الخميس، 7 أغسطس 2014

اليسار الشيعي اللامنتمي ومابعد اللامنتمي

لاشك أن الخروج على سلطة العقيدة أو القبيلة أو الإيديلوجيا منذ القدم يعتبر مروق عن سلطة الجماعة وما تؤمن به من قيم  تحاول أن تحرسها ضد ماتخافه 
في مرحلة من مراحل الفكر الإنساني في طفولته كان يوجد هذا الإنسان  على عادات وقيم تم ترسيخها  وتربى عليها  لكن بعد مراحل معينة وضمن ظروف معينة هناك أفراد يشذون عن تلك القاعدة  ويجددون في تلك القيم ويقدمون رؤى أخرى  هذا ضمن النسق التطوري لكل انسان ولكل حضارة   هناك عوامل تؤدي لذلك او مايسمى الصدمة  كالثقافة  ومسائلة كل القناعات السابقة حول أغلب الأفكار التي وجد عليها   تشمل الدين ،الإنسان نفسه وما إلى ذلك  مما كان يعده  ضمن التابوهات التي يحضر عليه التفكير بها


بالتأكيد كان أول بعد احتضنه الإنسان في بداية وجوده هو البعد الروحاني مايدل على ذلك وجود الحفريات والنقوش التي تدل عليه
 وهذا البعد تطور مع تطور الحضارات موجدا معه الكثير من القيم 
من ثم تكونت الديانات ابتداء من الشرق   والعالم أصبح ينقسم كما يشير امبرتو ايكو إلى غنوصية وهرمسية الغنوصية وهي مهد الديانات الشرقية 
والهرمسية مهد الديانات الأوربية والغربية  بل أن ديانة البراهما ماهي الا تأويل لديانة النبي ابراهيم عليه السلام 

تأتي ديانة وتحل محلها ديانة أخرى  ويأتي مذهب  وينسخه مذهب آخر كل ذلك ضمن عوامل  اجتماعية يلعب فيها العامل الإقتصادي دورا مهما في تكونها وازدهارها أو انهيارها
كما كانت قريش تستقطب العالم اتجاهها لتكون قبلة العالم وعاصمة التجارة العالمية فيها حيث يلعب العامل الإقتصادي دورا مهما في بث القيم الدينية 
أول انسان وجد على الأرض كان الإنسان الذي يعيش في الغابات    ولما وجد انسانا شبيها له 
قضى عليه  وبقى هذا النوع الذي يتحدر منه  البشر 
 المذاهب الإسلامية في تكونها ليست بمنأى عن وجود العامل السياسي الكامن في الإقتصاد والإستحواذ
مضافا لأسباب أخرى يدخل فيها الغنوص  و التداخل مع الديانات والإنفتاح على الثقافات الأخرى ولا يخفى ما للديانة البوذية وغيرها من ثقل على الكثير من التصورات الفلسفية الإسلامية  ربما لقدرة الديانة الإسلامية على استيعاب الأسئلة الكبرى التي تراود الإنسان القديم منذ وجوده
المذهب الشيعي  كغيره من المذاهب فيه نقاط قوة كامنة في طاقاته العرفانية والفلسفية والكلامية   وهناك نقاط ضعف في العقل الفقهي  الذي يتعامل مع النصوص تعاملا اختزاليا لغويا بحتا
ليس بدعا أن يوجد هناك مثقفون يعلنون الخروج عن سلطته الإيمانية عليهم  إذا آمنا بحرية التفكير  التي لاتصل إلى حدود مصادرة حرية الآخرين الفكرية أيضا  بمعنى التعايش السلمي المدني 
المثقف الشيعي خصوصا في منطقة الخليج 
اللامنتمي للمذهب الشيعي  على صنفين 
الأول متصالح مع ذاته وكذلك الآخر ليس من وظيفته الرسولية والتبشير بأفكاره للآخرين   وأقول المثقف الشيعي بالرغم من انه لاينتمي لهذا المذهب بعدما خرج عليه إلا أنه لايزال في تمثلاته بالنسبة للآخر شيعي بينما هو في قرارة ذاته لاينتمي للتشيع   هذا النمط من المثقفين لديه تعالقات اجتماعية وظروف موضوعية وذاتية لاتجعله يستطيع التصريح بأفكاره بعفوية بل بلغة رمزية كما يفعل المتصوفة 
الصنف الثاني من المثقفين الشيعه  من هو بطبيعته صدامي مع الآخر فلا يجد ضررا من اعلان خروجه عن المذهب  حتى لو أدى لخسارته اقربائه واصدقائه يرى أنه نموذج للمثقف العضوي الذي من وظيفته أن يصدع بأفكاره ويتحمل كل النتائج الإجتماعية  التي ستودي بها أفكاره  وهو أيضا بالنسبة لي على قسمين :
1  مثقف شجاع ويتحمل كامل المسؤولية لأفكاره وما ستؤدي من نتائج 
2 مثقف استعراضي  يحب الظهور ولفت الإنتباه حتى ولو لم يكن يملك ترسانة معرفية تجعله مستعدا لمواجهة المجهول الذي ينتظره من ردات الفعل 

أقول هذا الكلام لأن مجتمعنا غير مستعد للثقافة الحقيقية والإختلاف  لذلك من يحمل هاجس التنوير في هذا المجتمع عليه ان يأخذ بالإعتبار النقاط التي ذكرتها آنفا 
وأتفهم أن يكون المثقف واقع تحت تأثير فكرة معينة أوصدمة معرفيه هو لايشعر بها الا بعد تجاوزها فيركن للحالة الإنفعالية 

اللامنتمي   ومابعد اللامنتمي)   مصطلحان استخدمهما المفكر العبقري كولن ولسون وأنا لا استخدمهما استخداما أمينا 
مابعد اللامنتمي من وجهة نظري هي أرقى المراحل التي يصل لها المثقف   كما مثلها ابن عربي خير تمثيل : 
لقد صار قلبي قابلا كل صورة 
فمرعى لغزلان وديرا لرهبان
أدين بدين الحب أنى توجهت
ركائبه فالحب ديني وإيماني
هذه المرحلة التي يصل فيها المثقف إلى التآلف مع كل شيء هي مرحلة النيرفانا  الصفرية  التي ينتمي فيها الإنسان للجمال والمطلق الكوني   وحب الحياة 


 اللامنتمي  ومابعده ..مأزق الهوية(2)

 لاشك انه لايمكن الإنعتاق من قيد الجماعة بالكامل وتأملاتها الكونية  وهذا أشبه بنظرية المثل لأفلاطون  أن الإنسان كان يعيش في الكهف   وقرب فوهة الكهف كان هناك نار  وكان المارة يمرون ويعكسون ظلالهم على جدران الكهف  كأنها أشباح ظلال  ولكنها ليست الحقيقة الموجودة خارج الكهف والهوية هي تلك الحقيقة   التي يرى بها اللامنتمي الظلال فقط ويبحث عن ماهيتها  بما أوتي من ثقافة وعتاد معرفي 
لكن لابد من الوقوف على اسقاطات معرفية اكمالا للمقال السابق  هناك من  يدعو لإلغاء المذاهب  بمعنى تفكيكها لغاية التفكيك لأنه يرى أن المذاهب هي سبب تخلف المسلمين وسبب تغليف العقل واسمحوا لي أنني ربما نلتقي معه في عملية التفكيك ولكن ليس من أجل الإلغاء  وإنما  لغاية التأويل ما يعطي معنى لعملية مسائلة التراث 

