الخميس، 7 أغسطس 2014

الشيخ عبد الله النمر: الصناعة الإلهية للإنسان ليست خاصة بموسى (ع) بل تشمل جميع الناس

تناول الشيخ عبد الله النمر في خطبته الأخيرة " الصناعة الربانية للنفس الإنسانية" موضوع العناية الربانية واللطف الإلهي في تربية الله تعالى للإنسان من خلال مجموعة من الآيات الكريمة والروايات الشريفة. 


وافتتح سماحته الخطبة تاليا الآيات الكريمة (قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى * وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى * إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى * أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي * إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى*) 
وشرع سماحته في الحديث مباركاً للحضور بعيد الفطر المبارك وداعيا الله عز وجل أن يجعله عيد خير وبركة ونصر وعزة للأمة الإسلامية، وأن يعيده علينا في السنين القادمة والأمة في أحسن حال، وأن ينجينا مما نحن فيه من آصار وآثام وهزيمة وتخلف، وأن يتقبل صيامنا وقيامنا وأن يجعل نتيجته الرضا والهداية والرشاد.


• مسألة مالية


ثم تحدث سماحته عن مسألة فقهية قال أنها يكثر السؤال عنها دون أن يكون هناك ابتلاء كبير بها، وهي هل يجوز إخراج الفطرة دون إخراج خمس هذه الفطرة؟ فقال أن أصل التصرف في الأموال أن الإنسان حل في ماله يتصرف كيف يشاء، وأنه ليس هناك ملازمة بين الفطرة والخمس، ولكن كحالة استثنائية، إذا كان هناك إنسان وجب عليه الخمس، كانت عنده أرباح سنوية فاضت عن مؤونة سنته، ولم يخرج خمسها فيتلعق الخمس بهذه الأموال فلا يجوز التصرف بهذه الأموال لا في فطرة ولا في حج ولا في غير ذلك.


وأضاف: في هذه الحالة الاستثنائية في بعض الأحيان إذا ابتلي الإنسان بالحاجة إلى أن يتصرف في بعض هذه الأموال التي تعلق بها الخمس في مرحلة سابقة، يرتبط مع وكيل الإمام الحجة (ع) في أن يخرج خمس مقدار معين، ولا تبرأ ذمة المكلف إلا بعد إيصال حق الإمام الحجة كما هو الحال في أي شراكة، إذا كان هناك إثنان يتشاركان في أرض لا يستطيع أي منهما أن يتصرف في أي جزء من هذه الأرض إلا بموافقة شريكه أو الاتفاق معه، ومسألة الأموال التي تعلق بها الخمس، يجري فيها ما يجري في أي مال مشترك آخر.

وأضاف: في مثل هذه الحالات يحتاج المؤمن لكي يكون عمله مبرئا للذمة أن يخرج حق الإمام أولا، إما أن يخرجه من أصل المال، وهو الحالة الطبيعية، أو يتفق مع الإمام أو وكيله وهم المراجع، فيما عدا ذلك فهو له مطلق التصرف في ماله، بمعنى من لم يجب عليه الخمس من الأصل، أو هو في نصف سنته المالية، يعني عنده أرباح وقد تكون فائضة عن مؤونته ولكن لم تحل عليه رأس السنة، فهذا ليس ملزم بإخراج الخمس لكي يكون إخراج الفطرة أو الحج أو أي تصرف مالي آخر صحيحا.فما يشيع بين المؤمنين من أنه لكي يخرج الفطرة يجب أن يخرج خمس هذا المال بشكل عام ومطلق هذا ليس صحيحا.


• صناعة موسى (ع)


وفيما يرتبط بالآيات التي بدأ بها قال سماحته: هذه الآيات التي نحن بين يدي دلالتها وإيحاءاتها وإشاراتها تتحدث عن منن الله تعالى على نبي الله موسى (ع)، مما أعطاه الله وتفضل به عليه، فابتدأ (قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى * وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى)، من منن الله تعالى على موسى هذه الأحداث والوقائع التي يستعرضها القرآن من كيف نجاه الله من فرعون في أول أمره منذ الولادة ثم نجاه من بعد حادثة قتل ذلك الفرعوني، ثمّ خروجه إلى مدين ثم رجوعه، هذه الأحداث التي استغرقت عمرا كاملا كلها يلخصها القرآن في هذه النقاط السريعة ويجعلها تحت عنوانين:


العنوان الأول هو المن والعطاء والفضل الإلهي، والعنوان الثاني هو الفتون (وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا)، وهناك رواية طويلة اسمها " حديث الفتون " كيف وقعت هذه الأحداث والوقائع، نحن نريد أن نستخرج قاعدة عامة نحتاج لتمييزها أن نلاحظ هذه الأمور:


أولا: أنه كثيرا ما ينسب الله عز وجل - كلغة قرآنية- ينسب بعض الأشياء بخصوصها لنفسه، فيقول مثلا " بيت الله "، ويقول " خلقت بيدي"، ويقول " لتصنع على عيني"، بمعنى أن هناك أشياء لها خصوصية، ويقول " مالك يوم الدين " يوم الدين له خصوصية بأنه ملك الله، مع أن كل ما في هذا الوجود هو ملك وكل ما في الوجود هو بعين الله وكل ما في الوجود هو خلق الله وبيد الله، كل أيام دهرنا أبد الدنيا والآخرة هي ملك الله عزّ وجلّ.


ولكن هذه الخصوصية ليست تفننا بلاغيا ولا هي نحو من البديع والكناية والمجاز، بل هي إشارة إلى واقع تكويني خارجي، يعني أنّ هناك واقعا خصوصيات. ولكن هذه الخصوصية ليست حيثية مرتبطة بالله عز وجل بل هي مرتبطة بل هي مرتبطة بالإنسان، وسوف نشير إلى هذا بنحو من التفصيل.
الجهة الثانية: كل ما يجري في هذا العالم هو بنظر الله وعينه وصنعه وبتدبيره وبفتون من الله عز وجل الذي يدير الأمور ويسوقها بنحو تصل إلى غاية يحددها الله عز وجل وكل إنسان هو صنع الله وخلقه وبعينه وهو هدف من أهداف الله عز وجل، نعم، للمؤمن خصوصية وله حيثية، تتضح لنا هذه المعاني من خلال حديث رسول الله (ص) مع الله.


فعن الباقر (ع) أنه قال : " لما أسري بالنبي (ص) قال يا رب: ما حال المؤمن عندك؟ فقال الله: يا محمد، من أهان لي وليا فقد بارزني بالمحاربة، وأنا أسرع شيئ إلى نصرة أوليائي، وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي في وفاة عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته، وإن من عبادي المؤمنين من لا يصلحه إلا الغنى، لو صرفته إلى غير ذلك لهلك، وإن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر ولو صرفته إلى غير ذلك لهلك، وما يتقرب إلي عبد من عبادي بشيء أحبّ إلي مما افترضت عليه، وإنه ليتقرب إلي بالنافلة حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به ولسانه الذي ينطق به، ويده التي يبطش بها، إن دعاني أجبته وإن سألني أعطيته".

ثم يعلّق المجلسي رضوان الله عليه على الخبر بتعليق لطيف ننقله للطافته يقول: هذا الخبر نقله العامة والخاصة. إذا هذا الخبر له معان دقيقة. فقد يتبادر إلى الذهن بعض التساؤلات والاستغراب، بأنه الله سبحانه وتعالى يتردد حين يسوءه وفاة عبده المؤمن؟ ولذلك يقول المجلسي: "وهذا الخبر رواه العامة والخاصة بطرق كثيرة صحيحة ويمكن القول بتواتره، وحقائقُه وأسراره غير متناهية، لا يمكن بيانه في كتب كثيرة".


• صناعة الأعماق


وفي رواية أخرى تقول أن الله عز وجل قال : إن من عبادي المؤمنين عبادا لا يصلح لهم أمر دينهم إلا الغنى والسعة والصحة في البدن، فأبلغهم الغنى والسعة والصحة في البدن، (يعني الله خلال تقديره لعبده المؤمن يعرف ما يريده، وإنما يبتليه بما يتناسب معه)، "وإن من عبادي المؤمنين لعبادا لا يصلح لهم أمر دينهم إلا بالفقر والفاقة والمسكنة والسقم في أبدانهم، فأبلوهم بالفاقة والمسكنة والسقم، فيصلح عليهم أمر دينهم، وأنا أعلم بما يصلح عليه أمر عبادي المؤمنين، وإن من عبادي المؤمنين لمن يجتهد في عبادته، فيقوم من رقاده ولذيذ وساده، فيتهجد لي الليالي، فيتعب نفسه في عبادتي، فأضربه بالنعاس الليلة والليلتين نظرا مني إليه، وإبقاءا عليه، فينام حتى يصبح .. ".

