‏إظهار الرسائل ذات التسميات الشيخ عبد الهادي الفضلي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الشيخ عبد الهادي الفضلي. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 1 فبراير 2015

التنبؤ بعلامات الظهور

"ظاهرة الانتظار موجودة عند الشيعة، حتى قبل أن يولد الإمام المهدي -عجل الله تعالى فرجه الشريف-، والشحن العاطفي عند الشيعة ينبع من الولاء لأهل البيت (ع)، وجاء الانتظار نتيجة الاضطهاد الذي عانى منه الشيعة، فكانوا لا يرون خلاصًا من هذا الظلم والاضطهاد إلا بخروج الإمام المهدي (ع)، فكانوا يعيشون انتظاره، يعيشون على العلامات، وهذا لا يكفي.
السلبي في ذلك أن يتمثل انتظارنا لخروج الإمام في أن يخرج ليعمل بالمعجزة، ويطور العالم بالمعجزة.. النبي (ص) لم يعمل لتطوير العالم عن طريق المعجزة، وإنما استعمل
الطرق الطبيعية المألوفة. فنحن إذن بحاجة إلى أن نهيئ الظروف التي تساعد على خروج الإمام، وقد تناولتُ هذا في محاضرة طويلة بعنوان (مَن ينتظر مَن ؟).
أما أن نبقى على حساب الحوادث، هذه الحادثة من علامات الظهور، وهذه الحادثة من علامات الظهور.. نعم، نقول إن شاء الله أن تكون كذلك، ولكن هذا لا يكفي. في الواقع، نحن علينا واجب تهيئة الظروف."
من كتاب (حوارات في الدين والفكر واللغة) مع العلامة الفضلي (رض)

الأربعاء، 27 أغسطس 2014

مواقف مع العلامة الشيخ عبد الهادي الفضلي

ذات مساء .. كلفني أحد الأخوة الأعزاء بإيصال امانة لسماحة الدكتور الفضلي رحمه الله .. و هي مجموعة من كتب السيد فضل الله قدس سره عليها اهداؤه و ختمه للدكتور ..
سأنقل هنا ثلاثة مواقف أثارت دهشتي حسب ما فهمته و أتذكره من كلام الشيخ مراعاة لدقة النقل .. و الله على ما أقول شهيد .. و الهدف من نقلي اقتناص الدروس و العبر من سيرة هذا العملاق
الموقف الاول :
كان الدكتور متعبا جداً لعودته من رحلة علمية الى احدى القرى النائية في اليمن ، حيث قصدها - رغم كبر سنه - لتوثيق احدى لغات العرب و التي لم يزل اهل تلك القرية محتفظين بها .

فعلا ..
يجب ان نشعر بالخجل نحن الذين ندعي الرسالية و الفكر و المعرفة حين نخدع أنفسنا بقولنا : لقد قدمنا الكثير و يجب ان نتوقف الان لنتفرغ لأنفسنا !!!

الموقف الثاني:

تطرق سماحة الدكتور الفضلي ـ رحمه الله ـ في تلك الليلة إلى فكرة إنشاء جامعة أهلية تعطي شهادة البكالوريوس في تخصص العلوم الإنسانية و الإدارة و الإقتصاد ، و قد تقدم شخصيا بطلب رسمي لوزارة التعليم العالي ، و لا زلت أتذكر مضمون كلمته : ( أنني أعرف سلفا أن طلبي هذا لن يلقى القبول لكنني أريد أن أوصل رسالة بأن هذا الأمر هو حق مشروع لا يخالف نظام الدولة ) ..
هذا الموقف وجه بوصلة التفكير نحو جوانب مثيرة قرأتها في شخصية هذا المفكر العظيم و هي :
ـ سعة أفقه و بعد نظره : فمنذ ذلك الوقت تقريبا 1995م و الدكتور كان يتنبأ بأن هناك حاجة ملحة في الخليج لوجود جامعات أهلية و أن فرص نجاحها كبيرة على المستوى العلمي و الاقتصادي أيضا .. و هو ما نلاحظه الآن في نمو قطاع التعليم الجامعي الأهلي .
ـ الدكتور كان يترجم قناعاته إلى أفعال .. يعمل بصمت .. لا يبحث عن عذر أو مبرر لتجميد الفكرة .. كان يعلم مسبقا بأن وزارة التعليم العالي سترفض طلبه .. لكن لسان حاليه يقول : وظيفتي أن أتحرك .. و التوفيق بيد الله تعالى .. على عكس الأبواق التي نسمعها صباح مساء .. و هي لم تقدم غير إثارة الفتن و الفرقة و الشحن و التنظير الأجوف !!!
ـ أنه رحمه الله كان ينأى بنفسه عن أي بعد طائفي أو فئوي في حركته ـ للأمانة هذا ما فهمته من موقفه و قد أكون مشتبها ـ لكني شعرت انه لم يضف صبغة دينية او مذهبية على مشروعه الجامعي ، كما أنني أعتقد أنه يفضل العمل تحت المظلة النظامية سعيا لاستمرار المشروع و لضمان سلامة القائمين عليه فيما لو كان ذلك مخالفا لنظام الدولة.


الموقف الثالث :

كنت مترددا في سؤالي عن رأي الدكتور في مرجعية السيد فضل الله .. 
خصوصا و أنه قليل الكلام في الموضوعات المثيرة للجدل .. لكن الأمر كان متعلقا ببحث البعض عن تكليفهم الشرعي في تقليد السيد فضل الله ..
قلت له : ما هو رأيكم في تقليد السيد فضل الله ابتداءا .. 
سكت قليلا .. ثم أجاب :
( السيد فضل الله مجتهد عدل .. و تقليده مجزيء و مبريء للذمة ) .
قلت له : لكن مرجعيته لم تطرح في الأحساء بل .. إن الهجوم عليه أصبح عادة سنوية عند بعض الخطباء و رجال الدين في وفاة الزهراء ع ، فهل تجد ذلك مبررا لعدم توجيه الشباب نحو تقليده خصوصا المبتدئين ( التقليد ابتداءا ).
كانت نظرة الدكتور شاردة .. ثم قال:
كل من يسألني من الشيعة المغتربين في اوروبا و أمريكا و استراليا عن تقليد السيد فضل الله أقول له أنه مجزيء و مبريء و أكثر ملاءمة لهم ، و كما أني ـ نص عبارته ـ ( وجهت حزب الدعوة العراقي بالرجوع في التقليد للسيد فضل الله ).
ثم دار نقاش حول رأيه رحمه الله في مسألة الأعلمية .. و أعتقد أن الدكتور له رأي خاص .. ربما كان أكبر من مستوى فهمي و استيعابي لذلك لن أذكره هنا ..

الفكرة التي أتمنى أن نعيد قراءتها جميعا من هذا الموقف .. ليست اجترار النقاش المثير حول شخصية و فكر السيد فضل الله قدس سره ..
بل حول طريقة تعامل هذا الرجل العظيم مع القضايا المثيرة للجدل و التي تشغل أشباه العلماء و أنصاف المثقفين صباح مساء .. حتى بات تسجيل مقطع يوتيوب أو إلقاء خطبة تهدف إلى تكفير المؤمنين و تسقيط المفكرين و توجيه التهم بالعمالة و الضلال و الانحراف جزءا من حياتنا اليومية.
هييييييييي .. أنتم .. يا أشباه العلماء .. و يا أنصاف المثقفين 
كان الدكتور الفضلي خليل الشهيد الصدر و ربيب السيد الحكيم و ثقة السيد القائد .. 
لكنه لم يتعامل يوما ما على أنه ظل الله في أرضه و حجته على عباده .
كان الرمز الأكاديمي و العلمي و الحضاري ..
لكنه لم يتنصل من ثوابته و لم يدع ِّ الإنقلاب على الموروث الديني و الروحي .

لا إعتراض على الموت .. 
لكننا فعلا .. نفتقد تلك الدقائق التي نسترقها في مجلسه المبارك لنخرج و نحن ننتشي ثقة و فخرا بأن علماءنا ليس كمثلهم علماء.

الفاتحة لروحه الشريفة

السبت، 16 أغسطس 2014

العلاّمة الفضلي والتّجديد في المقرَّرات الدِّراسية.. مطالعة عامة في التجربة

إذا أردنا أن ندرس المنجزات التي حققها العلاّمة الدكتور عبد الهادي الفضلي منذ التحاقه بالدّرس الحوزوي في البصرة على يد والده عام (1365ﻫ) وحتى رحلته في عام (1434ﻫ)، فستبرز أمامنا مجموعةٌ من المنجزات المهمّة وعلى مستويات متعددة؛ إلاّ أنّ مشروع (تجديد المقررات الدِّراسية) سيأتي في طليعة هذه المنجزات؛ فصار كالقرين لاسمه، فلا يُذكر هذا الملف إلا وتجربة العلاّمة الفضلي تأتي في الصّدارة.
لو أردنا أن نؤرِّخ للدِّعوة إلى التَّجديد في المقرَّرات الدِّراسية الحوزوية، فإنَّنا سنجد أنّ الدّعوة الجادّة كانت مع بدايات النصف الثاني من القرن العشرين الميلادي، ففي النّجف الأشرف كان للشيخ محمَّد رضا المظفر (1383ﻫ) والسيد محمَّد تقي الحكيم (1423ﻫ) الدّورُ الأبرز في دفع حركة هذا التجديد وجدّيّته خطوات أساسيّة، من خلال المشروع البارز أعني به (كلية الفقه)، فاللأوّل كتابا (المنطق) و(أصول الفقه)، والثّاني كتابه الرّائد (الأصول العامّة للفقه المقارِن)، لتتوالى من بعدهما المشاريعُ في هذا الإطار.
ويمكننا ـ ومن دون شكّ ـ أن نظمّ إلى جانبهما تلميذَهما الدكتور الفضلي، الذي بدأ مشروعه التّجديدي في نفس هذه الفترة، بل كان مشاركاً في إيقاد تلك الشّعلة في (كلية الفقه) ، مما يعني أنّه رائدٌ من روّاد هذا الميدان بجانب أستاذيه المظفّر والحكيم.
هناك أمور ميّزت مشروع الفضلي عن سواه من أمثال هذه المشروعات، أذكر منها اثنين:

الأوّل: الفترة الزّمنية لإنجاز المشروع:

استغرق هذه المشروع من عمر الشيخ الفضلي ما يقربُ من نصف قرن، فكانت البداية منذ أن اختارته (جمعية منتدى النشر) في النجف الأشرف لتدوين كتاب (التربية الدّينية) الذي ألّفه قبل عام (1380ﻫ)، أمّا النهاية فمع كتابه (خلاصة الحكمة الإلهية) المؤلَّف عام (1427ﻫ).
لقد صنع الدكتور الفضلي لنفسه خلال هذه الفترة الزّمنية من الفرص ما لم تتوافر لغيره من المشتغلين على ملف التجديد، فتنوُّع الأنماط التعليمية التي تلقّاها (الحوزة والجامعة)، وتعدد البيئات والمراكز العلمية التي انتمى إليها وأعطى فيها (النجف ومصر وجدّة، ولندن)، راكمت في شخصيّته من التجارب التي كوّنت منها شخصيّة الخبير في تدوين المقرَّرات الدِّراسية.

الثاني: التّنوع المعرفي في المشروع:
صحيح أنّ روّاد العمليّة التجديدية كانوا من أصحاب الكفاءات العلمية ذات المستوايات العالية، كالشيخ المظفّر والسيد محمَّد تقي الحكيم في تجاربهما السابقة، والشهيد الصدر (1400ﻫ) في تجربته في (دروس في علم الأصول)، والشيخ محمَّد جواد مغنيّة (1400ﻫ) في تجاربتيه (علم أصول الفقه في ثوبه الجديد) و(فقه الإمام جعفر الصادق) وغيرهم، إلا أنّه لم يُقدَّر لتجارب هؤلاء الأعلام أن تكون شاملة للعلوم والمعارف المكوّنة لشخصيّة الطالب في الحوزة العلمية.
لقد كانت تجربة الفضلي ذات طابع شمولي، بمعنى أنّها ضمّت العلوم الأساسية والأخرى التي اعتَقَدَ أنّها تلعب دوراً في تكوين شخصية المتفقّه في الدِّين، فتنوَّع عطاء هذا المشروع ليشمل: علومَ القرآن الكريم، وعلومَ الحديث الشريف، والعلومَ العقلية، وعلمَ الفقه وأصولَه، وعلومَ اللغةِ العربية، وأخيراً المعارفَ العامّة.
إنّ تجربةً راكمت الكثير من الخِبْرات طوال هذه السنوات، واستوعبت هذا الكمّ من الدوائر العلمية والمعرفية، تستحقّ العناية من قِبل المعنيين بالدّرس الحوزوي؛ وذلك عبر خطوتين:

الخطوة الأولى: تقييم التّجربة بدراستها دراسةً موضوعية بمراعاة ظروف تولّدها، وموضِعيّة بالتَّركيز على كل دائرة من تلك الدوائر العلمية.
الخطوة الثانية: تقويم التَّجربة بتصحيح ما قد تكون مرّت به من إخفاقات، وتطوير ما انتجته من إنجازات.
يقول (رحمه الله) في إحدى حواراته: ((...لا بدّ من أن نغيّر في المقرر الدِّراسي بحذف ما لا بدّ من حذفه؛ لأنَّه أصبح من النظريات التَّاريخية التي لا يُستفاد منها في الواقع المعاصر... كما لا بدّ من إضافة ما لا بدّ منه من مواد علمية يحتاجها الطالب والدَّارس والباحث؛ ليكونوا بمستوى مقتضيات حياتنا الراهنة...))
هذا جانب عام مما قدّمه شيخنا العلاّمة الفضلي في حياته العلميّة الحافلة بالكثير من الظواهر التي تستحق تسليط الضوء عليها من قِبل المتخصصين

الأربعاء، 6 أغسطس 2014

الشَّيخ الفضلي.. مِن البصرة والنَّجف إلى جدة والقطيف

إذا جرى الحديث عن الإسلام السِّياسي العِراقي، بنسخته الشِّيعية، يحضر اسم الشَّيخ عبد الهادي الميرزا محسن الفضلي(1935- 2013)، وإذا جرى الحديث عن البحث الفقهي يحضر كتاب الفضلي “أُصول البحث”(1990)، هو وكتاب “منهج البحث الأَدبي”(1986) لكبير النُّقاد علي جواد الطّاهر (ت 1996) يُعدان مِن المراجع في هذا الضرب مِن المعرفة، بداية مِن تعيين موضوع البحث مروراً في تحضير مادته إلى إنجازه. بل إن الطَّاهر يأخذ بيد المؤلف مِن الخطوة الأُولى حتى يسلم مؤلفه إلى المطبعة.

قرأت في صحيفة “الشَّرق” السُّعودية نعياً للشِّيخ عبد الهادي الفضلي، مع صور من محطات حياته.
ولد بالبصرة العام 1935 مِن أب قطيفي وأم مِن آل البطاط بصرية، وتعلم في كتاتيبها، ثم انتقل للدراسة الدِّينية بالنَّجف، مجتازاً المراحل الثَّلاث: المقدمات والسُّطوح ودرس الخارج، وهذه المراحل تميزها الكتب التي تُدرس فيها، والدَّرس الخارج يعتمد على علم الأستاذ.

ظل الفضلي، حسب كتاب “قراءات في فكر العلامة عبد الهادي الفضلي”، الذي أعده نجله فؤاد، يتردد بين النَّجف والبصرة، حتى استقر بالنَّجف ليتركها العام 1971 إلى مدينة جدة، ويتعين مدرساً بجامعة الملك عبد العزيز، وكان قد نال شهادتي البكالوريوس والماجستير في اللغة، ثم بعثته الجامعة المذكورة على حسابها للدراسة بجامعة القاهرة، وعاد إليها العام 1976 فأخذ يُدرس علوم اللغة والأدب من صرف ونحو وعروض مع تدريس تحقيق المخطوطات. أسس بجامعة الملك عبد العزيز قسم اللغة العربية، وصار أول رئيس له، وعضواً مؤسساً دائماً في لجنة المخطوطات بالجامعة نفسها، وأشرف على رسائل الماجستير والدكتوراه فيها.
استفدتُ كثيراً مِن ذكرياته التي تضمنها الكتاب المذكور أعلاه، اثناء العمل في كتاب “مئة عام مِن الإسلام السِّياسي بالعِراق”، بمعلومة تفرد بها، أو بتأكيد أو نفي معلومات الآخرين، وهو يُعد معاصراً لفترة تأسيس حزب الدَّعوة الإسلامية، ويؤكد أن ذلك حصل نتيجة لتعاظم أمر اليسار بالعراق بعد يوليو/ تموز 1958، وكان مِن المتصدين آنذاك للعمل الإسلامي الذي بدأ منظماً العام 1959، ويؤكد الفضلي بأن الاتجاه كان في بداية الأمر بتسمية الحزب بالحزب الإسلامي، ولكن بسبب وجود هذا الاسم لحزب الإخوان المسلمين عُدل إلى اسم “الدَّعوة”.
كان الفضلي أحد أعضاء جماعة العلماء، التي تأسست بالنَّجف بعد تموز 1958 لمواجهة اليسار العراقي، الممثل بالحزب الشِّيوعي العِراقي، وكانت تتكون مِن فئتين: فئة العلماء الكبار وفئة الشَّباب، والفضلي مِن الفئة الثَّانية. يقول أحد هؤلاء الشَّباب آنذاك وهو السَّيد طالب الرِّفاعي الآتي: “انتخب هؤلاء عشرة مِن الشَّباب كطبقة ثانية بعد طبقتهم الأُولى، ويبقون تحت شُعاع العشرة الأُولى، ليكونوا مساعدين لهم، وكنت أحد هؤلاء الشَّباب مِن المعممين أيضاً. كان مِن العشرة الثَّانية: السَّيد محمد مهدي الحكيم، والسَّيد محمد سعيد الحكيم (المرجع الحالي بالنَّجف)، والشَّيخ عبدالحليم الزِّين، والشَّيخ عبدالهادي الفضلي، والسَّيد جعفر بحر العلوم، والشَّيخ محمد علي الزّين، والشَّيخ محمد مهدي السّماوي، ومَن فاتني ذكر اسمه، وأنا”(أمالي السيد طالب الرفاعي).

كان هؤلاء يتدربون على الخطابة بنمط جديد مختلف عن قراء المنبر الحسيني، أو الذين عرفوا بالرَّوزخونية، كي يواجهوا الثَّقافة المعاصرة ويؤثروا في طبقة المثقفين، ويتمكنوا مِن دحر خصومهم، ومعلوم أن اليساريين كانوا أهل ثقافة. والشيء بالشيء يُذكر أن مفردة الرَّوزخونية قد نحتت من اسم كتاب الملا حسين الكاشفي (ت 910 هـ) “روضة الشهداء”، أي قصة مقتل الحسين، وجرى تأليفها وقراءتها منذ العهد الصَّفوي (1501 -1723 ميلادية).

يحدد الرِّفاعي بأن الشَّيخ الفضلي كان مِن الأوائل الذين انتموا لتنظيم الدَّعوة، فـ”محمد مهدي الحكيم هو الذي صدح بالدَّعوة بعد المبايعة (مبايعة الانتماء للدعوة)، في 14 أو 15 تموز 1959 فأخذ يذهب إلى العُلماء ويحدّثهم ويحرّضهم، ويختار الطَّلبة المميزين، في الحوزة الدِّينية، ويأخذ منهم موافقات الانتماء إلى الحزب، وهو يتمُّ عادةً على شكل بيعة. وبعدها أخذ السّيد محمد باقر الصَّدر يُلقي دروساً عليهم ولم أحضرها، كانت دروساً تثقيفية، وكانت تُنشر في نشرة الدَّعوة، ومِن هؤلاء كان الشَّيخ عبد الهادي الفضلي”. وكان الأخير عضواً في هيئة تحرير مجلة “الأضواء” إلى جانب آخرين مِن الدَّعوة.

وبعد خروج السَّيد محمد باقر الصَّدر(اعدم 1980) تولى قيادة الحزب بالنَّجف جماعة بلا رأس؛ كان أحدهم عبد الهادي الفضلي، وقد دخل الأخير في النزاع بين أهل العمائم والأفندي داخل الحزب، وكان إلى جانب السَّيد طالب الرِّفاعي في هذا الأمر.
قاد الرِّفاعي والفضلي أول انشقاق في حزب الدَّعوة ضد الأفندية (غير المعممين). يقول الرِّفاعي: “وكان الشَّيخ عبد الهادي الفضلي يحمل مثل تلك الأفكار، في التَّمييز بين أهل العمائم وحاسري الرؤوس (الأفندية) داخل التَّنظيم. قال لي الفضلي: ألا رأيت ماذا فعل الأفندية بنا؟ فقلت له: صحيح ما تقول ولا بدَّ من أن نفعل شيئاً! فقال: أنا بخدمتك أبو آمنة! فصارحته: يجب أن نأخذ زمام القيادة في الحزب، أي كمعممين! فقال: أنا تابع لك، لكن أنا وأنت لا نتمكن مِن فعل شيء. فما رأيك بعدنان البكّاء! وكان حينها مِن المعممين. فقلت: إن البكّاء يأتي في الدَّرجة الرَّابعة، وأنا في الدرجة الأولى، وأنت في الثَّانية، في داخل التَّنظيم. أليس هذا يعتبر طفرة في تسلسل الدَّرجات الحزبية؟ فقال: أرى أن يكون معنا السَّيد عدنان البكّاء. وكان كذلك”(أمالي السَّيد طالب الرِّفاعي).

كلُّ هذا جرى في شرخ الشَّباب، وفي مواجهة ظرف عصيب، مثلما يعتبره الإسلاميون، فكان عمر الفضلي في تلك الأيام لم يتجاوز الخامسة والعشرين، لكن بعد ذلك توجه إلى الدرس وطلب العِلم، وألف كتباً عديدة تصل إلى خمسة وسبعين كتاباً، وبينها ما صدر في أكثر مِن مجلد. وأن فترة سبعة عشر عاماً (1971-1988) مِن التدريس وممارسة الإشراف العلمي بجامعة الملك عبد العزيز حتى تقاعده، ثم مواصلة الإشراف العلمي مِن الجامعة العالمية للعلوم الإسلامية بلندن، لم تبق السياسة والحزبية تشغلا حيزاً في نفسه.
لقد تعدته موجة الثَّورة الإيرانية، والموجة الدِّينية السياسية بسبب هذه الثَّورة وحرب أفغانستان، وانتعاش الإسلام السِّياسي بشتى أصنافه، فأصبحت تلك الأيام تاريخا وعبرا، ومَن ينجز خمسة وسبعين كتاباً ويترأس قسماً علمياً لسنوات طويلة، لا يجد فرصة للتفكير في حزب أو آيديولوجية. فماذا لو ظل الفضلي مقيداً بقيد الحزبية والعقيدة السِّياسية؟ السؤال لا أجيب عنه أنا، إنما يجيب عنه ما آل إليه الحال مِن هزيمة العقل.

سمعنا مِن الذين خالطوا الفضلي أنه كان إنساناً هادئ الطِّباع، صادقا مع نفسه ومع مَن حوله، يتمكن برزانته مِن استيعاب مخالفيه، والأوطان عنده تستوعب الجميع، وأن ترحاله بين المدن المختلفة في مذاهبها مدته بخبرة وتجربة، وأن مثلَ عِمامة عبد الهادي الفضلي لا تفرط في إنسانية ولا تعتمر على كراهية، فقد ولد ونشأ بالبصرة، تلك المدينة المختلطة، التي تعلم ساكنوها القدرة على التعايش، وتعلم بالنَّجف وصَلب عوده فيها، حيث مارس السِّياسة، دون أن تأخذه بعيداً، فما هي إلا أعوام ويفيق لتحقيق حلمه في العِلم، ثم وصل مدينة جدة وهو ناضج، وهي الأخرى مفتوحة لا تضيق بإنسان مثل الفضلي، ومات بالقطيف وشيع في مدينته سيهات، وكلها أسماء كتب التَّاريخ ورحلات الرحالين ملأى بأخبارها.

أخيراً، في حياة الشَّيخ عبد الهادي الفضلي، وهو يعبر مِن النَّجف إلى جدة بعمامته البيضاء، ما يخمد جمرة الطَّائفية، وقد احتل منزلةً علميةً بجامعة الملك عبد العزيز، كتلك التي احتلها ابن الكوفة محمد مهدي المخزومي (ت 1993) بجامعة الملك سعود بالرِّياض، ومازالت صورته معلقة على واجهة قسم اللغة العربية فيها، وقد وقفت تحتها.
إن في حياة الفضلي درساً عميقاً لمَن يتولى الشَّان الدِّيني، مغزاه: في الدِّين على مختلف مذاهبه فسحة، لا يضيق بها البشر، أليس الكتاب الكريم يقول: “وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ”(هود 118). ولنَّا التَّذكير بما قاله صالح الجعفري (ت 1979)، في ظرف حالك كظرفنا هذا(شعراء الغري):

لا دَخل للسِّان كلا ولا
يَلزمُ أنَ نُوحدَ المذهبا

الاثنين، 4 أغسطس 2014

الآراء الفقهية عند العلامة الشيخ عبد الهادي الفضلي

كتب العلامة أربعة أجزاء بعنوان دروس في فقه الإمامية، وهي لمرحلة التمهيد لحضور البحث الخارج، وطبع الجزء الأول عام 1415هـ بينما أنهاه العلامة عام 1413هـ ويعود تأليفه إلى فترة وجوده في جدة عام 1409هـ وما قبلها، وطبع الجزء الرابع عام 1429هـ، كما أنه كتب عدة رسائل فقهية: كالغناء، والرأي الفقهي في حلق اللحية، وولاية المرأة وغير ذلك.

ولم ينقطع العلامة عن العلم يوماً ما منذ خرج من النجف الأشرف بل ظل متواصلاً مع الفقه والفقهاء، وتشهد رسائله التسع مع الشهيد الصدر والتي امتدت بين عام خروجه 1391هـ إلى قبُيل استشهاد الشهيد الصدر، وكلّها تطفح بالعلم والتحقيق... وقد تناول العلامة في هذه المجلدات الأربع، الموضوعات التالية:

الجزء الأول :بحوث تمهيدية، التكليف الشرعي، الطهارة.

الجزء الثاني: بحوث تمهيدية لدراسة المعاملات المالية، ثم تناول مجموعة من النظريات والقواعد .

الجزء الثالث: المعاملات المالية القديمة والحديثة.

الجزء الرابع: معاملات البنوك التجارية.

في هذه الأجزاء الأربعة وفي غيرها من الدراسات التي كتبها تتجلّى فقاهة العلامة الفضلي، وفق منهج خاص ومحدد. واتسمت بحوثه الفقهية بعدة سمات، يمكننا أن نفهرسها بالتالي:

1)- البحث في تأريخ المسألة: فكان يستعرض المسألة الفقهية في بداياتها، وكيف تطورت عبر الأجيال، مما يساعد على فهمها بصورة صحيحة، مثال ذلك ما عرضه من تعريف الفقه، حيث بدأ بأقدم التعاريف، والذي لا يزال أثره باقيًا في الرسائل العملية والبحوث الفقهية، وهو تعريف شرح العضد لمختصر المنتهى، وكذلك في تحديد موضوع علم الفقه، والذي بيّن فيه السبب وراء اختيار القدامى أن موضوع علم الفقه هو: أفعال المكلّفين، وأن الأحكام الخمسة عوارض لأفعال المكلفين، وأن هذه الأحكام هي مسائل علم الفقه وليست موضوعه، وذلك لأن منهج البحث قديمًا يحدّد موضوع العلم بما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية كبدن الإنسان، فهو موضوع علم الطب، فإنه يبحث فيه عن أحواله (عوارض البدن ما تعرض على البدن) من حيث الصحة والمرض، وكالكلمة التي يبحث فيها عن أحوالها (ما يعرض على الكلمة) من حيث الإعراب والبناء. والعوارض الذاتية هي التي تلحق الشيء لما هو هو أي لذاته، كالتعجب اللاحق لذات الإنسان، أو تلحق الشيء لجزئه كالحركة بالإرادة اللاحقة للإنسان بواسطة أنه حيوان، أو تلحقه بواسطة أمر خارج عنه مساوٍ له، كالضحك العارض للإنسان بواسطة التعجب، فالبحث عند القدامى ينصب على المسائل لا الموضوع، بينما يرى المنهج الحديث أن المسائل هي موضوع العلم لأنه وضع ليدرس فسمي موضوعًا.

2)- الابتعاد عن المنهج الفلسفي، وسلوك المنهج العلمي

لأن الفقه اعتباريات، وليس تكوينيات، والفلسفة موضوعها التكوينيات لأنها تبحث في الوجود بما هو وجود.

3)-الابتعاد عن الطريقة الاستنتاجية، وسلوك الطريقة الاستقرائية

لأن الفقه عبارة عن جزئيات يتم البحث عنها بالاستقراء والتتبع لا الاستنتاج.

4)- فرز المصطلحات، والمقارنة بين الفقه الشرعي والقانوني، والمصطلح الاقتصادي:

مثال ذلك ما أوضحه في الفرق بين المعاملة في الفقه والمعاملة في القانون المدني حيث تكون المعاملة في القانون المدني مختصة بالمعاملة المالية ، وكذلك ما أو ضحه من فرق بين تعريف الفقه للمال وتعريف القانون المدني، فالمالية في الرأي الفقهي صفة للشيء، أو قل : قيمة اعتبارية للشيء، سواء تعلق به حق الإنسان أم لم يتعلق به. بينما هي – أعني المالية – في القانون تعني نفس الحق الذي يتعلق بذلك الشيء ذي القيمة المالية ، وكذلك ما ذكره من الفرق بين الحيازة في القانون والحيازة في الفقه ، والبيع في الفقه والبيع في القانون .

فالمصطلح الفقهي غير المصطلح القانوني، وكذلك هما غير المصطلح الاقتصادي، وكثيرًا ما يقع الخلط بينهما، فتأتي النتائج الاستنباطية متباينة، وقد يلتقي التعريف الاقتصادي مع التعريف الفقهي كما في ربا القرض أو القرض الربوي .

6) – الرجوع للمتخصصين في تحديد الموضوعات

مثال ذلك ما ذكره في البنك، فالبنك له أنظمته وقوانينه، ومسائله بعدُ لمّا تدخل دائرة الفهم العرفي وتستقر في أذهان الناس حتى يصبح فهمها ميسورًا لكل أحد، ليصح الاعتماد على الفهم العرفي والإرجاع إليه، ويعود هذا إلى أنها بعدُ لمّا تنتشر وتشيع في أوساطنا الاجتماعية الانتشار والشيوع اللذين يحققان لها فهمًا عرفيًا يعتمد عليه عند الرجوع إليه..لأن أتباع المنهج الفلسفي عند عدم القدرة على تشخيص الموضوع أو عدم وضوحه، أو لأجل الاحتياط بغية أن يتيقن الباحث من دخول الموضوع واحدًا من المحتملات، يأخذون بالمنهج المذكور فيعفون أنفسهم من عناء محاولة التحديد، مكتفين بطرح المحتملات، ومحاولة معرفة حكم كل واحد من هذه المحتملات التي تردد الموضوع بينها حسب اعتقاد الباحث، وقد لا يأتي الموضوع المبحوث عنه واحدًا من المحتملات.. وطريقة طرح المحتملات فيه شيء من الإطالة، كما أن البنوك حقيقة مادية (جزئيات) استقرائية، قائمة في واقعنا، ويمكن معرفتها عن طريق الدراسة الميدانية، ومما يؤخذ على الكتب التي تناولت الأعمال المصرفية عدم التوثيق لتحديدات وتشخيصات موضوعات البنوك التجارية، ككتاب الشيخ إسحاق الفياض: أحكام البنوك والأسهم والسندات والأسواق المالية (البورصة)، وفقه البنوك للشيخ محمد باقر الإيرواني المطبوع سنة 2002م، وذلك لأن التوثيق لابد منه، لأن المفاهيم البنكية لم تصل إلى مستوى الفهم العرفي، وثانيًا لأن هناك خلافًا في بعض المفاهيم البنكية عند المتخصصين في اقتصاديات البنوك، فعلى أيّها يستند الباحث؟ إضافة أن التوثيق شيء أساسي في البحوث العلمية، فلم يذكر في قائمة مصادر الكتاب الثاني (فقه البنوك) حتى اسم كتاب واحد من الكتب المؤلفة في البنوك التجارية من قبل المختصين باقتصاديات البنوك، كما أنه لم يشر إلى دراسة ميدانية قام بها المؤلف .

7) تصنيف الأقوال

كثرة الآراء قد تشوش الدارس، ومن الميزات التي حظيت بها بحوث العلّامة أن يعمد إلى تصنيف الآراء وجعلها مجموعات، فربما تصور الباحث لكثرتها أنها آراء متباينة ولكن بجعلها مجموعات ربما قلّ عددها إلى السدس، كما فعل العلامة في تصنيف تعريفات البيع والتي رجع فيه إلى ما يقرب ثلاثين كتابًا فصنفها إلى خمس مجموعات.

الاثنين، 21 يوليو 2014

تحرير العقل من نفسه قراءة في موقف العلامة الفضلي من جدل الأنماط

«عقلُ مَنْ يا عَقلُ فكَّرنا بـــه    ما لنا بالعـقلِ صرنــــا تُعَسَــــــاءْ
إنَّ بعضَ الظـــــنِّ إثمٌ وكـــذا    إنَّ بعضَ العقل في الإثم سواء»

مناسك عشق

بَيِّنٌ من العنوان أنَّ هناك عقلاً مُسْتَحوَذٌ عليه، ومُسْتَحوِذٌ، مأسورٌ وآسِرٌ، وأنَّ في البين إرادة تحرير تشكَّلت على الأساس من رؤية أنتجت موقفاً من جدل الأنماط متمثلاً هذا الموقف في منتج ملفت، يستدعي فعل قراءة تستجلي التحرير باعتباره قيمة إبداعية في العطاء الفكري للعلامة الفضلي. وهو ما تطمح إليه هذه القراءة.