نتفق اذن حول عدم قدرة الإنسان مهما أوتي من قوة الخروج على سلطة المذاهب أن يتخلى عنها بشكل نهائي لأنها تظهر بشكل مضمر في السلوك الإنساني  وتأكيدا لكلامي حتى لو خرج المثقف الشيعي أو السني  عن مذهبه 
فهو في النهاية سيعود لهوية شاملة جامعة وهي الهوية الإسلامية  أو اسلام ما قبل المذاهب بمعنى إلى هوية أكبر  وأكثر شمولية  عند هذه النقطة يكون هذا الكلام صحيحا.
لكن هناك اشكالية  نلحظها عند كل  دعاة الوحدة الإسلامية من الشيعة وهي أنهم دوما في خطاباتهم يعلنون للآخر أنهم متسامحون  وكأنهم في موقع التهمة بالنسبة للطرف الآخر المذهبي 
هناك خطر دائم بالنسبة لمن ينتسب للمذهب الشيعي وهو شعوره المتضخم بأنه في دائرة التهمة  من اﻵخر   ربما لظروف تاريخية معينة  مر بها شيعة منطقة الخليج 
وهذا الشاعر جاسم الصحيح يؤكد مقولتي:
لاتبحثوا وسط رحلي عن مآربكم
فما هناك صواع بين أمتعتي 
ماكان يوسف أحلى في وسامته
من الوسامة في صفح ومغفرة
إلى أن يقول:
لا حبل أعقد آمال النجاة به
إذا الهوية أضحت بأر هاويتي
"
ربما لا ألوم الشاعر جاسم الصحيح فهو انعكاس لكل شيعي  في منطقة الخليج  يشعر بإلتباس الآخر تجاه هويته .

الملاحظة الأخيرة  وهي المناهج الحديثة من العلوم الإنسانية والفلسفة تبقى في  حيز النسبية وتصبح دوغما إذا تزمت بها أصحابها 
لايوجد انسان كامل بالتالي لايوجد منهج متكامل والإنسان بحد ذاته لديه نقاط ضعف غرائزية  وعاطفية وعقلانية بالتالي لابد من وجود ما يقدسه هذا الإنسان سواء تجلى على شكل فكرة  أو فلسفة   أو فن أو
بالنتيجة ينبغي أن نتعامل على أن المناهج المعرفية وبالرغم مماقدمته للإنسان من كشوفات وفتوحات نتفيأها هذا اليوم تصبح وهما إذا تعاملنا معها تعاملا آليا 

اذا نفي النفي هو اثبات  لإنتماء أشمل وأوسع من جماعة ضيقة بالرغم  من خصوصية جمعية لهذا التراث الضيق  لا يمكن التخلي عن تلك الخصوصية حتى أن سيغموند فرويد مؤسس التحليل النفسي الشهير  رغم تخليه عن ايمانه بيهوديته  وعن إيمانه بفكرة الإله وتحليله لظاهرة الديانة اليهودية في كتابه موسى والتوحيد  وكيف استخدم منهجه التحليل النفسي لكشف زيف الديانة اليهودية والمسيحية  لكنه في فصول معينة من كتابه المهم يصر باعتداده بالعرق السامي وأنه الشعب المختار  وهذا كما قلت لا أعزله عن ظروفه السياسية حيث تزامن تأليف الكتاب مع نهاية حياة فرويد وصعود النازية التي كانت تضطهد اليهود والحرب العالمية الثانية .
لفت انتباهي شيء مهم من خلال متابعتي لكتب السير والتراجم الفكرية  المهمة  كالمعجم الفلسفي لعبدالرحمن بدوي  أو ول ديورانت   وغيرهما الكثير   بالرغم من خروج المفكرين والفلاسفة عن ما يؤمنون به بما فيه الديانة  ذاتها أو العقيدة الا انه لازال يكتب في سير حياتهم عن دياناتهم بالمولد حتى لو كانوا لادينين  اذا هناك حنين مضمر للهوية 

وكما يشير أمين معلوف في كتابه المهم جدا الهويات القاتلة  أن الديانات السماوية اليهودية والمسيحية كانت أكثر سفكا  للدماء من الديانة الإسلامية  كهوية جامعة تلتقي بها مختلف الفرق والمذاهب     بل يقول أن الدين الإسلامي أثبت تاريخ الغتوحات فيه انه كان أكثر تسامحا من بقية الديانات  لكن مالذي حدث ؟ الذي حدث بحسب كتابه أن المسيحية تحمل في أدبياتها الإقصاء  والحروب الصليبية والكاثوليك والبروتستانت  خير شاهد لكن مالذي حدث في الديانة المسيحية ولم يحدث في إسلام اليوم هو طفو الهويات الموجبة وضمور الهويات السالبة في متون الديانة المسيحية وكذلك إسلام اليوم في خطابه السياسي أيضا  صعود المثال السالب على الموجب المتسامح

ليست هناك تعليقات: