‏إظهار الرسائل ذات التسميات الشيخ عبد الله النمر. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الشيخ عبد الله النمر. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 12 أكتوبر 2014

الشيخ عبد الله النمر: حركة الرشد الإنسانية هي مخ التدبير الإلهي

تناول الشيخ عبد الله النمر في خطبة سابقة الحركة العلمية وحركة الوعي البشري بحقائق الوجود وعلاقتها بحركة التدبير والتقدير الإلهية التي تهدف إلى بناء الهداية والكمال والرشد الإنساني، مبينا أن حركة الكون تصب في هداية البشر ومقدمة لنضج الروح ونماء الحركة الروحية.

واستهل سماحته الخطبة تاليا الآيات الكريمة: (أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (27) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (28) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (29) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (30) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (31) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (32) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (33) فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى (34) يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى (35) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى (36) فَأَمَّا مَنْ طَغَى (37) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (38) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (39) وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (41)).

وابتدأ سماحته الخطبة مشيرا إلى تطرّق القرآن الكريم للكثير من الحقائق العلمية التكوينية فقال: كثيرا ما يتطرق القرآن الكريم إلى واقع هذا الوجود ويشير إلى بعض الحقائق المرتبطة بهذا الكون، هذا الحديث ليس مجرد استعراض علمي، ولا تطرقا إلى حقائق تكوينية صرفة مجردة، إلا بمقدار ما يفترض أنه ينعكس على الإنسان بالاستواء والهداية والرشد، لأن القرآن كتاب هداية ورشد وسلوك، ومنهج حياة.

وأردف بالقول: تبعاً للمنهج القرآني نحاول في هذه العجالة الإشارة إلى بعض المسائل العلمية، كما فعل القرآن الكريم، وكما تعلمون غدا هو يوم دحو الأرض، فمن المناسب أن نشير إلى هذا المعنى الذي تطرق إليه القرآن الكريم. (إن في ذلك لعبرة لمن يخشى) إذا المراد هو بالنتيجة الاعتبار والاهتداء وإحياء القلوب، وبناء التكوين الإنساني في آفاقه المتعددة، في جهة الإدراك والشعور والسلوك بالنتيجة.

• حركة التكوين

وبيّن سماحته أنه " كثيرا ما يشير القرآن إلى الحركة التكوينية كما يعبر العلماء يقولون "في قوس النزول"، أو "كيف تقرر هذا الوجود"، أو كما تعبّر بعض الروايات ( رحم الله من علم من أين وفي أين)، من أين جئنا وفي أين نحن مستقرون".

وأضاف: لكي نقرب الصورة بأقرب ما يمكن، لنلاحظ هذا الواقع الذي نباشره ونعيشه، من هذا الوجود المادي المحسوس الحيّ الناضج في مشاعرنا وإدراكنا واستيعابنا. لعله بقيت الإنسانية ردحا من الزمن وهي تتعاطى مع هذا الوجود بنحو تصور معين وفهم معيّن، لعله كثيرا ما تطرقنا إلى هذا بالإشارة، هذا التصور السائد عن الوجود وآفاقه وأن الكرة الأرضية هي مركز الكون وأن الشمس والقمر والأفلاك كلها تدور حولها، هذه المنظومة المعرفية كلها انهارت وتبين أن الكرة الأرضية ليست إلا هباءة صغيرة في هذه المنظومة الضخمة من الأفلاك والمجرات وهذا العالم المهول، إن هذا التصور لوحده يثير في النفس حالة من الاستواء والاعتدال والتواضع والانكسار أمام الهيمنة الإلهية.

لكننا لن نقف عند هذا المستوى، سوف نذهب إلى أبعد من ذلك، وسوف نستعين بالمقدار الذي نحيط به من المعرفة الإنسانية الحديثة في عالم الفيزياء. ما ندركه نحن اليوم من هذه الماديات، تبين في مرحلة من مراحل تطور المعرفة العلمية المادية أنّ كل هذا الواقع المادي ليس إلا ترجمة وتمظهر للواقع الفعلي للكون وهي الطاقة، أن هذه المادة ليست إلا طاقة متكثفة، إنها أشبه ما تكون بهذه الموجات التي في عمق البحر، عندما ترى موجة هائلة ضخمة، فليس لها من التقرر إلا بمقدار ما هي مرتبطة بالبحر، عندما تهدأ الأمواج ترجع هذه الموجة إلى أن تصبح قطرات متبعثرة في البحر، ليس لها تقرر فهي قائمة بذاتها، إنما هي ظهور من مظاهر هذا البحر، كذلك أنا وأنت وهذا الجدار وهذا الكون كلنا لسنا إلا طاقة، واليوم المعرفة الفيزيائية تستطيع أن تحول في منطقية معينة كل مادة إلى طاقة ضمن معادلة معينة.

ثمّ تقدمت المعرفة الإنسانية، لاحظوا في البداية نحن نتصور أن الأشياء هي هي، أو كما يقولون : من أوائل المنطقيات الفلسفية قاعدة الهوهوية، أن أنا أنا، وأنت أنت، وهذا الجدار هو هذا الجدار، هذا المعنى اختلّ بعد أن علمنا أن هذا الجدار ليس هو هذا الجدار وإنما هو ينحلّ إلى طاقة. 

• شفرات التكوين

الآن، خطونا أيضا خطوة متقدمة، أنه حتى هذا التصور الذي في أذهانكم أن هذا الوجود هو عبارة عن طاقة، أيضا تنحلّ هذه الطاقة وترجع إلى واقع أعمق من هذه الطاقة، من خلال الشفرات التكوينية لهذا الوجود، وأنّ كل موجود إنما هو شفرة في أعماقه. لتوضيح هذه الفكرة لاحظوا هذه النخلة الضخمة الطويلة العريضة ليست في حقيقتها إلا الـ D N A، ليست إلا الشفرة الوراثية المضغوطة في النواة، كلّ ما في هذه النخلة تستطيع أن ترجعها إلى الشفرة الوراثية، وكل ما فيك أنت أيها الموجود الإنساني إنما أنت موجود في حويمن صغير وفي بويضة صغيرة بالكاد ترى بالعين المسلحة، في كل خصائصك وألوانك وطولك وعرضك كلك مضغوط. بل أن كل ما في هذا الكون في الحقيقة إنما هو يرجع إلى هذه الشفرة.

• ظواهر وبواطن

إذا منظومتنا المعرفية حول كثير من الأمور مبهمة، نحن لا ننظر إلا إلى التجلي الأخير، لا نعيش إلا مع التمظهر الأخير للأشياء، إننا أشبه ما نكون بذلك الإنسان الذي جاء من أواسط التاريخ البشري ليتفاجأ أن هذه المصابيح تنشر النور، يعتقد أن هذا المصباح هو الذي أوجد هذا النور، ويغفل عن أن طفل صغير من أطفال هذا اليوم هو الذي يسيطر على هذا النور من خلال مفتاح صغير.

بمعنى أنه ينظر إلى الظاهر ولا ينظر إلى الكهرباء التي بثت في هذا المصباح فانتشر الضوء، إذا واقع هذه الإضاءة والنور الذي يأخذ بالأبصار إنما هو هذا الجهاز الصغير الذي يسيطر عليه هذا الطفل، بضغطة من إصبعه يطفئ النور أو ينشر النور، ذلك الإنسان الذي جاء من التاريخ لا ينظر إلا إلى الظاهر ولا يلتفت إلى الباطن.

هذا على المستوى الفيزيائي وعلى مستوى منطق المادة وعلى مستوى منطق الوجود الأرضي، وهذا الوجود الأرضي ليس إلا التنزلات الأخيرة لعالم التنزلات والإيجاد الإلهيين والتدبير الرباني، كلّ ما نراه إنما هو الوجود الأخير للأوامر الربانية التي تنزلت من السموات إلى الأرض، كل ما يعيشه الإنسان الذي لم يؤت من العلم إلا القليل القليل، ولا يعرف من هذا الوجود إلا ظاهره ( وهم عن الآخرة هم غافلون)، لا يتعامل إلا مع البارز الظاهر في تجلياته وتنزلاته ومراتبه الأخيرة، فيخلق لنفسه منظومة متكاملة ويتصور حين ذاك أنه قد أحاط بالوجود علما، بينما هو لم يعرف إلا المراتب المتأخرة، وبالكاد اليوم يتلمس بعض خلفيات هذه المراتب القريبة الدانية. لو استطاع الطب اليوم أن يضع اصبعه على المعادلات الدقيقة للشفرات الوراثية للإنسان لتخلص من كثير من المعاناة والأمراض والمشاكل والعلل الصحية.

عندما يأتي الإمام الحسن (ع) كما في الروايات ويعبر عند تلك النخلة الجافة الناشفة فيمسح عليها فإذا هي خضراء يانعة مثمرة، لعله هو لم يصنع أكثر من أنه تصرف ببعض أسسها التكوينية.

الإحاطة المعرفية لهم (ع) بهذه الخلفيات بوقائع الأمور هو الذي يعطيهم القدرة المعرفية بجريانات الأمور، بل القدرة التكوينية، ولا أقصد أن أرجع ولايتهم (ع) إلى حدود التدبيرات التكوينية، لعل ما يفعله الرسول (ص) والإئمة (ع) وربما بعض الصالحين من تدبيرات تكوينية هو نحو من التصرف بهذه المعرفة في هذه الأمور.

• عالم الرجوع

ولكن كما قلنا أن هذا الحديث على ما فيه من إيحاء وإشعار بمحدودية الإنسان وضعف موقعيته في هذا الوجود المترامي الأطراف والأعماق والآفاق، عندما يوجد الله السموات والأرضين في ستة أيام، الله أوجد هذا الكون في لمح البصر، ولكن هذا الكون في تحققه وفي تقرره يحتاج إلى أن يتنزل في أوامر ربانية ويحتاج إلى أن يقضي هذه المراحل والتدبيرات والتمرحلات والتمظهرات.

إنما كل هذا الكلام يجب أن يكون توطئة لعالم الرجوع إلى الله عزّ وجل، لعالم الحركة الإنسانية التي هي مخ التدبير الإلهي، كل ما يجري في هذا الكون إنما هو لك ولأجلك ولصياغتك، كل ما في هذا الكون من تدبير وتهيئة وأرضية لكي ينمو فيها بدنك من خلال الشمس والقمر وحركة الأفلاك وتدبير الفصول لتتلاءم مع احتياجاتك البدنية، إنما هذا مقدمة لنضج الروح ونماء الحركة الروحية.

لاحظوا القرآن الكريم عندما يتكلم عن هذه الآفاق والعوالم يقول(أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (27) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (28) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا)، كلها آيات ومعاجز، وهذه التي نراها ونلمسها، هناك عوالم الملك وهناك عوالم الملكوت وهناك عوالم ما فوق الملكوت، نحن لنبقى في عالمنا الأرضي، ( والجبال أرساها، متاعا لكم ولأنعامكم) كلها تهيؤ لكم المتاع والوظيفة الأرضية التي تهيؤ بناء أبدانكم أنتم وأنعامكم. 
(فإذا جاءت الطامة الكبرى) من هنا يجب أن نلاحظ أن هناك فصل لهذه العملية التنزلية، هناك عملية تصاعدية، ( كما بدأكم تعودون)، هذه مرحلة قوس نزول، يعقبها قوس صعود، (فإذا جاءت الطامة الكبرى يوم يتذكر الإنسان ما سعى)، هناك هذا السعي ينقسم إلى قسمين ( فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الحجيم هي المأوى).

هذه الحركة الخلقية، وهذا الإيجاد الرباني، وهذا التدبير الإلهي اللطيف المحكم، الذي ينطلق من عالم الغيب إلى عالمنا الفعلي، ليس عالما منفصلا، كما يقولون هو حالة تجلي وظهور، كل ما هو موجود في هذا العالم، كما هي حالة الكهرباء والإنارة، وكما هي حالة هذا النور الذي يخلق الفلم الذي نشاهده في السينما، نحن حينما نلاحظ هذه الأحداث والصور الجارية إنما هي رسوم صغيرة في هذا الفلم المتحرك الذي تقع الإضاءة خلفه، ليس ذاك إلا هذا.

• السير تبعا للرؤية

هذا العالم الذي نعيشه إنما هو التجلي الأخير للعوالم والتدبيرات الإلهية، عندما يدرك الإنسان هذا التدبير الإلهي، وعظمة هذا التدبير الإلهي، فإما أن يغفل كل هذا العالم ويرى في نفسه هو الوجود، كما واقع الإنسانية اليوم ومشكلتها، عندما تتوطأ الأسباب للإنسان، وتستقر به أسباب المتعة التي أوجدت لخدمته ولنمو بدنه، فينقطع عن المصدر وينظر إلى هذه المتعة ويأنس بها، فينظر إلى ذاته منقطعا عن تدبيره وربانيته، هنا تأتي هذه التسلسلات ( فأما من طغى)، أولا: يطغى فيرى في نفسه أنه الأصل والكل، وأنه مستغن عن كل شيء، يطغى على التدبير الإلهي والرحمة الإلهية، والشأن الإلهي، لا يعود يدور حول المحور الإلهي، يدور حول نفسه.

والقرينة الثانية للطغيان هي الحياة الدنيا ( فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا) عندما ينظر إلى الدنيا، ويقصر نظره إلى الدنيا ( من نظر إليها أعمته، ومن نظر فيها ) نظر باتجاهها ولكن ليتجاوزها ليجعلها عبرة ومعبرا وطريقا، ( وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى)، هذا الجزاء ليس جزاءا عقابيا، بل كما يعبرون هو التمثّل لواقعه، من كان هذا واقعه فطبيعته سوف تكون هي المأوى " جهنّم"، طبيعته سوف تنتهي إلى هذه النتيجة، كما يقولون الجزاء من جنس العمل بل عين العمل، هو العمل.
كما أنه بالمقابل ( وأما من خاف مقام ربه ) ضبط هذه النفس، تواضع أمام الله تعالى، خضع بين يدي الله، رجع خاضعا منقادا إلى الله، هذا يحتاج إلى ( ونهى النفس عن الهوى)، يحتاج إلى تربية وجدّ واجتهاد في ضبط النفس.

هذا كمنظومة فكرية عامة، ولكن كواقع بشري، نحن نحتاج إلى أن نعرف، قبل أن نصلي ونصوم ونحج، يجب أن نعرف واقعنا ومحدوديتنا وضيق آفاقنا ومحدودية علومنا، يجب أن ننقاد إلى العارفين، ننقاد إلى أهل العلم، ننقاد إلى أهل البيت (ع).

• التواضع العلمي

قبل أيام كلمني أحدهم أن ثقافة "دحو الأرض" انتهت ونحن أمام المعارف الجيولوجية والفيزيائية لا نحتاج إلى الحديث عن دحو الأرض فهذه خرافات كانت في أيامكم، لا حظوا إخواني أنّ شهر رمضان، أيّ شهر هو؟ ما هو زمانه؟ لماذا حددناه في هذا الزمان؟ مع ملاحظة أنه في أيام العرب عندما كانوا يرجؤون الشهور ضاع الشهر الكريم، لم يعد محددا، لولا أن الرسول (ص) حدد هذه المرحلة الزمنية بين هلالين معينين أنه هو شهر رمضان، لبقيت الإنسانية تائهة إلى يوم الدين لا تهتدي إلى شهر رمضان.

عندما تهدينا يد العصمة إلى الساعات الخاصة من ليالي الجمعة، أي ساعة هي تلك التي يستجاب فيها، عندما تحدد لنا يد العصمة والمعرفة والغيب يوم دحو الأرض، فكيف ندرك نحن أن يوم غد هو يوم دحو الأرض؟ ما الذي جرى في هذا الكون؟ كل هذه المعارف والعلوم والإحاطات منهم (ع) ومن خلالهم نهتدي، ولكن من الذي يهتدي؟ هو ذلك الذي يتواضع ويعرف قدره ويأتي بصغار، فهل العلم إلا بالتواضع؟ وهل الجهل إلا بالاستكبار والاستعلاء؟ إن الذي يستعلي ويرى نفسه مستغنٍ عن هذه العلوم والمعارف وأنه في عرضهم (ع) فإنه لا يهتدي إلى شيء.

العلماء يقولون أن الخامس والعشرون من ذي القعدة هو من الأيام الأربعة التي خصت بالصيام بين أيام السنة، وروي أنّ صيامه يعدل صيام سبعين سنة وهو كفارة لذنوب سبعين سنة، ومن صام ذلك اليوم وقام ليلته فله عبادة مائة سنة ويستغفر لمن صامه كل شيء بين السماء والأرض، كل ما في هذا الوجود يتناغم ويترنم مع عبادتك وصيامك وصلاتك، وهو يوم انتشرت فيه رحمة الله.

من أين لنا أن نعرف كل هذه الأمور، لا العقل ولا المعطيات الفيزيائية والكشوفات الروحية، لعل بعض الكشف قد يؤدي إلى هذا المعنى، ولكن لولا خضوعنا لأهل البيت (ع) وانقيادنا لهم واتياننا صاغرين عارفين مقرين بكلّ تواضع، مستسلمين لهدايتهم (ع) منقادين لرشادهم، وهذا هو حقيقة الإيمان، هذا هو حقيقة الوصول إلى مراتب الكمال.
نرجو من الله سبحانه وتعالى أن لا يفرق بيننا وبينهم طرفة عين أبدا وأن يرزقنا إن شاء الله وغياكم موالاتهم ومحبتهم ومعرفتهم والشفاعة يوم القيامة منهم (ع)، والحمد لله رب العالمين.

الثلاثاء، 23 سبتمبر 2014

الشيخ عبد الله النمر: التشبّث بالغريزة يحجب الفطرة عن الانطلاق بالإنسان في آفاق المعرفة والكمال

 تناول الشيخ عبد الله النمر في خطبته الأخيرة معنى الفطرة وحقيقتها وأثرها وأهميتها وعلاقتها بالغريزة ودورها الانفتاح بالإنسان على آفاق من الكمال والجمال قد يحجبه عنها التشبث بالعالم الأرضي ويتركه لاهثا وراء متع محدودة غافلا عما في فطرته من شغف واستعداد لتلقي كمالات وجمال هذا الوجود.

وافتتح سماحته الخطبة تاليا الآية الكريمة ( فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله، ذلك الدين القيّم ولكنّ أكثر الناس لا يعلمون).

وقال سماحته أن محور الآية يدور على اصطلاحٍ هو من أكثر المصطلحات دورانا في الألسن وهو مصطلح "الفطرة"، وقد سبق أن قلنا سابقا أنّ الفطرة تختلف عن الغريزة التي تمثّل النوازع المادية البدنية التي تَهْدِي الموجود المادي إلى احتياجاته ومقتضيات بدنه، وهذا يشترك فيه الإنسان وكلّ الحيونات، إذ أنها مزودة بنوازع تهديها لما فيه صلاحها وتحمي بقاءها.

وأضاف: الفطرة أعمق من ذلك، وهي من باب التقريب- وإلا فإني سأخالف ما أقوله الآن لاحقا- الفطرة هي ما زرع في روح الإنسان ليأخذ به إلى آفاق كمالاته واحتياجاته الروحية.



هكذا صورناها في بعض أحاديثنا، ولكن نريد أن نتحدّث بتفصيل أكثر، في اللغة تعني الخلقة، فَطَرَه، بمعنى أوجده وأبدعه وأوجده من غير سابق، لكن هذه ليست مترادفات فالفطرة ليست هي الخلق، فللفطرة خصوصية عن الإيجاد، أي أوجده من أعماقه، وليس إيجادا خارجيا بل هو إيجاد داخلي فيه روح الانشقاق، ولذا يقال: فطرت النبتة الأرض أي شقتها وخرجت من عمقها، ولعله من هذا القبيل يقال: أفطر الصائم أي شقّ إمساكه. يقول الله تعالى (فاطر السموات) أي موجدها.

صفات الأمور الفطرية

هناك صفات تتصف بها الأمور الفطرية، تمتاز الفطرة عن الغريزة والعادات والتقاليد،  ولكن كثيرا ما يحدث خلط بين العادات وما هو مألوف ومعتاد وبين والفطرة، بحيث لا يعرف الإنسان ما هو الفطري منها وما هو من العادات والسلوكيات التي دخلت في حياة الإنسان لا من ذاته ولا من حقيقته.

1-  الخصوصية الأولى هي أنّ الفطرة عامة يشترك فيها الجميع، أما العادات والسلوك وربما الكثير من الأخلاق فتتفاوت بين الجماعات والأمم، أما الفطرة فعامة، هناك عادات عند العرب ليست موجودة عند الفرس وأخلاقيات عند الفرس لا يقبلها العرب.


 أما الأمور الفطرية فيشترك ويتساوى فيها الجميع، بل أن بعض العلماء يقول أنها أعمّ من دائرة الإنسان، كل ما في هذا الوجود مفطور ففيه نحو فطرة، نعم هي في الإنسان لها خصائص، قوية، حادة وموجهة، ولكنها ليست مقتصرة عليه، فالكائنات كلها تشترك فيها.

 إذن فالقدر المتيقن أن الفطرة أصل مشترك لا يختلف فيه عنصر بشري عن عنصر بشري آخر.


2-  الفطرة لا تتغير ولا تتحول ( لا تبديل لخلق الله)، أما العادات والآداب والسلوكيات تتغيّر من بيئة لأخرى ومن زمن لآخر، بل حتى بعض المستويات من الأخلاق فيها قابلية أن تتغير.


أما الأمور الفطرية فهي معيار وميزان لا يتغيّر، فهي عامة وشاملة وغير متغيرة.



3-  والفطرة باقية وثابتة ومستقرة وكذلك، لا تزول بل باقية في الإنسان منذ نشأته إلى خاتمته، تبقى مؤشرا واضحا جليا في أعماق الإنسان.


حقيقة الفطرة وأثرها

يقول بعض العلماء معرفا بنحو من الاختصار أن حقيقة الفطرة هي: إدراك الوجود وعشق الجمال والكمال. أشرت في بداية الحديث أن هناك خلل حين نقول أنّ الفطرة مزروعة في داخل الإنسان. في الاستخدام القرآني، القرآن يقول فَطَرَ الإنسان، ولا يقول أن الفطرة مزروعة، بل نفس الإنسان فطرة، الذات نفسها هي الفطرة وأصلها هو أصل الفطرة. لا أنك أنت وزرع فيك شيء يسمى فطرة.

متطلبات الفطرة

الفطرة تتطلب أمرين:

1-  إدراك ذات الإنسان، إدراكك أنك موجود، فالذي أوجدك أوجدك مدركا حساسا محيطا، ذا علم وذا معرفة، وهذه الخاصية في الإنسان هي منطلق البناء المعرفي في عالم الإنسان، الإنسان يختلف عن الحيوان أنه لديه منظومة معرفية ومشروع معرفي، نعم اليوم الإنسانية عندها خلل في معاييرها المعرفية، وتشويشات وقلق ومشارب مادية وشكيّة وسفسطائيات، ولكن يبقى الإنسان مسلحا بفطرة لو راجعها لكُشِفَتْ له الحقائق، ولو تحرك ضمن دائرة هذه الفطرة لقدمت له هذه الفطرة منظومة معرفية ومنهجية واضحة جلية.


2-  حب الجمال والكمال، كل إنسان هو في حدّ ذاته هو مشروع تعشق للجمال، يميل نحو كل جميل ويتعلق بكل جميل في اتجاه الكمال، نعم ما نراه من اختلال عام هو اختلال في التطبيق واشتباه في مصداق هذا الكمال والجمال، ما نراه من تعلق بأشكال الجمالات وألوان المبهرات هو اشتباه وخلل في التطبيق ليس إلا، يظن البعض أن الجمال هو في الغلبة والمكنة، ويظن البعض أن الجمال هو في التمتع باللذة والاستئناس بالمؤنّسات الماديّة،يتوقع البعض أن كمال الجمال هو في الجمال الظاهري كالوجوه والخدود والقدود وما شاكل ذلك، ولكن لو صفت فطرته فإنه لا يتمالك أن يتعشق الجمال الأكمل  والأتمّ.


3-  هذه الخاصية وهي انجذابه نحو الكمال تجعل منه كائنا متلهفا غير قابل للاكتفاء، وهذا ما أشرنا إليه في المرة السابقة، وهذا فرقها عن الغريزة التي طبعها الاكتفاء مهما كانت قوية وذات اندفاع إلا أنها بطبعها تميل إلى الاكتفاء بمجرد إشباع هذه الغريزة، نعم حين نرى الإنسان لا يشبع فهذا حصل له خلط بين مقتضيات الغريزة ومقتضيات الفطرة،  بمعنى أنه يُفْتَرَضُ أن يأكلَ حتى يكتفي، ولكنّه عبّدَ فطرته لغرائزه، كما أشرنا سابقا وكما قال أمير المؤمنين (ع) " كم من عقل أسير عند هوى أمير".


 وهنا لن تشبع غرائزه، وكما نقل عن بعض الملوك أنه يأكل حتى يتعب ويقول: إرفعوه، ووالله ما شبعت ولكن كلّت أسناني. لن يشبع لأنه لا يأكل لأنه يريد أن يشبع ولكن لأن فطرته أخضعت لغريزته وظنّ أن الجمال هو أن يأكل فأصبح يأكل حتى لا يكاد أن يكفّ، وهذه الحالة نجدها عند طلاب المال والمتعتة وسائر الغرائز.



عودة الفطرة

ولكن إذا رجعت الفطرة ووجهت التوجيه السليم وتخلّصت من براثن الغرائز، وتوجهت للجمال، حينها تنفتح للإنسان آفاق كمالات لا حدّ لها، ويبقى هذا الموجود يتلهف إلى الكمالات ويتعشق إلى الترقي ويعيش في حالة الانطلاق ولذا تقول الروايات " منهومان لا يشبعان، طالب علم وطالب مال".

  العلم ليس مجرد المعلومات وإنما الإحاطة والهيمنة الوجدانية والتكامل الروحي، وحركة التكامل لا تقف حتى بعد الممات وفي الجنة، ففي الدنيا يتحرك في تحصيل الكمالات، وبعد الموت يلاقي ما حصّل ويتمتع به، وفي الآخرة يفتح الله له من المتع والجمالات ما لا حدّ له وما لا يدركه العقل.

جاء في الروايات أن المؤمنين يزورون الله في كلّ أسبوع ويبقى يستمتعون ويتشهون سائر الأسبوع حتى اللقاء الآخر حيث يحظون بمتع وملذات تنسيهم الملذات السابقة، وهذه المعاني تحتاج إلى تأمّل لمعناها.

حين تدرك هذا فكم يتحسر الإنسان على قضاء الوقت في غرائز محدودة وإضمار القدرة الفطرية في أعماقنا، ليتحوّل الإنسان، هذا الكنز الهائل من القدرة على الانطلاق في آفاق الكمال والجمال والمتعة، يتحوّل إلى موجود محدود القدرة يتمتع بهذه الغرائز المحدودة التي تكتفي بالقليل، بل إنّ إضافة ما فوق الكفاية عنها يضرها ولا ينفعها.

نسأل الله تعالى أن يفك قيدنا ويطلق عناننا ولا يتركنا لأنفسنا طرفة عين أبدا، يفك قيدنا من البراثن التي وضعناها علينا، وأن يزيل عنّا الأغلال التي لم تقيد مجتمعاتنا فحسب، بل قيدت أيضا الأرواح ومنعتنا عن الصلة مع الله تعالى والتلذذ بمناجاته، وجعلت عباداتنا فارغة جوفاء بدلا من أن تكون أسباب انطلاق في الارتباط بالله عز وجل، وأن يرزقنا محبة محمد وآله ليكون ذلك مدعاة للهداية والقرب من الله تعالى.

الثلاثاء، 16 سبتمبر 2014

الشيخ عبد الله النمر: عجزنا عن زراعة محبة المعرفة في أبنائنا ناتج عن خوائنا من هذه الأحاسيس

    

دعا الشيخ عبد الله النمر إلى إعادة صياغة النظرة الاستراتيجية للتعلم لدى الأسر والمجتمع في إطار نظرة تكاملية، مبديا أسفه من هذه الحالة التي تحولت فيها المدرسة إلى "عقاب" ومصدرا لإزعاج الأبناء، وبيّن أن سبب عجز المجتمع عن غرس المحبة للعلم والمعرفة هو خواء المجتمع من هذه المشاعر نحو المعرفة والتكامل.

وابتدأ سماحته خطبة الجمعة الأخيرة تاليا الآية الكريمة ( أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما  يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ، إنما يتذكر أولي الألباب). وأوضح سماحته أنّ هذه الآية تجعل محورية الصلاح والفضل في العلم (هليستويالذينيعلمونوالذينلايعلمون).


• علم الأبدان وعلم الأديان


وأضاف: نتوقف وقفة مختصرة عند موقعية العلم في الأمم وفي بناء النهضة الإنسانية، المقصود بالعلم هو مطلق المعرفة ومطلق العلم، وكما يصطلح عادة حيث يقسم العلم تقسيما عاما بأن هناك علم أديان وعلم أبدان.


علم الأبدان هو كل ما يرتبط بتنشئة البدن، سابقا كان يقصد بعلم الأديان الفقه وعلم الأبدان الطب، اليوم من الواضح أن المعارف الإنسانية توسعت وتشعبت، ويمكن أن يذكر فيما يخدم الأبدان الكثير من المعارف، فمن أوضح نماذج هذه المعارف هو علم الطب بلا شك، ولكن اليوم العلوم التي تخدم النشء الإنساني من حيث بدنه كثيرة ومتشعبة، كالفيزياء والأحياء والكيمياء، كلها سخرت لخدمة بدن الإنسان.


بل أن كثير مما هو مألوف في السابق تحولوت إلى علوم وصناعات، كما هو الحال في الصناعة والزراعة، إذ لم تعد هذه الأمور مجرد آداب وسلوكيات متوارثة وإنما خاضعة لمنهجية علمية تسهل استثمارها، فكم هو الفرق بين المزارع بالأمس الذي يستخرج من الأرض بمقدار معين من الناتج والمحصول، بينما اليوم بواسطة المعارف والعلوم البشرية أصبح الناتج أضعاف أضعاف ما كان يستخرج في السابق. وهذا يمكن أن يدخل تحت عنوان علم الأبدان.

علم الأديان أيضا متشعب وله فروع كثيرة، ما يسبق للذهن هو علم الفقه، نعم ما يختصره العرف اليوم بأن الفقه هو مجموعة النسك والعبادات التي يتصدى الفقهاء لتوضيحها ضمن عنوان الفتاوى، هذا تصور مغلوط، فالفقه هو معرفة علم الدين في ترتيب الحركة الشخصية وفي ترتيب البناء الأسري وترتيب النهضة الاجتماعية، كل هذا داخل في علم الفقه، وكمال الإنسان هو بمقدار ما ينطوي على،ويحتوي من نور المعارف في علم الأديان وفي علم الأبدان.

• العلم ومواقع الأمم


النقطة الثانية موقعية العلم في الحراك الإنساني اليوم، إذا كانت الأمم فيما سلف تتصارع وتتدافع بنحو فيزيائي وعسكري كما هو حال الأمم في تاريخها المديد، اليوم لم يعد التدافع محصورا بالعسكرة والتدافع الميداني، اليوم أصبح الفعل والنهضة والرهان الحضاري ينطلق على أساس العلم والمعرفة، الذي من خلاله تقوى الأمم في كثير من مناحيها.


 اليوم النزاع الإنساني يدور مدار الإبداع الاقتصدي والإبداع الخبروي في المجال التكنولوجي مثلا، الذي يضفي على الأمم قدرة ومكنة في بناء ذاتها، بل أن التدافعات العسكرية بالأمس كانت تعتمد على الشجاعة والعضلات والمواجهة المباشرة، اليوم من خلال العلوم والمعارف الإنسانية، أصبح الأكثر إحاطة بالمعارف أقدر على مغالبة الأمم الأخرى والتقدم عليها.


• بين العلم والمعرفة


بل أن للعلوم أيضا آفاق أخرى سوف نشير إليها، ولكن نتوسل إلى إبانة ما أريد أن أصل إليه في موقعية العلم في بناء النهضة الإنسانية - وليس مجرد المغالبة الأممية- نستعين بإرشادات أمير المؤمنين (ع) الذي كان يقول : " لقاح المعرفة دراسة العلم ".
لاحظوا، في أثناء كلامي قبل قليل كنت أورد لفظة العلم والمعرفة بنحو من اإجمال والترادف، بينما في لسان أهل البيت (ع) يميزون بين العلم والمعرفة، إذا فكل ما نتعلمه إنما هو في قمة آفاقه وفي أعلى مستوياته، هو بداية شرارة المعرفه وأول المعرفة، بل إن هذا المعنى ينصص عليه أيضا (ع) في قوله: " العلم أول دليل، والمعرفة آخر نهاية". ويقول أيضا (ع) وهو حكيم البلغاء وبليغ الحكماء:" المعرفة الفوز بالقدس".


العلم هو الإحاطة التصوّرية بواقع هذا الوجود، نتصوّر المعادلات الفيزيائية، تتكشف لنا المعادلات الكيميائية، نحيط علما بقوانين البدن في عالم الطبّ، هذه كلها تصورات في عالم الإدراك العقلي، ولكن ما يراد بالعلم في الحقيقة هو مجرد أرضية ومقوّم للانطلاق إلى عالم المعرفة.


ولكي ألفت أنظاركم إلى الخصوصية اللغوية للعلم والمعرفة، نحن نستعمل، كما كنت أتحدث قبل قليل في الخلط بين العلم والمعرفة، في عمومنا هكذا نقول، ولكن على السليقة نحن نقول، يعني بعفو المنهجية اللغوية نقول: أنا أعرف زيدا، ولا نقول: أنا أعلم زيدا.


 لأن المعرفة تتعلق بالواقع الخارجي والمصداق الخارجي، أما العلم فهو التصور العام، أنا أعلم قواعد الفقه، وذلك يجهل قواعد الكيمياء، هذا طبيب وعالم في الطبّ، ولا يقال: عارف في الطبّ، نعم هو يعرف بعض التفاصيل.


العلم هو الإحاطة الكلية بالقواعد الكلية، المعرفة هي تشخيص الجزئيات والواقع الخارجي، ولمس الواقع الخارجي، ولذا يكون التعامل مع الله عزّ وجلّ في عالم المعرفة لا في عالم العلم فقط، "من عرف الله عرف كلّ شيء ومن لم يعرف الله لم يعرف شيئا"، لا يقال : من علم الله، العلم بالله يعني حضور التصورات الإجماليه.


• رهان الحضارات


 لتكون هذه القاعدة مقدمة لما أريد أن أصل إليه، أريد أن أقول أن العلم، والمعرفة – بالاصطلاح المجمل- هما اليوم رهان الحضارات، في الغلبة والمكنة وتوفير أسباب الرفاه، فأولا هو آلة للمغالبة، نلاحظ اليوم أن الأمم التي تصل إلى مستويات أعلى في العلم تكون أقوى اقتصاديا وتغالب الأمم الأخرى عسكريا، وأيضا توفر لنفسها أسباب الرفاه، لأن العلم يحيط بكل ألوان المعرفة، بما يشمل حتى علوم النفس والاجتماع وعلوم ترتيب الأمم فنجد أن الأمم التي تتحلى بالعلم والمعرفة تكون أقدر على نظم نفسها وبناء جياتها وإسعادها.
• التكامل والبناء
ولكن هتين المرحلتين إنما هما في الحقيقة مقدمة للعلم والمعرفة، فما يراد من العلم هو بلوغ السعادة الروحية والتكامل النفسي، يقول أمير المؤمنين (ع) " العلم بالله أفضل العلمين"، نعم هناك علوم ومعارف كثيرة، ولكن العلوم المرتبطة بآلاء الله وأسمائه وما يرتبط به عزّ وجلّ، هذا ما ينعكس على روح الإنسان بالتكامل وىالترقي، وهو الغرض النهائي في الحقيقة.
 كما لعله هو المقصود من قوله (ع): " لقاح المعرفة دراسة العلم"، يعني أن تدارس العلم والأخذ بأسباب المعرفة من خلال المدارسة والنظر والتأمل، إنما هو لإثارة حالة المعرفة في أعماق الإنسان، معرفة الإنسان بنفسه وبخالقه، وبآلاء الله تعالى وبقدراته، حيث بذلك تنتظم روح الإنسان ومبانيه الداخلية ومشاعره وأحاسيسه.

• المدرسة والاستراتيجيا

هذا الكلام قد يكون ذا معاني عامة ومجملة، ولكن نحن في هذه الأيام نعيش بداية سنة دراسية تتأثر بها كلّ الأسر والعوائل التي تبتلي بأطفال يذهبون إلى المدرسة ويراودونها.

أؤكد لكم إخواني أن هذه الأيام عند كثير من الأمم هي مرحلة جد واجتهاد ومرحلة للانطلاق، لأنهم يعون وبوضوح كم لهذه الحركة من قيمة، لاحظوا نحن كم نبذل من الجهد لإرسال الأولاد والنشء الجديد إلى المدارس، وكم نبذل من مجهودات روحية وفكرية ومالية واجتماعية، ولكن ما هو هدفنا؟ وما هي آليات هذه الحركة الجمعية؟ وما هو واقع الثمرة الفعلية التي تترجى؟ ما هي الاستراتيجية التي على ضوئها نحن نتحرك؟ لنلاحظ أنه بعد سنة أو سنتين أو خمس سنوات ماذا أنتجنا من هذا المجهود؟
هل أن كل هذا المجهود والتعب والبذل لا يتجاوز أن يكون يهيئ لأولادنا أسباب الرزق والكسب ؟ هل أن المعرفة والعلوم تتمحور وتضيق إلى أن تكون أسباب كسب مالي؟!!

• العلم في إطار المال

في فترة من الفترات حينما كانت بعض المجتمعات تجد أسباب الكسب من غير دراسة العلم ساد بين أجيالها سطحية المعرفة، لأنهم لا يرون في هذا اللون من التعلم معنى لأنهم يستطيعون أن يصلوا إلى أهدافهم الاقتصادية من غير التوسل بهذا الجهد والتعب، وبمجرد أن يصل الشاب إلى المتوسطة أو الثانوية يقال له لا تضع وقتك وجهدك في تتبع هذه العلوم والمعارف حيث أن أسباب الكسب متاحة من خلال العقار أو بعض مناحي الكسب السريعة السهلة فيختصرون على أنفسهم.
ولكن على المستوى الطويل أصبحت هذه المجتمعات ضحلة التفكير ومحدودة الإدراك، وغير قادرة على منافسة الأمم. هذا النموذج في الحقيقة يمكن أن يكون هو يمثّل الواقع الوسيع في مجتمعنا، فنحن نحتاج إلى أن نلتفت إلى هذا النشء الجديد، كم نحن بحاجة إلى أن نعاني الكثير لكي نجعله يتحرك لغرض العلم والمعرفة، بل لعله نموذج التحرك للتعلم في دائرة الاقتصاد هو أحسن من جيل نرسله في التعلم فيرجع وهو مختلّ في العقيدة.

هذا ماذا تعلّم؟ تعلّم بعض الاصطلاحات والتصوّرات، ولكنه لم يبنِ معرفة ناضجة واعية، ولم يبنِ البناء الذاتي، ومن هنا أؤكد أنّ هذا هذه الانطلاقة التي أدعو إليها في كسب العلم لا أخاطب بها الجيل الناشئ والصاعد، فهذا كلام للجميع، الكل يجب أن يتحرك في سبيل بناء ذاته علميا، يجب أن ينتحرك في سبيل المعرفة والكسب، يقول صادق أهل البيت (ع): " ليت السياط على رؤوس أصحابي حتّى يتفقهوا في الدين".

إن التفقه في الدين كما كررنا ليس هو الإحاطة ببعض الفتاوى الشرعية، التفقه في الدين معرفة أغراض الدين وفهم المرادات العامة من أصل هذه الخليقة، الفقه هو الفهم والمعرفة، هذه الحركة التكاملية هي غرض الخليقة، يجب أن نستثمر هذه الحركة الاجتماعية الموجودة وذهاب الأطفال نحو المدارس لنجعل من هذه الحركة حركة مثمرة وواعية.

• ضعف الدافع

مع الأسف نحن نفتقر إلى الحركة الإنسانية الصحيحة في دراسة أبنائنا، يذهبون إلى المدارس لحفظ مجموعة من الاصطلاحات ليقدموا امتحانا وينتقلون إلى المرحلة اللاحقة، من غير أن نزرع في أنفسهم ونوثق في أرواحهم حبّ المعرفة والعلم.


 وأزداد أسفا عندما أقول أن هذا العجز عن غرس حبّ العلم قبل الذهاب إلى المدارس، وقبل أن يتحوّل الذهاب إلى المدارس إلى مؤنة يومية، وقبل أن تتحول المدرسة إلى عقاب وإزعاج وأذية مقابل التمتع بأسباب اللهو، عدم قدرتنا على زراعة هذه الرغبة والشوق إلى المعرفة ناتج عن خوائنا من هذه الأحاسيس، نحن لا نستطيع أن نزرع في نفوس أبنائنا إحساسا نحن لا نملكه، إذا كنت أنت أيها الأب خلال الأسبوع والشهر لا تقرأ كتابا ولا تطّلع على معارف جديدة، لا على مستوى المعرفة الفقهية ولا على مستوى بناء العقيدة، لا يوجد عندك إحساس بالرغبة الحادة المؤثرة الفاعلة في التكامل الروحي بمقدار ما أنت مشغول ببناء الأسرة وأسباب النهضة المادية.


عندما تكون أنت خاليا من هذه المشاعر فبالحري أن لا تستطيع أن تزرعها في إبنك. إن إلزام الأطفال بالذهاب والإياب لا معنى له ما لم يكن هناك زراعة للإحساس بأهمية المعرفة والعلم، حتى لا تكون مدة الدراسة هي مدة الإلزام والإخضاع.

• المعلّم الرسالي


هذا من جهة، من جهة ثانية مؤسفة أيضا، عندما تتحوّل هذه الشريحة التي هي يفترض أن تكون ممثلة الأنبياء والرسل، الذين نؤمنهم فلذات أكبادنا هذه الساعات الطويلة، يتحوّلون إلى مجرّد موظفين رسميين، يذهب إلى المدرسة ليؤدي وظيفة معينة ويخرج من المدرسة وهو خالي الوفاض من الإحساس بالمسؤولية. طبعا هذا الشأن العام والواقع العام الفعلي، لا أنفي وجود البعض ممن يشعر بالمثالية والمسؤولية بالإحساس بأهمية بناء هذا النشء بناءا علميا ومعرفيا صادقا، هذا يوجد بلا شكّن ولكن لا بنحو أنه يوجد حالة عامة وحراك عام.
نحن في هذه الأيام نعاني ونبذل ونصرف الكثير الكثير في سبيل أن نرسل أبناءنا إلى المدارس ولكن نرجو أن تكون هذه الحركة خاضعة لإدراك ووعي وفكر واستراتيجية واضحة، وأن لا تكون مجرد إلزامات سنوية نكررها.
نرجو من الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا وجميع المؤمنين إلى ما فيه الخير والصلاح والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.

الأربعاء، 20 أغسطس 2014

الشيخ عبد الله النمر: الحديث عن رضا الله وسخطه لا يرتبط بذاته بل بالآثار التكوينية للأعمال البشرية.

في سياق حديث الشيخ عبد الله النمر عن "الأدب التكويني" في عدة خطب تناول العلاقة مع الله تعالى والارتباط به، وأوضح سماحته في الخطبة الأخيرة طبيعة اتصال الإرادة والتدبير الإلهيين بهذا الكون ومعنى انعكاس الفعل البشري سلبا وإيجابا على الله تعالى بالرضا أو السخط متناولا في الوقت ذاته مفهوم " تجسد الأعمال". 
وافتتح سماحته الخطبة منطلقا من الآية الكريمة (لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم كذلك سخرها لكم لتكبروا الله على ما هداكم وبشر المحسنين).
ثمّ أوضح سماحته أنّ اللغة والمفاهيم القرآنية لا يقدر كل أحد على إدراك آفاقها ومقاصدها ومداليلها وأعماقها بدرجة واحدة " فالناس يتفاوتون في استيعابهم بحسب تفاوت قدراتهم ومراتبهم، نعم اللغة القرآنية تعطي كل مصغ ومستمع بقدر ما يستوعب، بمعنى أن المنهج القرآني هو أن يخاطب الجميع ويحدّث الجميع ويستهدف أن يوصل المعاني بلغة إلهية عميقة، تناجي روح الإنسان وعمقه، ولكن الأرواح متفاوتة في شفافيتها ورقتها واستيعابها وقدراتها على الأخذ من القرآن الكريم".

• نبض الكون

ثم ّ قدّم سماحته بعض المقدمات التي يرى أن لها مدخلية كبيرة في الإضاءة لمقصد هذه الآية المختصرة والروايات الواردة في هذا المقام، في مقام القرب من الله عزّ وجلّ والتعامل مع الله، وفي أدب التعاطي مع الله جلّ وعلا، فقال سماحته:

- لعلّ مما تقرر في أحاديث سابقة أنّ كل ما يجري في الكون هو تدبير وسوق إلهي للحركة الإنسانية إلى تكاملها. وأنّ الصناعة والبناء الإلهي هي لكلّ فرد منّا.

وأضاف: لاحظ بدنك وجسمك كيف يتفاعل مع إرادتك وتدبيرك، إنما هو مظهر ومجلى لإرادتك لو صدق كل واحد وجداناً لوجد العناية في كل أموره، فإذا أردت أن تقوم فلا تصنع شيئا لكنك تجد أن جسدك طيع في الاستجابة التلقائية وإن أردت أن تجلس فستجد أن جسدك مخلوق ومصنوع ومهيّأ لكي تجلس.

 وأوضح سماحته أنّ هذه العلاقة بين الروح والبدن، وهذا التواشج والتداخل بينها حتى لا تكاد تفصل بين روحك وبدنك، هذا التداخل والترابط بل هذه الوحدة هي عينها موجودة بين إرادة الله ومشيئة الله وبين هذا الوجود، ليس فقط إرادة ومشيئة ولكن أيضا عنايةً ولطفا.

- هذا الوجود بكل آفاقه أشبه ما يكون بجسم لروح لإرادة كهربائية. أنت لاحظ جسمك كيف يستجيب لإرادتك، إذا أردت الحركة يستجيب جسمك مباشرة، هذا التماسك والتمازج والوحدة هي عينها في إرادة الله تعالى وتدبيره مع هذا الوجود.

حين تقول أن الله تعالى يفرح ويغضب ويبسط ويقبض فهذه حكاية عن الواقع الأرضي وعالم الوجود، وإلا فإن الله تعالى سبحانه يجلّ عن أن تعتوره الصفات وهذه التبدلات، فلا تؤثر فيه أفعالنا غضباً ولا رضا، وإنما هي تمثلات أفعالنا في عالم الوجود الأرضي الذي تمتد فيه الفيزياء والمعرفة البشرية.

وأضاف: السيد الخوئي عليه الرحمة يمثّل لهذا المعنى قائلا: افترضوا أن هناك يد مصنوعة لتتحرك بالكهرباء، ما الذي يحركها؟ اليد أم الكهرباء؟ هل اليد وحدها أم الكهرباء وحدها؟ الكهرباء وحدها لا تصنع حركة، واليد وحدها لا تصنع حركة، إذا فحركة اليد لا تنشأ إلا عن تمازج اليد مع الحركة.
ثمّ يأتي العلماء ليتفاوتوا في تصوراتهم حول التمازج بين اليد والكهرباء وليصل بعضهم إلى أن يقول بـ (وحدة الوجود)، وهو التصور بأنه لا توجد حالة انفكاك بين هذا العالم مع الله. وقد كان الفلاسفة المشاؤون يتصورون أن الله الواجب أوجد هذا العالم الممكن، ولكن ماهي العلاقة بين الواجب والممكن؟ كانوا يتصورون أنّ هناك انفصال مكاني وزماني وأن هناك سبق لله وتأخر لهذا الوجود، هناك لوازم كثيرة لهذا القول.

• اتصال وانفصال

يأتي علماء اليوم ليقولوا أنّ هذا الانفصال الشنيع بين الله تعالى وبين مخلوقاته غير صحيح، النصوص الدينية تحكي عن حالة تماسك، أما ما هي حدود هذه الحالة وكيفية هذا الاتصال فهذا تختلف حوله التصورات، فالصوفية يتصورون أنه اندماج تام ويقولون بـ(وحدة الموجود)، هناك تأملات وتطلعات عند الإنسان في محاولاته لفهم العلاقة بين الواجب والممكن، بين الخالق والمخلوق، يتفاوت الناس في تصوّر كيفية التدبير الإلهي. ولكن هناك تسالم بين كل المسلمين، بل عند كل الموحدين إذا كان هناك موحد غير مسلم فالجميع يعتقد أنالله هو المدبر الوحيد لهذا العالم، أما كيفية التدبير وعلى أي نحو فيتفاوت الناس في هذا المعنى.

أريد أن أصل إلى أن ما نصف الله به من هذه الأمور فهي إنما ترجع إلى العلقة مع الله جل وعلا،  فحين نقول أنّ الله تعالى يقبض ويبسط ويرضى ويغضب فهذا لا يعني بأنّ الله تعالى يتغير ولا يعني بأنّ حالاته تتغيّر، فهذا لا يرتبط بالله من قريب ولا من بعيد وهو لا يصل إلى إلى ذات الله بل يرتبط بهذا الوجود، وهو حديث عن هذا الوجود وعما يتأثر به هذا العالم، وهذا أيضا ما ينتهي إليه القول بتجسد الأعمال، وهذا يرتبط أيضا بتجسد الأعمال، العمل الصالح ينعكس على هذا الوجود بالنور والرائحة الطيبة والهداية والرشاد والصلاح، والعمل السيء ينعكس على الوجود بالخلل والمفسدة والإضرار.

• الإنسان محور الوجود

النقطة الأخيرة التي يجب أن نستحضرها في هذا المقام هي أن الإنسان، هذا الكائن البشري هو محور هذا الوجود، هو خليفة الله في الأرض، وهو الغرض والحكمة الإلهية والجمال الإلهي، التدبير الإلهي كله يدور حول هذا الإنسان ( خلقت الخلق لأجلك، وخلقتك لأجلي)، أنت أيها الإنسان الغرض النهائي لهذا الوجود، الوجود خلق لحكمة الجمال، ولا يمكن أن يتصوّر أبدع من الإنسان في هذا الوجود، أحلى ما في هذا الكون وأبدع ما في هذا الوجود وأبهى المخلوقات هو الإنسان، متى استقام  وحقق الإرادة الإلهية  والصنعة الإلهية والتدبير الإلهي، فالحكمة والتدبير والإرادة والحكمة الإلهية هي من خلالك أنت أيها الإنسان، ومن خلال سيرك أنت في طريق الكمال.

• الطريق الخفيّ

أما ما هو طريق الكمال فهو ما تريد أن تشير إليه الروايات، كما تشير الرواية عن الإمام الباقر (ع) عن أبيه عن الإمام الحسين عن أمير المؤمنين (ع)، وهذا الحرص في نقل السند يعبر عن حرص الإئمة (ع) على التأكيد على أن الرواية صادرة عن مصدر نقي نبّاع.

يقول (ع):" إنّ الله تبارك وتعالى أخفى أربعة في أربعة : أخفى رضاه في طاعته، فلا تستصغرنّ شيئاً من طاعته، فربّما وافق رضاه وأنت لا تعلم . 
وأخفى سخطه في معصيته، فلا تستصغرنّ شيئاً من معصيته ، فربما وافق سخطه وأنت لا تعلم. 
وأخفى إجابته في دعوته، فلا تستصغرنّ شيئاً من دعائه، فربّما وافق إجابته وأنت لا تعلم. 
وأخفى وليّه في عباده، فلا تستصغرنّ عبداً من عبيد الله، فربّما يكون وليّه وأنت لا تعلم ".

والسؤال هنا لماذا أخفى الله تعالى هذه الأمور؟ إخفاؤها ليس أمرا اعتباطيا ولكنه يدور مدار الواقع الخارجي، لا أنت تستطيع التحديد، ولا الملائكة ولا الكون تستطيع التحديد متى يتحقق منك الغرض من الوجود، ومتى يتحقق منك الفعل التكاملي، ولعله قد يتحقق في أمر بسيط وقد لا يتحقق في الصلاة والصيام، بل أحيانا الأعمال الصالحة تؤدي إلى الفساد للإنسان إذا لم تكن في مسار صحيح.

وهنا تأتي الرواية عن الإمام الرضا (ع) " من قال : لا إله إلا الله دخل الجنة"، ولكن لا قيمة لها بلا عمل، وأيضا الكثير من الصلاة والحج قد لا يكون لها أثر، والعمل لا قيمة له بلا نية، والنية قيمة لها ولا تؤدي أثرها في الواقع الخارجي بلا سنة وضمن الطريق الصحيح وضمن الشريعة. يقول الإمام الرضا (ع): " لا قول إلا بعمل ولا عمل إلا بنية ولا نية إلا بسنة".

وهذا ما يقوله مثل العلامة الطباطبائي رحمة الله عليه كلّ القوانين الإلهية وكل التشريعات الإلهية والمعاملاتية التي جاء بها أهل البيت (ع) إنما هي لكي تسوق الإنسان إلى رفعته وكماله.

• الحاجة المطلقة

وختم سماحته في الرواية أن الله تعالى قال في توراة موسى (ع): يا بني آدم أطيعوني بقدر حاجتكم إليّ، واعصوني بقدر صبركم على النار، واعملوا للدنيا بقدر لبثكم فيها، وتزودوا للآخرة بقدر مكثكم فيها، يا بن آدم أخرج حبّ الدنيا من قلبك، فإنه لا يجتمع حبّ الدنيا وحبي في قلب واحد". أي بمقدار ما تحتاجون إلى التدبير الإلهي والسوق الإلهي والجمال الإلهي، مقولة ابن لك وللدهر مقولة باطلة، والآخرة لا نهاية لها فاعمل لأجل طويل.

نسأل الله تعالى أن يوفقنا لفهم واستيعاب آفاق هذه المعاني وهذا الوجود التي فيها خير الدنيا والآخرة بحيث نسير عن وعي وبصيرة وإدراك. وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

الخميس، 7 أغسطس 2014

الشيخ عبد الله النمر: الصناعة الإلهية للإنسان ليست خاصة بموسى (ع) بل تشمل جميع الناس

تناول الشيخ عبد الله النمر في خطبته الأخيرة " الصناعة الربانية للنفس الإنسانية" موضوع العناية الربانية واللطف الإلهي في تربية الله تعالى للإنسان من خلال مجموعة من الآيات الكريمة والروايات الشريفة. 


وافتتح سماحته الخطبة تاليا الآيات الكريمة (قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى * وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى * إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى * أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي * إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى*) 
وشرع سماحته في الحديث مباركاً للحضور بعيد الفطر المبارك وداعيا الله عز وجل أن يجعله عيد خير وبركة ونصر وعزة للأمة الإسلامية، وأن يعيده علينا في السنين القادمة والأمة في أحسن حال، وأن ينجينا مما نحن فيه من آصار وآثام وهزيمة وتخلف، وأن يتقبل صيامنا وقيامنا وأن يجعل نتيجته الرضا والهداية والرشاد.


• مسألة مالية


ثم تحدث سماحته عن مسألة فقهية قال أنها يكثر السؤال عنها دون أن يكون هناك ابتلاء كبير بها، وهي هل يجوز إخراج الفطرة دون إخراج خمس هذه الفطرة؟ فقال أن أصل التصرف في الأموال أن الإنسان حل في ماله يتصرف كيف يشاء، وأنه ليس هناك ملازمة بين الفطرة والخمس، ولكن كحالة استثنائية، إذا كان هناك إنسان وجب عليه الخمس، كانت عنده أرباح سنوية فاضت عن مؤونة سنته، ولم يخرج خمسها فيتلعق الخمس بهذه الأموال فلا يجوز التصرف بهذه الأموال لا في فطرة ولا في حج ولا في غير ذلك.


وأضاف: في هذه الحالة الاستثنائية في بعض الأحيان إذا ابتلي الإنسان بالحاجة إلى أن يتصرف في بعض هذه الأموال التي تعلق بها الخمس في مرحلة سابقة، يرتبط مع وكيل الإمام الحجة (ع) في أن يخرج خمس مقدار معين، ولا تبرأ ذمة المكلف إلا بعد إيصال حق الإمام الحجة كما هو الحال في أي شراكة، إذا كان هناك إثنان يتشاركان في أرض لا يستطيع أي منهما أن يتصرف في أي جزء من هذه الأرض إلا بموافقة شريكه أو الاتفاق معه، ومسألة الأموال التي تعلق بها الخمس، يجري فيها ما يجري في أي مال مشترك آخر.

وأضاف: في مثل هذه الحالات يحتاج المؤمن لكي يكون عمله مبرئا للذمة أن يخرج حق الإمام أولا، إما أن يخرجه من أصل المال، وهو الحالة الطبيعية، أو يتفق مع الإمام أو وكيله وهم المراجع، فيما عدا ذلك فهو له مطلق التصرف في ماله، بمعنى من لم يجب عليه الخمس من الأصل، أو هو في نصف سنته المالية، يعني عنده أرباح وقد تكون فائضة عن مؤونته ولكن لم تحل عليه رأس السنة، فهذا ليس ملزم بإخراج الخمس لكي يكون إخراج الفطرة أو الحج أو أي تصرف مالي آخر صحيحا.فما يشيع بين المؤمنين من أنه لكي يخرج الفطرة يجب أن يخرج خمس هذا المال بشكل عام ومطلق هذا ليس صحيحا.


• صناعة موسى (ع)


وفيما يرتبط بالآيات التي بدأ بها قال سماحته: هذه الآيات التي نحن بين يدي دلالتها وإيحاءاتها وإشاراتها تتحدث عن منن الله تعالى على نبي الله موسى (ع)، مما أعطاه الله وتفضل به عليه، فابتدأ (قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى * وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى)، من منن الله تعالى على موسى هذه الأحداث والوقائع التي يستعرضها القرآن من كيف نجاه الله من فرعون في أول أمره منذ الولادة ثم نجاه من بعد حادثة قتل ذلك الفرعوني، ثمّ خروجه إلى مدين ثم رجوعه، هذه الأحداث التي استغرقت عمرا كاملا كلها يلخصها القرآن في هذه النقاط السريعة ويجعلها تحت عنوانين:


العنوان الأول هو المن والعطاء والفضل الإلهي، والعنوان الثاني هو الفتون (وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا)، وهناك رواية طويلة اسمها " حديث الفتون " كيف وقعت هذه الأحداث والوقائع، نحن نريد أن نستخرج قاعدة عامة نحتاج لتمييزها أن نلاحظ هذه الأمور:


أولا: أنه كثيرا ما ينسب الله عز وجل - كلغة قرآنية- ينسب بعض الأشياء بخصوصها لنفسه، فيقول مثلا " بيت الله "، ويقول " خلقت بيدي"، ويقول " لتصنع على عيني"، بمعنى أن هناك أشياء لها خصوصية، ويقول " مالك يوم الدين " يوم الدين له خصوصية بأنه ملك الله، مع أن كل ما في هذا الوجود هو ملك وكل ما في الوجود هو بعين الله وكل ما في الوجود هو خلق الله وبيد الله، كل أيام دهرنا أبد الدنيا والآخرة هي ملك الله عزّ وجلّ.


ولكن هذه الخصوصية ليست تفننا بلاغيا ولا هي نحو من البديع والكناية والمجاز، بل هي إشارة إلى واقع تكويني خارجي، يعني أنّ هناك واقعا خصوصيات. ولكن هذه الخصوصية ليست حيثية مرتبطة بالله عز وجل بل هي مرتبطة بل هي مرتبطة بالإنسان، وسوف نشير إلى هذا بنحو من التفصيل.
الجهة الثانية: كل ما يجري في هذا العالم هو بنظر الله وعينه وصنعه وبتدبيره وبفتون من الله عز وجل الذي يدير الأمور ويسوقها بنحو تصل إلى غاية يحددها الله عز وجل وكل إنسان هو صنع الله وخلقه وبعينه وهو هدف من أهداف الله عز وجل، نعم، للمؤمن خصوصية وله حيثية، تتضح لنا هذه المعاني من خلال حديث رسول الله (ص) مع الله.


فعن الباقر (ع) أنه قال : " لما أسري بالنبي (ص) قال يا رب: ما حال المؤمن عندك؟ فقال الله: يا محمد، من أهان لي وليا فقد بارزني بالمحاربة، وأنا أسرع شيئ إلى نصرة أوليائي، وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي في وفاة عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته، وإن من عبادي المؤمنين من لا يصلحه إلا الغنى، لو صرفته إلى غير ذلك لهلك، وإن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر ولو صرفته إلى غير ذلك لهلك، وما يتقرب إلي عبد من عبادي بشيء أحبّ إلي مما افترضت عليه، وإنه ليتقرب إلي بالنافلة حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به ولسانه الذي ينطق به، ويده التي يبطش بها، إن دعاني أجبته وإن سألني أعطيته".

ثم يعلّق المجلسي رضوان الله عليه على الخبر بتعليق لطيف ننقله للطافته يقول: هذا الخبر نقله العامة والخاصة. إذا هذا الخبر له معان دقيقة. فقد يتبادر إلى الذهن بعض التساؤلات والاستغراب، بأنه الله سبحانه وتعالى يتردد حين يسوءه وفاة عبده المؤمن؟ ولذلك يقول المجلسي: "وهذا الخبر رواه العامة والخاصة بطرق كثيرة صحيحة ويمكن القول بتواتره، وحقائقُه وأسراره غير متناهية، لا يمكن بيانه في كتب كثيرة".


• صناعة الأعماق


وفي رواية أخرى تقول أن الله عز وجل قال : إن من عبادي المؤمنين عبادا لا يصلح لهم أمر دينهم إلا الغنى والسعة والصحة في البدن، فأبلغهم الغنى والسعة والصحة في البدن، (يعني الله خلال تقديره لعبده المؤمن يعرف ما يريده، وإنما يبتليه بما يتناسب معه)، "وإن من عبادي المؤمنين لعبادا لا يصلح لهم أمر دينهم إلا بالفقر والفاقة والمسكنة والسقم في أبدانهم، فأبلوهم بالفاقة والمسكنة والسقم، فيصلح عليهم أمر دينهم، وأنا أعلم بما يصلح عليه أمر عبادي المؤمنين، وإن من عبادي المؤمنين لمن يجتهد في عبادته، فيقوم من رقاده ولذيذ وساده، فيتهجد لي الليالي، فيتعب نفسه في عبادتي، فأضربه بالنعاس الليلة والليلتين نظرا مني إليه، وإبقاءا عليه، فينام حتى يصبح .. ".

هذه العناية والتربية تمتد إلى أعماق وجوف العبد المؤمن، وهذا ما يجب أن يدركه الإنسان في مراجعة أحاسيسه ووجدانه ودعائه وإقباله وإدباره، يراعي قلبه ليل نهار، وهناك عناية إلهية وتدبير وصناعة للعبد حتى في هذه الأحاسيس والمشاعر، هذا أيضا نوع من أنواع الصناعة والتربية الإلهية. هذا الضرب بالنعاس هو تلطف من الله به واعتناء وصناعة بالعبد الصالح لما يجد عنده من نية صالحة وقصد صادق.

"وإبقاءا عليه": أنا أحافظ عليه وأفعل به ذلك إرادة مني لأن أصنعه صناعة حسنة، لأبقيه متصلا بي ومرتبطا بي، وبالرغم من أن هذا ترك صلاة الليل ومنع من التهجد، إلا أن الله تعالى لا يريد هذه الركعات بل يريد هذه الروح ويريد هذا القلب، يريد هذا الاعتدال في حقيقة الإنسان.

وفي تكلملة الرواية: " حتى يصبح فيقوم وهو ماقت لنفسه زارئ عليها" : ينظر إلى نفسة نظرة استصغار وعتب وعدم رضا، " ولو خلي بينه وبين ما يريد من عبادتي لدخله العجب من ذلك فيصيّره العجب للفتنة بأعماله فيأتيه من ذلك ما فيه هلاكه لعجبه بأعماله حتى يظن أنه قد فاق العابدين وجاز في عبادته حدّ التقصير، "، فيتشبع بذلك غرورا وإعجابا ويشعر أنه أدى حق الله عز وجلّ ولم يعد مقصرا في حقّ الله، فالله علما منه بعباده يرفق بعبده ولا يدعه يسير في هذا الاتجاه.

الخلاصة أن الله تعالى يصنع عباده ويصنع أولياءه ويراعيهم كما يراعي الرجل فلوه كما تعبر بعض الروايات أي الجمل الصغير، فقط يحتاج الإنسان أن يثق بالله ويطمئن بالله ويكون بتدبير الله أوثق منه بتدبيره، " فإني إنما أبتليه لما هو خير له وأعافيه لما هو خير له، وأزوي عنه ما هو شرّ له لما هو خير له. 
قد يكون ما هو شر لي أنا أظن أنه خير وأطمع أن أحصل عليه، أظن أن الولد هو خير لي والله يزويه عني لأنه شر لي وهو أعلم بحاجتي، كما هو ذاك المصلي الذي يظن أن صلاته خير له بينما في الواقع صلاته هي توقعه في العجب، كذلك المال وكذلك كلّ شيء.


" وأنا أعلم بما يصلح عليه عبدي، فليصبر على بلائي وليشكر نعمائي، وليرض بقضائي أكتبه في الصديقين عندي، إذا عمل برضائي وأطاع أمري".
يقول الإمام الصادق (ع): " عجبت لأمر المسلم، أينما وضع زرع .. أي إن منع وابتلي صبر وإن أنعم الله عليه شكر، بخلاف الكافر،الله سبحانه هذا شأنه في كل الأمور، شأنه أن يراوح الإنسان بين النعيم والمرض، ولكن المشكلة في الطرف المقابل، المشكلة في القابل، فكذلك الكافر عجيب أمره، يقول الإمام (ع) : " والكافر عجيب أمره إن أنعم الله عليه بطر وإن منعه كفر". لا سبيل لإصلاح أمر الكافر لخلل فيه، فالكافر ليس لم يصنع على عين الله، صنع على عين الله، ولكنه يتأبى على ذلك، هو ليس فيه قابلية، مادته خبيثة، هذه المادة الخبيثة لو أعطيتها أقدر الصناع والصواغ ما قدر أن يصنع منها إلا نبتا خبيثا لأنه لا توجد فيه قابلية لا للطرق ولا للسحب ولا للحرارة.
بينما المؤمن يعجب الإمام الصادق (ع) لأمره، " عجبت لأمر المسلم لا يقضي الله له قضاءا إلا كان خيرا له، كلّ أموره إلى خير وإن قرّظ بالمقاريظ كان خيرا له، وإن ملك مشارق الأرض ومغاربها كان خيرا له". 

حتى في أسوء الأحوال هو أيضا في خير وأمره إلى خير، وإن أصاب خيرا انتهى إلى خير. نرجو من الله تعالى أن لا يكلنا إلى أنفسنا طرفة عين أبدا وأن يديم علينا عينه الباصرة الناظرة الحاضرة، وأن يجعلنا من عبيده الطائعين الراضين، وصلى الله على محمد وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين.

الأحد، 22 يونيو 2014

الشيخ عبد الله النمر: لا نتوقع خروج الإمام (عج) لمجرد النصر الدنيوي


قال الشيخ عبد الله النمر أن فلسفة الإنتظار هي أن تعيش الفرج على مستوى القيم والمفاهيم والمبادئ، ويترتب على هذا تمتين المعايير القيمية ذات الصلة بالتسامح وحب الخير للجميع من جهة، و من جهة أخرى جلاء ووضوح الأشخاص الذين يسيرون ضمن طريق الدين ولا ينصبون أنفسهم في مقابله.

وابتدأ سماحته الخطبة تاليا الآية الكريمة ( كل نفس ذائقة الموت ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون)

وأضاف: إنّ الابتلاء سنة عامة تقع على جميع بني البشر، والغرض من الابتلاءهو ما تحكي عنه الآية الكريمة: ( ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب).

وفي سياق حديثه عن الغرض من الابتلاء أوضح سماحته أن الابتلاء عام على ميع بني البشر، واستشهد أثناء توضيحه الغرض من الابتلاء بعدد من الروايات، منها ما روي عن الإمام الصادق (ع): " ما من قبض ولا بسط إلا ولله فيه مشيئة وقضاء وابتلاء". وفي الرواية " في تقلب الأحوال علم جواهر الرجال". 


وأوضح سماحته أنّ الابتلاء العام عند بني البشر يعني الفصل والتمييز بين الأشياء المتفاوتة والمختلفة، ولكن الابتلاء الإلهي له غرض آخر مختلف، وليس غرضه مجرد كشف الواقع، ولكنّ غرضه هو التكامل وتفعيل ما في الإنسان من خير وصلاح، وليس مجرد الفصل.


• آثار الانتظار


روى عمار الساباطي قال: قلت لأبي عبد الله (ع): أيما أفضل العبادة في السر مع الإمام منكم المستتر في دولة الباطل، أم العبادة في ظهور الحق ودولته مع الإمام منكم الظاهر؟
فقال (ع): يا عمّار، الصدقة في السر والله أفضل من الصدقة في العلانية. وكذلك والله عبادتكم في السرّ مع إمامكم المستتر في دولة الباطل وتخوّفكم من عدوكم في دولة الباطل وحال الهدنة أفضل ممن يعبد الله عزّ ذكره في ظهور الحقّ.
قلت: جعلت فداك فما نرى إذا أن نكون من أصحاب القائم ويظهر ونحن اليوم في إمامتك وطاعتك أفضل أعمالاً.


فقال: سبحان الله أما تحبّون أن يظهر الله تعالى الحقّ والعدل في البلاد ويجمع الله الكلمة ويؤلف الله قلوبا مختلفة، ولا يعصون الله عزّ وجلّ في أرضه، وتقام حدوده في خلقه ويرد الله الحق إلى أهله فيظهر حتى لا يخفى شيء من الحق مخافة أحد من الخلق".


إن الإمام وطّأ الحديث بقاعدة مسلمة للجميع وهي أن الصدقة في السرّ أفضل من صدقة العلن، وهذا يفهمه الجميع، وأكّده الإمام (ع) بالقسم على أنّ العبادة بمعناها العام في السرّ والتمسّك بالدين في عصر الغيبة أكثر أجراً وثوابا من العبادة في عصر الظهور.


وفلسفة ذلك أنّ أنه كما أنّ الصدقة في السرّ أكثر انعكاسا على تكامل الإنسان، كذلك يكون المتمسك بالدين في عصر الغيبة أكثر أثرا في بناء الإنسان وتكامله.


ولكن هذا يترتب عليه ما خطر في ذهن الراوي " عمار": لماذا إذا ندعوا بتعجيل الفرج إذا كان حالنا الآن أفضل؟! فيجيب الإمام بأنّ ظهوره (عج) له آثار أخرى على تكامل الإنسان بشكل عام، منها إظهار الحقّ والعدل ومنها إنقاذ عموم المؤمنين وجذب الناس إلى الدين.


نحن لا نتوقع خروج الإمام لمجرد النصر الدنيوي، ومن هنا تأتي رواية أبو بصير، قال أبو بصير: قلت لأبي عبد الله (ع): جعلت فداك متى الفرج؟ فقال (ع): يا أبا بصير وأنت ممن يريد النيا؟
من عرف هذا الأمر فقد فرّج عنه لانتظاره".

• فلسفة الانتظار

فلسفة الإنتظار هي أن تعيش الفرج على مستوى القيم والمفاهيم والمبادئ، ويترتب على هذا أمران: 
1- انتظار الفرج يعطينا المعايير القيمية، الذي لا ينتظر الفرج هذا يعني أنه ليس لديه مبادئ يسير عليها، وهذا يتجلى في الحالة الإسلامية العامة التي انتهى بها الحال إلى التشدد والتطرف، وذلك أن انتظار الفرج يتضمن مجموعة من القيم ومن أهمها الدعوة إلى نجاة البشرية، الدعوة إلى الوحدة وتأليف الكلمة وتآلف القلوب، والدعوة إلى الإنصاف والعدل.

2- المعيار الشخصي: فلا يأتي أي شخص ليدعي أنه الخليفة والزعيم وأنه معيار الحق والفضيلة، هناك أشخاص معينون، علماء ومراجع، بقدر ارتباطهم بشخص الإمام فهم وكلاء عن الحجة، يتمثلون قيمة ويسيرون على نهجه ويدورون في دائرته، والإمام (عج) هو طريقهم إلى الله، وليس ايّ شخص يمكنه أن ينصب نفسه على أنه الطريق إلى الله تعالى، وأنه في عرض رسول الله (ص) فيشرع كما يشرع الرسول، بخلاف الإمام الذي حتى إن جدد فهو في طول رسول الله (ص) وامتداد له وليس في عرضه ومواز له.

الأربعاء، 18 يونيو 2014

الشيخ عبد الله النمر: العبادة نظام عام يهندس للحياة

تناول الشيخ عبد الله النمر مفهوم العبادة باعتباره مفهوما تنتظم فيه الحياة بأكملها، وباعتبارها حالة تحقق للإنسان الرخاء والسعادة وأعلى حالات الأنس واللذة، وباعتبارها نظاما عاماً للحياة الاقتصادية والاجتماعية. وانطلق سماحته في الخطبة مبتدءا من الآية الكريمة (يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون)


• العبادة والحياة


وبين سماحته إنّ اللذات التي يأنس بها الإنسان في حياته ويشعر من خلالها بالمتعة والسعادة هي منقسمة تدريجيا وتراتبيا إلى لذات حسية وأخرى عقلية وثالثة روحية. وهذا الأمر يؤثر في العبادة التي تنقسم بدورها إلى عبادة فكرية وعبادة روحية وعبادة سلوكية. وهذه التقسيمة الثلاثية تسري في ألوان العبادات المشروعة فالصلاة عمود الدين، والدعاء مخّ العبادة، والعبادة أكثرها في طلب الحلال كما جاء في الأثر. 
وهذا يعني أن تهندس حياتك على شكل عبادة، وأنه يراد منك أن تأخذ بالأسباب، ولكن أن يكون اتكالك واطمئنانك على الله وثقتك بتدبيره. إذا كان الإنسان يدري أنه ليس بيده شيء فسوف ينضبط سلوكه ضمن التوجيهات الإلهية.

• عموم العبادة


المتبادر إلى الذهن أن المقصود بالعبادة هو الصلاة والصوم، ولكن في الحديث القدسي: " يا أحمد، العبادة عشرة أجزاء، تسعة أعشار في طلب الحلال، فأطب مطعمك ومشربك فأنت في حفظي وكنفي".
ولكن ما هو الحلال المقصود؟ يتبادر إلى الذهن أنه الذهاب إلى السوق والانشغال بالأعمال، ولكنه أوسع من ذلك، فهو يتضمن طلب الزوجة الصالحة، وتنظيم شأن الأسرة، أن تعل على إصلاح أسرتك وتعمل في تقويم حياتك ومجتمعك وإحاطة واقعك بالخير.
إقامة الحياة الاجتماعية على أساس الحلال، وليس معناه أن هذا اللحم حلال أنه ذبح بالحديدة مع التسمية بنحو ما، ليس معناه أن يأخذ المال بأي وسيلة حتى لو كان فيها شبهة أو حرام ثم إذا أرد أن يشتري لحما أخذ في التحقيق في طريقة الذبح والتذكية، هذا عدم توازن. 
في مثل هذا الزمن معناه أن تعطي بمقدار ما تأخذ، معنى كسب الحلال هو عموم التصرفات العامة وأن تكون مبنية على الإنصاف والفضيلة.


• العبادة باعتبارها لذة

وقمة العبادة هي التفكر، عن أمير المؤمنين علي (ع): " التفكر في ملكوت السماوات والأرض عبادة المخلصين". و"تفكر ساعة خير من عبادة سنة" لأنها عبادة مكثفة.
الصلاة عمود الدين والدعاء مخ العبادة، مخ العبادة في الارتباط بالله ثم تأتي هذه الخيمة من التشريعات. إذا بنى الإنسان هندسة حياته على هذه الأسس فإنه يكون قد حقق معنى العبادة.


عن النبي (ص): " أفضل الناس من عشق العبادة فعانقها، فأحبها بقلبه وباشرها بجسده، وتفرغ لها، فهو لا يبالي على ما أصبح من الدنيا، عسر أم يسر".
العبادة ليست حضور الصلاة بعد الصلاة، وعمل العمرة بعد العمرة، المعانقة تحكي عن وثاقة العلاقة، هناك بعد عملي يحكي عن استئناس قلبي.
جاء في مناجاة الإمام السجاد (ع): " إلهِي مَنْ ذَا الَّذِي ذَاقَ حَلاوَةَ مَحَبَّتِكَ، فَرامَ مِنْكَ بَدَلاً؟ وَمَنْ ذَا الَّذِي أَنِسَ بِقُرْبِكَ، فَابْتَغَى عَنْكَ حِوَلاً؟". هذا لون من الهيام الدائم الذي لا يبارح، من الذي يدخل في أفق هذه السعادة فيلتفت إلى غيرها فضلا عن أن يذهب إليه.


• أثر العبادة


وفي أثر عن النبي (ص): " يقول ربكم: يا بن آدم تفرغ لعبادتي أملأ قلبك غنى وأملأ يدك رزقا، يا بن آدم، لا تباعد مني فأملأ قلبك فقرا وأملأ يدك شغلا".
الشعور بالكفاية والاسترخاء مقابل جمع المال مع الجشع والحرص فهذا ليس غنى، فقد تمتلئ يد الإنسان بالمال ولكن مع انشغال البال وتكثر الملفات. في هذه الأيام نحن بحاجة إلى هندسة حياتنا النفسية.
في الحديث القدسي المروي عن الإمام الصادق (ع): " يا عبادي الصديقين تمتعوا بعبادتي في الدنيا فإنكم تنعمون بها في الآخرة".
بل يقول العلماء أن أسمى النعيم في الآخرة هو العلاقة بالله، نسأل الله أن يمنّ علينا بالنعيم وعلى قلوبنا بالأنس به وبرسوله وأهل بيته (ص).

الأحد، 1 يونيو 2014

الشيخ عبد الله النمر: الدعاء تجلٍ لذوات تمخّضت الخضوع فعلمتنا العزة

قال الشيخ عبد الله النمر أن حقيقة الدعاء هو أن تدخل في أفق دعاء الإمام محاولا أن تشعر بما يشعر به، لأنه هو الموجود القادر على معرفة الله ووصفه من خلال ذاته التي يتجلى فيها جمال الله وجلاله وكرمه وقدرته، ولأن ما سواهم ينزه الله نفسه عن أن يوصف بما يصفونه به، بل إن وصفهم مردود عليهم.

وافتتح سماحته الخطبة تاليا اللآية الكريمة (وإلى عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إن أنتم إلا مفترون ( * ) ياقوم لا أسألكم عليه أجرا إن أجري إلا على الذي فطرني أفلا تعقلون ( * ) ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارا ويزدكم قوة إلى قوتكم ولا تتولوا مجرمين ( * ) )

ثم شرع سماحته في الخطبة قائلا: إن من ديدن الأنبياء دعوة قومهم إلى عبادة الله وإلى الارتباط به، والدعاء هو الوسيلة الأتمّ لعبادة الله تعالى، وهو المنهج الذي دعا إليه رسول الله وأهل البيت (ع) في سلوك طريق النجاة وللتخلص من الشرك والشك. 
وأضاف: إنّ مدرسة الرسول (ص) وأهل بيته (ع) مدرسة متكاملة وممنهجة، ذات معالم واضحة، لعله لا يتسع المقام للإحاطة بها، ولذا سنكتفي بذكر بعض أبواب ونوافذ هذه المدرسة والإشارة إلى بعض آفاقها، لكي نحيل هذه المدرسة إلى سلوكيات واقعية يفترض أن نسلكها:

• سمات مدرسة الدعاء عند أهل البيت (ع)

1- مدرسة الدعاء ذات بابين كبيرين:
أ‌- المعارف والإدراكات والإحاطات الفكرية والنظرية، فهي مليئة بالإحاطة بالكثير من آفاق المعرفة.
فحين نطالع نماذج من الأدعية التي وردتنا عنهم (ع) نجد فيها إشارات كثيرة إلى آفاق المعرفة، وكثيرا من الأبواب التي يراد لنا أن ندرك بعض آفاقها، ولكي لا يكون الكلام على مستوى الادعاءات العامة، نتعرض لنماذج ومصاديق نتطرق إليها لمعايشة هذه الأساليب والفنون التعليمية التي اتبعها أهل البيت (ع).

من الأمثلة والنماذج دعاء أم داوود الذي علمه لها الإمام الصادق (ع)، نجد في أثناء الدعاء إشارات إلى مقومات ومكوِّنات هذا الوجود ومدبرات هذا الكون، جرائيل مكائيل إسرافيل، بمعرفة مفصلة بهذه الموجودات النورانية ذات الأثر. نجد أنه دعاء وفي ذات الوقت هو هداية تبيين ورشاد لهذه الآفاق.

في طيات الدعاء يقول لها هكذا ادعي: " اَللّـهُمَّ صَلِّ عَلى جَبْرَئيلَ اَمينِكَ عَلى وحْيِكَ، وَالْقَوِيِّ عَلى اَمْرِكَ، وَالْمُطاعِ في سَمواتِكَ، وَمَحالِّ كَراماتِكَ الْمُتَحَمِّلِ لِكَلِماتِكَ النّاصِرِ لأنْبِيائِكَ الْمُدَمِّرِلأعْدائِكَ". إذا هذا الموجود له دور ومرتبة وأثر، جبرئيل له دور وموقعية في هذا الوجود.

ثم يقول أيضا:" اَللّـهُمَّ صَلِّ عَلى ميكائيلَ مَلَكِ رَحْمَتِكَ وَالَمخْلُوقِ لِرَأْفَتِكَ، وَالْمُسْتَغْفِرِ الْمُعينِ لأهْلِ طاعَتِكَ". هذا صنف آخر من الموجودات النورانية التي نسميها بالملائكة، دورها هو إعانة المخلوق، جبرائيل كان له دور في تدبير هذا الوجود، ولميكائيل ولصنف من الملائكة دور آخر، في إعانة الإنسان والأخذ بيده وتصريف الروح الإنسانية بدفعها إلى سبيل الكمال.

ثم ينتقل (ع) إلى صنف ثالث من الملائكة: "اَللّـهُمَّ صَلِّ عَلى اِسْرافيلَ حامِلِ عَرْشِكَ، وَصاحِبِ الصُّورِالْمُنْتَظِرِ لأمْرِكَ، الْوَجِلِ الْمُشْفِقِ مِنْ خيفَتِكَ".
فإذا هناك أصناف من الملائكة، ولا يكتفي الدعاء بتبيين هذه الأصناف، بل يقول: " اَللّـهُمَّ صَلِّ عَلى حَمَلَةِ الْعَرْشِ الطّاهِرينَ، وَعَلى السَّفَرَةِ الْكِرامِ الْبَرَرَةِالطَّيِّبينَ، وَعَلى مَلائِكَتِكَ الْكِرامِ الْكاتِبينَ، وَعَلى مَلائِكَةِ الْجِنانِ، وَخَزَنَةِ النّيرانِ، وَمَلَكِ الْمَوْتِ وَالأعْوانِ". هناك مراتب ومستويات من الملائكة. هذا دعاء أو هو درس مفصل للمعرفة في واقع الملائكة.

ب‌- لا يكتفي هذا الدعاء بالحديث عن عالم الغيب والملائكة، بل يتحدث عما يخفى على الإنسان مما يغور في نفسه وفي تركيبته الاجتماعية من أسباب الهداية والصلاح: يشير إلى اصطلاحات من مثل " الأبدال" و"السياح"، يقول (ع) في نفس الدعاء: " اللهم صل على محمد وآل محمد ...، وصل على الأوصياء والسعداء والشهداء وأئمة الهدى، اللهم صل على الأبدال والأوتاد والسياح والعبّاد "، الأبدال هم الذين بهم ترزقزن وبهم تمطرون وبهم يغفر لكم، هم مجموعة من المؤمنين لا يعرفهم الناس، كلما فقد واحد بدّله الله، الأوتاد هم الذين بهم قوام هذا الوجود، هذه زاوية من الزوايا التي تشير إليها الأدعية للكشف عن هذه الأبعاد.

• الأدعية ومقام أهل البيت (ع)

2- تتصدى الأدعية للإشارة إلى مقامات أهل البيت (ع)، تريد الأدعية أن تشير إلى أفق أكثر اتساعا، وإلى موقعية هذه الوجودات النورانية ومركزيتهم في هذا العالم، هم أناس وبشر منا وفينا، ولكن بلغوا من الكمال لمرتبة أن يكونوا هم مظهر الله ووجه الله وعينه.

في الدعاء المروي عن الناحية المقدسة للإمام الحجة (ع): " اللهم إني أسألك بمعاني جميع ما يدعوك به ولاة أمرك، المأمونون على سرك المستبشرون بأمرك، الواصفون لقدرتك ".

فأهل البيت (ع) الذين ندعوا الله بهم، يصفون قدرة الله، لا بمعنى أنهم يقولون أن قدرة الله كذا وكذا، ولكن حقائقهم وذواتهم تعطينا معنى صفات الله، عندما نقول بأن الله كريم قد يخطر في بالنا أشكال من التصورات، ولكننا نجد الكرم متجسدا في هذه الوجودات، عندما يعيش هؤلاء بين أظهرنا، لا نستطيع أن نشعر ونحس بكرم الله وعظمته وصفاته إلا من خلال ما نحسه ونلمسه من التعامل مع هذه الموجودات التي تصف قدرة الله وجماله وحلاوته.

" المأمونون على سرك، المستبشرون بأمرك"، أي المنطوون على كل ما يمكن أن ينطوي عليه الانسان من معرفة بالله. " الواصفون لقدرتك، المعلنون لعظمتك". هناك أمور يمكننا أن نبينها بالكلام، ولكن هناك أبعاد لا يمكن إدراكها إلا من خلال التذوق والمباشرة، وبهم (ع) تتبدا كثير من الأمور التي لا يمكن لنا إداركها واستيعابها، إذا فهذا أفق مما تتصدى الأدعية لتبيينه، الأفق المعرفي الإدراكي.

• الإمام الواصف لله

3- الأدعية تستهدف أبعادا أخرى، أسلوب ثالث تتصدى الأدعية لإظهاره: علاقة الإنسان بالله على مستوى المعرفة والإدراك، تقول الأدعية أنه لا سبيل للإنسان لإدراك الذات الإلهية، الإمام زين العابدين (ع) يقول في دعائه " قصرت الألسن عن بلوغ ثنائك كما يليق بجلالك، وقصرت العقول عن بلوغ كمالك، ولم تجعل للخلق للبلوغ إلى معرفتك طريقا إلا بالعجز عن معرفتك".
كل ما ندركه بعقولنا فهو لا يليق أن يوصف به الله (سبحان الله عما يصفون)، لا تستطيع العقول أن تدرك الجمال الإلهي. وأقصى ما يستطيع الإنسان الوصول إليه هو الإقرار بالعجز والتذلل والخضوع والانكسار والاحتياج. 

هذه بعض الآفاق الفكرية والإدراكية على كثرتها، ولكن الجهة الأولى للأدعية أنها جاءت لتصوغ روح الإنسان ضمن صناعة خاصة، وهذا لا يتأتى من خلال الدندنة بعبارات الدعاء، ولكن من خلال الدعاء فعلا، لا قراءة الدعاء، ما أقوله ما هو إلا إشارات إلى معان كلية، أما الدعاء فهو أمر آخر لا يمسّ، الدعاء هو أن تذيب نفسك وأحاسيسك في هذه القنوات، وأن تعيش بمقدار ما وهبك الله من عطاء ونبض وحياة في معاني هذه الأدعية، هذا هو معنى الدعاء.

• الإنكسار الذاتي

أول معنى وقبل كل شيء يريد الأئمة أن يعلمونا إياه هو حالة الاستكانة والافتقار والاستسلام والانقياد للإرادة الإلهية وللمشيئة الإلهية.

وهنا نستعين بالمناجاة الخمسة عشر التي هي من أدق وألطف اللسان البشري في التعامل مع الله عز وجل: "إلهي كسري لا يجبره إلا لطفك وحنانك، وفقري لا يغنيه إلا عطفك، وإحسانك، و روعتي لا يُسَكِّنها إلا أمانك، و ذلتي لا يعزها إلا سلطانك".

الفلاسفة يؤكدون أن الذلة والاستكانة والضعف ليست شكلية وليست أمور إضافية، حين أقول ذلي لا أقصد ذلي مقابل بعض الأعداء الذين يمارسون الإذلال لي، مذلتي هي عين ذاتي، وحين أقول فقري فلا أقصد احتياجي إلى بعض المال، مذلتي واستكانتي وحاجتي وفقري هي عين ذاتي، هي أنا، أنا ذلة وفقر وحاجة.

حين تتغلغل هذه المعاني في أعماق الإنسان، فإنه مهما كان مقتدرا ماديا، وبعيدا عن حالة الانذلال، فإنه هو ذاته، أمام قدرة الله تعالى هو ليس إلا فقرا وحاجة ومسكنة.

• الدخول في أفق الدعاء

حين يعيش الإنسان هذا الشعور بعمقه وإدراكه وكينونته يكون مهيأً للدخول في أفق الدعاء والتعامل مع حقيقة الدعاء، بل الاستكانة هي مخ الدعاء، في الحديث القدسي من الله تعالى لموسى: " إني أحب العبد الذي يبصبص لي" أي يتذلل ويتمسكن. يبدي الحاجة والفقر، لأن الإنسان إنما حقيقته هي الفقر والحاجة. حين يستشعر الفاقة سوف يستشعر لذة العلاقة مع الله وتنفتح أمامه آفاق من اللذة والأنس، وحالة من الحب والوله بالله عز وجل.


يقول الإمام زين العابدين (ع): " من ذا الذي ذاق حلاوة محبتك فرام منك بدلا، ومن ذا الذي أنس بقربك فابتغى منك حولا". كل ما يتلذذ به الناس فضلة وتفاهة أمام الارتباط بالله تعالى، من يذوق ذلك العالم ومن يدخل في هذه الدائرة يستصغر كل أنس ولذة وكل ملك وقدرة.

بل " اللهم إني أستغفرك من كل لذة بغير ذكرك "، 
ليس فقط لا اقبل عليه، بل أتوب إليك من التعامل معه لأنه حاجز وحائل، هناك غير الحبّ، الاستئناس والرجاء والإطمئنان، والأدعية غنية بهذه الآفاق، ولكن قد يطول الحديث في الاشارة إلى كلّ هذه الآفاق.

• مناغاة مشاعر الإمام

هذه المعاني هي استعراض علمي ومعرفي وفكري، ولكن الدعاء أمر آخر، هو أن تذوب وجدانا ومشاعرا وتناغي ما يشعره الإمام ويحسه، وهنا نعلم ماذا يعني حين يقف الإمام علي (ع) موقف الضعف والفقر والحاجة، هو أصدق منا حين يقول: أنا ضعيف، وهو المؤثر في هذا الوجود، وهو وسيلتنا إلى الله، ولكنه لأنه يعرف حقيقة الذلة أمام الله يحظى ويشعر بهذه القوة والغلبة ويشعر بالطمأنينة ويعيش اليقين، هذه الأحوال مترتبة على العيش الواقعي مع هذه المعاني.

قد نتساءل: كيف نفهم هذه الأمور من الإمام، كيف نفهم أن يقول: "أنا صاحب المعاصي"؟. هو الذي يعرف حقيقة المعاني، ونحن نتبعهم باللسان، صدق الاعتراف والإقرار هو يعرفها ويعلمنا إياها، ( سبحان ربك رب العزة عما يصفون) إلا عبادك المخلصون، هؤلاء هم الذين يصفون الله وجماله وكماله بوجوداتهم وكمالاتهم.

• الدعاء والإجابة

نسأل الله ألا يقطع بيننا وبينهم طرفة عين أبدا، ونحن نعيش ذكرى علي وزينب (ع)، هذا النموذج يصف لنا كم بلغ علي من رفعة، إنما بلغها عن طريق الدعاء.

نقطة أخيرة، أنّ الدعاء هو الإجابة، من استطاع أن يقول هذه المعاني من قلب، فقد وهب حقيقة الاستجابة، فحقيقتها أن تشملك الرحمة. ( ادعوني أستجب لكم) لا يوجد فاصل. فحقيقة الدعاء أن تدخل هذه المدرسة، وأن تتتلمذ على أيدي هؤلاء العظام.

السبت، 24 مايو 2014

الشيخ عبد الله النمر: الدعاء وصف لله وصياغة لأعماق الإنسان

شدد سماحة حجة الإسلام الشيخ عبد الله النمر على أنّ الدعاء هو نحو من الوصف لله تعالى، لذا فإن الله منزّه عن كلّ وصف سوى وصف العارفين به وعلى رأسهم أهل البيت (ع) الذين أسسوا مدرسة الدعاء التي تعيد صياغة الإنسان حين تلامس أعماقه بعد أن تفهم حقيقته فهما حقيقيا، بخلاف المدارس المادية التي تنطلق من فهم خاطئ للإنسان، لذا فإن معالجتها لشؤونه ستكون ناقصة ومغلوطة.


وابتدأ سماحته الخطبة تاليا الآية الكريمة ( سبحان الله عما يصفون * إلا عباد الله المخلَصين). ثم شرع سماحته في الحديث قائلاً: نحن إذ نعيش هذا الموسم الإلهي الخاص، أَشهُرَ الدُّعاء والعلاقة مع الله والمسير إليه، فما أحوجنا إلى الاستهداء بالعارفين بالله لكي نهتدي إلى سبيل الدعاء، وأن نسترشد بهم في كل نحو من أنحاء العلاقة مع الله، مؤكداً أنّ كلّ نحو من العبادة هو وصف لله تعالى.


وأضاف مبينا معنى الوصف: الوصف ليس فقط أن ننسب إلى الله فنقول: الله كريم، الله حليم، بل حتى في لغة الدعاء والطلب نحتاج إلى الاستهداء بهم (ع).


• صياغة الدّعاء


يروى أنّ رجلا اسمه عبد الرحيم القصير دخل على أبي عبد الله الصادق (ع) فقال: " إني اخترعت دعاءاً، فقال له الإمام: دعني من اختراعك". وهذا موقف بات جازم، حتى لم ينظر فيما اخترعه الرجل من دعاء، لأن هذه الأمور لا تسلك بالابتداعات والاختراعات. 
وفي موقف آخر قال لرجل: قل: يا مقلّب القلوب، فقال الرجل: يا مقلب القلوب والأبصار، فقال أنا أدري أنّ الله مقلب القلوب والأبصار، ولكن قل كما أقول. قد لا نستطيع أن نستوعب هذا الانضباط ولماذا لا تذكر هذه اللفظة، لعل طبيعة الدعاء ربما تقتضي حالة خاصة أو حالة عامة، ولكن من المعلوم أنه إنما يتقرب إلى الله عز وجل بما يهتدي إليه المهتدون العارفون الواصفون لله وجل.

وفي القرآن الكريم كثير من الآيات تجل الله عز وجل وترفعه وترفع شأنه عن أن يكون موضوعا لوصف الواصفين: تعالى الله عز وجل عما يصفه الواصفون إلا عباد الله المخلَصِين.

• شرائط ظرفيّة

من هذا المنطلق نقول أن هناك عدة أمور يجب أن نستحضرها حين نمثل بين يدي الله عزّ وجل، كيف ندخل في مدرسة الدعاء الإلهية التي أنشأها أهل البيت (ع)؟ هناك آداب كثيرة يضيق الوقت عن أن نستعرضها كلها، نذكر منها سردا مجموعة من العناوين:

- يستحب الوضوء والاستقبال واجتماع المؤمنين، وهذا ليس في كلّ الحالات، فهناك حالات للمناجاة، وهناك ظروف ابتهال، وهناك ظروف توسل، وهذه ليست ألفاظا تشير إلى حالة واحدة، وإنما تتفاوت بتفاوت أحوال الإنسان وأوضاعه، ولكل حالة خصائص.

- ولكن بالإجمال هناك آداب عامة يحسن الالتزام بها في التعامل مع الله عزّ وجلّ في باب الدعاء، كرفع الأكف والضراعة، وأيضا هذا له آداب وفنون وأساليب متفاوتة، هناك روايات تصف كيفية رفع الأيدي بكيفيات متفاوتة بحسب تفاوت حالات الإنسان.


- هناك البكاء، اختيار المكان والزمان الخاصين، فواضح أن الدعاء في المساجد، الدعاء في أماكن خاصة، حتى في المنزل، يستحب تخصيص مكان خاص يكون هادئا.
- الزمان، واضحٌ أيضا أن هناك أن هناك ظروف زمانية أفضل من ظروف زمانية أخرى.

• حقيقة الدعاء

- هذا في الهيئة العامة، لكن في حقيقة وموقعية الدعاء الذي وصفته الروايات بأنه مخّ الإيمان ومخ العبادة ليس هذا، الله سبحانه وتعالى يقول (قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ).

- الدعاء ليس مجرّد أمور شكلية وظرفية وإنما للدعاء موقعية وحقيقة يستحق من أجلها الجهد لفهمه والوقوف على حقيقته. هذا الدعاء الذي وعدنا بأن " من أعطي الدعاء لم يحرم الإجابة"، ولكننا قد نسأل: لماذا ندعوا ولا نجاب؟!، وهذا لأننا لا نعرف حقيقة الدعاء.


- أمير المؤمنين (ع) يقول لابنه الحسن (ع): اعلم أنّ الذي بيده خزائن ملكوت الدنيا والآخرة قد أذن لك في دعائه وتكفل لإجابتك، وأمرك أن تسأله ليعطيك، وهو رحيم كريم، لم يجعل بينك وبينه من يحجبك عنه.. ثم جعل في يدك مفاتيح خزائنه، فمتى شئت استفتحت بالدعاء أبواب خزائنه".

- حقيقة الدعاء هو في التضرع إلى الله عز وجل، هو في استثارة واقع الفقر البشري. فالإنسان هو في هذا الوجود أمامه خياران، إما أن يعيش الفقر والتضرع وإدراك موقعيته أمام الله عز وجل، أن يعرف أنه كلّه ليس إلا حاجة وفقر وارتباط بالله عز وجل، أو أن يعيش التمرد والاستقلالية والتكبر، وحالة الانفصام عن الله عز وجل.

• حقيقة الإنسان

- هاتان الحالتان ليستا أمرا عمليا ظاهريا بينا، بل هما حالتان تغوران في أعماق الإنسان، الدعاء هو الذي يصوغ الإنسان الصياغة الحقيقية، هو الذي يعالج أعماق الإنسان، بالدعاء والاستكانة بين يدي الله، وبالخضوع والإقرار بالذنب. يعلمنا أهل البيت (ع) في أدعيتهم أن نقول هكذا: " إلهي إن كان قد دنا أجلي ولم يقربني منك عملي ، فقد جعلت الاعتراف بالذنب إليك وسائل عللي".

• سلاح المؤمن

- المؤمن ليس دفاعه المنطق والدفاع والحجة، وإنما الاستسلام والإقرار والاعتراف والمسكنة والبكاء والتذلل بين يدي الله عز وجل. إذا استطاع الإنسان أن يعالج ما في أعماقه من غرور وكبرياء واستقلالية واستبداد، لاحظوا إخواني أنّ هذا المعنى في غاية الخظورة لأنه كثيرا ما يقال هذه الأيام من خلال الدراسات وأساليب التربية الحديثة المختلّة أنه يراد تنشئة الإنسان تنشئة المعتد الواثق بنفسه، القائم بذاته.

- نعم، هذا الكلام صحيح إذا أدركنا حقيقة الإنسان، وبعد أن نعرف حقيقة قوة الإنسان، وهي معرفة ضعفه أمام الله. يجب أن ندرس في مدرسة أهل البيت (ع) حقيقة النفس الإنسانية، حقيقة قوام الإنسان، وحقيقة جماله، هي في الخضوع لله عز وجل، في معرفة الإنسان فقره وفاقته، ومعرفته ضعفه واستكانته أمام الله عز وجل.

- كل حالة من الاستقلالية والوثوق والاعتداد بالنفس لا تنطلق من هذا المنطلق هي حالة خور واستبداد واستعلاءٌ أجوف، أمير المؤمنين (ع) قدم النموذج الأتم في القوة والمتانة والغلبة، ولكنها قوة في لين، كما يصف هو (ع).

- الدعاء يأتي ليعالج البناء الإنساني وليصقل فطرة الإنسان بالطريقة التي يريدها الله عز وجل، والتي تتوافق مع بناء الإنسان وحقيقته، وهذا اللون من الصياغة وهذه الطريقة من البناء والإصلاح الإنساني تفردت به أدعية أهل البيت (ع). هذا المصنع الإنساني الخاص لا يوجد إلا من خلال زبور آل محمد (ص).