 إشكالية النمط

تطلق كلمة النمط (Type) ويراد بها عدة معانٍ، كالنوع، والصنف، والطراز، وتطلق كذلك «على الطريقة الأساسية التي يصطنعها المرء لتوجيه طاقته النفسية»([1])، وإذا أشار المعنى الأخير إلى البعد النفسي في الشخصية الفردية كالانبساطية والانقباضية، فإن المراد هنا السلوك المنمَّط، ولكن على الصعيد الفكري.
لاحظ أنه -إلى الآن- لم يحضر المنهج (Gurricuium) فالنمط غير المنهج، إنه أخص منه، لأنه أعني النمط، لا في الإعلان عن الانتماء إلى منهج ما، وإنما أثناء ممارسة المنهج، فهو داخل في نسيجه، ولا يعدو سياقاته.
وإلا، فلماذا يظهر الفرق أحياناً بين باحثين ينتميان إلى منهج واحد، ويبحثان قضية واحدة لموضوع واحد، ولماذا يهيمن سياق على كثيرين يخرقه آخرون غير منمَّطين.
إن وحدة الموضوع والقضية والمنهج لا توحد النتيجة مطلقاً، وما ذلك إلا للتفاوت الحاصل في الأنماط ومستويات التعاطي معها ضمن تلك الوحدات كلها.
ومن هنا كانت الإشكالية.
ولكي نسلط الضوء على الوقوع في أسر التنميط لدى ممارسة العملية المنهجية لابد من الإشارة إلى نماذج انزلق فيها النهج نحو التنميط، ولأن العقل -هنا- بمثابة البؤرة من جدل الأنماط في عنوان القراءة هذه، فسأقتصر على مناهج الدرس الكلامي لرصد تنميطاتها رصداً نقديًّا مستفيداً من ترسيمة شيخنا العلامة الفضلي لتلك المناهج في خلاصة علم الكلام.

 المناهج الكلامية وانزلاقات التنميط

يؤكد شيخنا العلامة الفضلي أن «منهج البحث في علم الكلام، أو الطريقة التي يعتمدها الباحث في دراسة مسائله وقضاياه، أفكاره ونظرياته، يختلف باختلاف وجهات نظر علمائه ومدارسه التي تعرف بالفرق الكلامية في المنهج الذي ينبغي أن يتبع في دراسة وبحث الفكر الديني»([2]).
ما يعني أن تلك الفرق، أو المذاهب أو المدارس الكلامية لا تعدو في بناها المعرفية وفي هيكلية تنظيم أفكارها اختيار واحد من المناهج التالية:
- المنهج النقلي أو (البياني) الذي يعتمد على النص الشرعي وما يؤدي إليه مصدراً وتفسيراً...، وهو منهج أهل الحديث من الظاهرية، والسلفية، وغيرهما.
بيد أن النقليين يختلفون فيما بينهم، ولذلك كانوا مذاهب عدة، من ظاهرية وسلفية، وحشوية، و...، ولعل فرقة الحشوية تمثل بين أهل الحديث النقليين النموذج الأجلى في الوقوع في شرك التنميط، فقد وصل بهم الحد إلى القول عن الله سبحانه وتعالى أنه: «جسم من لحم ودم، وله الأعضاء حتى قال بعضهم: اعفوني عن اللحية والفرج وسلوني عما وراءه»([3]).
إنَّ أصول المنهج النقلي في جوهرها الصافي لا يمكن أن تسلم الناهج إلى هذا المستوى من الشطح والشطط، وإلا لوقع كل النقليين البيانيين فيما وقع فيه مشبِّهة الحشويّة الذين لم يبالغوا فقط، بل غالوا في الاستسلام للتنميط على انتهاجهم النقلي البياني.
- المنهج العقلي أو (البرهاني) الذي يلتزم البراهين والمبادئ العقلية الفلسفية الكلاسيكية وما ينسجم معها من أنظمة تفكير، وهو منهج المؤوِّلة -كما ينعتهم أهل الحديث- من معتزلة ومن تأثر بهم.
وقد ابتنى العقليون أصول منهجهم على ما يلي:
1- الضرورة العقلية (بداهة العقول).

2- سيرة العقلاء.
3- البديهيات العقلية (المنطقية) وهي: استحالة الدور واستحالة التسلسل، واستحالة اجتماع وارتفاع النقيضين.
4- المبادئ الفلسفية المسلَّم بها، مثل: مبدأ العلية، مبدأ القسمة إلى الواجب والممكن والممتنع.
5- اعتبار النصوص الشرعية مؤيدة ومؤكدة لمدركات العقل وأحكامه.
6- تأويل النصوص الشرعية التي تخالف بظاهرها مرئيات العقول وفق مقتضيات القرينة العقلية.
7- الأخذ بالمتشابه بتأويله في ضوء ما ينهي إليه النظر العقلاني»([4]).
واختلاف العقليين فيما بينهم أدى إلى مذاهب واتجاهات ضمن المنهج أو أن كثيراً من المذاهب والاتجاهات الكلامية تأثرت بالعقل الفلسفي الذي بلغ الذروة في المنهج العقلي لدى المعتزلة، فـ«لم يكن هناك عالم من علماء المسلمين بعد نشوء المدرسة العقلية على أيدي المعتزلة إلا وتأثر بمنهجهم منذ نشأتهم إلى يومنا هذا»([5]).
الأمر الذي يفضي إلى تشكيل تنميطات عدة ضمن المنهج العقلي بسبب كثرة المنتمين إليه، فالمعتزلة وحدهم يناهزون العشرين فرقة([6])، ومن تأثر بهم من مذاهب واتجاهات غير قليلين، ما يعني كثرة الشطط والوقوع في أسر النمط.
إن أصول المنهج العقلي المشار إليها -هنا- بتفصيل أكثر من أصول المناهج المساوقة انسجاماً مع كون البحث منصباً في أساسه على العقل وكيفية تحريره من أسر نفسه، ومن وقوعه في دائرة جدل الأنماط للمناهج الكلامية المصاحبة، أصول المنهج العقلي تلك لو تم ضبط إيقاعها لِتَسْلم من التورط في التنميط لما وقع منتهجوها من العقليين في الشطحات المبطنة ليقولوا بمثل نظرية العقول أو الأفلاك العشرة، وبمثل نظرية الواحد لا يصدر عنه إلا واحد، وبمثل المُثل الأفلاطونية وما إلى ذلك...، الأمر الذي سنقف عنده فيما بعد.
- المنهج التكاملي الذي يؤمن بإمكانية الجمع بين المنهجين (النقلي والعقلي) إذ لا تعارض بينهما في حقيقة الأمر، وهو منهج الإمامية والأشاعرة، وغيرهما من التكامليين أو (النقلعقليين).
إن أصول المنهج التكاملي (النقلعقلي) تبدو أكثر اتزاناً من أصول المنهجين (النقلي والعقلي) كل على حدة، بيد أنه ما وقع من نزوع نحو الوقوع في أسر التنميط لدى النقليين من جهة، ولدى العقليين من جهة قد يقع لدى التكامليين حين ينفلت من سيطرتهم ضبط الإيقاع بين الجهتين في كفتي الميزان.
بل الأدهى من ذلك، حين يدخل المنمَّط النقلي مع المنمَّط العقلي في جدل كي يتنافيا فإذا بهما يتحدان ليكوِّنا من اللا مقبول النقلي، واللا معقول العقلي مكوناً مركباً بصورة معقدة من الوقوع في أسر النمط التكاملي متوهماً أنه لم يشطح عن المنهج.
ولعل القول بالحقيقة المحمَّدية النموذج الأجلى لتكاملية توفيقية أو تلفيقية بين نصوص غير ثابتة سنداً ودلالة لدى المحققين من النقليين، وبين نظريات فلسفية لم تصمد أمام نقد المحققين من العقليين.
- المنهج الوجداني أو (الذوقي) الذي يؤمن بالتجربة الروحية طريقاً لتصفية الباطن وتربية الظاهر وإدراك الحقائق بالحدس والإلهام والكشف لا بالاستدلال والبرهان ما يؤدي إلى التعلق بما يدهش كالخوارق باعتبارها كرامات أو فيوضات تدل على القرب من المحبوب والاتصال بالمعشوق.
وهو منهج الصوفية.


ولأن الوجداني (الذوقي) تجربة شخصية فلا سبيل للبرهنة على معطياتها عقليًّا ولا حسيًّا، ومن هنا كان النكير عليه من الخصوم. قال ابن عربي (ت 638هـ): «وينكرون الذوق لأنهم ما عرفوه من نفوسهم، مع كونهم يعتقدون في نفوسهم أنهم على طريق واحدة، وكذلك هو الأمر، أصحاب الأذواق على طريقة واحدة بلا شك، غير أن فيهم البصير والأعمى والأعمش، فلا يقول واحد منهم إلا ما أعطاه حاله، لا ما أعطاه الطريق، ولا ما هو الطريق عليه في نفسه»([7]).
إذا كانت الطريق واحدة وفيهم البصير والأعمى والأعمش، ولكلٍّ أحوال ومقامات...، فكيف إذا كان لكل شيخ طريقة. إن من يقرأ الفتوحات المكية على سبيل المثال سيجد شواهد عدة للوقوع في أسر التنميط، وما تجارب بعضهم التي خلطت الخواطر بالخوارق والكرامات والإلهامات والأوفاق والطلسمات والحدوس إلا دليل على كثرة قبول الوجداني لما يوصف بشطحات الصوفية([8]) على الرغم من الكثير من جوانب الجمال في حالات الصفاء الوجداني إن لم تفترس من شطط الغلو ومن الوقوع في سحر النمط.
- المنهج العرفاني الذي يضيف الوجدان ويُعلي منه بجانب النقل والعقل في عملية تكاملية تؤمن بضرورة الجمع بين البياني والبرهاني والوجداني.
وهو منهج الإسماعيلية، وغير واحدة من الفرق الأخرى([9]).

والمنهج العرفاني تكاملي الأصول، ما يعني أنه مركب من النقل والعقل والوجدان، فيقال فيه ما قيل في المنهج النقلي، والعقلي، والوجداني، وما قيل أيضاً في المنهج التكاملي من حيث الوقوع في أسر النمط أحياناً، وفي مفارقة ضبط الإيقاع الداخلي لمكونات المنهج.

والعرفانيون كثر، لا يجمعهم مذهب واحد أو اتجاه محدد، إلا أنَّ منهجهم له خصوصية في إضفاء طابع عام على إنتاجهم يتَّسم بتحرك الوجداني بين البياني والعقلي؛ لذلك فإن الانزلاقات النمطية غير مأمونة إذا لم يضبط الإيقاع وإذا انضبط أشرق وانطلق بعيداً عن ظلمات النمط.

بين جدل المناهج وجدل أنماطها

لا شك أن المناهج الكلامية (النقلي/ العقلي/ التكاملي/ الوجداني/ العرفاني) كانت وليدة السياق الجدلي لدى الفرق الكلامية، ما يعني أن تشكُّل هوية لكل منهج واتضاح أصوله عنصر أساس في ضبط إيقاع الجدل فيما بين الفرق الكلامية على الأساس من وعي المناهج التي تحركها من الداخل وتعمل على الاستفادة من مرجعياتها الفكرية المتنوعة لتقوم فيما بينها عمليات تداخلية تخارجية تعمل -في جوانبها الإيجابية- على إبقائها في حالة من الحيوية والخصوبة المنتجة، وفي جوانبها السلبية تراوح منوالها فتصاب بالعقم والجمود...، فحينئذٍ ستتوالد الأنماط فيما بينها، فتطغى على الجو لتأسر العقل الفطري وتكسر أجنحته، ليصبح في قفص العقل المنهجي معتقلاً، لا لينطلق العقل المنهجي الكلامي في فضاءات العقل الفطري ليسلم من إفرازات التنميط المتولدة في هذا السياق.
إن كل منهج من المناهج الكلامية المشار إليها يحتاج إلى موقف يتأسس على الفحص والتحليل والتعليل لتصفيته من الشوائب والتنميطات المتراكمة ولتخليصه من الأصر والأغلال متطهراً يصلي في محراب العقل الذي به تَعَبَّدَنَا الله سبحانه وعليه فطرنا.
بيد أنني سأقف على العقلي فقط باعتباره منهجاً في سياق العقل باعتباره فطرة لأفهم ماهية الأسر، وكيفية أسر العقل نفسه، وبالتالي الحاجة للتحرير، وماهيته، التي تأبى الانجرار وراء سلطة النمط، وكيف استطاع شيخنا العلامة الفضلي -أفادنا الله بعلمه- أن يخوض الغمار دون أن يقع تحت سلطة النمط، ليبقى دائماً صاحب العقل الحر المبدع لنستوحي من فكره الخلَّاق، ومن سيرته العلمية الرائدة- تحرير العقل من نفسه.

نظرية الفيض (Emanation) أو الصدور (Procession)

في المعجم الفلسفي إن «المقصود بالفيض أن جميع الموجودات التي يتألف منها العالم تفيض عن مبدأ واحد...»([10])، وأن الصدور يطلق «في الفلسفة الأفلاطونية الحديثة على فيض الموجودات عن الواحد...»([11])، «فالصدور إذن هو الفيض»([12])، «والفيض مرادف للصدور»([13]).
لم يقف الفلاسفة والمتكلمون عند هذا الحد في تصور الصدور والفيض عن الله الواحد خالق الموجودات كلها، وإنما تحدثوا في ذلك الفيض والصدور، وفي كيفية صدور كل هذا العالم الكثير المركب عن الواحد البسيط. فهل يعطي الواحد متعدداً، والبسيط مركباً، وفاقد الشيء لا يعطيه، إذ لابد من وجود سنخية بين العلة والمعلول...، وهو ما يعرف عندهم بنظرية الواحد لا يصدر عنه إلا واحد. فكيف كان تعاملهم مع النظرية في سياق الفيض الإلهي للوجود.

نظرية الواحد لا يصدر عنه إلا واحد

قال أستاذنا الشيخ الفضلي: «قد ذهب جلُّ متكلمة وفلاسفة المسلمين إلى انطباق وتطبيق هذه النظرية على المبدأ الأول؛ لأنه واحد، ولا تكثر فيه، فقالوا: لابد أن يكون الصادر الأول عنه واحداً وفي سلسلة تتكثر فيها الجهات لتعطي الكثرة»([14]).
وبعد أن أوضح أن «مؤدى النظرية: أن الفاعل إذا كان واحداً لا يمكن أن يصدر عنه من جهة واحدة إلا معلول واحد»([15]) قام بدراستها دراسة وافية، مقدماً عرضاً تاريخيًّا لنشأتها وتطورها بين متبينها وناقديها.
فأول ما وجدت النظرية في الفلسفة الإغريقية ثم تسربت إلى أجواء الجدل في العصر العباسي، فتبناها من تبناها ونقدها من نقدها من الفلاسفة والمتكلمين المسلمين، وممن تبناها الفارابي (ت339هـ) وابن سينا (ت428هـ) إلى نصير الدين الطوسي (ت672هـ) وغيرهم، وحتى من المعاصرين كالعلامة السيد محمد حسين الطباطبائي. وممن نقدها من القدامى ابن رشد (ت595هـ) وفخر الدين الرازي (ت606هـ) والعلامة الحلي (ت762هـ)، ومن المعاصرين الشيخ الخاقاني (ت1406هـ).

من أدلة المثبتين

ما ذكره السيد الطباطبائي في بداية الحكمة: «إن من الواجب أن يكون بين العلة ومعلولها سنخية ذاتية ليست بين الواحد منها وغير الآخر، وإلَّا جاز كون كل شيء علة لكل شيء، وكل شيء معلولاً لكل شيء، ففي العلة جهة مسانخة لمعلولها هي المخصصة لصدوره عنها، فلو صدرت عن العلة الواحدة وهي ليست لها في ذاتها إلا جهة واحدة معاليل كثيرة بما هي كثيرة متباينة غير راجعة إلى جهة واحدة بوجه من الوجوه لزمه تقرر جهات كثيرة في ذاتها، وهي ذات جهة واحدة، وهذا محال»([16]).
ولأنهم يؤمنون أن العالم كله صدر عن الله الواحد، مع إيمانهم بـ(الواحد لا يصدر عنه إلا واحد) ابتدعوا عدة نظريات للخروج من المأزق الفلسفي الجدلي الذي وضعوا أنفسهم فيه، فكانت:

- نظرية المثل الأفلاطونية (أرباب الأنواع).
- نظرية العقول الفلكية.
- نظرية العقول الطولية.

وقبل التطرق للعقول الطولية، والفلكية، والمثل الأفلاطونية، تلك النظريات التي انبثقت من محاولة التوفيق بين النظرية (الواحد لا يصدر عنه إلا واحد) وبين الإيمان الفعلي بصدور العالم عن الله الواحد سبحانه، لابد من طرح سؤال -ونحن بصدد المنهج العقلي- وهو هل أن التفكير العقلي الذي أنتج كل تلك النظريات كان وفياً للخطوات التي ينبغي أن يتبعها العقل في الاستدلال والبرهان.
إن أول مرحلة من مراحل التفكير العقلي السليم (مواجهة المشكل المجهول) ويأتي بعدها مباشرة «معرفة نوع المشكل، فقد يواجه المشكل ولا يعرف نوعه»([17]).
فهل المجهول أو المشكل الذي واجهه العقليون -هنا- من النوع الذي يمكن مواجهته بالطريقة التي واجهوه بها؟
يجيب ابن رشد (ت595هـ) بقوله: «هي قضية اتفق عليها القدماء من الفلاسفة [يعني الواحد لا يصدر عنه إلا واحد] حين كانوا يفحصون عن المبدأ الأول للعالم بالفحص الجدلي وهم يظنونه الفحص البرهاني»([18])، وإذا تذكرنا عناصر المنهج العقلي في بداية البحث، لوجدنا مع ابن رشد، أنهم تجاوزوا البرهاني إلى الجدلي ظانين أنهم في قلعة العقل، في حين أنهم أوقعوا العقل ضحية تنميطات أفرزها الجدل وتراكماته ورواسبه، ولم يستطع العقل الذي استسلم لسلطة النمط أن يحرر نفسه مما لا يشعر أنه واقع فيه.
ويأتي تأكيد العلامة الفضلي ما قاله ابن رشد حول النظرية بقوله: «إن سبب نشأتها يرجع إلى أن الفلاسفة اليونانيين كانوا يذهبون إلى ثنائية المبدأ الأول فيعتقدون بإله للخير وإله للشر، ثم قالوا بوحدانية المبدأ الأول، وبالمقارنة بين وحدته وكثرة العالم المخلوق له جاء سؤال (كيف تصدر هذه الكثرة عن تلك الوحدة) يفرض نفسه عليهم، فذهبوا يلتمسون له الإجابة»([19]) التي كان منها القول بـ:

- نظرية المُثُل الأفلاطونية (أرباب الأنواع)

وقد تسمى بنظرية العقول العرضية في قبال نظرية العقول الطولية التي تبناها المشائيون، فيما تبنى هذه النظرية الإشراقيون، وقد «نسبت إلى أفلاطون (ت348ق.م) لأنه هو الذي بلورها، بعد أن مهد لنضجها على يديه من تأثر بهم ممن سبقوه أمثال أستاذيه بهرقليطس وبرمنيدس، والفيثاغوريين، وأستاذه سقراط (ت399ق.م)، واعتبرها هي الصادر الأول عن المبدأ الأول. وتبناها الإشراقيون فأثبتوا أن في عالم الجبروت عقولاً عرضية لا علية ولا معلولية بينها، يحاذي كل عقل منها نوعاً من الأنواع المادية الموجودة في عالم الناسوت هو الذي يدبره بواسطة صورته النوعية فيخرجه من القوة إلى الفعل.
ومن هنا سميت هذه المثل بـ(أرباب الأنواع) أيضاً»([20]).
وهذا يعني -بحسب رأيهم- أن الله الواحد سبحانه، صدر عنه بصورة عرضية أفقية عدة عقول كان كل عقل صادراً من جهة ليكون واسطة في الفيض للأنواع المندرجة تحته فهو (رب لنوع من أنواع الموجودات)، «والمقصود من رب النوع أنه فرد من النوع مجرد عن المادة والمقدار، ومتحد الماهية مع أفراد النوع المتحققة في الخارج سواء أكان نباتيًّا أو حيوانيًّا أو إنسانيًّا.
فهو ليس بجسم ولا جسماني حال في الجسم غير مفتقر إلى محل ولا إلى مكان ولا زمان كما يفتقر وجوده إلى قابل، ولا موضوع ولا معد، فإن كل ذلك من خصائص الموجود المادي. وهو منزه عن المادة ولوازمها وحاجياتها...، وهم يصفون ربَّ النوع بالكلي، بمعنى المحيط والوسيع والقاهر فله سعة وجودية لأنه محيط بجميع أفراد نوعه ويفيض عليهم...، ثم إنَّ ربَّ النوع واجد لجميع أصناف الكمال الذي يمكن أن يحصل لأي فرد من أفراد نوعه...، وأنه المصدر لكل كمال في ذلك النوع، فكل ما يحصل لكل فرد في الحاضر أو في الماضي أو في المستقبل فهو المصدر له، وأنه الرائد والموجه، ويسترشد منه كل فرد...»([21]).
والسؤال الذي يطرح نفسه هو كيف وصل العقل الفلسفي إلى هذا المستوى من الشطح والشطط، دون انتباهة من العقل الفطري الواقع في أسر التنميط لدى الفلاسفة والمتكلمين الذين التهمهم السياق قاتلاً كل طاقات الإبداع.

- نظرية العقول الفلكية

وهي أيضاً من النظريات الفلسفية التي صيغت كي تفسر صدور الكثرة عن الواحد دون أن تتهدم نظرية (الواحد لا يصدر عنه إلا واحد)، وقد «تبلورت على يد المعلم الثاني الفارابي متأثرة بنظرية العقل بالفعل التي قال بها المعلم الأول أرسطو (ت322ق.م) والتي عرفت فيما بعد لدى المشائيين بنظرية العقل الفعّال الذي هو الصادر الأول عن المبدأ الأول عند أرسطو.
وخلاصة هذه النظرية: أن الوجود الأول يفيض وجود الثاني، وهذا الثاني جوهر غير جسمي ولا هو مادة، وهو يعقل ذاته، ويعقل الأول. وبما يعقل من الأول يلزم عنه وجود ثالث، وبما هو متجوهر بذاته التي تخصه يلزم عنه وجود السماء الأولى.
والثالث أيضاً وجوده لا في مادة، وهو بجوهره عقل، وهو يعقل ذاته ويعقل الأول، فبما يتجوهر به من ذاته التي تخصه يلزم عنه وجود كرة الكواكب الثابتة، وبما يعقله من الأول يلزم عنه وجود رابع. وهذا أيضاً (يعني الرابع) لا في مادة، فهو يعقل ذاته ويعقل الأول، فبما يتجوهر به من ذاته التي تخصه يلزم عنه كرة زحل، وبما يعقله من الأول يلزم عنه وجود خامس.
وهذا الخامس أيضاً وجوده لا في مادة، فهو يعقل ذاته، ويعقل الأول، فبما يتجوهر به من ذاته يلزم عنه وجود كرة المشتري، وبما يعقله من الأول يلزم عنه وجود سادس.
وهذا أيضاً (يعني السادس) وجوده لا في مادة، وهو يعقل ذاته، ويعقل الأول، فبما يتجوهر به من ذاته يلزم عنه وجود كرة المريخ، وبما يعقله من الأول يلزم عنه وجود سابع.
وهذا أيضاً (يعني السابع) وجوده لا في مادة، وهو يعقل ذاته ويعقل الأول، فبما يتجوهر به من ذاته يلزم عنه وجود كرة الشمس، وبما يعقل من الأول يلزم عنه وجود ثامن.
وهو أيضاً (يعني الثامن) وجوده لا في مادة ويعقل ذاته ويعقل الأول، فبما يتجوهر من ذاته التي تخصه يلزم عنه وجود كرة الزهرة، وبما يعقل من الأول يلزم عنه وجود تاسع.
وهذا أيضاً (يعني التاسع) وجوده لا في مادة ويعقل ذاته ويعقل الأول، فبما يتجوهر به في ذاته يلزم عنه وجود كرة عطارد، وبما يعقل من الأول يلزم عنه وجود عاشر.
وهذا أيضاً (يعني العاشر) وجوده لا في مادة، وهو يعقل ذاته، ويعقل الأول، فبما يتجوهر به من ذاته يلزم عنه وجود كرة القمر، وبما يعقل من الأول يلزم عنه وجود حادي عشر.
وهذا الحادي عشر هو -أيضاً- وجوده لا في مادة، وهو يعقل ذاته، ويعقل الأول، ولكنه عنده ينتهي الوجود الذي لا يحتاج ما يوجد ذلك الوجود إلى مادة وموضوع أصلاً، وهي الأشياء المفارقة التي هي في جواهرها عقول ومعقولات.
وعند كرة القمر ينتهي وجود الأجسام السماوية، وهي التي بطبيعتها تتحرك دوراً»([22]).
إن نص الفارابي المتقدم المركب من أخطاء العقل الفلسفي وأخطاء العلم الفلكي لدليل صارخ على افتضاح جدل الأنماط الذي أفرز ما لا يمكن صدوره إلا عن العقل المأسور.
وقبل الانتقال إلى نظرية العقول الطولية التي ولدت للتخلص من وهن نظرية العقول الفلكية أنقل تعليق العلامة الفضلي عليها إذ يقول: «والنظرية -كما ترى- مرتبطة ارتباطاً أساسيًّا بنظرية الكواكب السيارة السبعة القديمة.
وهذا يعني أن الفلكيين القدامى لو كانوا قد توصلوا إلى وجود أكثر من هذه السبعة -كما هو الحال الآن حيث وصل العدد إلى أكثر من عشرة- لقالوا بعقول ومعقولات بعددها أيضاً، فتصل العقول في النظرية إلى أكثر من أحد عشر، وهذا يدل على شيء ليس بالصغير من الوهن الذي تعاني منه النظرية»([23]).
وبنظرية العقول الطولية تكتمل دائرة الشطح والشطط في العقل الفلسفي المنمَّط المأخوذ بنظرية الواحد لا يصدر عنه إلا واحد.

 نظرية العقول الطولية

وهي أيضاً من النظريات التي شيدت كي لا تنهدم «الواحد لا يصدر عنه إلا واحد»، «وفحوى هذه النظرية كما يحرره السيد الطباطبائي هو: أن أول صادر عنه تعالى عقل واحد يحاكي بوجوده الواحد الظلي وجود الواجب تعالى في وحدته.
ثم إن (هذا) العقل الأول وإن كان واحداً في وجوده بسيطاً في صدوره، لكنه لمكان إمكانه تلزمه ماهية اعتبارية غير أصيلة؛ لأن موضوع الإمكان هو الماهية، ومن وجه آخر هو يعقل ذاته، ويعقل الواجب تعالى فتتعدد فيه الجهة، ويمكن أن يكون لذلك مصدراً لأكثر من معلول واحد.
لكن الجهات الموجودة في عالم المثال الذي دون عالم العقل بالغة مبلغاً لا تفي بصدورها الجهات القليلة التي في العقل الأول، فلابد من صدور عقل ثانٍ ثم ثالث وهكذا حتى تبلغ جهات الكثرة عدداً يفي بصدور العالم الذي يتلوه من المثال.
فتبين أن هناك عقولاً طولية كثيرة، وإن لم يكن لنا طريق إلى إحصاء عددها»([24]).
إن ما يمكن أن يقال عن النظريتين السابقتين يقال عن هذه الأخيرة، وعن الأساس المولِّد لتلك النظرية وهو (الواحد لا يصدر عنه إلا واحد)، فإن ذلك لا يصح على الله القادر مطلق القدرة؛ لأن فيه نسبة العجز إليه تعالى وهو إشكال منهجي مصدره العقل الفطري، إلا أن الطباطبائي يجيب بما يسعفه العقل الفلسفي بقوله: «وليس في ذلك تحديد للقدرة المطلقة الواجبية التي هي عين الذات المتعالية، وذلك لأن صدور الكثير، من حيث هو كثير، من الواحد، من حيث هو واحد ممتنع.
والقدرة لا تتعلق إلا بالممكن، وأما المحالات الذاتية الباطلة الذوات كسلب الشيء عن نفسه والجمع بين النقيضين ورفعهما، فلا ذات لها حتى تتعلق بها القدرة، فحرمانها من الوجود ليس تحديداً للقدرة وتقييداً لإطلاقها»([25]).
تبدو للوهلة الأولى أن الإجابة مقنعة، ولا سيما للمأخوذين بأمثال هذه القضايا من المعتادين على الخضوع لسلطة النمط، وهم يرون أساطين الفكر من فلاسفة وعلماء ومتكلمين يرددونها ترديد المسلمات، وإن دل هذا على شيء فإنما يدل على تفشي ظاهرة العقل المأسور إلى الحد الذي يدعو إلى الثورة لتحريره من سلطة النمط.

نقد نظرية الواحد لا يصدر عنه إلا واحد:

إذا كانت نظرية المُثُل الأفلاطونية (أرباب الأنواع)، ونظرية العقول الفلكية، ونظرية العقول الطولية، كلها تولدت من أجل تصحيح نظرية الواحد لا يصدر عنه إلا واحد، في الشاهد والغائب، أي حتى بالنسبة للخالق المبدع، فإن تقويض هذه النظرية يقتضي تقويض النظريات التي وجدت لتسويغها تلقائيًّا.
ومن الذين انتقدوا النظرية ابن رشد (ت595هـ)، وفخر الدين الرازي (ت606هـ)، والعلامة الحلي (ت762هـ)، ومن المعاصرين الشيخ الخاقاني (ت1406هـ).

تفكيك السياق التاريخي للنظرية:

المعروف أن تعدد الآلهة عند الأغريق كان فكرة سائدة، وهذا موثق في أساطيرهم، فهناك إله الخير، وإله الجمال، وإله العدل وإلخ من الآلهة والأرباب، فقد جعلوا إلهاً وربًّا واحداً لكل نوع من الأنواع في هذا العالم المتعدد، ومنهم من اقتصر على إلهين فقط إله الخير وإله الشر، أو إله النور وإله الظلمة.
وحين تخلصت طائفة من فلاسفتهم من الشرك المتعدد أو الثنوي، وقالت بالتوحيد، وهي بنت سياقها الثقافي الجدلي الذي يؤمن بأن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد جوبهت هذه الطائفة الموحدة جدليًّا بمؤدى النظرية، فما كان منها إلا أن استبدلت النقض بابتداع نظريات المثل والعقول والأفلاك، وهذا الابتداع في الواقع لم يكن برهانيًّا وإنما هو جدلي -كما أشار ابن رشد- لأنه وليد مأزق التحول من الشرك إلى التوحيد في العقل الجدلي الرازح تحت سلطة النمط، وإلا فما صلة أرباب الأنواع المسوغة لنظرية الواحد لا يصدر عنه إلا واحد بالآلهة والأرباب المتعددين لدى غير الموحدين من فلاسفة الإغريق واليونان.
فكون فئة انتقلت من الشرك إلى التوحيد في بحثها عن الله لا يعني أنها تخلصت من كل رواسبها الماضية التي عددت الآلهة والأرباب لوجدانها التعدد في العالم ولا وحدته وجداناً ما أدى بها إلى القول بالواحد لا يصدر عنه إلا واحد.

نظرية غارقة في التنميط:

قال ابن رشد: «وكان الأول عند الجميع واحداً بسيطاً، عسر عليهم كيفية وجود الكثرة عنه، حتى اضطرهم الأمر ألَّا يجعلوا الأول هو محرك الحركة اليومية. بل قالوا: إن الأول هو موجود بسيط، صدر عنه محرك الفلك الأعظم...»([26]).
انظر كيف تتوالد البناءات على النظرية بصورة منمَّطة مأسورة للعقل الفلسفي الذي ما ترك للعقل الفطري من سبيل.
- من النقد الموجه للنظرية:
وُجِّهَ للنظرية عدة انتقادات على تعاقب العصور وتنوع المدارس، منها:


- ابن رشد (ت595هـ) ومشهور عصره:
رفضت النظرية في عصر ابن رشد، وكان رفضها من المشهور في عصره، قال: «وأما المشهور اليوم فهو ضد هذا، وهو أن الواحد الأول صدر عنه صدوراً أولاً جميع الموجودات المتغايرة»([27])، فلا اضطرار -حينئذٍ- للمُثُل والعقول الفلكية والطولية، فالله قادر على كل شيء ولا عجز في ساحته سبحانه وتعالى، قال ابن رشد معللاً ذلك «بأن الفاعل المطلق لا يصدر عنه إلا فعل مطلق، والفعل المطلق لا يختص بمفعول دون مفعول»([28]).


- العلامة الحلي (ت762هـ):
لقد ذهب العلامة الحلي إلى تبني «القول بالفرق بين الفاعل المختار فلا يشمله حكم هذه النظرية، والفاعل بالاضطرار فتصدق عليه»([29]) ما يعني سقوط النظرية وما ترتب عليها من حريم البحث في انبثاق الوجود عن الله؛ لأن الله فاعل مختار.
والفرق بين التعليلين لدى ابن رشد، والعلامة الحلي، أن الأول أخرج تعليله من مبحث القدرة، أما الثاني فأخرجه من مبحث الإرادة، والمؤدى واحد.

- الشيخ الخاقاني (ت1406هـ):
وإذا صدر عن مبحث القدرة تعليل ابن رشد، وعن مبحث الإرادة تعليل العلامة الحلي، فعن مبحث الجمال صدر تعليل الشيخ الخاقاني في قوله: «إن من كمال الإبداع التكويني صدور الكثرة عن الواحد»([30]).
ولعل أقسى ما وصف به القائلون بنظرية (الواحد لا يصدر عنه إلا واحد ومتعلقاتها...) ما سَطَّره سيف الدين الآمدي (ت631هـ) بقوله: إنَّ «هذه العماية، والجهالة قد تعظم نسبتها إلى الصبيان، فضلاً عمَّن ينسب إلى شيءٍ من التحقيق، والغوص والتدقيق...»([31]).
من كل ما تقدم يتضح أن هذا العقل الفلسفي (الجبار) قد تكون له شطحات بمستوى شطحات الصوفية والحشوية، وقد كانت، وأن الاستسلام لسلطة النمط موجود في كل منهج بما فيه المنهج العقلي، بيد أن العقل الذي أنتج نظريات الفيض المتقدمة مدَّعياً قدرته على الكشف عن أول الخلق وكيفيته...، لماذا لم يكن قادراً على الشعور بأنه ماسور ليبصر في نفسه كي يحررها قبل أن يرسم لنا بكل وثوقية خريطة الفيض الوجودية الكاملة.

ثورة العقل الفطري على العقل الموثون

بعد تحليل المنهج العقلي، والعقل الفلسفي من خلال النموذج الفلسفي الكلامي لنظريات الفيض، وبعد تَبَيُّن ماهية الأسر في عقل كان يُنتَظَر منه أن يحرِّرنا من أوهامنا، فإذا به يصطبغ تاريخ التفكير والتفلسف البشري بما يربو على ألفي عام بالعقل الموثون الذي يستعبد أصحابه، ويلجم فيهم صوت العقل الفطري الحر السليم المحرّر؛ أصبح من الواجب تحرير عقولنا من تلك الأنماط وأوهامها.
ويتم ذلك بدراسة الفلسفة والكلام دراسة نقدية إبداعية، فيها القبول والرفض، وإعادة الإنتاج والصياغة مع التجديد...، لا بدراسة تخضع لسلطة النمط في تقليديتها واتباعيتها العمياء، والتي لا همَّ لها إلا الاستماتة في المحافظة والدفاع عما هو مقبور في نمطيته وبلا حراك.
فلا إبداع إلا بثورة العقل الفطري الذي أودعه الله فينا فَحرَّرنا على العقل الموثون الذي اختلقناه نحن لنبرهن على حريتنا فاستعبدنا..!! وأنَّى لِمُسْتَعبَدٍ من الرؤية الإبداعية.

 تمتع العلامة الفضلي بالرؤية الإبداعية

إن صاحب الرؤية الإبداعية يستطيع أن يفكك بين جوهر المنهج وأنماطه العرضية العالقة فيه بفعل التراكم والتكديس والكدورات المفضية إلى الشطح والشطط...
بينما يأخذ التقليديون الجوهر في المنهج مصحوباً بأعلاقه النمطية دون أدنى فرز فتصفية فتنقية؛ لأنهم لا يطيقون النقد، فهم اتِّباعيون مقلدون ليس إلا، وإن توهموا أنهم مفكرون، وأصحاب عقول حرة.
من هنا كان دور العلامة الفضلي في تحرير العقل، وموقفه من جدل الأنماط منسجماً مع الرؤية الإبداعية التي يتمتع بها، وظاهراً في عطاءاته العلمية الرائدة.
فهو إذ يستعرض مناهج الدرس الكلامي في كتابه (خلاصة علم الكلام) ويبيِّن أصول تلك المناهج، ويرصد المدارس الكلامية التي تتحرك في فلكها، ويدخلنا إلى حريم البحث، والرؤية الواضحة؛ لا يستقر له قرار حتى يرينا الأفكار وهي تتصارع فيما بينها لافتاً أذهاننا إلى المناهج التي تستمد منها تلك الأفكار طاقتها الجدلية، ثم يتحرك بنا نحو الطاقة تلك -إذ فيها مكمن السر- مركّزاً عليها فحصاً ونقداً وتحليلاً، فإذا بالأفكار التي تتصارع يتهاوى سقيمها، ويستقيم صحيحها مخلفة وراءها ما يبقى دائماً بعد الاحتراق، وهي -هنا- الأنماط التي لن تجد لها مكاناً بعد احتراقها إلا في خانة التوالف، فَيُحسَم جدلها لصالح المناهج التي تخلصت من أعلاقها.
وبعد ذلك كله يقوم بفحص القضية في الإفكار المتصارعة لِيُعمل فيها المنهج الذي يصلح لها بعد أن خَلَّصه من علائقه النمطية، وخَلَّصها من المناهج الفضولية، وكل ذلك يتم بدقة وإحكام، ومرونة واتزان، وسلاسة وانسجام.
إن شيخنا العلامة الفضلي -دام ظله- يبرهن في كل هذا -وبمنتهى الإبداع- على تكاملية منهجه بانفراده في تكوين إيقاعه الخاص على أوتار تلك المناهج المتعددة.
فالذي يدرس العلامة الفضلي دراسة تحليلية تتجاوز السطح إلى الأعماق سيكتشف أن له فقهاً في إدارة المناهج، هو سر من أسرار إبداعاته.

فقه إدارة المناهج

قال شيخنا الفضلي في أصول البحث ما نصه: «من البيِّن أن اختلاف المجال أو الموضوع يتطلب اختلاف المنهج الذي يتبع في دراسته وبحثه»([32]).
ولو أن الفلاسفة والمتكلمين القائلين بـ(الواحد لا يصدر عنه إلا واحد) وما إلى ذلك من (المُثل، والأفلاك، والعقول) كان لديهم وعي بفقه الإدارة المنهجية عند العلامة الفضلي لما أضاعوا كل تلك الجهود الفكرية في بحث قضايا غيبيَّة بالمنهج العقلي الذي لا يملك معطيات بحثها فيما يملكها المنهج النقلي.
ولذلك يؤكد فقيهنا الفضلي أنه: «لابد من إعادة النظر في البحث عن مصدر المعرفة داخل إطار الفلسفة الإسلامية، وتقسيم المعلومات إلى:
- طبيعية وغير طبيعية.
- وغير الطبيعية إلى غيبيَّة وغير غيبيَّة.


ثم توزيع مصادر المعرفة على هذه الأشياء على النحو التالي:
- المعلومات الطبيعية تؤخذ عن طريق الحس.
- غير الغيبيَّة تؤخذ عن طريق العقل.
- الغيبيَّة تؤخذ عن طريق الوحي والإلهام، أي عن طريق المنقولات الدينيَّة من آيات قرآنية وأحاديث نبوية»([33]).
فلو طرح سؤال -في ضوء فقه إدارة المناهج- عن الكيفيَّة التي خلق بها الله سبحانه وتعالى مخلوقاته.
لكان الجواب: يُرجع إلى النصوص الدينيَّة في الكتاب والسنة.
وعند الرجوع إلى القرآن الكريم نقرأ قوله تعالى: ﴿وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾([34]).
ولدى التأمل نجد أن معنى الزوجية موجود في كل مخلوق، فالذكر والأنثى، والسالب والموجب...، موجودان في الخلية، وفي الذرة، ما يعني أن كل مخلوق مركب، ولا يخفى ما في المركبات من افتقار ذاتي.
أما الواحد -على الحق والحقيقة- فهو الله وحده الذي ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ومن هنا، فإن الله سبحانه وحده الواحد ولا واحد سواه، ووحده البسيط فلا بسيط سواه، ووحده الغني فلا غني سواه، وكل الخلق مكوّنون على الزوجية والتركيب والفقر، لذلك كان الفرار إلى الله الغني الواحد بلا تركيب.
والنتيجة: أن لا واحد إلا الله مطلقاً، والخلق كلهم مجبولون على الزوجية.
- وإذا طرح سؤال آخر: هل اقتضى خلق الخلق وجود واسطة فيض بين الخالق المبدع والعالم.
لكان الجواب: يُرجع إلى النصوص الدينية في الكتاب والسنة.
وعند الرجوع إلى بيت النبوة ومعدن الرسالة... نقرأ في خطبة الزهراء (عليها السلام): «ابتدع الأشياء لا من شيءٍ كان قبلها»([35]).
وهل الإبداع غير الخلق من العدم، خلق شيء من لا شيء.
والنتيجة: أن لا واسطة فيض بين الخالق المبدع والعالم.
إن إعمال المنهج النقلي في القضيتين أفادنا علماً، أما إعمال المنهج العقلي فيهما فلم يزدنا إلا جهلاً وسفسطة، وهذا هو الفرق بين من يعي دور (فقه إدارة المناهج) ويقدره، وبين من لا يعي ولا يقدر غير عقله المأسور.
ولهذا يشدد العلامة الفضلي على ضرورة أن «يرجع في دراسة الأفكار الغيبيَّة إلى المنهج النقلي، وفي دراسة الأفكار الميتافيزيقية إلى المنهج العقلي، وفي دراسة الأفكار التي ترتبط بالطبيعة والإنسان تكويناً ومجتمعاً إلى المنهج التجريبي، وفي دراسة التشريعات الدينية -لأن مصدرها النصوص النقلية- يرجع إلى المنهج النقلي، وهكذا<([36]).
نعم هكذا، كي لا يفلجنا الجدل الذي أفلج الجاحظ (255هـ) في البصرة، وهو فيها قطب من أقطاب مدرسة الاعتزال التي تعد العقل مؤسساً والدين مؤيداً، «نتيجة غلوهم في تقديس العقل، والحق هو العكس، أي أن النص الديني هو المؤسس، والدليل العقلي مؤيد له»([37]).
ومما يؤكد هذا الغلو العقلي الذي أشار له شيخنا الفضلي، أن بعض المعتزلة كانوا ينكرون حقيقة وجود الجن، وعندما جوبهوا بوجود سورة كاملة في القرآن الكريم باسم سورة الجن، قالوا: إن هؤلاء قبيلة من قبائل العرب تسمى بقبيلة الجن..!!
إنه لون فاقع من الوقوع في الشطح والشطط وفي أسر النمط، وإلا كيف يخفى على هؤلاء العقليين أن «هناك في العقيدة الإسلامية ما لا يدرك بالعقل، وهي الأشياء الغيبيَّة كالجن والملائكة، والجنة والنار والقيامة ومشاهدها...»([38]).
من كل ذلك تأكد لنا أن الوقوع في أسر النمط ظاهرة لا تعصمها المناهج المثقلة بالعقول المأسورة، لذلك «يجب أن يكون العالم والفيلسوف مهيمناً على الفلسفة ولا يكون العلم والفلسفة مهيمنين عليه، ويجب أن يكون ناقداً للآراء والمفاهيم لا ناقلاً لها وإذا كان العالم والفيلسوف مهيمناً على العلم والفلسفة سيكون العلم والفلسفة كأداتين بيده، وإلا فسيكون هو أداة بيدهما»([39]) كما هو الحال بالنسبة للعقليين المنمطين الذين يدخلون إلى المنهج العقلي مصفدين بأنماطه، فأي عقل مأسور ذلك الذي يصدر تصورات غريبة عن أوليَّة الخلق في عالم الملكوت الذي لا طريق إليه بحسب «فقه إدارة المناهج» إلا النص الشرعي.
قال أستاذنا العلامة الفضلي -دام ظله-: «إن عقل الإنسان لا مسرح له في عالم الملكوت فليس له القدرة على معرفة حقائق عالم الغيب، وليس أمامه وسيلة! ذلك إلا الدين...»([40])، وقد وردت هذه المقولة المنسجمة مع «فقه إدارة المناهج» في كتاب فقيهنا الفضلي (خلاصة الحكمة)، وما ورودها فيه إلا اختراق لأفق التوقع تحقيقاً لشروط الإبداع.
فإن المنتظر والمتوقع من كتاب في الدرس الفلسفي -الذي يُبتنى عادة في جوهره وأساسه على المنهج العقلي المحض- أن يُعلي من منهجه مشيداً متاريسه الثقافية الممكنة لتحصين عمارة العقل، إلا أنه أراد أن يحرر العقل من حجبه لينكشف على نفسه قبل انكشافه على العالم.
فكان أن عرَّفه نفسه ليعرف غيره، وهذا لعمري سلوك يأخذ في حسبانه عدم التفريط بشروط الإبداع في أي مجال، وفي كل الاتجاهات...