هذه العناية والتربية تمتد إلى أعماق وجوف العبد المؤمن، وهذا ما يجب أن يدركه الإنسان في مراجعة أحاسيسه ووجدانه ودعائه وإقباله وإدباره، يراعي قلبه ليل نهار، وهناك عناية إلهية وتدبير وصناعة للعبد حتى في هذه الأحاسيس والمشاعر، هذا أيضا نوع من أنواع الصناعة والتربية الإلهية. هذا الضرب بالنعاس هو تلطف من الله به واعتناء وصناعة بالعبد الصالح لما يجد عنده من نية صالحة وقصد صادق.

"وإبقاءا عليه": أنا أحافظ عليه وأفعل به ذلك إرادة مني لأن أصنعه صناعة حسنة، لأبقيه متصلا بي ومرتبطا بي، وبالرغم من أن هذا ترك صلاة الليل ومنع من التهجد، إلا أن الله تعالى لا يريد هذه الركعات بل يريد هذه الروح ويريد هذا القلب، يريد هذا الاعتدال في حقيقة الإنسان.

وفي تكلملة الرواية: " حتى يصبح فيقوم وهو ماقت لنفسه زارئ عليها" : ينظر إلى نفسة نظرة استصغار وعتب وعدم رضا، " ولو خلي بينه وبين ما يريد من عبادتي لدخله العجب من ذلك فيصيّره العجب للفتنة بأعماله فيأتيه من ذلك ما فيه هلاكه لعجبه بأعماله حتى يظن أنه قد فاق العابدين وجاز في عبادته حدّ التقصير، "، فيتشبع بذلك غرورا وإعجابا ويشعر أنه أدى حق الله عز وجلّ ولم يعد مقصرا في حقّ الله، فالله علما منه بعباده يرفق بعبده ولا يدعه يسير في هذا الاتجاه.

الخلاصة أن الله تعالى يصنع عباده ويصنع أولياءه ويراعيهم كما يراعي الرجل فلوه كما تعبر بعض الروايات أي الجمل الصغير، فقط يحتاج الإنسان أن يثق بالله ويطمئن بالله ويكون بتدبير الله أوثق منه بتدبيره، " فإني إنما أبتليه لما هو خير له وأعافيه لما هو خير له، وأزوي عنه ما هو شرّ له لما هو خير له. 
قد يكون ما هو شر لي أنا أظن أنه خير وأطمع أن أحصل عليه، أظن أن الولد هو خير لي والله يزويه عني لأنه شر لي وهو أعلم بحاجتي، كما هو ذاك المصلي الذي يظن أن صلاته خير له بينما في الواقع صلاته هي توقعه في العجب، كذلك المال وكذلك كلّ شيء.


" وأنا أعلم بما يصلح عليه عبدي، فليصبر على بلائي وليشكر نعمائي، وليرض بقضائي أكتبه في الصديقين عندي، إذا عمل برضائي وأطاع أمري".
يقول الإمام الصادق (ع): " عجبت لأمر المسلم، أينما وضع زرع .. أي إن منع وابتلي صبر وإن أنعم الله عليه شكر، بخلاف الكافر،الله سبحانه هذا شأنه في كل الأمور، شأنه أن يراوح الإنسان بين النعيم والمرض، ولكن المشكلة في الطرف المقابل، المشكلة في القابل، فكذلك الكافر عجيب أمره، يقول الإمام (ع) : " والكافر عجيب أمره إن أنعم الله عليه بطر وإن منعه كفر". لا سبيل لإصلاح أمر الكافر لخلل فيه، فالكافر ليس لم يصنع على عين الله، صنع على عين الله، ولكنه يتأبى على ذلك، هو ليس فيه قابلية، مادته خبيثة، هذه المادة الخبيثة لو أعطيتها أقدر الصناع والصواغ ما قدر أن يصنع منها إلا نبتا خبيثا لأنه لا توجد فيه قابلية لا للطرق ولا للسحب ولا للحرارة.
بينما المؤمن يعجب الإمام الصادق (ع) لأمره، " عجبت لأمر المسلم لا يقضي الله له قضاءا إلا كان خيرا له، كلّ أموره إلى خير وإن قرّظ بالمقاريظ كان خيرا له، وإن ملك مشارق الأرض ومغاربها كان خيرا له". 

حتى في أسوء الأحوال هو أيضا في خير وأمره إلى خير، وإن أصاب خيرا انتهى إلى خير. نرجو من الله تعالى أن لا يكلنا إلى أنفسنا طرفة عين أبدا وأن يديم علينا عينه الباصرة الناظرة الحاضرة، وأن يجعلنا من عبيده الطائعين الراضين، وصلى الله على محمد وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين.

ليست هناك تعليقات: