‏إظهار الرسائل ذات التسميات السيد يوسف النمر. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات السيد يوسف النمر. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 5 نوفمبر 2014

السيد يوسف النمر يصدر بيان في مجزرة الدالوة.

نص البيان :

بسم الله الرحمن الرحيم

   الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله وسلم على الرسول الخاتم الامين وآله الغر الميامين .

   ببالغ الحزن والأسى نتقدم بأحر التعازي إلى  أهالي الأحساء الحبيبة جميعاً ، وإلى أهالي الدالوة الأعزاء ، وإلى الغيارى والأحرار قاطبة ، برحيل كوكبة من أبناء الأحساء الأبرار ، الذين كتب الله تعالى لهم الشهادة في مأتم أبي عبدالله الحسين (عليه السلام) ، ضمن إحياء الذكرى السنوية لواقعة الطف الخالدة ، والتي ستبقى مشعلاً يقتبس منها المؤمنون والأحرار في كل زمان ومكان .

   ويجدر بنا ونحن بين يدي هذا الحدث النوعي والمأساوي أن نستخرج منه العبر وأن نقف على مواطن الإعتبار وأن نجتهد في تحديد الداء وتعيين الدواء ، ولنا في هذا الصدد إلماحٌ إلى النقاط التالية :

   1) اننا أمام سلوك إجرامي بغيض ، يُمَثّل تجاوزاً على حمى مواطنين مسلمين آمنين في بلدهم ، بلغ حد الترويع وإزهاق الأنفس المحترمة ، وتعدياً صارخاً على مشاعرهم الدينية ، في مرحلة يمثل فيها هذا السلوك ـ مع ملاحظة التأجيج المبرمج للسعار الطائفي ـ محاولةً دنيئة لإثارة عصبيات طائفية عمياء ، يصعب الإمساك بزمامها وكفكفة هياجها ، فيما لو نجح المفتنون لاقدر الله ، وهو عز اسمه المسؤول أن يردهم بغيظهم .

   2) يقتضي الإنصاف أن نسجل لكثير من الفئات من إخواننا السنة في بلادنا أنهم يتحلون بمنسوب طيب من الوعي ودرجة محمودة من الرشد ، بمقتضى طبيعة ردود الأفعال التي سجلت وشوهدت ، وهو الأمر الذي يمثل دعامة طيبة للحمة الإجتماعية من ناحية ، وحمايةً لسمعة إخواننا من غائلة أفعال أولئك المنبوذين ، ولتعرية الحجم الحقيقي لأولئك الشذاذ في مجتمعاتهم .

   3) ان الحكمة تفرض أن يتم التعاطي ، على مستوى التصدي لهذا الحدث الخطير ، مع جذور المرض ، لا مع العرض ، وهو الأمر الذي يفرض أن يُعَاد النظر في أصل الخطاب الذي يُرسخ في عقل المُتَلقي صورة نَمَطيّة مُنَفّرة لطوائف مُحتَرَمَة في هذه البلاد ، عُرفَت عبر تاريخها بحسن الجوار وكرم المعشر .

   إنّ من شأن ذلك الخطاب ، والمداومة عليه ، وتهيئة النفوس للتصديق به من خلال أجواء القطيعة والمباعدة ، وتسرية ذلك الخطاب إلى المواد التعبوية من (خطب) و (تسجيلات) و (كتب) .. إلخ ، إن من شأن ذلك أن يخلُق إطاراً فكرياً للتكفير والقطيعة واستباحة الحرمات المُغلّظة ، وهي أمور يجب الوقوف منها موقف التحذير والتعاطي الحازم للحؤول دون تكرارها ، وهي مسألة شرعية ومسؤولية دينية خطيرة يتحملها الجميع لاسيما الفئات المؤثرة في المجتمع المسلم ففي الحديث الشريف عن الرسول الأكرم (ص) : " " الدين النصيحة ، قلنا : لمن ؟ قال : لله و لكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين ولعامتهم ، والذي نفسي بيده لايؤمن عبدٌ حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه " ( التاج الجامع : ج5 ، ص 72 ـ 73) .    



                                                                                                                                           كتبه أقل خدمة الشرع الشريف

                                                                                                                                                 يوسف النمر الموسوي

                                                                                                                                                    11/1/ 1436هـ

الأربعاء، 7 مايو 2014

الحوار الطائفي:حوار علم أم مساءلة ادانة؟

منيت ساحات الإنترنت بالمد الطائفي ، من خلال المشاجرات العقيمة والمباهتات الطائفية التي تحتضنها وترعاها مجموعة من دوائر شبكة الإنترنت . وهذه المجاذبات الحادة ليست طارئة ولا مرضا عارضا عابرا ، ولكنها تتوكأ على رصيد تاريخي طويل من الخصومات والمصادمات ، وعلى التركة الثقافية القاتمة التي تمثلت في قلب حقائق المذهب الآخر واختلاق النسب والآراء وما يجري مجرى ذلك من مفردات الزور والبهتان وغياب الأمانة العلمية ، وإذا كانت العرب تقول : " من شابه أباه ما ظلم " فلا غرو ولا عجب أن ينسل ذلك السياق التاريخي الطائفي هذه الحوارات البعيدة كل البعد عن جانب الصدق في طلب الحقيقة وأمانة النقل ، فانها ـ والكلام مازال عن هذه الحوارات ـ يسهل لكل من طالعها ـ ولو من نافذة عابرة ـ أنها لا تجري وراء "الحقيقة العلمية" والبحث المنصف ، ولكنها تلهث خلف " الإدانة " ، وتحاول تسقط كبوات الخصم وعثراته . لقد أسست هذه المواقع الطائفية مناخا عدائيا لا يبصر من صورة الآخر إلا المواضع الداكنة والمظلمة ، على نحو قول الشاعر :

وعين الرضا عن كل عيـب كليلـة
ولكن عين السخط تبدي المساويا

والأدهى والأنكى من الذنب المعاذير التي يعتذر بها ، فليست هذه الممارسات الطائفية السبعية في مقياس صاحبها الا دفاعا عن الحق وغيرة عليه وخدمة للمبدأ المقدس وذيادة عنه .. ولكنني أتساءل : ألا يمكن عرض الحقيقة من دون ضجيج ؟ ألا يمكن تحديد نقاط الضعف عند الآخر المختلف بلغة هادئة أليفة ؟ ألا يمكن قراءة الفكر الذي نختلف معه ابتداءا من أسسه وسياقاته وانتهاءا بثماره الفكرية؟

إن قراءة فكر ما قراءة تأسيسية ، أي قراءة تبدأ من الأساس ، تتيح للباحث أن يفهم التصميم الفكري الذي بين يديه بدقة ، ويخلّص الباحث من حالة التشنج التي يمنى بها البعض عند الوصول الى نتائج فكرية لم يألفها ، لأن الوقوف على فكر ما في المراحل التي اختمر فيها والروافد الفكرية التي أنتجته و منحته صبغته الخاصة ، أقول ان كل ذلك يتيح للباحث تهيئة نفسية لتفهم ذلك الفكر ووعايته بطريقة صحيحة، بغض النطر عن تبنيه لذلك الفكر في مرحلة لاحقة وعدم تبنيه ، أما القفز بطريقة بهلوانية على كل المعطيات النظرية والحقائق الفكرية والتأسيسية لفكر ما أو مذهب اعتقادي ما ، فانه مدعاة للتنفير والتشويه ، وهو إلى ذلك خارج عن الطريقة المنصفة للتعامل مع من نختلف معه . لقد قام الشهيد الصدر ( رحمه الله ) ـ على سبيل المثال ـ في سفره القيم " فلسفتنا " بدراسة التيار الماركسي مبتدءا من أبجديات الماركسية ، منتهيا بالبناءات العلوية لها ، وبذلك أتاح للقارئ الحصيف أن يبصر الماركسية كما هي من دون إضافات ولا تشويهات ، كما أعطى الفرصة لمتابع الكتاب أن يقيم الماركسية تقييما نهائيا ، وأن يطلق القارئ فتواه النهائية فيها ، من دون أن يقوم المؤلف بسلب الفرصة من القارئ في أن يفهم الماركسية فهما حقيقيا ، ولا أن يدخل القارئ إلى مرحلة ما يسمى " غسيل الدماغ "، ولا أن يحرّضه على الماركسية بطريقة تعبوية.

لقد كان السيد الشهيد (رحمه الله) في كتاب فلسفتنا " علميا " إلى أبعد الحدود، ولم يكن له حضور في الكتاب إلا بمقدار ما يسفر عن قواعد العلم والمعرفة ويفصح عن نتائجها، فالمتابع للكتاب يلمس هذه الحقيقة ناصعة الوجه واللسان ، ويشهد المؤلف وهو يستدرج القارئ في خطوات البحث العلمي وئيدا وئيدا ، وشيئا فشيئا إلى أن تتمثل له الحقيقة بيضاء نقية. إننا ندعو من يهرج في المنتديات على هذه الطائفة أو تلك أن يقرأ على سبيل المثال كتاب " فلسفتنا "ـ إن أمكن ـ ليتعرف إلى الطريقة المثلى للتعامل مع الخصوم ، وليعلم إلى أي مدى شطّ به الهياج الطائفي عن مقاييس الاتزان العلمي ، وعن لغة الإنصاف.

الثلاثاء، 1 أبريل 2014

أصولٌ في اللياقة الفكرية 4

الــوعـي 
كثيراً ما نردِّد كلمة "الوعي" ، متنادين لتمثُّل هذا الوصف في أنفسنا . 
وكثيراً مانسمع عبارةً من قبيل : "فلانٌ من الناس واعٍ" ، فنفهم حين سماع تلك العبارة أنها قيلت في مقام المدح لذلك الشخص أو الإعجاب به . 
وما من شكٍ أنّها صفةٌ حميدةٌ ، وليس ذلك ممايحتاج إلى تطويلٍ ولاتدليل ، وليس هنالك مسربٌ للشك في أن الإنسان الواعي خيرٌ من غير الواعي . 
ولكنَّنا قبل أن نتنافس على تحصيل الوعي ، أو أن نتنافس على التسابق في درجاته ، لابد قبل ذلك أن نتسائل عن المقصود من كلمة "الوعي" ، لنتبيِّن المحتوى اللفظي لهذه المفردة ، فنقول في مقام الجواب : 
نلاحظ عند استعمال هذه الكلمة أنَّها ، في جانبٍ من جوانب استعمالها ، توجَّه إلى قضايا حياة الإنسان المهمَّة ومايتصل بحياته من مشاكل ، فيقال : "فلانٌ واعٍ في التعامل مع مشاكل أبنائه " ، أو : " فلانة تعاملت مع زوجها في فترة مشاكله ومتعابه بما يجب ؛ لأنها كانت واعيةً لتلك المشاكل " .. إلخ .
هذا ، وإننا لو تبصَّرنا في طريقة استعمال هذه اللفظة ، رابطين بين موارد استعمالها ، لاتضح لنا المرمى من وراء استعمال هذه الكلمة ، في السياق الذي تكون هذه الكلمة مورداً للإعجاب والثناء . 
ومن أجل أن "نستخرج" المقصود من استعمال هذه الكلمة [1] ، فلنقُم بمقارنةٍ بسيطةٍ للعبارتين التاليتين : 
أ‌) فلانٌ كان واعياً لمشكلته فحلَّها بنجاح . 
ب‌) فلانٌ لم يكن واعياً لمشكلته فأخفق في حلِّها . 
العبارتان واضحتان في مرماهما ، فكل واحدٍ من الشخصين المعنيين كان يعاني مشكلةً ما ، غير أن الأول " وعى " مشكلته فحلَّها لامتلاكه للوعي ، أي أنَّ الحلَّ لم يكن صُدفةً ولاجُزافاً .. أما الطرف الثاني فقد أخفق كما هو واضح لفقدانه للوعي المطلوب بمشكلته . 
ونحن نعلمُ أنَّ حلَّ المشاكل لايجيء مطاوعاً لكلِّ أحد ، بل لابد من اللياقة الفكرية لتحليل المشكلة وتشريحها ، للوصول إلى " السمة المميزة " لهذه المشكلة بغية الوصول إلى "الحلِّ المناسب" لها .
وهذا هو الوعي باختصارٍ شديد .. الوعي هو أن تعرف ماهو الشيء الذي بين يديك .. هو أن تعرف مكوِّنات المشكلة الماثلة أمامك في العمق ، لتهتدي إلى الحلِّ الذي تفرضه هذه المشكلة ذات السمة الخاصة .. تلك السمة التي نفذنا إليها بعد تسلحنا بالبصيرة والوعي الكافيين .
ولمزيدٍ من استيعاب معنى الوعي ، وللتعرُّف إلى أهميته ، نسوق المثال التالي :
عندما داهمت الحياة المعاصرة مجتمعاتنا ، بما تزخر به من وسائل حديثة كـالمذياع والتلفزيون ، والصحن اللاقط (الدش) ،والذي وفد في فترةٍ متأخرة ، أخذ بعض المتدينين بنيِّةٍ سليمةٍ ودوافع طيبة ، بخيار "المنع" ، ظنَّاً منهم بأنَّ في وسعهم "السيطرة" على هذا الوافد الجديد ، ليكون تداول هذه الأجهزة محدوداً ، أو ممنوعاً في الحدِّ الأحسن ، وذلك غاية المنى في نظر أصحابنا هؤلاء . هذا إذن ماكانت تتوسمه شريحةٌ إجتماعيةٌ من أنه سيكون الصورة الآتية للمجتمع المتدين وأن المسار المستقبلي ذاهب إلى تلك الغاية . 
ولكنَّ الأمر ، كما نعرف جميعاً ، ذهب إلى النقيض من ذلك ، حيث صارت هذه الأجهزة جزءاً مهمَّاً من حياة الناس ، وأصبحت مصدراً لمتعتهم وللإطلاع على مايفيدهم من قضايا الحياة ومستجداتها ، ووسيلةً أساسيةً للإتصال بالعالم ، مما يعني أن أي محاولة للتفكير بعزل الناس عن هذه الأجهزة ستكون أمراً متعذِّراً ، بل ربما كانت مثاراً للسخرية ، بل فرصةً ذهبيةً لإلصاق سمة التخلف والرجعية لمن يسعى إلى ذلك . 
ولكي نتعرف إلى النقطة اللائقة التي سيقف عليها الإنسان الواعي في مثل هذا الموضوع ، لابد من استعادة عنصرٍ أساسيٍ ذكرناه ، وهو أن الإنسان الواعي ، صاحب البصيرة الوقَّادة ، لابد أن يشرِّح القضية التي تواجهه ، من أجل أن يمسك بالجانب العميق في الموضوع ، والذي يرتكز الحل على استحضاره وتسجيله . فما هو الجانب الأهم في مثل القضية التي بين أيدينا ، والتي سيتوقف عليه تحديد الموقف اللائق من الأجهزة الحديثة ؟ 
والجواب فيما نحسب ونعتقد يتوقف على أن نعرف موقعنا الحقيقي في واقع العالم الذي نعيشه : فهل نحن الطرف الأقوى في هذا العالم أم الأضعف ؟ هل نحن الطرف المؤثر أم المتأثِّر ؟ هل نحن الطرف الذي يُحدِّد سمةَ العصر الذي يعيش بداخله أم نحن الطرف الذي يُدفعُ إلى سِماتٍ حضاريةٍ تُحدَّدُ له ، ليجد نفسه منحدراً إلى قرارها ؟ 
إن مثلَ هذه الأسئلة لايمكن أن تغادِرَ ـ فيما نحسب ـ من يريد أن يصل إلى حلولٍ واقعيةٍ ومصيبةٍ لمثل هذه المسائل . 
ذلك أن الإنسان العاقل ، الواعي لما يقول أو للقضية التي يريد أن يعالجها ، عليه أن يحدِّد أولاً إمكانية معارضة هذا التطور الحاصل ، ومدى تأثير خيار الرفض والممانعة . 
فإن لم يكن للرفض وقعٌ ولا تأثير ، وإذا كنا الطرف الأضعف حضارياً والأقل تأثيراً ، فلامعنى لاستنزاف الطاقات في الهتاف والإفاضات الإنشائية تحشيداً لمقاطعة هذه المنتجات الحضارية ، وإذا لم نكن قادرين على ضبط إيقاع التأثر الحضاري ، كما أثبتت التجارب المتلاحقة ، فلأي شيءٍ تُستنزف الطاقات ويمُارس التحشيد النفسي[2]؟!
ومن ذلك نتبين معنى الوعي وفائدة تعميقه : فهو الضمانة على تحديد الزاوية المناسبة لدراسة قضايانا والنظر فيها ، لتحديد الموقف اللائق منها [3]
ونضيف أن تعميق النظر الواعي والقوة في استحضار الخيارات الواعية والإلحاح على تطبيقها ، يضمن لنا السلوك الصائب ، ويقينا من التخبط والضياع بين الأفكار الركيكة ، ويحصِّننا من تراكم المضاعفات الضارَّة للخيارات الخاطئة .
بقي أن نلفت الأنظار إلى شيءٍ مهم في تحديد الوعي وفق المعنى المطلوب ، الذي يتجلى فيه النضج واللياقة الفكرية ، وهو أن الوعي بما يمثِّله من نظرٍ سديد للقضايا المختلِفة ، يختصُّ بالنضج الفكري الذي يأتي في لحظة التحدي .. في لحظة اشتجار الآراء ، ليحدِّد لنا الخيار المناسب في قضايانا المتنوِّعة ، ولنتّقي به التبعات الضارَّة والفادحة للخيارات السيئة ، مما يعني أنَّ إدراك الخيار السديد والمناسب بعد تحقق السقطات الحضاريِّة أو السقوط الفردي ، لايُعدُّ إدراكاً واعياً ولا محموداً ؛ إذ في تلك اللحظة وبعد قوع الفأس في الرأس ـ كما يقال ـ سيتساوى الجميع في معرفة مآلات الأمور : سواء من كان في غاية النضج والبصيرة ومن لم يكن له في الحصافة والوعي شروى نقير !
------------------

[1] في حدود الإستعمالات المتقدِّمة .
[2] لايعني ذلك بحالٍ من الأحوال القبول بالإستسلام والرضا بالإستلاب لكلِّ مايفد من خارج مسلكنا الحضاري والفكري ، فليس في الكلام تعميمٌ بقبول كلِّ شيء .
[3] هذا كما يقال من تعريف الشيء بلازمه ، أي من خلال الأمور المترتبة عليه .

الأربعاء، 19 مارس 2014

أصولٌ في اللياقة الفكرية 3

التقدير الذاتي .. أو حجر الزاوية
هذه النقطة من الأمور المتناهية في الأهمية فيما يتصل بتحقيق الأهداف وإحراز الإنجازات .. ونحن هاهنا نُعرض إليها شرحاً وتحليلاً ، ليتضح المقصود ، بالضبط ، من مصطلح " التقدير الذاتي ". 
لكلٍّ منّا في كيانه حظٌ من النقص والعيب ، فليس أحدٌ منا إلا وله عيبٌ ماثل فيه ، إمَّا في هيئته الخِلقية الظاهرة أو في خُلُقه وطباعه .. إمَّا في جوارحه أو جوانحه .. وليس خروجاً عن المألوف أن يُحِسَّ الإنسان بأنَّ هذا النَقص حرمانٌ له من الكمال الذي ينشده ، فالمرأ ـ مثلاً ـ يتمنى قوة البنية إذا افتقر إليها ، كما يتمنى المال إذا كان مُعوِزاً ، وهو إلى ذلك يتمنى قوة الحفظ إذا كان ضعيف الحافظة أو متوسطها ... إلخ.
ولكنَّ إحساس الإنسان بعيوبه يصل إلى مراحل حادَّة وإلى مراحل مُتأزِمة ، في بعض الحالات ، حيث يتوغل إحساس الإنسان بما فيه من النقص والعيب ، في أعماق النفس ، إلى الحد الذي تنهار معه ثقة الإنسان بذاته ويتآكل إحساسه بأهميتها ، ويضعف إيمانه بجدارته وكفائته في وصوله إلى أهدافه وغاياته.
ومن الطبيعي أنَّ الإنسان كلَّما كان أشدَّ استغراقاً في آلامه من ناحية نقصه وقصوره ، انخفض منسوب ثقته بذاته وضعف اعتماده عليها ، وهو الأمر الذي سينتهي ، تراكمياً ، إلى انحسار الإندفاع والحماس في أداء الأعمال ، وإلى شيخوخةٍ نفسية ، خاليةٍ من الطموح والفتوة .
هذه إذن صورة الإنسان المحطَّم معنوياً ، والفاقد للثقة بقدراته.
ولكننا نجد على النقيض من ذلك صورةً أخرى ، تعبِّر عن حالةٍ معنويةٍ مضادَّة ، حيث يستطيع الإنسان أن يحافظ على مشاعر الإحترام لذاته وأن يؤمن بما فيها من طاقة للوصول إلى الأهداف المنشودة ، وهذه الحالة هي التي نسميها " التقدير الذاتي ". 
والمسحة التي يتميَّز بها من يمتلك صفة " التقدير الذاتي " هي امتلاكه لـ " الحصانة " النفسية التي تمنع مشاعر الإستهانة بالذات من النفوذ إلى معنوياته وصموده ، بحيث لاتتحول آلام الإنسان الناتجة من عيوبه وخلله ونقصه ، إلى عبإٍ لسحقه وتدميره .
ولكي تتضح المسألة فلنتناول مثالاً حيَّاً ، ولنسترجع أحوال الناس الذين مررنا بهم في حياتنا .. في مقاعد الدراسة .. أو مصادفةً في الطرق العامَّة ، أو على منصَّات الإلقاء والمحاضرة .. إلخ .. فلنتمثَّلهم في أذهاننا ولنطرح السؤال التالي : ألم نجد لدى بعض هؤلاء إشكاليةً ما في النطق ببعض الحروف؟ 
بكلِّ تأكيد صادفنا من هؤلاء عيِّناتٍ ، قلّوا أو كثروا .
بعد ذلك فلنلاحظ هؤلاء لنتبين الفَرقَ بينهم في نظرتهم لذواتهم ، فهل هؤلاء المصابين بمشاكل النطق ، هم على وضعٍ واحد؟ 
بكلِّ تأكيدٍ ليسوا كذلك .. فهناك أشخاصٌ من المصابين بصعوبةٍ في النطق ، هم في غاية الإنبساط والراحة في التعامل مع الآخرين ، وإجراء حواراتٍ تلفزيونية وإلقاء محاضراتٍ عامَّة ، فيما إذا كانوا من الشخصيات النخبوية ، وهم إلى ذلك يمارسون سائر نشاطاتهم بكلِّ حيوية وفاعلية ، مما يعني أنَّ عقبات النطق لم تكلِّفهم أي عبإٍ نفسي ولم تمثِّل لهم سداً في حياتهم . 
وعلى النقيض من ذلك تماماً ، ما نجده عند قِسمٍ ممن يعانون من صعوبةٍ في النطق ، حيث نلمس فيهم درجةً مؤلمةً من الإنكسار وانحسار الفاعلية ، وغياب الإستجابة لما يمليه الطموح ممن هو في مثل حالهم ومواهبهم الكامنة .. نعم ، إذ ليس هنالك إنسانٌ فيما نألف ونعرف ، يخلو من موهبةٍ ظاهرةٍ أو كامنة. 
وكلُّ ذلك التناقض البيِّن في المثالين المتقدِّمين ، هو من رشحات التقدير الذاتي عند أحد الطرفين ، والحاضر بصلابة عند أحدهما ، وغيابه عند الآخر .
ومن خلال ملاحظة مدى تأثير هذه الخصلة ( التقدير الذاتي ) ، وخطورة امتدادها إلى الوضع المعنوي للإنسان .. يتبين السرَّ في تسميتها بـ "حجر الزاوية " ، كما أسلفنا في عنوان هذا المقطع.

مدونة السيد يوسف النمر

الخميس، 13 مارس 2014

أصول في اللياقة الفكرية 2

علِّمْ[1] .. ولاتُهوِّمْ ! 
من الأسس المهمة ، التي تقوم عليها الخُطط المثمرة والحراك الهادف ، هو أن تكون الأهداف محدَّدَة بالنسبة إلى صاحبها ، وألَّاتزحف عليها أهدافٌ أخرى ، لتزيحها وتتغلب عليها . 
ويتضح لنا المقصود من ذلك بدقة ، عندما نرى حال عيَّنةٍ من أولئك الذين لم يتخِّذوا " قراراً " عميقاً تجاه أهدافهم المبرمة ، ولايزالون في طور " الأماني " الباردة والرغبات الطفيفة ، في الوصول إلى الهدف الذي يحلمون به !
وهذه الدرجة من الإرتباط بالأهداف لاتعطي ضمانةً للوصول ، ولاتحقق الإلتحام المنشود بالمسار المطلوب .
ونحن في التعبير المتداول نسمِّي هذا النحو من الأمانيَّ الورديَّة " نزوة " ، والإنسان في ظرف وقوعه تحت دفع هذه النزوات ، قد تنوبه رغبةٌ أخرى أوتميل رغباته إلى هدفٍ ثان ، ثم يتجه إلى مسارٍ آخر ، ولايتوقف عند ذلك ، بل تستزله أمانيه باتجاه مغاير .. وهكذا .. ليبقى الإنسان في نشاطاته مضطرباً هائماً مهوِّماً ، كالطير السارح ، الذي يتجول من فنَنٍ إلى فنَنٍ ، صادحاً مغرِّداً !! 
فالخلاصة : أنه لابد من التحديد الثابت للأهداف والإرتباط الثابت بها ، بخطىً ثابتةً ، ولذلك قلنا : علِّمْ ولاتهوِّم !

لاتَغلُل فتُغَلّ 
إذا صادف الإنسانَ تصرفٌ مثيرٌ لغضبه ، ثم لم يتمكن من التنفيس عن غضبه ، لمانعٍ أو لآخر ، فإن مصير ذلك الإنفعال هو الإحتباس في الزوايا الخفية من نفس الإنسان ، فإن لم يكن الإنسان طيِّباً في سريرته ، ولامديراً عاقلاً لمشاعره وانفعالاته ، تحوَّلت تلك الإحتباسات الغاضبة إلى حقدٍ كامن . 
والإنسان الحاقد بطبيعته مُتعِبٌ ومُتعَب : فهو مترصِّدٌ لغرمائه وخصومه ، ليلتمس عليهم العثرات والزلَّات : مادقَّ منها وما جَلّ ، وهو بحسب هذه النظرة ، عنصرٌ إجتماعيٌ مزعجٌ من الدرجة الأولى ، قادرٌ على اختلاق منازلات وجولات ، لامبرر من ورائها ، ولاحصر لها ولا نهاية . 
وهو مضافاً إلى ذلك مزعجٌ لنفسه مُبدِّدٌ لراحتها ، وشاغلٌ لها في غير شاغل .. فحيث ينشغلُ العاقل اللبيب بما يجب عليه القيام به ، ينشغل الحاقد الفارغ بمعاركه العبثية وصراعاته الإلهائية . 
ومن ذلك تتضح اللفتة التي على أساسها سمِّي الحقد " غلّاً " ، حيث إن الغِلُّ هو مايُغَلُّ به ويكون التقييد بواسطته ، فأهل الأحقاد والبغضاء مملوكون لأحقادهم وشحنائهم النفسية ، مقيَّدون بها ، محرومون مما تفرضه البصيرة على الإنسان ، ومايوجبه الإدراك السويّ ، من التصرُّفات اللائقة والسلوك النبيل .
والذي يجدر الإلتفات إليه في هذا الصدد والأخذ به ، هو أن الإستفزازات التي نواجهها في الحياة ، وإن كانت تحرِّك شيئاً من الألم في دواخلنا ، ولكن لايصح أن تأخذ منَّا حيِّزاً أكبر مما نستحق ، فضلاً عن أن تسيطر علينا سيطرةً شاملة ، فضلاً عن تتحول ـ لاقدَّر الله ـ إلى سلوكياتٍ ثأريةٍ بشعة . 
وعلى النقيض تماماً من ذلك سماحة الخلق ، وسلامة الصدر من الأضغان ، وحميمية المشاعر تجاه الآخرين ، وسلوَّ النفس وإعراضها عن شجون الماضي .. فإن ذلك يُعدُّ رصيداً نفسياً رائعاً ، ونعمةً من نعم الله تعالى على أصحاب الأنفس السخية والعقول الراجحة . 
هنالك حيث يتحوَّل القلب إلى جنَّة غناء ، ويعذُب إحساس الإنسان وتطيب حياته ، ويجدُ فيها سعةً ومتعة ، ويتلذَّذ بما يتاح له من مباهج الحياة وطيِّباتها . 
وللإنسان كامل الإختيار في أن يكون في هذا الصنف أو ذاك .. في أن يكون مغلولاً وثيقاً ، أو حرَّاً طليقاً .


[1] أي ضع علامة على الهدف وتحرَّك ضمن خطة لها غاية ، ولاتكن هائماً بلا قصد واضح .

الجمعة، 7 مارس 2014

أصولٌ في اللياقة الفكرية 1

السيد يوسف النمر
هذه مجموعةٌ من الأفكار المنتقاة ، إخترتها من هنا وهناك .. من واقع ما قرأته ومما مارسته وعالجته ورصدته من قضايا الحياة.   
   وقد دوّنتها مقدِّراً أنها تصلح ـ فيما أحسِب ـ لنفع إخواني القرَّاء ، المتشوِّفين لنور المعرفة والتأمل ليستضيؤوا به في قضايا حياتهم ، ومؤمناً بأن تنظيم التجارب وتأديتها علمياً هو خطوةٌ مهمةٌ للإسترشاد والإستدلال بها .   
    والله تعالى أسأل أن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم ، وأن يجعل هذه البضاعة المتواضعة منهلاً لرواد المعرفة والتفكير السديد ، لاسيِّما لجيل الشباب اليافع ، والذي مازال يطرق أبواب الحياة المبكرة ، باحثاً عن طريق يزرع فيه خطواته الفتيِّة .

فكِّر وكرِّر.. لاتبتئس    
   يمر الإنسان في حياته بإخفاقات ومحاولاتٍ فاشلة ، تكون لها ـ عند البعض ـ تبعاتٌ ضارَّة و " مدمِّرة " فيما يرتبط بتقدير الإنسان لذاته ، فيتصور أن الفشل قدره المقدور ، وأن المحاولات المخفقة التي مرَّ بها ، تعبِّر عن قدراته ، وتمثِّل نهاية تاريخه .     
   فالواجب هو أن يتخلَّص الإنسان من هذه " العُقَد " ، وأن يغتنم فرصةً " هادئة " ، لرسم خطةٍ للمرحلة المقبلة ، على أن يراعي في هذه الخطة أن تكون مشتملةً على أهدافٍ " ميسورة " وغاياتٍ مقدورةٍ مضمونة ، فإن من شأن الوصول إلى بعض الأهداف المتواضعة ، "ترميم" الثقة بالذات وإنعاشها من جديد ، والتجربة خير برهان .   
   وبالمناسبة ، فإن بعض أهل الإختصاص في مجال أصول كتابة الأبحاث العلمية ، يعتبر كتابة المقالات القصيرة خطوةً أولى للدخول إلى عالم التأليف . 
   وما من ريبٍ أنه أمرٌ منطقي ٌ وصائب ؛ ذلك أن النجاح في المقال القصير للمبتدأ أكثر مضمونيةً من نجاح مثله في تأليف الكتاب ، مما يعني أن تذوق النجاح في المقال القصير سيعطيه الزاد المعنوي وسيموِّنه بمشاعر النصر التي ستكون سِناده وعتاده للمراحل التالية في التأليف ، فالنجاح الصغير بوابةٌ للنجاح الكبير .   


   الاختيار بواقعية  
  يصادف الإنسان في حياته مشاكل ذات مسحةٍ إستثنائية ، أو فلنسمِّها منعطفاتٍ بالغة التعقيد .  
   وفي هذا النوع من المنعطفات يقف الإنسان على مفترق طريق ، حيث لايمكن العبور إلّا بتحمل بعض الأضرار ببسالةٍ وفروسيّة ، حيث تكون جميع الخيارات التي سيتخذها الإنسان محفوفةً بشيءٍ من الضرر ، حيث لايمكن الخروج إلابتحمل ضررٍ وألمٍ أيّاً كان الإختيار .    
   وذلك القسم من الناس ، من ذوي الطبع الباسل ، والموطِّنون أكنافهم لتحملِّ الخسائر التي لافرار منها ، هم قسم متميزٌ نادر ، وليس كل من هبّ ودبّ هو أهل لاحتمال مثل هذه القرارات .
   والناس بعد ذلك درجاتٌ متفاوتةٌ في توفُرِّهم على تلك الفروسية التي نصفها ، ومتفاوتون في اللياقة النفسية لتحديد الخيار المناسب في مثل هذا الظرف الحرج ، إلى أن نصل إلى أصحاب الدرجة الرومانسية الحالمة .. إلى أولئك الذين لايريدون أن يخسروا شيئاً وألَّا تطير من أيديهم شيءٌ من أرباحهم وامتيازاتهم .
    والذي يجب أن يكون واضحاً لدينا في التعامل مع مثل هذه الظروف المعقَّدة أن طبيعة الواقع ، بل تعقيدات الواقع ، لها حسابات خاصة ، حيث تفرض على المرأ حلولاً " نسبية " ، يقارنها بعض السلبيات أو ربما بعض الآلام ، التي تصادم ما كان يتمناه الإنسان ويصبو إليه ، وهذه حقيقةٌ قاهرةٌ غالبةٌ ، لايمكن الفرار منها بحالٍ من الأحوال .    
      نتيجةٌ مما تقدَّم
   والحاصل أن هناك من الناس يظنَّ أنَّ الوقوع في الإخفاق كارثة ، ولذلك تجده يعاني من الرُهاب والقلق البالغ تجاه المآزق التي قد تلحق به عند الأخذ بهذا الخيار أو ذاك ، حتى لوتبين له بعد التأمل والتفكير أن خياره هو الخيار المناسب والسديد .
      ثمَّ إن هذا القلق قد يتضاعف إلى الحد الذي يعيق الإنسان ويعطِّل حافزيته وفاعليته .   
   فالنظرة الصحيحة هي أن يعترف الإنسان ، بينه وبين نفسه ، بإمكانية الوقوع في الإخفاق أو المرور ببعض النتائج السلبية ، والتي لم تكن في الحساب .    
   وتضمن هذه النظرة الموضوعية للمرأ أن "يحدَّ" من المردودات المعنوية للإخفاقات ليقاوم تداعيات اليأس والإحباط . 
      وكما انتهينا إلى تحديد الطريقة السليمة في التعامل مع الأضرار الإضطرارية ، نتطرَّق بالمناسبة إلى ما يتوجب على الإنسان عندما يفكِّر في التخطيط للوصول إلى أرباحٍ أو مكاسب هنا أو هناك .
   فالمنطق الصحيح في التخطيط نحو المكاسب ، أن يكفكف المرأ من تدافع الأرقام الوهمية لنجاحاته المستقبلية ، فإن الغالب ، بحسب طبيعة الأشياء ، أن تأتي نجاحات الإنسان بينَ بين .. فإن الإنسان إذا غابت عنه هذه الحقيقة ، وتدنى مستوى نجاحه ومكاسبه عمّا كان يتوقعه ، داخلته مشاعر الإحباط والإنكسار ، بل ربما تفاعلت في أعماقه إلى مستوى مدمِّرٍ ، ينتهي به إلى تعطيل طاقاته .