--------------------------------------------------------------------------------

([1])* كاتب وباحث - السعودية.
صليبا، الدكتور جميل، المعجم الفلسفي، بيروت، دار الكتاب اللبناني، 1982م، 2/ 705.
([2]) الفضلي، الدكتور عبدالهادي، خلاصة علم الكلام، بيروت، دار التعارف، 1408هـ - 1988م، ص17.
([3]) العريبي، د. محمد، المنهاج والمذاهب الفكرية والعلوم عند العرب، بيروت، دار الكتاب اللبناني، 1994م، ص76.
([4]) خلاصة علم الكلام، م. س. ص18 - 19.
([5]) آل جعفر، الدكتور مساعد مسلم عبدالله، أثر التطور الفكري في التفسير في العصر العباسي، بيروت، مؤسسة الرسالة، 1405هـ - 1984م، ص339.
([6]) العريبي، د. محمد، م. س. ص61 - 65.
([7]) القاسم، محمود عبدالرؤوف، الكشف عن حقيقة الصوفية لأول مرة في التاريخ، بيروت، توزيع دار الصحابة، 1408هـ - 1987م، ص10، نقلاً عن الفتوحات المكية لابن عربي 3/ 213.
([8]) م. ن، انظر الفصل السادس منه (الصوفية والسحر)، ص859 - 870.
([9]) خلاصة علم الكلام، م.س. انظر (منهج علم الكلام)، ص17 - 20.
([10]) المعجم الفلسفي، م. س، 2/ 172.
([11]) م. ن، 1/ 724.
([12]) م. ن، 1/ 724.
([13]) م. ن، 2/ 173.
([14]) خلاصة علم الكلام، م. س، ص81.
([15]) م. ن، ص81.
([16]) م. ن، ص85.
([17]) الفضلي، الدكتور عبدالهادي، أصول البحث، بيروت، دار المؤرخ العربي، 1412هـ - 1992م، ص54.
([18]) خلاصة علم الكلام، م. س، ص82.
([19]) م. ن، ص83.
([20]) م. ن، ص86.
([21]) الصدر، محمد رضا، الفلسفة العليا، بيروت، دار الكتاب اللبناني، 1406هـ - 1986م، ص332 - 333.
([22]) خلاصة علم الكلام، م. س، ص86 - 87.
([23]) م. ن، ص88.
([24]) م. ن، ص88 - 89.
([25]) م. ن، ص89.
([26]) م. ن، ص82 - 83.
([27]) م. ن، ص82.
([28]) م. ن، ص84.
([29]) م. ن، ص84.
([30]) م. ن، ص91.
([31]) الآمدي، سيف الدين، غاية المرام في علم الكلام، تحقيق: حسن محمود عبداللطيف، القاهرة، المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية - لجنة إحياء التراث الإسلامي، 1391هـ - 1971م، ص209.
([32]) الفضلي، الدكتور عبدالهادي، أصول البحث، بيروت، دار المؤرخ العربي، 1412هـ - 1992م، ص43.
([33]) الفضلي، د. عبدالهادي، جدل الرؤى (في الفضاءات المرجعية للثقافات المعاصرة)، بيروت، دار الرافدين، 1427هـ - 2006م، ص16.
([34]) الذاريات، آية 49 - 50.
([35]) خطبة الزهراء (عليها السلام) وردت في عدة مصادر تراثية كالاحتجاج، وبلاغات النساء، وغيرهما.
([36]) أصول البحث، م. س، ص43.
([37]) الفضلي، الدكتور عبدالهادي، خلاصة الحكمة الإلهية، مخطوط، ص21.
([38]) جدل الرؤى، م. س، ص15.
([39]) حكيمي، محمد رضا، الاجتهاد التحقيقي، ترجمة: حيدر نجف، خليل العصام، مراجعة وتقديم عبدالجبار الرفاعي، كتاب قضايا إسلامية معاصرة، لا مكان، 1421هـ - 2000م، ص39.
([40]) خلاصة الحكمة، م. س، ص76.

الثلاثاء، 15 يوليو 2014

سيهات .. حسينة الناصر تختتم فعاليات ”اليوبيل الفضي“ وتكرم 300 مشارك



اختتم البرنامج الثقافي الرمضاني فعاليات ”اليوبيل الفضي“ بتكريم 300 من المشاركين من طلاب علمٍ، وأطباء، وأكاديميين، وداعمين، وكوادر، وجهات إعلامية مساء الاثنين بحسينية الناصر بسيهات.

وجاء هذا التكريم للمشاركين الذين ساهموا في استمرار وإنجاح البرنامج ليكون رائداً وقدوة للبرامج الثقافية والفكرية في المنطقة لينهي حقبة زمنية مدتها 25 عاماً من الفكر والعطاء.

وتحدث حسن اليوسف في كلمة اللجنة المنظمة للحفل الختامي عن اللحظة الانتقالية الفاصلة باليوبيل الفضي للبرنامج الثقافي الرمضاني بحسينية الناصر بسيهات والذي بدأ في شهر رمضان المبارك من عام 1411 هـ وامتد طيلة 25 عامًا.

وأشار إلى أنه لم يتراجع رغم الظروف والصعوبات التي تعرض لها.

وأضاف بأن القرن العشرين شهد انطلاقة فكرية، وثقافية، وعلمية عالمية أسهم فيها العالم المتحضر وأخذ منها العالمان العربي والإسلامي نصيباً وافراً وبرز خلالها علماء ومفكرون
.


وأوضح أن للعالمين العربي والإسلامي دورًا مؤثرًا في حركة التنوير والنهضة الثقافية حيث قدما هذا الكم الهائل من العلماء والقادة والأدباء والشعراء والكتاب والنقاد والتربويين الذين أسهموا في إبراز معالم الإبداع العربي والفنون الإسلامية.


وأفاد بأن عام 1411 هـ الموافق ل 1990م أعلن عن بدء انطلاق فعاليات البرنامج الثقافي الرمضاني.

وذكر بأنه انطلق بقوة ملفتة للنظر من حسينية الإمام المنتظر - حسينية شاخور، وانتقل إلى حسينية الناصر، ليستقر فيها طيلة 25 عام بمشاركة ثلة من المؤمنين سعوا ليقدموا العطاء الفكري دون كلل أو ملل.


وأشار بأنهم استضافوا خلال فعالياتهم أقطاب البرنامج في مقدمتهم آية الله الراحل الدكتور عبد الهادي الفضلي.

وذكر بأن ال 25 عام شكلت همزة وصل فكرية بين قرنين، ونقلة بين ثقافتين، الثقافة الورقية ”المعتمدة على شريط الكاسيت“، وثقافة الثورة المعلوماتية العابرة للقارات متعاملة بنفس الانفتاح الإيجابي الذي يؤمن بأن الفكر والمعرفة توأمان لا حدود لانطلاقتهما وإشعاعهما.

وبين أنه من منطلق مبدأ التجديد في الفكرة والمعرفة وباحتفالية تليق بالحدث كان لابد من تتويج هذا الجهد العظيم وتكريم من ضحوا بأوقاتهم، وقدموا أفكارهم، وسطروا بأقلامهم ملاحم العطاء الفكري والنتاج المعرفي وأحدثوا عصفاً فكرياً وحركوا عقولاً تفاعلت من خلال حوارات الندوات.

وتسائل إن كان الطرح الجديد امتداد لموروث مستمر، أم لبدائل معاصرة، وهل هو موروث يبقى رهن الزمان والمكان، أم ينفتح على بدائل عابرة للزمان والمكان، وينفتح على عوالم الإعلام الأخرى، ويتعاطى مع جمهور عالمي.

واختتم كلمته بأنه سوف تكشف عنه معطيات المرحلة القادمة من عمر البرنامج المديد في ثوبه الجديد.


وتحدث الدكتور السيد عدنان الشخص عن البرنامج بأنه الأول من نوعه في المنطقة مشيداً بحسن التخطيط والإعداد.

وأشار إلى نوعية المواضيع المطروحة وجرأتها واحترافية عرضها مضيفاً بإحداث البرنامج لأثرٍ ثقافيٍ وفكريٍ في المنطقة مؤكداً على نجاحه في توفير منفذ ثقافي ثري لأبناء المنطقة في ليالي شهر رمضان المبارك.

ومن جهته ذكر الشيخ محمد العمير أن فريق العمل يمثل مزيجاً رائعاً من النخبة الفكرية والروح الشبابية المتجددة المؤمنة.

وبين بأن النمو الدائم من أهم ملامح المشروع المترابط داخلياً والمعتمدة على رؤية ورسالة متينة موضحاً أن استمرار المواسم الثقافية رسم خطاً بيانياً لمدى التطور أو الاستقرار بالحد الأدنى.

وذكر السيد أحمد النمر بأن البرنامج ”المتميز“ شكّل جزءاً هاماً من تاريخ الحراك التثقيفي في تاريخ المنطقة مشيراً إلى أنه سيبقى صفحة ناصعة بتحفيز الكثير من المهتمين والعاملين المخلصين لمجاراة هذا الحراك التوعوي.

وتحدث حسين التاروتي أن البرنامج له الريادة فقد أتاح الفرصة للنخب التخصصية ليدلوا بدلوهم مضيفاً أنه أتاح الفرصة ”للأكاديمي“ للجلوس مع ”الحوزوي“ وعرض الرؤى.


وتحدث السينارست علي آل حمادة ل ”جهينة الإخبارية بأن الفلم الوثائقي يحكي مسيرة عطاء مليئة بالعلم والمعرفة وهو“ الموسم الثقافي الرمضاني" الذي يطل سنوياً في الشهر الكريم ليمتد 27 ليلة متنوعة الثقافة من حوار ديني مفتوح وتربوي واقتصادي وعلمي.

وأضاف آل حمادة بأنه قد تطور على يد المؤسسين وأصبح يستضيف ضيوفاً من خارج المنطقة ويدمج جميع الطوائف تحت لون جميل يشع منه منهج الوسطية في التعامل.

وبين بأنه لا يمكن نسيان لمسة الشباب العاملين في هذا البرنامج منذ الصغر حتى اليوم واحتفاءه هذه السنة باليوبيل الفضي ”خمسة وعشرون عاما“.

وأشار بأن مثل هذا البرنامج الذي امتلك رؤى مستقبلية في التغيير من السرد إلى التنوع خدم الكثير من أطياف المجتمع بقوة الطرح وتنوع الأسلوب وخاصة بوجود الشيخ عبد الهادي الفضلي ”رحمه الله“ الذي أعطى قوة نوعية في الطرح وكذلك وجود العلامة السيد منير الخباز.


وعبرَّ عنه بالأرشيف القوي جداً معبرًا عن عجزه بوصف ما رآه في زيارته الأولى إلى حسينية الناصر من توثيقات احتار بوصف قوله ككاتب سيناريو من أين يبدأ إذ كان التاريخ يحيط به.

ونوه إلى أنه استطاع أن يظهر جزءاً يسيراً من البرنامج الذي يمتلك مؤسسين جادين في العمل بإخلاص.

وقال بأن الفلم الوثائقي من سيناريو وحوار علي آل حمادة وإخراجه ومن تصوير ياسر علي وحسن التاروتي وإضاءة ياسر علي وصوت ومصطفى الجراش ومونتاج علي أبو السعود وإدارة إنتاج إسحاق صفوان وباقر المروحن.

ومن جهته تحدث المخرج ماهر الغانم ل ”جهينة الإخبارية“ بأنه كان على عاتقه جهد ذهني وفني كبير ليخرج بملامح من جهد وعرق أجيال على مدى 25 عام من العطاء والريادة والتميز تختزل في 12 دقيقة بدون أن يبخس حق أحد.

وأشار إلى أنه واجه ”كابوس التكلف“ مع المدة الزمنية القصيرة لتقديمه ولكنه بتوفيق الله تمكن فريق العمل من الإنجاز وعلى رأسهم كاتب السيناريو علي آل حمادة الذي عمل مع الفنان علي أبو السعود في المونتاج مقدمًا شكره لكل القائمين على البرنامج في حسينية الناصر.

الجدير بالذكر بأنه تم عرض فلم وثائقي عن مسيرة البرنامج الثقافي الرمضاني في نهاية البرنامج من إنتاج مؤسسة الفنان ونال إعجاب الحاضرين حيث نقلهم لتلك الحقبة الزمنية من عمر البرنامج بصرياً وذهنياً.