيكون هو أبو الحقائق التي تولى نيوتن فيما بعد كشفها للناس»، ومثل هذا القول صدر من فلاسفة كثيرين في حقه.. بل وحتى السياسيين فقد قال عنه لينين «السلف الحقيقي للمادية الإنجليزية هو بيكون» واعترف كثيرون بأنه: «نقل أوروبا من التفكير الفلسفي التجريدي إلى التفكير العلمي التجريبي» وهو القائل: «العلم هو ذلك الذي يؤدي إلى تغيير حياة الناس».
مثل هذا الرجل الشاهق كان من جانب آخر منافقا غدارا.. فقد أبدى من الضراوة باتهامه ولي نعمته الكونت اوف اسكس الى ان ساقه للاعدام طمعا في الوجاهة وفي المال، فهل تصدق هذا في من كان من اهم اجزاء فلسفته: الانحرافات الفكرية التي قد يرتكبها الانسان وحددها بما سماه الاوهام الاربعة؟
يلتقي من يقرأ تاريخنا على امثال بيكون ومن اشهرهم الامام الغزالي الذي لم يفه بكلمة واحدة عند احتلال الصليبيين للقدس بحجة انشغاله بتأليف كتابه «احياء العلوم» وهي حجة ابتدعها مناصروه وكأن الوقوف ضد الغزاة يتعارض مع التأليف.
علم آخر من الاعلام التي في رأسها نار في تاريخنا هو ابن خلدون: لقد كان رائدا فذا لعلم الاجتماع.. وكانت «مقدمته» فتحا لنوافد كثيرة كانت مغلقة امام الفكر التاريخي هذا الرجل بهذه الريادة البتراء كان خانقا مستسلما امام اجتياح تيمور لنك لدمشق وقد ابدع المسرحي سعد الله ونوس في تصوير هذا الموقف المظلم من ابن خلدون الذي يملي على مريده شرف الدين ما يلي:
«ومد يده الي فقبلتها، واشار بالجلوس فجلست حيث انتهيت، ثم استدعى من بطانته الفقيه عبدالجبار فأقعده يترجم ما بيننا، ففاتحته وقلت: ايدك الله لي اليوم ثلاثون او اربعون سنة اتمنى فيها لقاءك.. فقال وما سبب ذلك؟ فقلت امران: الاول انك سلطان العالم وملك الدنيا... الخ».
اتعرف من قال فيه ابن خلدون هذا الكلام بعد ان قبل يده؟!! انه تيمور لنك.

السبت، 6 ديسمبر 2014

هل نستطيع ؟؟


هل نستطيع ان نجعل بيننا وبين ثقافة الآخر بجميع ابعادها سدا مأربيا يفصلنا عن الاغتراف من علمه ومعرفته وطرق حياته؟ هل نستطيع - مثلا - ان نجابه امراضنا بدون ما وضعه بين ايدينا من وسائل التشخيص والعلاج؟ هل نستطيع الاستغناء عن وسائل الاتصال المادية والمعنوية التي اوجدها لنا بعد ان لم تكن؟ اما الاجابة عن هذه الاسئلة وعشرات من امثالها فلا تحتاج الى إيضاح.
لا شك في انطواء الحضارة الغربية على سلبيات ليست في نظرنا فقط بل في نظره هو... ويحاول تلافي ما فيها من أعراض.. ولكن هل يمكن ان نأخذ ايجابياتهم اللا متوقفة دون هذه السلبيات، كما يتمنى كثير منا الذين يجرهم اليقين الخيالي الى امكان ذلك.. في حين ان ذلك ليس بالامكان.. وقد وقف عالم الاجتماع الكبير الدكتور علي الوردي في احد كتبه في وجه هؤلاء وفي مقدمتهم الدكتور زكي نجيب محمود.. ذلك لاستحالة فصل الزهرة عن أكمامها «ولابد دون الشهد من ابر النحل».
الاشد غرابة ان بعضنا يحتقر ما قدموه لنا باعتباره عملا دنيويا.. مدعيا ان الله سخرهم لنا اذ هم يعملون للدنيا فنستفيد منهم في بناء دنيانا وحياتنا وأفكارنا.. ونحن نعمل للآخرة وهم محرومون منها.. وبهذا المنطق الميتافيزيقي ينتشي بعضنا متكئا على آرائك من صنعهم.
الاسئلة هنا كثيرة ومنها:
هل يشكو الغرب من تعدد المذاهل؟ هل يشكو من اضهاد الاقليات؟ هل يشكو من فقدان البعد الروحي الذي ندعي امتلاكه وحدنا والكنائس تزداد اتساعا واكتظاظا؟ هل يفقد الحس الاخلاقي الانساني ونحن نرى آلاف المتطوعين منهم يجوبون الاقطار لمساعدة من هم في حاجة الى المساعدة؟ بالاضافة الى انه هو واضع لائحة حقوق الانسان وهو المدافع عنها.
ان بعضنا تحلق به النشوة حين يجد في الغرب او الآخر عموما ما ينتقده، في حين انهم هم اصحاب النقد الذاتي، ولن تجد في الماضي او الحاضر حضارة تنتقد نفسها مثل الحضارة الغربية وهذا هو سر تجددها وتقدمها الدائم.
احد الفروق المضحكة بيننا وبين الغرب انه يفخر بحاضره الذي يمده جسرا، مجرد جسر، الى مستقبل اكثر خصبا وازدهارا.. اما نحن فنفخر فخرا اسطوريا بماضينا وكأننا لم نسمع قول الرصافي:
وهل إن كان حاضرنا شقيا
نتيه بكون ماضينا سعيدا؟

السبت، 29 نوفمبر 2014

الحاجة للفهم

محمد العلي : «يستلب المجتمع الفرد بمقدار ما يجعل تحقيق الحاجات الأساسية صعبا، مثل الحاجة الى النشاط الابداعي، واقامة العلاقات الاجتماعية مع الآخرين والحاجة لتجذر ثابت والحاجة لتملك هوية خاصة والحاجة لتملك اطار مرجعي والحاجة للفهم».

هكذا يقول اكثر علماء الاجتماع وأشدهم لمعانا، وهو ما يسمونه «الاستلاب» ويعرفونه بأنه «انحلال الرابطة بين الفرد والآخرين» وهو من مئات المفاهيم التي اقتبسناها من ثقافة الآخر والتي بقيت ثقافتنا ترزح تحت معانيها القاموسية البدائية.. فالسلب في ثقافتنا هو «أخذ الشيء قهرا» وقد تزحزح عن معناه هذا قليلا فيقال: يعيش حياة استلاب أي حياة خضوع واستعباد بفعل ظروف اجتماعية واقتصادية او فكرية او سياسية خارجة عن إرادته، وهو معنى جاء نتيجة العدوى من مفهوم الآخر.

حين نعود الى قراءة ما قالوه مرة اخرى وبعينين لا تغمضان نجد ان كل جملة فيه تحتاج الى وقوف طويل.. خذ مثلا جملة «الحاجة الى النشاط الابداعي» وابذل قليلا من التأمل فيها تجدها ذات دلالات عديدة وأولى دلالاتها انها الطريق الى اثبات الذات ومن يحرم منها فقد سلب منه الجزء الاهم من وجوده وهو اثبات هذا الوجود.

وخذ - مثلا - جملة «الحاجة للفهم» وتخيل العوائق التي تحول بين الفرد والفهم بذاته لا بغيره بجهده لا جهد الآخرين وبإرادته لا إرادة الآخرين ثم انظر الى المجتمع واسأل: كم من فرد فيه وصل الى فهم ما يحتوي عليه ذهنه من مفاهيم وآراء؟ وهل خرج عن سجن ما لقنته المدرسة وما سمعه تكرارا من وسائل الاعلام وما تفرضه عليه سائر الحتميات الاجتماعية؟!

ان اشد انواع الاستلاب فداحة هو ان تجد ثقافتك عاجزة عن الامتناع عن الاستجداء وهي ثقافة الآخر، ذلك لأن هذا الاستلاب كما يقال هو «الانسلاخ من الذاتية الثقافية وخضوع للتبعية للآخر كحضارة وثقافة».

هل نحن مستلبون؟!

أريد منك أن تجيب عن هذا السؤال بعد أن تفكر في محتواك الداخلي ومحتوى مجتمعك والتفكير العميق في هذا المحتوى وسوف أراك هناك في مدينة «الكوجيتو».

السبت، 15 نوفمبر 2014

هرطقة

هناك سؤال يخالجني منذ زمن انشغالي بالفلسفة، وكلما حاولت التوصل للاجابة عنه ازددت حيرة، بل تيها في صحراء مترامية الأطراف من اللامعنى.. والسؤال هو: إذا كان الانسان مكونا من ثنائية الروح والجسد.. ألا ترى أن قول الشاعر: «ما لجرح بميت ايلام» هرطقة جوفاء يستحق عليها الجلد؟ كيف لا تتألم الروح وهي الجزء الأهم من الانسان وقد أجمع الفلاسفة على أن الروح باقية بعد فناء الجسد الذي هو الحضور المادي للانسان أما الجزء الروحاني فهو باق لا يفنى.

قال الآخر:في البدء ليس كل الفلاسفة يرون هذه الثنائية، فأرسطو يرى أن الروح والجسد مكونان جوهريان للإنسان لا يمكن لوجوده أن يتحقق ولماهيته أن تكتمل إلا بهما معا.. وبموته يموتان معا.. وقد خالف بذلك رأي استاذه افلاطون الذي يرى أن الروح غير قابلة للفناء لأنها ذاتية الحركة والذي يفنى هو الذي حركته من غيره.. بل هو يرى أن الجسد باعتباره مادة يعيق الروح ويسجنها وهي دائما تحاول التحرر منه وهذا ما دعا معظم الثقافات إلى احتقار الجسد وتعذيبه لتطهير الروح.

وحين نأخذ برأي معظم الفلاسفة وهو ان الروح شيء نوراني لا يطرأ عليه الفناء نعرف أن الشاعر على صواب حين قال: «ما لجرح بميت ايلام» لأن الذي يشعر بالألم هي المادة لا الشيء الروحاني الذي هو أشبه بالضوء، أترى لو اخذت سيفا وضربت به ضوء الشمس فهل يئن الضوء من الألم؟كان يستمع إلى هذا الحوار ثلاثة من واسعي المعرفة الذين يقرؤون الحروف قبل أن توضع عليها النقاط.. أي الذين يلمحون «المسكوت عنه» فقال أكبرهم سنا.. هؤلاء الفلاسفة الذين يطرحون مثل هذه الاسئلة كما يفعل هذان الفيلسوفان.. هم المعجبون بالفلسفة «الوافدة»، فقال الثاني: نحمد الله على انه ليس هناك من الفلاسفة المسلمين من يطرح ظلا من الشك على ثنائية الروح والجسد حتى ابن رشد الذي اطلق على ارسطو لقب «الانسان الاكثر كمالا» كان ضد رأي ارسطو في هذه الثنائية.

قال الثالث: لقد حسمت كل جدل حول هذا الموضوع الآية الكريمة «يسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي».        

السبت، 11 أكتوبر 2014

ما هي الجذور؟

تزخر الصحف اليومية في كل مكان بالمقالات الصقيلة المرهفة التي تدين التطرف الديني.. وقد تشعبت هذه المقالات، فبعضها راح يهيل أوصاف الظلام والوحشية والخروج من تعريف الإنسان على فرق ذلك التطرف واقفا عند هذا الحد.. أما بعضها الآخر فتوغل في غابة الشوك وراح يسأل: ما هو الفكر الجاثم خلف الرمد الذهني والعمى الثقافي لهذه الفرق؟ وإذا أسهب في ذلك أي التوغل في الغابة أدان زمرة الوعاظ والذين يعتقدون أن الدين مرادف للسيف في ارغام الناس على سلوك طريق واحد إلى الجنة.. ولا يستثني الصامتين أو الذين يظهرون ما ليس في قلوبهم.

