‏إظهار الرسائل ذات التسميات السيد حسن النمر. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات السيد حسن النمر. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 1 فبراير 2015

صناعة المستقبل الناصع - ٢

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله على سيد الخلق محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين .
رب اشرح لي صدري ، ويسر لي أمري ، واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي .
عباد الله ! أوصيكم ونفسي بتقوى الله . وإن من تقوى الله عز وجل أن يسعى الإنسانُ ؛ سعياً حثيثاً ، في أن يصنع لنفسه مستقبلاً ناصعاً في دنياه وفي آخرته .
ولن يتم ذلك إلا :
بأن نستهدي بالكتاب ؛ الذي أنزله الله عز وجل ، ووصفه بأنه { لَا رَيْبَ فِيهِ } [البقرة/ 2] ، ووصفه عز وجل بأنه { يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ } [الإسراء/ 9] .
وبالرجوع إلى مَن يعلم تفسير القرآن وتأويله ؛ وهم {... الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْم ... } [آل عمران/ 7]، والذين تكفل الله عز وجل بتطهيرهم ، وببقائهم مع القرآن ؛ لا يفترقون عنه ؛ بشهادة رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .
ولذلك ، فإن الاهتمام بشعائر أهل البيت ( صلوات الله وسلامه عليهم ) ليس اهتماماً بمسألة تاريخية مجردةٍ فارغةٍ من المضمون ، وإنما هو - في حقيقته ، وفي جوهره - حرصٌ ممن يحيي هذه الشعائر ؛ بطريقتها الشرعية طبعاً ، على أن يبني لنفسه هذا المستقبل ، ويصنع هذا المستقبل ، بعد أن يتوفر ويوفّر الشروطَ اللازمة .
أولم يرِد في الحديث الشريف أن شهادة لا إله إلا الله حصني ، أو لا إله الله حصني ومن دخل حصني أمن من عذابي كما روي عن الإمام الرضا -عليه أفضل الصلوات والسلام- ثم ألحق ذلك بقوله بشرطها وشروطها وأنا من شروطها ووصف نفسه -صلوات الله وسلامه عليه- بأنه من شروطها(١).
لأن الله عز وجل ؛ الذي وصف القرآن بما وصفه به ، جاء بيان ذلك وتفصيله من رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أن عترته الطاهرة لن يفترقا مع القرآن الكريم ، سيبقيان ويلتقيانه على الحوض(٢).
وبالتالي ، فإنّ مادة الصلاح متوفرة بين أيدينا .
ما الذي يجب علينا أن نفعله ؟
السعي والعمل { وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ } [التوبة/ 105] . ولن يحصل أحد منا على شيء من هذا ، ولن يجني ثمرة ذلك إلا بالسعي ؛ فإن الله عز وجل يقول { وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى } [النجم/ 39] .
هناك محوران لابد أن نتعرض لهما في هذه المسألة ، وهي طويلة الذيل ، ومتشعبة الأطراف ، لا نستطيع أن نستوفيها ونستوعب الحديث عنها في مثل هذه الفترة الموجزة والمحدودة ، لكن هناك محوران ؛ قدَّمنا لهما بمقدمةٍ في حديثٍ سابقٍ . هذان المحوران :
أولهما : يتعلق بمسألة التشخيص . تشخيص المشكلة ، تشخيص الأزمة ، تشخيص الآفة ، فلا تستطيع أن تنتقل إلى المحور الثاني الذي يتولى عملية العلاج إلا أن يسبق ذلك التشخيصُ .
ما هي طبيعة هذه المشكلة ؟
ما هي حدود هذه المشكلة ؟
أسباب هذه المشكلة ؟
النتائج التي تترتب على هذه المشكلة ؟
لنسعى بعد ذلك في اختيار الأدوات المناسبة والتوقيت المناسب ؛ حتى لا نكون مثل أولئك الذين جاء وصفهم في القرآن الكريم { ... يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً } [الكهف/ 104] .
كيف كان أولئك يحسبون أنهم يحسنون صنعاً ، وهم لا يحسنون صنعاً ؟!
وهل أن أولئك كانوا في فترة من التاريخ ، وليسوا موجودين في فترة أخرى ؟!
الجواب : كلا ، منذ فجر التاريخ إلى آخره ستجد فئات من الناس ، وفئاماً من الناس ، يحسبون أنهم يحسنون صنعاً .
وأحد علامات ذلك أن يختلط عليهم العدو بالصديق .
حدث قبل أيام عدوان صهيوني على جماعة من المسلمين من هذه الأمة ؛ في سياق صراعٍ ابتدأ من احتلال فلسطين ، هذا الاحتلال الآثم ، والذي يقرّ المسلمون جميعاً على أنها أرض لأهلها ؛ أي لأهل فلسطين ، وأن الصهاينة غاصبون ، لكن هناك مَن يفرح - للأسف الشديد - نتيجة اختلاط المفاهيم ، ونتيجة الانحرافات الفكرية ؛ التي لها أسباب كثيرة ، ونفسيات معينة ، ترى في هؤلاء الصهاينة كما لو كانوا حلفاء ! ولا يقول بأنهم حلفاء ! ، وإن تجرأ بعض الحمقى ووصف نفسه ، أو تمنى أن يكون مع هذا الفريق على فريقٍ يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله !
النتيجة المنطقية لمثل هذا الانحراف الفكري هو أن يتولد لنا جماعةٌ ؛ يوم أمس في أفغانستان فجر أحدهم نفسه باسم الجهاد في سبيل الله في موكب تشييع ، ويذهب ضحية هذا الانفجار والتفجير خمسة وعشرون نفساً يشيعون ميتاً من موتى المسلمين يهللون الله سبحانه وتعالى ويكبرونه .
ونتيجة هذا التشويه يحدث يوم أمس تفجيرات في المنطقة سيناء في مصر المحروسة ويستشهد أربعون جندياً مصرياً من المسلمين ، باسم ماذا ؟!
باسم الانتصار لشريعة الإسلام ! ويصاحبون ذلك هذا الفعل الآثم بالتكبير ، كما حصل في هذه البلاد الطيبة قبل فترة في منطقة شرورة ، وقبل فترة وجيزة في شمال هذه البلاد !
بأي عنوان يقومون بهذه الأعمال الإجرامية والإرهابية ؟!
باسم الانتصار لشرع الله ! باسم الانتصار لهذا الإسلام !
أي إسلام هذا الذي ينشدونه ؟!
هذا الإسلام الذي لم يتلقوه من كتاب لا ريب فيه ، إسلام صنعه لهم الشيطان ، والشياطين في صورة أناس ، ينتقون آية هنا وآية هنا ، ثم يغفلون بقية القرآن الكريم ، والله عز وجل حذر من هذه الفئة ، يقول عن هؤلاء { ... فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ... } [آل عمران/ 7] .
الله سبحانه وتعالى حينما أنزل إلينا هذا القرآن الكريم أراد أن يضعنا على الجادة ، على الصراط المستقيم ، والقرآن { يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ } [الإسراء/ 9] .
دون هذا سنُفاجأ بأن أغلب مناطق العالم فيها شيء من الاستقرار ، لكن البقعة الوحيدة التي هي ملتهبة - للأسف الشديد ، وباسم الإسلام تلتهب - هي فقط هذه المنطقة ، التي نسأل الله سبحانه وتعالى أن يأخذ بأيدي الصالحين والمصلِحين جميعاً ، ومن دون استثناء ، أن يأخذ بأيديهم إلى ما يصب في مصلحة هؤلاء المواطنين ، هؤلاء الشعوب المسلمة ، هذه المنطقة المنكوبة التي تكالب عليها أعداء الخارج وحمقى الداخل ، نسأل الله لنا ولكم السلامة .
في المحور الأول إذا بعدٌ وصفيٌّ ، وتشخيص لهذه المشكلة ، وهذا العلاج الذي لابد منه ، ثم لننتقل الحديث بعد ذلك عن العلاج .
يقول عز وجل في سورة النور { وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ } [النور/ 34] .
هذه الآية الحديث فيها طويل ، ولست في مقام الإسهاب ، لكن أريد أن أقف عند ثلاثة أشياء ؛ أشارت إليها الآية المكرمة أو الشريفة ، وكلُّ واحدٍ من هذه الأمور يمثل عنصراً من عناصر التشخيص الضروري ، أو الأدوات التي لابد أن نستعين بها في تشخيص الواقع السيء ؛ ليتيسر لنا أن نصنع مستقبلاً ناصعاً ومشرقاً .

1 - امتلاك الحقيقة وما يدل عليها

العنصر الأول : هي أن يسعى الإنسان إلى أن يمتلك الحقيقة ، وأن يسير على وفق الحق ، ولأن الناس يختلفون ، وقد تعرضنا إلى ذلك في خطب سابقة ، الناس يختلفون لكن كيف نهتدي في ظل الاختلاف ، وخصوصاً إذا اشتدت ؟
الخلاف بين كل الناس يقع ، الحل الوحيد هو أن ننطلق من المسلمات والمتفق عليه . في عالم العقل هناك أمور بديهية عقلية ؛ يتسالم عليها الناس ، مثل أن النقيضين لا يجتمعان ولا يرتفعان ، أن الضدين لا يجتمعان . فالضدين لا يمكن أن يتصف الجسم الواحد ، من زاوية واحدة ، بالسواد والبياض في الوقت نفسه . يمكن أن نصبغه بالسواد في النهار ، ونصبغه بالبياض في الليل ، يمكن أن نصبغه بالسواد من هذه الجهة ، وبالبياض من الجهة الأخرى ، لكن في الجهة الواحدة ، في التوقيت الواحد ، نريد أن نصبغ هذه الزاوية بالبياض والسواد معاً ، هذان ضدان لا يجتمعان .
وأما المتناقضان فأن نصف الشيءَ بالوجود والعدم في الوقت نفسه ، فنقول هذا موجود وهذا غير موجود ، مع مراعاة الشروط التي يذكرها علماء المنطق ، يسمونها الشروط الثمانية لسنا في صدد الحديث عنها ؛ وهي من الأمور الواضحة جداًّ .
شبيه بالمثال الذي سبق أن ذكرناه ، لا يمكن أن نصف هذا الجدار في الساعة الواحدة والثانية الواحدة بعد الساعة الواحدة أنه موجود ، وفي الثانية نفسها أنه غير موجود ، لا يمكن . يمكن أن يكون قبل الساعة الواحدة موجود ، وفي الساعة الواحدة والثانية الواحدة غير موجود ، أو العكس ، لكن في التوقيت نفسه ، في الزاوية نفسها ، من كل الشرائط ، هو موجود وغير موجود ! هذا تناقض يدركه أقل الناس تعقلاً وفهماً . هذا في الجانب العقلي .
كذلك في الأمور الشرعية ، يتفق المسلمون جميعاً على أن كتاب الله سبحانه وتعالى ؛ الموجود بين المسلمين اليوم ، { لَا رَيْبَ فِيهِ } [البقرة/ 2] ،  وأنه { يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ } [الإسراء/ 9] ، هذا أمر متفق عليه ، لكن لأن هناك فئةً من الناس لا تريد أن تجعل هذا أمراً متفقاً عليه ، أيضاً تثير الغبار ! هناك مَن يعتقد بالتحريف ومن لا يعتقد بالتحريف ! حتى لو أقسمتَ له بأغلظ الأيمان ، نحن نقول أن هذا المصحف المتداول بين يدي المسلمين ، هذا هو ما عناه الله عز وجل بقوله { لَا رَيْبَ فِيهِ } [البقرة/ 2] ، وهذا هو الذي وصفه الله عز وجل بأنه { لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ... } [فصلت/ 42] ، و أن هذا الكتاب ؛ الموجود بين الدفتين ، والمعروف بين المسلمين ، لم يزد حرفاً ولم ينقص حرفاً ، وأنه الذي { يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ } [الإسراء/ 9] ، مع ذلك يشاغب !
مثل هذا التفكير هو الذي يقول أن الصهاينة إذا اختلفوا مع بعض المسلمين ، يقول هذا خصام وعداء بين عدوين لا شأن لنا به !
نحن لا نتحدث مع هذا ، نتحدث مع الأسوياء من الناس ، مع الأتقياء من الناس ، مع العقلاء من الناس ؛ وهم كثيرون جداًّ في هذه الأمة ، وإن ارتفع صوت بعض السفهاء ، وانخفض صوتُ كثيرٍ من العقلاء لهذا السبب أو لذاك السبب .
نتحدث مع هذا الفريق من الناس الذي يعنينا أن تُمد اليدُ إليه ، ونتمنى أن تُمدّ اليدُ منه ؛ ليتلاقى المسلمون على ما يجمعهم ، وما أكثر ما يجمعهم .
منها : هذا الكتاب الكريم .هذا بند .
فإذا أردنا أن نتوفر على الحقيقة والحق نرجع إلى هذا القرآن الكريم ، ومنه سننطلق إلى آفاق أخرى .
أشارت الآية الكريمة إلى هذا العنصر بقول الله عز وجل { وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ ... } [النور/ 34] ، آيات جمع آية ، والآية هي : العلامة ؛ أي : الدليل .
الناس بفطرتهم ماذا يرجون ؟
والله سبحانه وتعالى بماذا تعامل معهم ؟
تعامل مع على أن هؤلاء الناس ينشدون بفطرتهم الكمال الذي لا يوجد إلا في الحق وينبذون الباطل ، آيات القرآن الكريم هي علامات هذا الحق ، هي الدلائل التي تشير إلينا إلى هذه الحقيقة التي نرجوها . هذا هو العنصر الأول .

2 - التاريخ البشري في سلبياته وإيجابياته

العنصر الثاني : الله سبحانه وتعالى أشار في آيات ومواضع كثيرة من القرآن الكريم أن الناس أفراداً وجماعات ليسوا دائماً يطلبون الحق والحقيقة ، فيكفي أن تنزل إليهم آيات بينات ومبينات ، وقد جاء الوصف للآيات في السورة المباركة نفسها بالآيات المبيِّنات والبيِّنات ، والفرق بينهما في محله ، ليس الناسُ جميعاً ينشدون الحق وما يدل على الحق ؛ لأن النفس قد تمرض ، مثل ما أن القلب الخارجي والعضوي هذا يمرض ، قلبُ الإنسان الداخلي يمرض ؛ ولذلك قال الله عز وجل { يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ } [الشعراء/ 88، 89] ، هناك مَن يرى الحق وينكره { وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ... } [النمل/ 14] ، في مستوى نفسه يقر بأن هذا هو الحق لكن يصعب عليه أن يقر به ! لأن الإقرار بهذا الحق يفرض عليه أن يتنازل عن كثيرٍ من مصالحه العاجلة والآجلة ، ولأن نفسَه مريضةٌ يرفض أن يتخلى عن هذه فيقلب الحقَّ باطلاً والباطلَ حقاً ، وهكذا .
فجاء القرآن لينظم في العنصر الثاني هو أن الله عز وجل ساق لنا بعضَ تاريخ البشر فيما مضى ؛ لينبهنا إلى أن واقعكم - أيها المسلمون - لن يكون بعيداً عن حال أولئك الذين تقدموا ، فمثل ما أن أولئك وقعوا في الانحراف سيقع في أوساطكم الانحرافُ ، فجاء عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) في ما يروى عنه من قوله " لتتبعن سنن من قبلكم حذو القذة بالقذة ولو دخلوا جحر ضب لدخلتموه " يعني اقرأوا ما جاء في وصف بني إسرائيل ، وتمعنوا في ذلك ، فما فعله أولئك ستقعون فيه أيها المسلمون ؛ إلا من اعتصم بحبل الله عز وجل ودخل في السلم كافة .
فإذن ، هناك تاريخٌ بشريٌ ؛ ولذلك قالت الآية { وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ } [النور/ 34] ، جئنا لكم بنماذج واضحة ، كيف اهتدى من اهتدى منهم ، وكيف انقلب على عقبه من انقلب منهم ؟ { وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ } [آل عمران/ 144] .
لكن انتبهوا - أيها الناس - الشاكرون عبر التاريخ دائماً قلة { وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ } [سبأ/ 13] ، فليس من حق أحد أن يقول أنا الناسُ معي ! نحن الأكثرية وأنتم الأقلية ! يريد أن يجعل من كثرته الكاثرة دليلاً على حقانيته ! ومن قلة الفريق الذي خالفه دليلاً على أنه من أهل الباطل !
هذا خلاف ما جاء في القرآن الكريم ، ليست الكثرةُ دليلاً كما أن القلةَ ليست دليلاً على البطلان .
لا ، قد تكون المسألة متعاكسة .

العنصر 3 / الاستجابة - التفاعل بين الخارج والداخل

العنصر الثالث : هو أن الله سبحانه وتعالى أشار إلى أن هذا الذي جاء في القرآن الكريم ، الموصوف بما وُصف به من أنه { لَا رَيْبَ فِيهِ } [البقرة/ 2] ، و { يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ } [الإسراء/ 9] ، تعاملُ الناسِ معه لن يكون متساويَ النسبة . لا ، هناك مَن سيؤمن به ، وهناك من سيكفر به .
مراتب الإيمان متفاوتة ، وكذلك مراتب الكفر بالقرآن الكريم متفاوتة . هناك مَن يؤمن بالقرآن عقلياًّ لكن لا يسلم به قلبياًّ ، هناك مَن يؤمن به عقله وقلبه ولكن لا يسلم به على مستوى جوارحه وسلوكه . ولذلك ، القرآن الكريم يقول { أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ ... } [البقرة/ 44] ، وهكذا .
فالآية تريد أن تقول أن الاستجابة لِما جاء في القرآن الكريم لن يُوفق له إلا فئةٌ من الناس توفرت على صفة من أجلِّ ما ينبغي أن يتصفوا به ؛ وهي ( التقوى ) ، فقال عز وجل { ... وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ } [النور/ 34] ، والقرآن الكريم الذي هو كتاب { لَا رَيْبَ فِيهِ } [البقرة/ 2] ، و { يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ } [الإسراء/ 9] .
هو هداية لمن ؟
لكل الناس ؟!
في ذاته هو كذلك ، لكن على مستوى تفاعل الناس معه لا ، { ... هُدًى لِلْمُتَّقِينَ } [البقرة/ 2] .
والمتقون ليسوا هم خصوص مَن يصلون ؛ فإن كثيراً ممن يصلون - للأسف الشديد - منحرفون .
هؤلاء الدواعش والإرهابيين ، النسخة الحالية والنسخ السابقة والنسخ التي ستأتي ؛ لأنه دائماً هناك دواعش بصفات وأسماء ومسميات مختلفة ، يصلون ويصومون ، وقد لا يتمكن عامةُ الناس من أن يساووا أنفسهم بهم ، لكن - للأسف الشديد - يمرقون كما تمرق السهم من الرمية ، قشور ، لا يحافظون على الإسلام إلا في قشوره .
وهذه آفةٌ أُلفت النظر - إخواني وأخواتي - ليست خاصةً بهذا التنظيم ، وتلك الجماعة التاريخية ، والجماعة التي ستأتي ، يمكن أن يبتلى بها كثيرٌ من الناس . يمكن أن يكون إنسانٌ داعشياًّ وإرهابياًّ ليس بالضرورة على مستوى تعامله مع الدولة ، لا قد يكون داعشياًّ مع زوجته ، داعشيةً مع زوجها ، داعشياًّ مع ولده ، لكنه مع عامة الناس طيب ومرح ، وهكذا .
فقد تكون عنده هذه الصفة في حالات السلم ، في حالات الحرب ، في حالات التصدي للمسؤولية ، وهكذا .
الله سبحانه وتعالى يقول { ... وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ } [النور/ 34] ، ومن ثَم يدرك سر ما قاله الله عز وجل { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ... } [الأنفال/ 24] دعوة الله عز وجل الناسَ هي دعوة حقيقية للحياة الحقيقية ، لكن من يستفيد منها ؟
طلاب الحياة ، صناع المستقبل الناصع الذين يريدون من الله ؛ لأنهم يدركون أن الخير كله من عند الله عز وجل ، وأن صلتهم لا يجوز أن تنقطع بالله ؛ لا في حالات السلم ، ولا في حالات الحرب ، لا في حالات الفقر ، ولا في حالات الغنى ، لا في حالات التمكن ، ولا في حالات الاستضعاف ، في جميع الحالات ينبغي للإنسان أن يكون ربانياًّ يريد وجه الله عز وجل في كل ما يفعل { إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُوراً } [الإنسان/ 9] .
نسأل الله سبحانه وتعالى أن نكون وإياكم ممن يستمع القول فيتبع أحسنه .
اللهم صل على محمد وآل محمد .
اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن ؛ صلواتك عليه وعلى آبائه ، في هذه الساعة ، وفي كل ساعة ، ولياًّ ، وحافظاً ، وقائداً ، وناصراً ، ودليلاً ، وعيناً ؛ حتى تسكنه أرضك طوعاً ، وتمتعه فيها طويلاً .
اللهم انصر الإسلام والمسلمين ، و اخذل الكفار والمنافقين .
اللهم اشف مرضانا ، وارحم موتانا ، وأغن فقراءنا ، وأصلح ما فسد من أمر ديننا ودنيانا .
وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين .






---------------------------

(١) عوالي اللئالئ لابن أبي جمهور ، ج 4 ، ص 94 .
(٢) مسند أحمد ، باب ما روي عن أبي سعيد الخدري .


الاثنين، 26 يناير 2015

صناعة المستقبل الناصع

سيكون حديثي عن ( صناعة المستقبل الناصع ) . والذي حداني لاختيار هذا العنوان هو ما تمر به الأمة من أزمات كثيرة ؛ تسبب في كثيرٍ من جوانبها أعداءُ الخارج ، وفي بعضها الآخر أعداءُ الداخل من حيث يشعرون أو لا يشعرون .
الأمر الذي لابد أن ننطلق منه هو : أن الإنسان بطبعه محب للخير لنفسه ، لكنه إذا لم يسترشد بالمنهج السليم والصراط المستقيم فسيتخبط تخبط كبيراً وكثيراً وعميقاً . وإنما بعث الله عز وجل الأنبياءَ بالديانات من عنده عز وجل من أجل أن يضع معالم هذا المنهج ، معالم هذا الصراط . فقال عز وجل واصفاً نبيه الكريم { وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } [المؤمنون/ 73] .
وفي سورة الفاتحة التي يكررها كلُّ مصلٍ من المسلمين مراتٍ كثيرة في اليوم ، في الحد الأدنى سبعة عشر مرة ، يقول { اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ } [الفاتحة/ 6] . ولعل التعبير فيه دقة ، ولابد أن فيه دقة ، وهي أن الله سبحانه وتعالى ذكر في الآية قوله عز وجل { اهْدِنَا } . وفي ذلك إلماحٌ إلى أن الإنسان بقدراته الذاتية لا يستطيع أن يهتدي إلى الصراط المستقيم ما لم يعتصم بحبلٍ من الله عز وجل . فالهداية من الله ، وما نفعله نحن - في كل ما نخطوه ؛ في تعلمنا ، وفي تعليمنا - إنما هو طرقُ أبواب الهداية . فيقول عز وجل { وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا } [العنكبوت/ 69] .
وقد وصف الحقُّ عز وجل القرآنَ الكريمَ الذي لا ريب فيه أنه هدى . لمن ؟
للمتقين . فكيف يكون القرآن هدى للمتقين ؟! أوليس هو خطاباً لعموم الناس ؛ من اتقى ومن لم يتقِ ؟!
نعم ، هو كذلك ، لكن التقوى مراتب . والمتقون من أدنى مراتب التقوى هو الرغبة في أن يصل الإنسانُ إلى الهداية ، أما الذين ختم اللهُ على قلوبهم ، وطبع الله على قلوبهم ، هؤلاء كالأنعام وصفهم القرآن ، لا يمكن أن يستفيدوا ، ولا يهتدون سبيلاً .
والسبب هو أنهم لا يريدون ! والذين لا يريدون ليسوا من أهل التقوى . وبالتالي ، القرآن الكريم بدل أن يكون سببَ خيرٍ لهم وصفه اللهُ عز وجل بقوله { وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا } [الإسراء/ 82] . فهو حجة للمتقين ، وحجة على غير المتقين .
فإذا كان الإنسانُ محباً للخير لنفسه { وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ } [العاديات/ 8] ، ما الذي ينشده الإنسان في حب الخير ؟!
في الحقيقة هو يشيِّد مستقبله الذي يرجو أن يكون ناصعاً الله عز وجل . حدد لنا هذا المستقبل وملامحه ؛ سواء ما كان منه قريباً ، أو متوسطاً في مداه ، أو بعيداً في مداه ، أي في الدنيا والآخرة . ولا يمكن للإنسان أن ينحرف عن الله عز وجل في فترة من الزمن ثم يرجو أن يكون مهتدياً وذا مستقبل مشرق في ما يليه من الزمن !
لا ، لا يمكن ؛ لأن الله سبحانه وتعالى - كما جاء في الخبر - أبى إلا أن تجري الأمور والأشياء بأسبابها(١). هناك سننٌ ، هذه السنن والقواعد مَن لم يُجر حياتَه عليها ، وينظم حياته ؛ في أقواله وفي أفعاله ، في سره وفي علانيته ، على وفقها لا يمكن أن يحصل على هذه النتائج .
ولذلك ، الله سبحانه وتعالى يقول يقرر لنا قاعدة { وَأَنْ لَيْسَ  لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى } [النجم/ 39] . تريد مستقبلاً ناصعاً اسعَ لأن يكون مستقبلُك هذا ناصعاً .
اخترت آيةً كريمةً ؛ من آياتٍ كثيرةٍ جداً في القرآن الكريم ، لتكون هي منطلق هذا الحديث ؛ فإن مشكلة الإنسان واحدة .
فمشكلة الإنسان هي قديمة ، وهي جديدة ، ليس هناك مشكلات جديدة على المستوى الفكري ، وعلى مستوى الاهتداء . هي واحدة ، من أول إنسانٍ إلى آخر إنسانٍ .
المشكلة في ما يتعلق بالاستقامة واحدة ، قد تتغير السيارات والطيارات والجسور والألبسة ، لكن جوهر الإنسان واحد . كِبر الإنسان في ما مضى هو الذي دفعه إلى أن يقع في ما وقع فيه من المعاصي ، هذا الكبر نفسه هو الذي سيودي بحياة المتكبرين الآن ، وهو الذي سيودي بحياة مَن سيتكبر في ما يأتي من الزمن .
والعلاج هو العلاج ، ليس هناك علاج آخر . الحل هو الاستسلام لله . ولذلك ، قاله الله عز وجل { وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ } [آل عمران/ 85] .

هناك ثنائيات متضادة .
من الثنائيات المتضادة : الجور والعدل ، الحق والباطل ، الخير والشر ، الحسن والقبيح ، وعشرات من الثنائيات التي ليست هي بعيدةً عن واقع حياتنا .
نحن حينما ننشد المستقبل الناصع أي أننا ننشد العدل ؛ لأن الناس يعرفون أن العدل هو أن يصل إلى كلِّ ذي حق حقُّه . لا يمكن أن يكون المستقبل ناصعاً إلا بالعدل . ولذلك نجد أن الجائرين والطغاة - عبر التاريخ - يرفضون أن يوصفوا بأنهم جائرون ، ويصرون على أنهم عدول ، وإذا كان لهم سلفٌ غيرُ عادل يصرون على أن ذلك السلف غيرَ العادل - أيضاً - هو من العدول ؛ لأنهم يريدون أن يستندوا في جورهم الجديد إلى جورٍ قديمٍ ، فإذا لَمَّعوا الجورَ السابقَ سهل عليهم تلميعُ الجور اللاحق .

الأمة بين ظالم الخارج والداخل

هل نحتاج إلى أن نصحح هذه المفاهيم ؟
الجواب : نعم ، اليوم الأمم ، بالخصوص الأمة الإسلامية ، تقع بين ظالمين :
أحدهما : ظالم خارجي .
والآخر : ظالم داخلي .
الظالم الخارجي يسيء إلى نبيك ، والظالم الداخلي ينتصر  بالجور ، باسم النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم  ) .
هذا يسيء للإسلام والإنسانية والأمة ، وذاك أيضاً - بحسبانه أنه يحسن صنعاً - أيضاً يلحق ضرراً كبيراً بالأمة ، فإذا وقعت الأمة بين مطرقة هذا وسندان هذا تكون المشكلة مضاعفة ، والحل يكمن في ماذا ؟
في تربية هذا الإنسان الفرد ؛ حتى لا يكون ألعوبةً لمن يضحك على ذقنه ؛ فيدفع به إلى عالم يَحسب فيه أنه يحسن صنعاً ، وهو يسيء إلى نفسه ويسيء إلى غيره ، هؤلاء الذين جاء الله سبحانه وتعالى على ألسنة الأنبياء جميعاً بتكريس العدل أصبحوا يرفعون الجور دون أن يستحوا ، والسبب هو أنهم جهلة ، حمقى ، بسطاء ، سذج ، لم يركنوا ولم يلجئوا إلى ركن وثيق يبين لهم أن رسول الله في واد وما تقومون به في وادٍ آخر .
ليس من الإسلام ، ليس له في الإسلام سبيل ولا سبب ولا صلة ؛ لا من قريب ولا من بعيد ، هذه مشكلة !!
ذاك الظالم الخارجي يرتاح كثيراً ، لأنه إذا وجد في أعدائه بعضَ الحمقى يسمح لهم بأن يَعلوا صوتُهم حتى يخبو صوتُ العقلاء ؛ فيسهل عليه ضربُ العقلاء بهؤلاء السفهاء . الله سبحانه وتعالى يقول { وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُم } [النساء/ 5] فكيف بالأعراض ؟!
كيف بالدين ؟!
كيف بالسمعة ؟!
كيف بالتعاليم الإسلامية ؟!
هل تُسلَّم إلى سفهاء ينتقلون بالأمة من مطب إلى مطب ومن أزمة إلى أزمة ، وهكذا ، بل يسمحون لهذا السفه أن ينتشر ، وتتسع دائرته .

نفاق العالم الغربي

يُقتل منهم [ الغربيون ] ؛ بالظلم ، بالجور ، عشرة ، عشرون ؛ فينتفض العالم كلُّه انتصاراً لهؤلاء الذين قُتلوا ، ونُقِر أنهم قتلوا ظلماً ، لكن يقومون هم ومَن يلوذ بهم ، ومَن يدور في فلكهم ، بقتل المئات ، بل الآلاف ، بل عشرات الآلاف ومئات الآلاف ، فلا يتحرك في هذا العالم أحدٌ !!
السبب هو هذه الأمة ؛ التي أصابها شيءٌ من النحس لَما سلَّمت زمامَ أمرها لمثل هؤلاء الحمقى ، فاستجابوا لهم ، والله سبحانه وتعالى يقول { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا للهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ } [الأنفال/ 24] .
الأحمق لا يستشار ؛ فضلاً عن أن يُستعان به ؛ لأنه حتى لو كان صادقاً في نيته ، مخلصاً في دينه ، هو لا يحسن تدبيرَ أمره فكيف يُحسن تدبيرَ أمرك ! مثل هذا الذي لا يستشار كيف يستعان به ؟
كان عند العرب قبل في هذه السنيات شيئاً رجوا أن يكون ربيعاً فلما استعانوا بالحمقى حولوه إلى خريفٍ ! فأحرقوا البلدان ، وأفسدوا فيها ، وعاثوا فيها فساداً !
هل سيتخلص مَن استعان بهم ؟
وصلت اللحظةُ التي - إن كانوا عقلاء - سيتنبهون إلى أنهم أخطأوا في حق أنفسهم ، كما أخطأوا في حق غيرهم . مَن استعنتم بهم ؛ ظناًّ منكم أنهم سيحققون لكم الأهدافَ فإذا ببندقيتهم الحمقاء ترجع إليكم ، وإلى صدوركم ؛ حيث استعنتم بهم ، ونسأل الله عز وجل أن يكفي الناسَ جميعاً شركَّم وشرَّ مَن استعنتم به من الحمقى .

كيف نصنع مستقبلاً ناصعاً ؟


نحن كيف كأمة ، كمتدينين بهذا الدين الحسن ، بهذا الدين السماوي الذي ختم الله عز وجل به الديانات ، كيف نصنع لأنفسنا مستقبلاً راشداً ؟
لا حلَّ إلا أن نرجع إلى القرآن وما صح عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، ونسلك هذه الدروب فقط !
أما إذا سلكنا الدروب الأخرى فسنجد الويل ثم الويل لأنفسنا .
هذه الثنائيات - التي قلنا - إنما يتحرك نحوَها الناسُ من أجل أن يحققوا ما هو في مصلحتهم ، لكن بشرط أن يتوفروا على سلسلة من الشروط لابد أن يتوفروا عليها ، بعد أن يحسنوا تشخيصَ الواقع .
هذا التشخيص للواقع يتوقف على أن ننصت لصوت الحق ، وهو ما جاء في الآية الكريمة ؛ التي ذكرناها قبل قليل ، أن نستجيب لله وللرسول إذا دعانا لما يحيينا .
الآية التي سنقف عندها ، وسنؤجل الحديث إلى ما يأتي ، قول الله عز وجل في سورة النور ؛ بعد أن ساق عدداً من الآيات ، بيَّن فيها سلسلةً من الأخطاء التي يقع فيها المسلمون وكيف يجنبون أنفسهم الوقوعَ في مثل هذه الأخطاء ؛ كالبهتان ، قول الزور ، التعدي على الناس ، كيف ينجِّي الإنسان نفسه ، ليس من أخطاء الآخرين ، بل من أخطاء نفسه أولاً .
إذا لم ينجِّ الإنسانُ نفسَه ، ويصنع المستقبل الزاهر في نفسه وفي كينونته في الداخل ، لا يُرجى أن يكون عنصراً صالحاً لصناعة هذا المستقبل للآخرين .
يقول عز وجل فيها { وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ } [النور/ 34] .
سأؤجل الحديث - كما ذكرت - إلى الأسبوع الآتي ؛ حتى لا يطول بنا المقام .
لكن لاحظوا القاعدة التي تنطلق منها الآية ، هي أن الله عز وجل الخير منه ، والمستقبل هو أنا وأنت ، شرط أن نتوفر على التقوى ؛ وهو ما ينسجم مع قول الله عز وجل في المستقبل الآتي ، المستقبل الكبير حتى لا يشغلنا صنعُ المستقبل القريب عن صنع المستقبل البعيد .
ولا يقعْ في وهمنا أن هذا المستقبل القريب نستطيع أن نقطع صلتَه عن المستقبل البعيد ، يقول عز وجل { يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ } [الشعراء/ 88، 89] . فالسلامة الداخلية ، السلامة النفسية ، السلامة الفكرية ، السلامة الروحية ، ليس السلامة الجسدية التي يحرص عليها كلُّ الناس ؛ وقد أمرهم الله عز وجل أن يقوموا بها ، لكن هناك ما هو أهمُّ منها ؛ لأن جسدك هذا سيلازمك وفقاً لهذه السنين التي قدَّر الله عز وجل أن تمكث فيها على هذه الأرض ، خمسين سنة ، ستين سنة ، سبعين ، أقل ، أكثر ، ثم يختار اللهُ عز وجل أمانته ، ويعيدك إليه . بدنك - هذا - سيبقى في الأرض ، أما روحك وقلبك ؛ وهو الذي يتأسس عليه مستقبلك الناصع ، هذا ما ينبغي أن يُعالج ، ومرضك القلبي - جسدياًّ - ليس فيه الكثير من العناء ، الأخطر من ذلك ، بل لا قياس بين الخطرين ، هو أن يكون قلبُ الإنسان الإنساني ، روحه مريضة ، مثل هذا الإنسان يُخشى عليه أن ينتهي مصيره إلى مصير مثل هؤلاء المجرمين ؛ وإن رفعوا شعار ( لا إله إلا الله محمد ، رسول الله ) ، أو شعار أولئك الذين بحمقهم ظنوا أن مصيرَ فرعون سيكون بعيداً عنهم !
لا ، حتى فرعون لَما قال له الحقُّ قال آمنت بالذي { آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ } [يونس/ 90] ، لكن إذا وصلت المسألة إلى الحلقوم والحنجرة ، وانتهى المصير النهائي ، ليس هناك فائدة أن نصحح أخطائنا في اللحظات الأخيرة ، الأهم من هذا أن لا نسلك الطريق الخاطئ ، وإذا - لا سمح الله - وقعنا فيه أن نصححه في وسط الطريق ، أما في نهاياته فهذا تصحيحٌ غيرُ مضمون النتائج .
أسأل الله عز وجل أن يأخذ بأيدينا وأيديكم إلى ما يحب ويرضى .
اللهم صل على محمد وآل محمد .
اللهم كن لوليك الحجة ابن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه ؛ في هذه الساعة وفي كل ساعة ، ولياًّ ، وحافظاً ، وقائداً ، وناصراً ، ودليلاً ، وعيناً ؛ حتى تسكنه أرضك طوعاً ، وتمتعه فيها طويلاً .
اللهم انصر الإسلام والمسلمين ، واخذل الكفار والمنافقين . اللهم اشف مرضانا ، وارحم موتانا ، وأغن فقراءنا ، وأصلح ما فسد من أمر ديننا ودنيانا ، ولا تخرجنا من الدنيا حتى ترضى عنا يا كريم .
وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين .


هوامش:

(١) أصول الكافي ، ج 2 ، ص 183 ، كتاب الحجة ، باب معرفة الإمام والرد إليه ، الحديث 7 .

الأحد، 14 ديسمبر 2014

السيد حسن النمر يشارك في خدمة زوار الإمام الحسين (ع)

شارك السيد حسن النمر في خدمة زوار الإمام الحسين (ع) وذلك في زيارته للعراق بمناسبة أربعين الإمام الحسين عليه السلام. 
وقال أحد المرافقين للسيد حسن النمر في زيارته إن أجواء الزيارة برفقة السيد كانت إيجابية.




الأحد، 30 نوفمبر 2014

المواقف بين المعيارية والذاتية



نص الخطبة التي ألقاها السيد حسن النمر بعنوان «المواقف بين المعيارية والذاتية» يوم الجمعة ٦ صفر ١٤٣٦ هجري في جامع الحمزة بن عبدالمطلب بمدينة سيهات.

 

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيد الخلق وأشرف الأنبياء والمرسلين محمد بن عبد الله وعلى آله الطيبين الطاهرين .

رب اشرح لي صدري ، ويسر لي أمري ، واحلل عقدةً من لساني يفقهوا قولي .

عباد الله ! أوصيكم - ونفسي - بتقوى الله .

كيف يجب أن نبني مواقفَنا ؛ في المسائل كلها ؟

هذا سؤالٌ يُلِح علينا ؛ من حيث أو من حيث لا ننتبه . لأننا لا يمكن أن نكون لا أباليين في ما يُطرَح علينا من مسائل ؛ في ما نقرأه ، أو في ما نسمعه ؛ من القريبين منا أو البعيدين عنا ، في مختلف صنوف المعرفة ، في مختلف صنوف حقول التعامل الاجتماعي في أكثر من صعيد .

هذا ما أريد أن أقف عنده في هذه الخطبة ، وخطبة أخرى ، وقد يمتد بنا الحديث إلى أكثر من ذلك لأهمية الموضوع .

فعنوان حديثي سيكون ( المواقف بين المعيارية والذاتية ) .

المواقف شرحنا ماذا نعني بالمصطلح . ما المقصود بين المعيارية والذاتية ؟

أقصد بذلك : أن الإنسان يمكن أن يبني مواقفَه بناءً على أسس ومعايير موضوعية ، تفرضها قواعدُ العلم والبرهان والمعرفة ، الدينية في المسائل المتعلقة بالدين ، والعلمية في المسائل المتعلقة بالعلم ، ونحو ذلك .

وهناك مَن يبني مواقفه على أساسٍ ذاتيٍّ مزاجيٍّ ، لا ينطلق من قواعد علمية . ولذلك ، تجده يحرِّم الشيءَ هنا ، ثم إذا به يفتي بحلية ما يشبهه تماماً في موردٍ آخر !! لأنه لا ينطلق من قاعدةٍ علميةٍ يرتكز عليها ؛ حتى يُحكم بأن حكمَ الأمثال - في ما يجوز وفي ما لا يجوز - واحدٌ . فلا يصح أن نقول أن ألف ؛ المساوي لباء ، حكمه كذا ، في حين أن الذي يشبهه تماماً نعطيه حكماً مغايراً ، دون أن تتفاوت الظروف ، دون أن تتفاوت الملابسات !

هذه أحكام ذاتية ، مزاجية .

ومن ثم نجد أن هناك اختلافاتٍ وتبايناتٍ بين الناس ، لا تستطيع أن تنزع فتيلَ التوتر بين الأطراف المتخالفين ؛ لأن هذين الطرفين ، أو أحد هذين الطرفين ، المتخاصمين - في هذه المسألة أو تلك - لا يحكمه البرهان ، لا يحكمه العلم والقواعد . وإنما ينطلق من مزاجية . يعرف أن هذا الموقف الذي اختاره ليس موافقاً للعلم ، لكن لأنه انطلق من فلان ، وتبناه فلان ، أو يخدم فلاناً في ثمراته ، نجده يرفضه !

ولو أن المسألة لم يتصدَّ لها مَن هو على خلافٍ معه قد يختار الموقفَ نفسَه .

نبتلى بهذا ؛ لأننا في ساحاتنا بين الفينة والأخرى ، نجد أن ثمة مسائلَ تُثار ، ويدخل الناس فيها في حالة من التجاذب ، لو أننا استطعنا أن نؤسِّس في أنفسنا - على مستوى الفكر ، وعلى مستوى الاختيارات النفسية - بنيةً علميةً جيدةً لسهُل علينا أن نتعاطى في هذه الموارد ، دون أن نقع في حالة من التنازع ، نهانا الله سبحانه وتعالى عنها ، وبيَّن لنا لها خطورتها .

حيث يقول { وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ } [الأنفال/ 46] .

أقدِّم بين يدي هذا الموضوع ؛ الذي هو - بطبعه - موضوعٌ طويلٌ ، ليس موضوعاً قصيراً ؛ حتى يُعالَج في خطبة أو خطبة أو ثلاث . لا ، في الحقيقة قد يستغرق الإنسانُ عمراً كاملاً ليبني نفسَه بناءً جيداً ؛ حتى تكون مواقفُهُ مواقفَ منتظمةً ضمن القواعد .

هناك خمس أسس ، ومنطلقات ، ينبغي أن نضعها بعين الاعتبار .

 

 

 

1 - تحقق الاختلاف بين الناس

المنطلق الأول : هو أن الاختلاف واقع بين الناس

وهذا أمرٌ لا نحتاج أن نستدل عليه . الاختلاف بين الناس أمرٌ حاصلٌ ، في المسائل الفكرية ، والاقتصادية ، والسياسية . هناك مَن يريد أن يرفع سعر السلعة الفلانية ، هناك مَن يريد أن يخفض سعر السلعة الفلانية ، هذا له مبرراتُهُ ، هذا له مبادراته . قد يكون هذا مجانب للصواب تماماً وهو في خطأٍ تامٍّ ، وقد يكون الآخر بالعكس . وقد يكون عند هذا شيءٌ من الصواب ، وعند هذا شيء من الصواب .

فالاختلاف هذا أمرٌ حاصل في كل شي .

 

 

 

2 - سعة الاختلاف وتجذره

المنطلق الثاني : هو أن الاختلاف الحاصل بين الناس ؛ حتى في الأسرة الواحدة ، بل حتى الشخص الواحد أحياناً يجد نفسَه يختار شيئاً ثم يختار خلافه ، على خلاف ما ينبغي أن يفعله . كان ينبغي أن يكون موقفُهُ الثاني منسجماً ومتناغماً مع الموقف الأول لكن لأن النوازعَ عنده تفاوتت صار لديه اختياران متخالفان .

ولذلك ، تجدون العلماء حينما يلاحق أحدُهما الآخرَ ؛ في مناقشةٍ علميةٍ ، يسجل بعضَ الملاحظات بناءً على أن هذا الرأي ؛ الذي اختاره فلان ، لا ينسجم مع الذي اختاره لنفسه . يقولون وقع في تناقص .

حيث كان ينبغي أن يقول كذا ، على خلاف ما اختار ؛ لأنه يقول في الأساس الفلاني كذا .

المنطلق الثاني هو : أن هذه الاختلافات الحاصلة بين الناس اختلافات متجذرة ، ومتسعة . حتى يصح أن نصِفَها بأن اختلافات عمودية وأفقية .

المتدينون مختلفون في ما بينهم ، غير المتدينين مختلفون في ما بينهم ، أصحاب المذهب الواحد يختلفون في ما بينهم ، أصحاب المدرسة الفكرية الواحدة ، والاجتماعية الواحدة ، نجد أيضاً أنهم مختلفون .

فهذا الاختلاف - لأنه متسع بهذه الدرجة - ليس أمراً يمكن لنا أن نسوِّغ لأنفسنا أن نتجاهله ؛ لأنه لم يعد أمراً مهماًّ !

لا ، الحقيقة هو أن الأمر لم يقف عند هذا الحد .

المسائل التي ترتبط بالأفراد والجماعات أصبحت - أيضاً - يطالها الخلاف .

هل نتعامل مع القضايا الأم بهذه الطريقة أو بتلك الطريقة ؛ حتى مثل هذه المسائل أصبح يطالها . فغلِّب الفرعيُّ على الأساسي ، وتجاهلنا الأساسي لحساب الفرعيات !

ومن ثم تجد الأمم ، أمم تتقدم مشغولة بما هو مهمٌّ ، وأممٌ تتأخر وتتخلف لأنها مشغولة بما هو غير مهم ، بل يصح أن نقول بالتوافه ! بالتوافه !

لا أريد أن أدخل في بعض العناوين ؛ حتى لا نجرح أحداً في عاطفته ؛ لأنه بالفعل نحتاج إلى أن نحافظ على مشاعر كثيرٍ من الناس ، وإلا ثمة أموراً هي أشبه بالتوافق فعلا أصبحت تشغل الأمة ، وتستهلك الكثيرَ من وقتها ؛ حتى قضايانا الأساسية .

 

 

 

سفاسف الاختلافات وقضايا الأمة الكبرى - فلسطين مثالاً

من باب المثال ( فلسطين ) .

فلسطين التي هي من أقدس مقدسات قضايا الأمة ، بل من أقدس مقدسات القضايا الإنسانية . ليس هناك بلدٌ محتلٌّ في العالم - بالمعنى المعروف - إلا فلسطين ، ثالث الحرمين ، أولى القبيلتين ! اليهود والصهاينة يهودون ويصهينونها ! وبعض أبناء جلدتهم ، بعض أبناء منطقتنا ، مشغول .

أنت فاسق أو مؤمن ؟!

أنت مشرك أو مسلم ؟!

أنت معنا أو ضدنا ؟!

فبدل أن تتوجه بندقيته ، اهتماماته ، لتحرير القضايا الأم ، والمسائل الأم ، يشغل الأمةً ، ويلهيها في ما لا ينبغي أن تشتغل به !!

هذا يفرض علينا أن ندرس هذه المسألة ؛ حتى نحسن اختيارَ المواقف .

 

 

 

3 - الاختلاف مذموم وحميد

المنطلق الثالث : هو أن الاختلاف ليس دائماً مذمومٌ ؛ حتى يأتي أحد يقول لا تختلفوا! !

الناس - بطبيعة الحال - سيختلفون . ذهنيات الناس ، عقليات الناس ، قابليات الناس ، الزوايا التي ينظر الناسُ منها إلى المسائل لا يمكن أن تكون واحدةً .

المرأة تفكر بطريقة ، الرجل يفكر بطريقة ، الغني يفكر بطريقة ، الفقير يفكر بطريقة ، الطفل الصغير يفكر بطريقة ، الكبير في السن يفكر بطريقة ، الصحيح يختلف في نظرته على الإنسان المريض في بدنه ، وهكذا .

فثمة اختلافات هي أمورٌ منطقيةٌ .

ولذلك ، القرآن الكريم ، وآداب الإسلام لم تقل لنا ( لا تختلفوا ) . الله سبحانه وتعالى نهانا عن التنازع ، قال { وَلا تَنَازَعُوْا }. لم يقل لا تختلفوا . الاختلاف أمرٌ طبيعي .

ولذلك ، نجد أن الاختلاف - لأنه حميد - لا يترتب عليه أضرار 

ارم بصرك إلى الجامعات والحوزات العلمية ، في مستوى الأساتذة والعلماء ، نجدهم يختلفون . هذا يفتي بالشيء الفلاني . غسل الجمعة يجزي عن الوضوء أو لا يجزي ؟!

فقيه يرى أنه يجزي ، وفقيه آخر يرى أنه لا يجزي ، ولم يحدث بينهما أي مشكلة . هذا يلزمه أن يتوضأ مع اغتساله للجمعة ، وذاك الآخر الذي يرى أن الغسلَ يكفيه لا يجد نفسَه مضطرا لأن يجمع إلى الغسلِ الوضوءَ . وهذا لا يعيب هذا ، كما أن الآخر - أيضا - لا يعيب الأول .

وذلك أن هذين عالمان يختلفان اختلافاً مشروعاً ، واختلافاً محموداً ليس فيه أي مشكلة .

لكن إذا دخل الجهال ، والجهال تُطلَق على معنيين :

1 - الجاهل هو الذي يقحم نفسه في مسائل علمية لا يعرفها .

2 - والجاهل الذي لا يتأدب بالآداب الشرعية .

هذان إذا دخلا في المشكلة يحدثان للأمة أزماتٍ ؛ ما كان ينبغي لها أن تدخل فيها .

طبعاً ، الأمر لا يقف عند حدود أن يختلف هذا الطرف عند ذاك الطرف .

لا ، إذا اختلف هذا مع هذا ، وكانوا من مثل هذه الشريحة ؛ التي - للأسف الشديد - لم تتفقه ولم تتعلم العلوم المناسبة ، أو لا سمح الله لم تتأدب بالآداب المناسبة ، رأساً تخرج المنشورات واليافطات . قاطعوا فلانا ، لا تحترموا فلان !!

أي علم هذا الذي يدعوك إلى أن لا تحترم اختيارَه الذي اختاره ؟!

هو عبر عن اختياره بطريقة لم يجرح فيها أحداً ، لك أن تعبَّر عن رأيك بطريقة لا تجرح فيها أحداً . هو يرى أن الأمر غير مناسب ، وذكر أدلة ومبرراته . لك أن تذكر أن هذا أمرٌ غير مناسب ، أو غير صحيح ، دون أن تدخل في مسألة المقاطعة .

لأن هذا - للأسف الشديد - نوع من أنواع الإرهاب الفكري ! يؤسس لنا لمثل هؤلاء المتوحشين الذين ابتليت بهم هذه الأمة ، ولا يجدون طريقةً من طرائق التعبير عن اختلافهم مع الآخرين إلا بالكلام الجارح أولاً ، ثم بالأفعال العنفية ، والأفعال الإرهابية التي أصبحت وبالاً على هذه الأمة ، ووبالاً على هذا العالم .

 

 

 

4 - الجميع يطلب الحق أو يدعيه 

المنطلق الرابع : هو أن الجميعَ إما أنه يطلب الحق ، أو يدعي أنه محق .

لا يستطيع طرفٌ أن يحتكر . حينما يقول أنه محق ، الطرف الآخر يقول أنه محق ! فلا داعي أنك تعتقد أنك محقٌّ في ما تدعيه ، أن تسلب الآخرَ كلَّ حقوقه بزعم أنك محقٌّ !

عليك أن تنتبه أنه يبادلك المشاعرَ نفسها ! هو أيضاً يرى أنه محقٌّ ، وليس له أن يسلب هذا الحق .

فإذا لم نتعلم كيف يتعايش الناسُ في حالات الاختلاف ، سيكون مآل هذه المجتمعات ، ومآل هذه الأمة ، إلى أن يفني بعضُها بعضاً ! ولسنا في حِل من ذلك .

ليس في هؤلاء أحدٌ يملك الحقَّ مئة بالمئة ؛ كما لو كان معصوماً من عند الله عز وجل !

هذا أمرٌ - في عقيدتنا - محصورٌ في أهله .

من هم أهله ؟

هم رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، والأئمة المعصومون ، والسيدة الزهراء ( عليها أفضل الصلاة والسلام ) .

ما عدا هؤلاء ، المجتهد مجتهد ؛ يصيب ويخطئ . بقدر ما يعتقد أنه مصيب الآخرُ يعتقد أنه مصيبٌ . يُحتمل أن هذا مخطئ ، يحتمل أن ذاك مخطئ .

مجال النقاش العلمي لا بأس به .

شخص يختار هذا الرأي ، هذا من حقه ، وله أن يذكر أدلتَه العلميةَ ؛ حتى - أيضاً - لا نبتلي بما ابتلي [ غيرنا ] .

ونحن مدرسة تعلمنا كيف جُرِحنا ، كيف أوذينا ! ليس من اللائق أن نكرر الخطأ الذي وقع فيه خصومنا وأعداؤنا في حق بعضنا بعضاً .

نشوه سمعةَ الطرف الآخر لأننا نريد أن نبرر كيف نخاصم فلاناً بغير حق !

لا ، اذكر رأي غيرك بالإنصاف ، ثم ناقشه بالإنصاف . فإذا وصلتما إلى طريق مسدود يحترم رأيك وتحترم رأيه . وإلا ما الذي ستنتهي إليه حال هذه الأمة ؟

تُستهلك كل قوى هذه الأمة ، ويتربى عندنا جيلٌ - للأسف الشديد - يفقد الثقة في العلماء ، في المثقفين ، يصبح جيلاً متفلتاً ، لا يستطيع أحدٌ أن يوجه له نقداً ، لا يستطيع أن يوجه له أحدٌ توجيهاً . والسبب هو أن من كانوا قدوتهم وأسوة لهم لم يحسنوا التعامل في مسألة كان ينبغي أن يكونوا قدوة أخلاقية .

فالاختلاف ليس - دائماً - اختلافاً مذموماً .

هناك اختلاف محمود ، واختلاف موضوعي ، واختلاف منطقي .

الأمر الآخر الذي ذكرناه ، هو أن الجميع يطلب هذا الحق أو يدعيه . 

 

 

 

5 - تنظيم الاختلاف

المنطلق الخامس ، وأختم به الحديث ، هو : أن من الضروري ، بعد هذا التمهيد ، أن نسعى في تنظيم الاختلاف ؛ حتى نحوِّل ذلك إلى ثقافة .

لكي لا نحتاج أن نكرر نفسَ التوجيهات ، في كل مرة يحصل فيها خلاف ، أيها المؤمنون ، أيها المسلمون ، هذا من الموارد الاجتهادية ! يعني أنه في مظنة الاختلاف ، يعني أنه ليس من المستغرب أن يكون فيه أكثر من رأي ، وأكثر من اختيار ، وينبغي أن تُحترم هذه الآراء ؛ دون تجريح .

نعم ، من حقك - كما ذكرنا - أن تذكر وجهة نظرك ، ومبرراتها ، ومسوغاتها ، وفوائدها ، وثمارها . لكن حذار أن تحتكر الحق كما لو لم يكن يمثِّله إلا أنت !

ثم يأتي يقول : فقط أنا مع الإسلام ! فقط أنا مع الإيمان ! فقط أنا أحترم رسول الله وأهل البيت .

لا ، كل الناس ، كل المسلمين ، يفترض أن نتعامل معهم أنهم يحترمون الله ، يحترمون رسول الله وآل البيت .

لا داعي أن تحتكر ذلك ؛ لتؤسس - ما يقوله بعض المربين - أن الإنسان ؛ إذا أراد أن يغتاب . المؤمن لا يغتاب مؤمناً . فماذا يفعل الشيطان ؟

يدفع هذا الذي يريد أن يغتاب إلى أن يحفر حفرةً - لهذا الذي يريد أن يغتابه - يسلب منه الإيمان ، ثم يهجم عليه .

فإذا سئل : هذه غيبة !

قال هذا ساقط العدالة . هذا أصلاً حقوقه ليست محفوظة .

لا ، ينبغي أن نراعي هذه المسألة بالشكل المناسب .

وإلا سيحصل محاذير ، ومحظورات ، وأضرار ، يتصور بعضُ الناس أننا قادرون على أن نسيطر عليها ، ونتداركها !

لا ، مَن يطلق وحشاً قد يتصور أنه يستطيع السيطرةَ عليه ! لكن قد يفاجئه هذا الوحش اللاأخلاقي ، الوحش الاجتماعي ، الوحش السياسي ، أنه يفوق قدرته على أن يسيطر عليه .

وأضرب على ذلك مثالاً ؛ حتى أنهي به حديثي .

 

 

 

داعش التنظيم وليد ثقافة وبيئة

داعش ليس صنيعة مجموعة من الصبية ، مجموعة من الجهال ، أرادوا أن ينتصروا للإسلام !

لا ، داعش التنظيم هو وليد داعش الثقافة . داعش البيئة التي احتضنته . عشرات من السنين ، إن لم نقل مئات من السنين . هناك من يؤسس لمثل هذا الفعل ، ثم يقول نحتاج إلى عشرات من السنين ، لنجتثه .

وأقول لهم - بكل صراحة - : حتى عشرات السنين لا تستطيع أن تعالج مثل هذا التوحش ، إذا أردتم أن تقف عند حدود اجتثاث الثمرة . إذا لم تُجتث تلك الشجرة التي ولَّدت لنا مثل هذا التنظيم الخبيث ، والثقافة الخبيثة ، هذه الثقافة ستعبر عن نفسها بطريقةٍ اليومَ ، وستعبِّر بعد غدٍ بطريقةٍ أخرى ، كما عبَّرت - عبر التاريخ - بطرائق مختلفة .

ولذلك ، إذا رجعنا إلى دين الإسلام نجد أن اللهَ سبحانه وتعالى ذكر لنا نماذجَ عديدة ، النبي الأعظم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) عزَّز هذه الثقافة ؛ حتى نجتث منابعَ هذه الاختلافات ، لنتجه جميعاً بالعمل بتقوى الله سبحانه وتعالى ؛ عبر بناء المواقف على أساس المعايير ، وليس على أساس المزاجية والذاتية .

أقول قولي هذا ، وأستغفر الله لي ولكم .

اللهم صل على محمد وآل محمد .

اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن ، صلواتك عليه وعلى آبائه ، في هذه الساعة ، وفي كل ساعة ، ولياًّ ، وحافظاً ، وقائداً ، وناصراً ، ودليلاً ، وعيناً ؛ حتى تسكنه أرضك طوعاً ، وتمتِّعه فيها طويلاً .

اللهم انصر الإسلام والمسلمين ، واخذل الكفار والمنافقين ، واشف مرضانا ، وارحم موتانا ، وأغنِ فقراءنا ، وأصلح ما فسد من أمر ديننا ودنيانا ، ولا تخرجنا من الدنيا حتى ترضي عنا يا كريم .

وصلى الله علي محمد وآله الطيبين