- الدراسات الإنسانية تحاول أن تستكشف آفاق الإنسان، ولكن من المعروف أنه من عرف نفسه عرف كل شيء، فمهما تكن الدراسات دقيقة وميدانية وتجريبية ومستوعبة، إلا أنها بلا شك سوف تكون ناقصة، لأن المعطيات من خلال التجربة سوف تكون خاضعة لتحليل الإنسان، إذا كان الإنسان هو فيه خلل، إذا كان الدارس نفسه قاصرا ومقصرا، فكيف به أن يعرف حاجات الآخرين، كيف له أن يحيط بالطريقة الصحيحة لمعالجة نفس الإنسان؟!.

إذاً، العارف بحاجة الإنسان، القادر على معالجة الفطرة الإنسانية، إنما هي هذه المدرسة التي ما بخلت علينا بأن وضعت بين أيدينا هذه الأدعية.


• الغوص في المعاني

- أستطيع أن أخلص إلى هذا المعنى: أن حقيقة الدعاء إنما هي في الغور والتفاعل مع هذه المعاني، الدعاء ليس قراءة نصية وحفظا للألفاظ، وليس الاجتماع وتكرار المصطلحات، الدعاء أن تعيش في حقيقة هذه الألفاظ مهما كانت قليلة.

- لعلّه يُفهِمُنَا هذا المعنى أنّ اسم الله الأعظم الذي تفتتح به أبواب السموات والأرض هو أقرب إلى ( بسم الله الرحمن الرحيم) من سواد العين إلى بياضها، هذا يعني أن اسم الله الأعظم هو بين أيدينا وكلنا نجييد أن نقول ( بسم الله الرحمن الرحيم) ونقارب اسم الله الأعظم من خلال البسمله، لكن من الذي يستطيع أن يبلغ؟

- هذه البسمله تنطوي على كل ما في اسم الله الأعظم من خير وبركه، نحتاج إلى توجه وصدق وشفافية وروحانية لفتح هذه الكنوز، تريد من يعيش اسم الله الأعظم من خلال السملة، أن يتوجه الإنسان بقلبه بصدق وشفافية وروحانية إلى الله بأن يقول " يا علي يا عظيم"، هذه تفتح أمامه آفاق وأحاسيس ومشاعر، تصوغ حقيقة نفسه فيشعر بحالة من الصغر والذلة والمسكنة بين يدي الله تعالى من جهة، وبالعظمة والاستعلاء والقوة تجاه العالم، وتجاه كل القوى العالمية، هذا الإنسان المتوازن المعتدل الذي يمثل كمال التوازن البشري، وهو إنما يمكن أن يتحقق من خلال التوجه إلى الله عزّ وجل ومن خلال الدعاء.

- وهذه الأيام هي ظرف خاص، ومدد خاص من الله عزّ وجل لعباده الصالحين، إذا كنا أضعنا الكثير من الأوقات، وأصبنا أنفسنا بالكثير من الاختلالات، فنحن نمتلك مدة خاصة نحظى بها بعطاءات إلهية ونفحات ربانية يمكن أن يكون فيها منجانا، فنرجو من الله أن لا تتفلت من أيدينا هذه الدقائق والساعات وهذه المدرسة وهذه العطاءات الإلهية التي جرت على لسان أهل البيت (ع)، وأن لا نخرج من هذه المدرسة خالي الوفاض، نرجو من الله أن يلطف بنا الله تعالى وأن لا يتركنا لأنفسنا طرفة عين أبدا. وأن يجعل لنا إلى أهل بيته (ع)، وسيلة ومدرسة وهداية ورشادا، والحمد لله رب العالمين. يه، فما أحوجنا إلى الاستهداء بالعارفين بالله لكي نهتدي إلى سبيل الدعاء، وأن نسترشد بهم في كل نحو من أنحاء العلاقة مع الله، مؤكداً أنّ كلّ نحو من العبادة هو وصف لله تعالى.


وأضاف مبينا معنى الوصف: الوصف ليس فقط أن ننسب إلى الله فنقول: الله كريم، الله حليم، بل حتى في لغة الدعاء والطلب نحتاج إلى الاستهداء بهم (ع).


• صياغة الدّعاء


يروى أنّ رجلا اسمه عبد الرحيم القصير دخل على أبي عبد الله الصادق (ع) فقال: " إني اخترعت دعاءاً، فقال له الإمام: دعني من اختراعك". وهذا موقف بات جازم، حتى لم ينظر فيما اخترعه الرجل من دعاء، لأن هذه الأمور لا تسلك بالابتداعات والاختراعات. 
وفي موقف آخر قال لرجل: قل: يا مقلّب القلوب، فقال الرجل: يا مقلب القلوب والأبصار، فقال أنا أدري أنّ الله مقلب القلوب والأبصار، ولكن قل كما أقول. قد لا نستطيع أن نستوعب هذا الانضباط ولماذا لا تذكر هذه اللفظة، لعل طبيعة الدعاء ربما تقتضي حالة خاصة أو حالة عامة، ولكن من المعلوم أنه إنما يتقرب إلى الله عز وجل بما يهتدي إليه المهتدون العارفون الواصفون لله وجل.

وفي القرآن الكريم كثير من الآيات تجل الله عز وجل وترفعه وترفع شأنه عن أن يكون موضوعا لوصف الواصفين: تعالى الله عز وجل عما يصفه الواصفون إلا عباد الله المخلَصِين.

• شرائط ظرفيّة

من هذا المنطلق نقول أن هناك عدة أمور يجب أن نستحضرها حين نمثل بين يدي الله عزّ وجل، كيف ندخل في مدرسة الدعاء الإلهية التي أنشأها أهل البيت (ع)؟ هناك آداب كثيرة يضيق الوقت عن أن نستعرضها كلها، نذكر منها سردا مجموعة من العناوين:

- يستحب الوضوء والاستقبال واجتماع المؤمنين، وهذا ليس في كلّ الحالات، فهناك حالات للمناجاة، وهناك ظروف ابتهال، وهناك ظروف توسل، وهذه ليست ألفاظا تشير إلى حالة واحدة، وإنما تتفاوت بتفاوت أحوال الإنسان وأوضاعه، ولكل حالة خصائص.

- ولكن بالإجمال هناك آداب عامة يحسن الالتزام بها في التعامل مع الله عزّ وجلّ في باب الدعاء، كرفع الأكف والضراعة، وأيضا هذا له آداب وفنون وأساليب متفاوتة، هناك روايات تصف كيفية رفع الأيدي بكيفيات متفاوتة بحسب تفاوت حالات الإنسان.


- هناك البكاء، اختيار المكان والزمان الخاصين، فواضح أن الدعاء في المساجد، الدعاء في أماكن خاصة، حتى في المنزل، يستحب تخصيص مكان خاص يكون هادئا.
- الزمان، واضحٌ أيضا أن هناك أن هناك ظروف زمانية أفضل من ظروف زمانية أخرى.

• حقيقة الدعاء

- هذا في الهيئة العامة، لكن في حقيقة وموقعية الدعاء الذي وصفته الروايات بأنه مخّ الإيمان ومخ العبادة ليس هذا، الله سبحانه وتعالى يقول (قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ).

- الدعاء ليس مجرّد أمور شكلية وظرفية وإنما للدعاء موقعية وحقيقة يستحق من أجلها الجهد لفهمه والوقوف على حقيقته. هذا الدعاء الذي وعدنا بأن " من أعطي الدعاء لم يحرم الإجابة"، ولكننا قد نسأل: لماذا ندعوا ولا نجاب؟!، وهذا لأننا لا نعرف حقيقة الدعاء.


- أمير المؤمنين (ع) يقول لابنه الحسن (ع): اعلم أنّ الذي بيده خزائن ملكوت الدنيا والآخرة قد أذن لك في دعائه وتكفل لإجابتك، وأمرك أن تسأله ليعطيك، وهو رحيم كريم، لم يجعل بينك وبينه من يحجبك عنه.. ثم جعل في يدك مفاتيح خزائنه، فمتى شئت استفتحت بالدعاء أبواب خزائنه".

- حقيقة الدعاء هو في التضرع إلى الله عز وجل، هو في استثارة واقع الفقر البشري. فالإنسان هو في هذا الوجود أمامه خياران، إما أن يعيش الفقر والتضرع وإدراك موقعيته أمام الله عز وجل، أن يعرف أنه كلّه ليس إلا حاجة وفقر وارتباط بالله عز وجل، أو أن يعيش التمرد والاستقلالية والتكبر، وحالة الانفصام عن الله عز وجل.

• حقيقة الإنسان

- هاتان الحالتان ليستا أمرا عمليا ظاهريا بينا، بل هما حالتان تغوران في أعماق الإنسان، الدعاء هو الذي يصوغ الإنسان الصياغة الحقيقية، هو الذي يعالج أعماق الإنسان، بالدعاء والاستكانة بين يدي الله، وبالخضوع والإقرار بالذنب. يعلمنا أهل البيت (ع) في أدعيتهم أن نقول هكذا: " إلهي إن كان قد دنا أجلي ولم يقربني منك عملي ، فقد جعلت الاعتراف بالذنب إليك وسائل عللي".

• سلاح المؤمن

- المؤمن ليس دفاعه المنطق والدفاع والحجة، وإنما الاستسلام والإقرار والاعتراف والمسكنة والبكاء والتذلل بين يدي الله عز وجل. إذا استطاع الإنسان أن يعالج ما في أعماقه من غرور وكبرياء واستقلالية واستبداد، لاحظوا إخواني أنّ هذا المعنى في غاية الخظورة لأنه كثيرا ما يقال هذه الأيام من خلال الدراسات وأساليب التربية الحديثة المختلّة أنه يراد تنشئة الإنسان تنشئة المعتد الواثق بنفسه، القائم بذاته.

- نعم، هذا الكلام صحيح إذا أدركنا حقيقة الإنسان، وبعد أن نعرف حقيقة قوة الإنسان، وهي معرفة ضعفه أمام الله. يجب أن ندرس في مدرسة أهل البيت (ع) حقيقة النفس الإنسانية، حقيقة قوام الإنسان، وحقيقة جماله، هي في الخضوع لله عز وجل، في معرفة الإنسان فقره وفاقته، ومعرفته ضعفه واستكانته أمام الله عز وجل.

- كل حالة من الاستقلالية والوثوق والاعتداد بالنفس لا تنطلق من هذا المنطلق هي حالة خور واستبداد واستعلاءٌ أجوف، أمير المؤمنين (ع) قدم النموذج الأتم في القوة والمتانة والغلبة، ولكنها قوة في لين، كما يصف هو (ع).

- الدعاء يأتي ليعالج البناء الإنساني وليصقل فطرة الإنسان بالطريقة التي يريدها الله عز وجل، والتي تتوافق مع بناء الإنسان وحقيقته، وهذا اللون من الصياغة وهذه الطريقة من البناء والإصلاح الإنساني تفردت به أدعية أهل البيت (ع). هذا المصنع الإنساني الخاص لا يوجد إلا من خلال زبور آل محمد (ص).

- الدراسات الإنسانية تحاول أن تستكشف آفاق الإنسان، ولكن من المعروف أنه من عرف نفسه عرف كل شيء، فمهما تكن الدراسات دقيقة وميدانية وتجريبية ومستوعبة، إلا أنها بلا شك سوف تكون ناقصة، لأن المعطيات من خلال التجربة سوف تكون خاضعة لتحليل الإنسان، إذا كان الإنسان هو فيه خلل، إذا كان الدارس نفسه قاصرا ومقصرا، فكيف به أن يعرف حاجات الآخرين، كيف له أن يحيط بالطريقة الصحيحة لمعالجة نفس الإنسان؟!.

إذاً، العارف بحاجة الإنسان، القادر على معالجة الفطرة الإنسانية، إنما هي هذه المدرسة التي ما بخلت علينا بأن وضعت بين أيدينا هذه الأدعية.


• الغوص في المعاني

- أستطيع أن أخلص إلى هذا المعنى: أن حقيقة الدعاء إنما هي في الغور والتفاعل مع هذه المعاني، الدعاء ليس قراءة نصية وحفظا للألفاظ، وليس الاجتماع وتكرار المصطلحات، الدعاء أن تعيش في حقيقة هذه الألفاظ مهما كانت قليلة.

- لعلّه يُفهِمُنَا هذا المعنى أنّ اسم الله الأعظم الذي تفتتح به أبواب السموات والأرض هو أقرب إلى ( بسم الله الرحمن الرحيم) من سواد العين إلى بياضها، هذا يعني أن اسم الله الأعظم هو بين أيدينا وكلنا نجييد أن نقول ( بسم الله الرحمن الرحيم) ونقارب اسم الله الأعظم من خلال البسمله، لكن من الذي يستطيع أن يبلغ؟

- هذه البسمله تنطوي على كل ما في اسم الله الأعظم من خير وبركه، نحتاج إلى توجه وصدق وشفافية وروحانية لفتح هذه الكنوز، تريد من يعيش اسم الله الأعظم من خلال السملة، أن يتوجه الإنسان بقلبه بصدق وشفافية وروحانية إلى الله بأن يقول " يا علي يا عظيم"، هذه تفتح أمامه آفاق وأحاسيس ومشاعر، تصوغ حقيقة نفسه فيشعر بحالة من الصغر والذلة والمسكنة بين يدي الله تعالى من جهة، وبالعظمة والاستعلاء والقوة تجاه العالم، وتجاه كل القوى العالمية، هذا الإنسان المتوازن المعتدل الذي يمثل كمال التوازن البشري، وهو إنما يمكن أن يتحقق من خلال التوجه إلى الله عزّ وجل ومن خلال الدعاء.

- وهذه الأيام هي ظرف خاص، ومدد خاص من الله عزّ وجل لعباده الصالحين، إذا كنا أضعنا الكثير من الأوقات، وأصبنا أنفسنا بالكثير من الاختلالات، فنحن نمتلك مدة خاصة نحظى بها بعطاءات إلهية ونفحات ربانية يمكن أن يكون فيها منجانا، فنرجو من الله أن لا تتفلت من أيدينا هذه الدقائق والساعات وهذه المدرسة وهذه العطاءات الإلهية التي جرت على لسان أهل البيت (ع)، وأن لا نخرج من هذه المدرسة خالي الوفاض، نرجو من الله أن يلطف بنا الله تعالى وأن لا يتركنا لأنفسنا طرفة عين أبدا. وأن يجعل لنا إلى أهل بيته (ع)، وسيلة ومدرسة وهداية ورشادا، والحمد لله رب العالمين.