لا أحد ناقش الروافد التي استقت منها هذه الفرق الضالة ادلوجيتها وهل نشأت من الأرض أم من المريخ؟ وهل هذه العناصر أو الروافد التي هي من الأرض بالضرورة انحدرت من فهم معنى النص أو من استظهار لغته فقط منعزلا عن النصوص الأخرى؟

لم تكن هذه الفرق اختراقاً في التاريخ الاسلامي فمنذ الفتنة الكبرى والصراعات مازالت تتناسل وكل دم يستدعي دما، ولم يخل عصر من عصور التاريخ من المجازر وكلها تحت «ظلال القرآن» أما السبب الحقيقي فهو المسكوت عنه. لم يسأل أحد أو لم يجرؤ أحد على السؤال: ما هي الجذور؟

كان الباحث يوسف زيدان أكثر جرأة من غيره حين قال:

«الطبيعة الأولية للسياسة جمعية بمعنى أنها لا تتم إلا في جماعة انسانية.. بينما الطبيعة الأولية للدين فردية، بمعنى أن اليقين الديني يتأسس على العلاقة المباشرة بين الفرد وربه.. بيد أن هناك تداخلا اهليجليجياً بين دائرتي الدين والسياسة وتقاطعا في المدار العام لكليهما.. فلا يمكن للسياسة أن تضبط الجماعة إلا بضبط الفرد.. ومن الجهة المقابلة لا يمكن للفرد أن يؤسس يقينه الديني الخاص به الا إنطلاقا من مخزون «القداسة» التي تنبع من المجتمع.. وتعد الجماعة مصدرها الاول» يوسف زيدان (اللاهوت العربي وأصول العنف الديني ص 213).

بهذا يضع زيدان يده على جذر من جذور الإرهاب وهو تحول اليقين الديني من فردي إلى جماعي.. ذلك لأن اليقين اذا كان فرديا يصل اليه صاحبه بجهده الفكري الخاص أو بفطرته على الأقل.. أما اذا كان جماعيا فمعناه انه أصبح تقليدا.. وتصورته كل فئة حسب فهمها للنص المقدس ومقاصده وحسب مصالحها وبهذا يخرج اليقين من الجهد الفردي ويصبح الفهم الجماعي هو السائد، وهذا ما اشار اليه ابن عربي قبل قرون حين قال: (الطريق إلى الله بعدد خلقه).

السبت، 27 سبتمبر 2014

هل هي العنقاء؟ «2 - 2»

السؤال الذي لم تطرحه المقالة السابقة هو: هل الحقيقة ثابتة أبدية كما تذهب إلى ذلك الميتافيزيقا أم أنها خاضعة لقانون التطور حسب الظروف المحيطة بها ماديا ومعرفيا فتكون متغيرة أو متطورة؟
الحقيقة لا تتحدد بارادة الناس ورغباتهم وأمانيهم بل الذي يحددها هو محتوى الشيء المنعكس.. وهنا ينطرح مفهوم «الحقيقة الموضوعية» التي تعني مبدأ التساؤل عن التصورات الفردية أو الجماعية.. هل هي حقائق موضوعية باعتبار القناعة بها فرديا وجماعيا؟ كلا.. فهي ليست في منأى عن الخرافات والعقائد «الضالة» واذن ما هو المعيار الذي نميز تحت ضوئه التصورات الصائبة والخاطئة؟
المعيار هو قربها أو بعدها عن تحقيق إنسانية الإنسان فاذا حققت تلك التصورات شروط الحياة ومنح الانسان حقوقه الطبيعية والحضارية وحسب الظروف المادية والروحية وتطور المعرفة فهي تصورات صائبة أما اذا كانت بعيدة عن تلك «القيم» فهي تصورات ضالة.
من الواضح أننا لا نتكلم عن الأشياء التي يمكن اخضاعها للتجربة فليس بعد التجربة من دليل مهما كان مقنعا، بل ان الأشياء تلك التي تخضع للتجربة يلقي حولها بعض الفلاسفة ضبابا من الشك في معرفة ذواتها أو معرفتها كما هي.
يقول الفارابي:
«الوقوف على حقائق الأشياء ليس في قدرة البشر. ونحن لا نعرف من الاشياء إلا الخواص واللوازم والأعراض ولا نعرف الفصول المقومة لكل منها».
اما باركلي «1685 - 1753» وأمثاله فقد زادوا الطين بلة، فباركلي - مثلا - يشعر بعدم حقيقة العالم الحسي ويقول: «كل شيء يدين بوجوده للادراك الحسي وليس له وجود في ذاته».
ما قاله الفارابي وباركلي يتعلق بالأشياء الموضوعية التي يمكن اخضاعها للتجربة، فما ظنك بالتصورات الذاتية الذهنية التي خارج الواقع أو الساكنة هناك في المطلق؟
ما تقدم كله توطئة للسؤال التالي:
ما هي القيم التي تحملها تصورات داعش واخواته الكثيرات؟ وهل يمكن وصفها بالانسانية؟! اظن أن الجواب واضح، فبعد تلك التصورات عن القيم الانسانية كلها تبرهن عليه صور الذبح والسبي وما تأنف عن فعله حتى الوحوش الكاسرة.
لكن السؤال الأهم والذي يحتاج إلى كتب هو: ما هي الجذور التي تفرع منها داعش واخواته الكثيرات؟

السبت، 20 سبتمبر 2014

هل هي العنقاء؟ «1-2»

يقول أبو العلاء:

هي العنقاء تكبر أن تصادا
فعاند من أردت له عنادا

كلنا نعرف أن العنقاء طائر خرافي نشأ من اسطورة فينيقية ثم شاع تصوره في أمم كثيرة.. ويعتقد قدماء المصريين أنه يعمر 500 سنة ثم يحترق ويبعث من رماده حيا.. وراحت كل أمة تصوره حسب خيالها.
سؤالي «هل هي العنقاء» أعني به الحقيقة، فالحقيقة في تصوري هي العنقاء الأخرى التي راحت كل فئة بشرية تتصورها حسب خيالها. يقول الجابري -حسب جميل حمداوي- (الفلاسفة يحصرون الحقيقة في البرهان العقلاني والمتصوفة فكانوا يحصرونها في العرفان الوجداني أما أهل الظاهر فيحصرونها في البيان).
حين نأخذ من التعريفات الكثيرة للحقيقة التعريف القائل (الحقيقة هي تطابق ما في الأذهان مع ما في الأعيان) نصل إلى أن الحقيقة عند صاحبها هي تصوره الخاص لمفهوم ما، أو أدلوجية ما، ولا يمكن ان يتطابق تصور مع تصور آخر لفرد آخر، فالتصور لا معيار لصدقه وكذبه أما الواقع فهو الآخر يتلون بتلون تصوره لذا فهم يقولون: «الحقيقة في كل حقل من حقول المعرفة صادقة عند صاحبها حتى يتكشف زيفها عنده».
ولكن: هل ينكشف زيف الحقيقة عند صاحبها من تلقاء نفسه، ان ذلك هو العنقاء ورمادها زيف الحقيقة يحتاج الى الارتقاء المعرفي حتى يعرف ويحتاج الى اعتبار الشك هو المصباح الى ذلك الكشف ويحتاج كذلك الى النقد الذاتي وقبل ذلك كله يحتاج الى ان يتجاوز الوعي نفسه باستمرار.
ومع كل هذا تبقى الحقيقة فردية.. اما اذا تحولت الى حقيقة جماعية فلا يكون ذلك مطلقا الا عند المقلدين.. واذا اصبحت الحقيقة تقليدية كفت عن الانكشاف.
نعود الى تقسيم الجابري لرؤية الحقيقة عند الفئات المختلفة لنسأل: هل الحقائق التي تملأ اذهاننا هي مطابقة لما في الاعيان.. أي مطابقة للواقع؟
كلا.. فالحقائق هذه حقائق «بيانية» أي انها تستند الى النصوص وبديهيا ان تكون النصوص غير الواقع...
الحقيقة في اعتقادي هي العنقاء الثانية التي يعتقد كل منا انها وفق تصوره.

الاثنين، 1 سبتمبر 2014

أن ترى نهرا« 2-2»

حين ترى النيل لا تحتاج إلى تذكر الأساطير التي اعشبت من حوله ولا يزيدك دهشة أن تقرأ مئات القصائد التي قيلت في وصفه، تحتاج فقط إلى أن تكون مخيلتك ذات أجنحة وأن تكون عيناك من الغرقى.

ليس كل ما قيل في الأنهار نابعا من الدهشة، فقد يكون من مجرد التعجب الذي يعبر عنه شوقي:

من أي عهد في القرى تتدفق

وبأي كف في المدائن تغدق

ومن السماء نزلت أم فجرت من

عليا الجنان جداولا تترقرق؟

وقد يكون دليلا على جفاف العاطفة الذي يمثله ذلك الشاعر الأندلسي الذي لم ير في النهر إلا جريحا يشكو أوجاعه بخريره:

ومطرد الاجزاء تثقل متنه

صبا اظهرت للعين ما في ضميره

جريح بأطراف الحصى كلما جرى

عليها شكا اوجاحه بخريره

وحين أبحث عن الدهشة في عيني الطفل الذي صار كبيرا وشاعرا لا أجدها إلا عند الشاعر محمود حسن اسماعيل.. وحين تساءلت عن السبب قيل لي: انه في طفولته غرق في النيل وانتشل من غرقه.. ويبدو أن الخوف الذي هو أحد معاني الدهشة قد انغرس فيه منذ الطفولة.. والخوف حين يتحول إلى دهشة يصبح نشوة «كنشوة الطفل اذا خاف من القمر».

حين تسمع قصيدة محمود حسن اسماعيل بصوت الموسيقار الكبير محمد عبدالوهاب التي منها:

«سمعت في شطك الجميل

ما قالت الريح للنخيل

يسبح الطير أم يغني

ويشرح الحب للجميل

وأغصن تلك أم صبايا

شربن من خمرة الاصيل..»

حين تسمع هذا لا تسير الدهشة عن يمينك والنشوة عن شمالك بل تدخل في غيبوبة جمالية تود الا تخرج منها.

في الأيام القاحلة الماضية حين كان «الريس» يفوز بنسبة 99 وتسعة من عشرة من أصوات الناخبين كتبت مقالا نشر هنا في هذه الجريدة لا اذكر عنوانه الآن ولكنه كان يدور حول السؤال: من هو هذا الذي خرج من القطيع ولم ينتخب الريس؟

وكان جوابي على السؤال انه النيل.. وها هو النيل يعود لينتخب ويرفض ويعلي ويخفض.. نعم لقد صار الشعب نيلا.

الأحد، 24 أغسطس 2014

أن ترى نهرا «2 - 1»

أن ترى نهرا يعني أنك صرت في نهب الدهشة، وهي تلك التي تجعل الطفل يرتعش حين يكتشف العالم من حوله، وتجعل الفيلسوف غارقا في تفسير الوجود والبحث عن معناه وجوهره أو تجعله منهكا في التفكير العبثي عن جواب للسؤال: لماذا «ما لجرح بميت إيلام؟» وهي فرحة العالم في مختبره حين يخرج عاريا وهو يصرخ «وجدتها»، وهي تلك التي تجعل المألوف المتكرر غريبا جديدا فهي تخرجه من رتابة التكرار وتلبسه معنى لم يكن فيه.
إنها خلق المعنى الجديد إذن أو هي كما يقول القاموس: «تجاوز البديهي من الأفكار» غير أن القاموس الثرثار بطبيعته لا يقول هذا ويسكت بل يقول كذلك «الدهشة تزول مباشرة بمجرد معرفة ما أثارها.. أي بمجرد تحول المجهول الى معلوم».
وإذا كنت ترى أنه صدق في قوله الأول، ألا ترى معي أنه كذب في الثاني بدون خجل؟ فالدهشة من النهر دهشة متكررة.. لأنها في كل مرة ينكشف لها سر من أسراره فترتعش دهشة ونشوة.. وهذا طبعا لا يحدث إلا لذي عينين طفلتين كما عليه الشعراء أو فلسفيتين كما عليه فلاسفة «التنوير».
لقد رأيت أنهارا كثيرة نبتت حولها منذ فجر التاريخ أساطير وأناشيد وقصائد بفكهة بالدهشة.. وأهمها الفرات ودجلة والنيل الذي تقول الأساطير إنه من دموع الملائكة.. وقد عبر الجواهري تعبيرا رائعا عن نشوته بالفرات:
بكر الخريف فراح يوعده
أن سوف يزبده ويرعده
وكأن من شبح الرمال على
أمواجه طفلا يهدهده
كما عبر الشيخ علي الشرقي عن نشوته بدجلة:
تجاذبت دجلة من حضن الشجر
رواضع تروق عينا وأثر
طاح عمود النور فوق دجلة
فصيرته بارتجاجها كسر
وفوقه القصر المنيفي فوقه
سوافر الغيد وفوقها القمر
مناظر تدرج الحسن فيها
ويصعد الحسن ويصعد النظر
اما شوقي فقد هزته دجلة فقال:
يا شراعا وراء دجلة يجري
في دموعي تجنبتك العوادي
سر على الماء كالمسيح رويدا
واجر في اليم كالشعاع الهادي
قف تمهل وخذ امانا لقلبي
من عيون المها وراء السواد

الأربعاء، 20 أغسطس 2014

تربية الأمل

وما صبابة مشتاق على أمل

من اللقاء كمشتاق بلا أمل

هكذا قال المتنبي وكأنه ينظر الى الحياة التي عاشها جيلنا البائس.. لقد كنا مشتاقين على أمل من اللقاء بها، ببهجة التطور.. بفرحة السير الى كروم المستقبل، بالانعتاق من الاصفاد التي ترى والتي لا ترى.. وها نحن اصبحنا الآن مشتاقين بلا امل.

وفي اعتقادي ان الاشتياق بلا امل اشد روعة وصخبا من الاشتياق على امل اللقاء.. وكما قال ابن عربي «كل شوق يسكن باللقاء لا يعول عليه» فالمطلوب من الكتابة ليس هو الحصاد بل ان الكتابة الهادفة عليها الغرس.. ومن يغرس الاشجار لا ينتظر ان يجني ثمارها هو وحده.. بل هو ان حالفته الظروف والا فلغيره..

غير ان هذا لا يمنع من ان اقول: لقد غرق معظم جيلنا في الكتابة «المثالية» أي تلك التي تنبع من المخيلة لا من الواقع ظانين ان الكلمات اضواء على الطريق الى فجر قادم في الافكار وفي السلوك، معتقدين اننا نربي الامل كما يقول محمود درويش.. واذا نحن في «ليل بطيء الكواكب».

نعم، ليلنا بطيء الكواكب من عصر الشاعر الجاهلي الذي وصف ليله بهذ الوصف حتى الآن.. ولكن مهما كان الظلام ضاريا فانه لن يصمد حتى امام شمعة صغيرة.. وقد قدم جيلنا والجيل الذي قبله من مفكرين وكتاب وشعراء ومناضلين اصلاحيين.. قدم شموعا متنوعة بدءا من الترحيب بالسجون.. وحتى بالمشانق- حسب محمد الماغوط «أنتم تملكون المشانق ونحن ملك الأعناق».

لذا فالسؤال: لماذا أصبح ليلنا بطيء الكواكب؟ سؤال لا معنى له في نظر التاريخ.. فالتاريخ العربي كله تاريخ مظلم ما عدا لمحات صغيرة.

هل نيأس؟

كلا.. إن من قرأ تاريخ أوروبا في عصوره المظلمة واطلع على ما كان فيه من حروب دينية ومحاكم تفتيش ووصول البربرية لديه إلى حد شواء الأطفال.. لا يمكن أن ييأس، فليس داعش وأخواته غير «فقاعات» ستنفجر في نفسها.. لأنها ضد التاريخ.. والتاريخ يسحق من يقف في طريقه.

الاثنين، 11 أغسطس 2014

أين الخطأ؟

منذ ابتلي جيلنا بمرض الكتابة تحت حمى الشباب المترع بالأحلام، التي تبدو له دانية القطاف.. وحتى خريفنا الأصفر الآن، كنا نظن أن كلماتنا سوف تجد طريقها إلى الأذهان.. إلى سمع المجتمع الغائب عن نفسه.. وكنا في كهف هذه الغيبوبة السرابية سادرين دون أن نسأل: ما هو وعي هذا المجتمع؟ ما محتواه المعرفي؟ وهل هو يحبو أم ما زال في المخاض؟ والأهم هل خطابنا معه وقف قبل حماسته اللغوية عند العوائق الفاصلة بين بلاغته وقناعة هذا المجتمع؟ الذي زيف وعيه منذ زمن طاعن في التاريخ.

مثل هذه الأسئلة بدأت في الانهمار منذ القرن التاسع عشر، وستبقى على انهمارها، لأن الأجوبة الواقعية لم تطرح عليها.. بل طرحت أجوبة أخرى استراحت إلى اخيلتها التي لا علاقة لها بالواقع.. فهي تارة تصطاد صوابها من الماضي الذي لم تعشه، وتارة أخرى من حاضر لم تشارك في زرعه.. ولذا بقيت الأسئلة تتناسل بدون إجابة.

لقد توجهت بعض تلك الأجوبة إلى إدانة المجتمع، وأنه استسلم للاستبداد، ووصلت هذه الإدانة أحيانا إلى تبرير اليأس من جدوى التغيير.

مرة أخرى ”أين الخطأ؟“.

الخطأ يفقأ أعيننا من أشياء كثيرة من أهمها: عدم التغيير في:

1 - الاقتصاد

2 - التعليم

3 - الإعلام

4 - ظننا بأن ما تبثه كل وسائل الإعلام ما هو إلا زبد لا يؤثر في وعي الناس.

في اعتقادي، أن أهم ما قاله ابن خلدون هو ما يلي: «إن اختلاف الأجيال في أحوالهم، إنما هو باختلاف نحلتهم في المعاش" وإذن إذا لم يتغير الاقتصاد، فسوف يبقى المجتمع على حاله، فالغرب لم يتغير اجتماعيا إلا بتغير الاقتصاد، وكذلك بتغير التعليم والإعلام.

لقد وجهت إلى المثقفين ”الحقيقيين“ سهام كثيرة، وبعضها منهم أنفسهم، المتمثل في جلد الذات.. وهذا من الجنوح بمكان، إذ ماذا يصنع المثقف المهدد بكل أنواع الاضطهاد إن لم يحول لسانه إلى قطعة خشبية.. وإن لم يئد أفكاره حتى لا تذهب به.

الأحد، 3 أغسطس 2014

وقوفا بها..

«اتبعتم سبا وراحوا بالابل»
هذا المثل ذو النسب العربي الأصيل يتكرر في سلوكنا الفردي والجماعي مبطلا ما يسمى «قانون لكل فعل رد فعل..»، فرد الفعل الذي يعبر عنه المثل مختلف تماما عن الفعل في قوته وفي اتجاهه، انهم ذهبوا بالابل.. بالثروة كلها، وكان المفروض في رد الفعل أن يكون ارجاعها بكل بسالة الدماء حين تغلي، ولكن صاحبنا اكتفى بالسب وبكل ما في اللغة من احجار الرجم، هذه هي ردود افعالنا العربية منذ ما قبل اغتصاب فلسطين.. أي منذ وعد بلفور حتى الآن.
الاكتفاء بالادانة وهي تعبير حضاري عن السب، والهرولة إلى الامم المتحدة.. الى «حضارة الرجل الفاوستي» كما يعبر سبنجلر ثم العودة بخفي السيد حنين منشدين قولة شاعرة الحماسة:
لو كنت من مازن لم تستبح ابلي
بنو اللقيطة من ذهل بن شيبانا..
أما من هي مازن فلا نعرف عنها شيئا سوى أنها هناك في جزيرة تسمى الخيال.
يتساءل العربي البسيط: لمن هذه الجيوش التي لا يشق لها غبار ولا عدد ولا الأسلحة بالمليارات التي لو صرفت في جهنم لم تسأل: «هل من مزيد؟».
يقول التاريخ:
«اعتقد ارلوند توينبي ”1889 - 1975“ ان كل حضارة تنشأ من تحد معين، فاذا كانت الاستجابة لهذا التحدي ناجحة فان الحضارة تتقدم وتزدهر»... «غير ان الحضارة تنهار حين تكون استجابة الافراد للتحديات الجديدة غير ناجحة... وذلك بفعل ما يصيبها من انحطاط بسبب عجز الاقلية المبدعة عندها...»
ما هي استجابتنا للتحديات؟ هل تضعنا على سلم الحضارة أم اننا هناك في هاوية لا قاع لها؟
اجب انت.
ترى من هي الاقلية المبدعة التي عناها هذا المؤرخ الكبير؟ هو اعطاك مصباح الطريق اليها حين وصفها ب «المبدعة».
الابداع باختصار هو الاضافة الجديدة لتطوير كل حقل من حقول المعرفة الانسانية الثقافية والقانونية والاقتصادية والفنية.. فما هي اضافتنا كأمة من الأمم إلى الحضارة الانسانية؟
كل تاريخنا وأد للابداع والمبدعين.

الأحد، 27 يوليو 2014

الأوهام الجميلة

حدودنا بالياسمين
والندا محصنة
وعندنا الصخور تهوى
والدوالي مدمنة
وإن غضبنا نزرع
الشمس سيوفا مؤمنة
هذا ما قاله نزار قباني في القرن العشرين، فهل تقرأ معي ما قاله عمرو بن كلثوم في القرن الخامس؟
أبا هند فلا تعجل علينا... وانظرنا نخبرك اليقينا
بانا نورد الرايات بيضا... ونصدرهن حمرا قد روينا
ونشرب إن وردنا الماء صفوا... ويشرب غيرنا كدرا وطينا
ملأنا البر حتى ضاق عنا... وظهر البحر نملؤه سفينا
خمسة عشر قرنا بين الشاعرين، والوهم هو هو، الفرق فقط في اللغة.. فهناك بون شاسع في لغة من ارتشف من بردي ”كأسا دهاقا تغار منه الدنان“ وبين من أظن أنه لم ير نهرا في حياته.. هناك لغة مائية تقابلها لغة صخرية.. وكل منهما يترعها الوهم.
ترى ما هو الوهم؟
”الوهم كل صورة ذهنية لا يقابلها شيء في الوجود الخارجي“ هكذا يقول المعجم الفلسفي وهذا ما ينطبق على قبوله كل من الشاعرين.
وهنا نسأل: هل الإنسان في حاجة إلى الوهم؟ نعم، هذا ما يجيب به النفسيون، وقد أدينت فلسفة الأنوار؛ لأنها رفضت أن يكون الوهم من ضمن حاجات الإنسان النفسية.
يقول أحد الفلاسفة:
”إذا كنا نريد أن نتخلص من الأوهام المتعلقة بوضعنا: فذلك يعني أن علينا أن نتخلى عن وضع في حاجة إلى الأوهام“.
حياتنا الواقعية الآن المليئة بالقتل الهمجي والدمار العبثي، في أشد الحاجة إلى المزيد من الأوهام وإلا كيف يعيش من تحيط به الأنياب من كل حدب وصوب؟
ولقد أبدع الشاعر ابودلف العجلي وهو من شعراء القرن الثالث الهجري، أبدع حين قال:
"أماني من ليلى حسان كأنما
سقتني بها ليلى على ظمأ بردا
مني ان تكن حقا تكن أحسن المنى
وإلا فقد عشنا بها زمنا رغدا"
نعم أصبح اللا معقول زمنا رغدا..

الاثنين، 21 يوليو 2014

الدهشة والتساؤل

لماذا نسأل؟
نسأل لأننا في حاجة الى معرفة شيء، ما هذا الشيء؟ قد يكون غريبا نراه لأول مرة، وقد يكون مألوفا.. اسئلة الطفل منطلقة من الغرابة.. فهو امام عالم يتكشف امامه شيئا فشيئا ويحاول فهمه.. اما اسئلة الفيلسوف فتنطلق من المألوف، وقد اصبح فجأة غير مألوف وهذا ما نسميه الدهشة او بتعبير أدق «الدقشة الفلسفية».
الدهشة نوع من اليقظة، واليقظة اهم ما يميز الانسان المفكر، سواء كان فيلسوفا او فنانا او عالما بشئون الحياة، ليس هذا وحسب، بل نجد ذلك في المجتمعات.. فالمجتمع الذي لا يسأل، مجتمع لا يعي مكانه في التاريخ، ولا يعي ما هو ذاهب اليه، اما المجتمع الواعي لذاته فهو مجتمع لا يفرغ من طرح سؤال الا ليطرح سؤالا اشد عمقا منه.
هذا مجرد مقدمة صغيرة لطرح السؤال الآتي: هل المعاني ثابتة ام انها تتغير بتغير الزمان والمكان؟ وما الفرق بين ان تكون ثابتة او متغيرة؟..
توصف اللغة العربية بأنها لغة يقينية أي ان معانيها ثابتة.. وهذا وصف ظالم، فليس هناك لغة تبقى معانيها ثابتة واخرى متحركة، هناك مجتمع راكد وآخر متحرك، فالذنب ليس ذنب اللغة.. انه ذنب المتكلمين بها.
اول كارثة لغوية تجدرت الينا من الماضي هي فصل المعاني عن الالفاظ فصلا يقدس الالفاظ ويعتبر «المعاني مطروحة في الطريق».
يقول المتنبي:
وأسمع من ألفاظه اللغة التي
يلذ بها سمعي وإن ضمنت شتمي
المعنى إذن لا يهم.. ليكن شتما ولعنا المهم أن تكون الالفاظ ذات بريق كبريق السراب...
هذا سبب انفصال اللغة عن الواقع وكان اهلها فرحين بذلك فرحة المتنبي ببؤسه...
الموضوع يحتاج الى مقال او مقالات اخرى...

الأحد، 13 يوليو 2014

اللامعقول

حين تقرأ مسرحية من مسرحيات اللامعقول يشد انتباهك شيئان: الاول هو ان الحوار الذي يقع بين شخصيات الرواية حوار لا وجهة له.. فكل واحد منهم يتكلم عن شيء مختلف عن الآخر حتى ان بعض المسرحيات جعلت اهم شخصياتها «النادل الاخرس».

أما الثاني فهو ان اللغة تفقد دلالاتها وحين تفقد اللغة دلالاتها يفقد الفرد التواصل حتى مع ذاكرته ويصبح تائها منفردا في حياة «ليست في يديه مفاتيحها» ويكون هدفا للضياع والقلق والتلفت رعبا الى كل الجهات.

أوضح النقاد والمفكرون منذ زمن بعيد أسباب نشوء هذا النوع من الابداع الادبي وأطلقوا عليه اسم العبث او اللامعقول.. ويكاد هؤلاء النقاد والمفكرون يجمعون على ان اهتزاز قيم عصر التنوير وتضاؤل بعضها حتى حدود الانطفاء بسبب الحروب وضياع المقاييس دفع الادباء المبدعين الى الفضاء العبثي لأن الحياة نفسها اصبحت بلا قيمة.. لقد اصبحت حياة الناس حياة آلية يملؤها الاحساس بالغربة والشعور بأن الزمن ما هو الا قوة تدميرية.

هذا الابداع الادبي الذي فتح الوعي على ما في الحياة من عبث حين تفتقد القيم وكان محاولة ايحائية لاعادة زرع القيم مجددا هذا العبث الجميل انتقل الينا في العالم العربي على هيئة وحش مستهدفا تحطيم القيم الانسانية التي ناضل البشر من اجل اقامتها طويلا.. محاولا جني العنب من الشوك.

نعم انه اللامعقول حقا

وتفرقوا شيعا فكل مدينة

فيها امير المؤمنين ومنبر

والمضحك ان كل امير مؤمنين يكفر غيره من امراء المؤمنين ويفتي بهدر دمه وسبي نسائه.

حين انهارت الدولة الاموية في الاندلس تشظت الاندلس الى 22 دويلة أي بعدد الدول العربية القائمة الآن 22 دولة.. ترى كم دولة ستصبح الدولة العربية؟!

ستصبح بعدد امراء المؤمنين الذين لا يستطيع عدهم الا خيال بيكيت..

الأحد، 6 يوليو 2014

الطريق

بعيدا عن القاموس أعرف الطريق بما يلي:

الطريق هو المسافة بين الرغبة وبين تحقيقها سواء أكان هذا الطريق ماديا أم معنويا.. وحيث إن لكل إنسان رغباته فإن لكل إنسان طرقه في تحقيق هذه الرغبات.. مشروعة كانت أو غير مشروعة.. ومن هنا تختلف الطرق بين مضيئة ومظلمة حسب الموازين الإنسانية الاجتماعية والإخلاقية والقانونية.

هذا واضح على الصعيد الفردي ولكن ماذا يحدث على الصعيد الجماعي؟ ومتى تكون «الإرادة الجماعية» ذات رغبة واحدة؟ وحتى إذا كانت فهل يكون الطريق إليها واحدا؟

كلا، لن يكون الطريق واحدا.. فانصهار الجماعة في رغبة واحدة لا يرادفها الطريق الواحد.. فكل فئة اجتماعية سيكون لها تصور مختلف للطريق عن فئة أخرى.. وهذا ما نشاهده في الأحزاب وبرامجها في المجتمعات الديمقراطية.. فكل حزب يطرح رؤيته للمستقبل مرجحا أن الطريق إليه هو هذا البرنامج الذي يتصوره.

لنضرب مثلا:

«العدالة هي تكافؤ الفرص» هكذا تعرف العدالة، ولكن هل هذا التعريف يمكن تحقيقه؟ لا أظن ذلك لأن رؤية الفرصة ليست واحدة عند الأفراد.. لأن ذلك يتطلب مستوى واحدا في المعرفة وسرعة البديهة والقدرة على قفز الحواجز.. ولذا فالفرصة نفسها تؤسس لعدم إمكانية الوصول المتساوي لها.

العدالة الاجتماعية هدف من أروع الأهداف للبشرية السوية في كل زمان ومكان.. وكل حزب من الأحزاب ذات الأهداف التطورية المدنية يطمح إلى تحقيقها، ولكن الطريق إليها لا بد أن يكون مختلفا.

مجرد الرغبة لا يحقق الهدف، ما يحققه هو الإرادة وهناك مصطلح طرحه الفيلسوف وليم جيمي «1845 - 1910» هو «إرادة الاعتقاد» الأمر الذي يدفعنا إلى السؤال التالي: هل الاعتقاد رغبة؟ وهل هذه الرغبة تحتاج إلى الإرادة لتحقيقها؟

الاعتقاد رغبة فطرية فليس هناك فرد سوي لا يعتقد بشيء سواء أكان ذلك حقا أم باطلا ولكن هل هذا ما تحققه الإرادة؟

لا أظن ذلك:

ذلك لأن الإرادة اختيار، والاختيار لا يتم إلا بمعرفة الأرحب من الطرق الموصلة إلى الهدف وكيفية التغلب على ما يحول دونه.. وكل هذا لا يتحقق في اعتقاد معظم البشر على الإطلاق.

إن اعتقاداتنا وراثية أي لا اختيار لها ولا إرادة.. هي كما قال القدماء «أي كذا خلقت».

الأحد، 22 يونيو 2014

ما أجهلك

أعتقد أن الكبر وجنوح النشاط النفسي والعضوي الى التثاؤب واتكاء بعض الأعضاء على بعض.. يضع أمام الانسان مرآة كبيرة يشاهد فيها ما اخطأ فيه وما اصاب في حياته الماضية.. وهناك يضع نفسه على نار هادئة تشتد شيئا فشيئا.. ويحثو على نفسه الأسئلة لماذا اخطأت وأين وكيف؟.. وهل انا وحدي المسئول عن هذا الخطأ أم شاركني غيري؟

البعد الثقافي هو الذي يخرج الفرد من المرحلة البيولوجية الى المرحلة الإنسانية والبعد الثقافي ليس من صنع الفرد بل هو من صنع المجتمع ومسيرته التاريخية وظروفه المناخية وفهمه لحاضره وحنينه الى مستقبل تجري من تحته الانهار.

هنا لا يكون الفرد وحده.. انه يحمل داخله في نفسه وفهمه وتطلعاته ما في المجتمع من فهم وتطلعات وخطأ وصواب.. واللحظة الفاصلة هي ان يكسر اطاره الاجتماعي ويتمرد على ما فيه..

لماذا نقابل بالازدراء الشرس كل من يحاول التمرد على الاطار الاجتماعي؟ كل من يكتشف خللا ما في مسيرة هذا المجتمع؟

إننا نحن العرب نكتشف منذ اكثر من قرنين في كل يوم ما عليه مجتمعنا من اسباب التخلف في كل حقل من حقول الضوء والمعرفة. ان مجتمعاتنا تئن بؤسا.. فلماذا؟.. وأعيد السؤال مرارا: لماذا حين يفر الفرد محاولا تجاوز ما هو فيه من وحل المستنقعات تتوجه الى خاصرته السهام؟!

هل قرأت هذا لمحمود درويش؟

«سيري ببطء يا حياة لكي أراك

بكامل النقصان حولي

كم نسيتك في خضمك

باحثا عني وعنك

وكلما أدركت سرا منك

قلت بقسوة: ما أجهلك

نعم.. ما أجهلك

هذا ما اقوله: «لحضرتنا» حين أنظر إلى الحياة فردية أو جماعية.. وعليك يا حضرة ألا تخشى أحدا أو تخجل من أحد حين تتمرد على ما فيك وتعترف بأخطائك فبدون ذلك لن تصل إلى الصواب.

السبت، 7 يونيو 2014

والليل إذا سجا

يقول الشاعر أحمد عبدالمعطي حجازي من قصيدة طويلة:
"ولكنني في المساء أبوح
أسير على ردهات السكينة
وأفتح أبواب صدري
وأطلق طيري
أناجي ضياء المدينة
اذا ما تراقص تحت الجسور
أقول له: يا ضياء اروي قلبي
فاني أحب..".
لماذا لا يكون "البوح" إلا في الليل؟ لماذا لا تكشف الرغبات عن نفسها إلا تحت موجات الظلام؟ 
لماذا لا يكون النهار هو الفضاء الأوسع لتناسل الرغبات؟ النهار والليل توأمان نقيضان تناقض الوضوح والقمة تناقض الرؤية وخفائها.. فلماذا يكون خفاء الرؤية أكثر سخاء بالاماني من حضورها؟
لا تظن ان هذه الاسئلة صعبة الاجابة.. فبنظرة واحدة الى حياة الانسان الداخلية تجد ان النهار يأخذه الى حيث الناس في زحامهم اليومي اللاهث، الذي هو نفسه في تياره.
انه ليس وحده.. وليس أمامه إلا مرآة الناس، وهي مرآة جماعية لا تعكس الوجوه كما هي في حقيقتها.
فهي تعكس الوجوه، وقد ارتدى كل وجه قناعه الخاص الذي يلبسه كل فرد ليبدد كما يحب ان يراه الناس، لكنه في الليل تختفي من أمامه المرآة الجماعية، ويبقى أمام نفسه الداخلية.. أمام مرآته هو.
وهنا يخلع أقنعة النهار وتظهر أمانيه وتطلعاته وحتى حزنه وفرحه يستطيع البوح بهما أمام مرآته.
"نهاري نهار الناس حتى اذا بدا
في الليل هزتني اليك المضاجع"
هكذا يقول الشاعر القديم موضحا بدهية لا تحتاج الى ايضاح وهي ان النهار خيمة مشتركة بين الناس أمام الليل، فهو خيمة الفرد وحده.
وقد تحول كل من الليل والنهار الى رمزين، فقد خرجا من قنصهما القاموسي، فأصبح النهار عند الشباب رمزا للعمر:
"رحل النهار
ها انه انطفأت ذبالته على أفق توهج دون نار... الخ".
أما الليل فانه قد تحول الى باقة من الرموز المتناقضة عند بؤساء الشعر قديما وحديثا، فهذا يراه وقد "شدت نجومه بيذبل" وذاك يراه "بطيء الكواكب" لأنه يهبل عليه الهموم بلا حمة، حيث يصبح "أطول من ساعاته" أما الآخر فيراه قصيرا كأنه مذعور من شيء يلاحقه بسهم:
"فيالك من ليل تقاصر طوله
وما كان ليلي قبل ذلك يقصر
نسبت اسم المطرب المصري الذي حول النهار رمزا للفرح، حين قال:
(عدوية اهه
ضحكتها نهار).