‏إظهار الرسائل ذات التسميات السيد صادق النمر. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات السيد صادق النمر. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 1 ديسمبر 2014

عن اختلال العالم

كتاب  اختلال العالم لأمين معلوف .  

السحر السردي في روايات (أمين معلوف) لم يزل وقيداً في سطور كتابه " اختلال العالم " و الذي يقدم فيه رؤيته للأسباب المخلة بسيرورة هذا العالم نحو مجتمع معولم حُرِّ وديموقراطي كريم ، تحتل الثقافة والمعرفة و الفنون فيه المدرج الأول من السلم التعاملي و تتحد فيه الحضارات و القيم في بوتقة إنسانية جامعة . و تسمع صوت ( أمين معلوف) في الكتاب مرةً كواعظ و أخرى كقارئ استشرافي و تارةً كاستشراقي ذي منابت عربية تمكن من استعياب حضارتيه على حد تعبيره . 

لقد كرهت ( معلوف ) بقدر ما أحببته في هذا الكتاب ؛ كرهته في نظرته " الواقعية !" لأمريكا كدولة عظمى وجب التسليم بذلك بشكل متخاذل يائس متضمنٍ القنوط عن مقاومتها و متمنياً عليها التغير والتبدل و تحمل مسؤولياتها تجاه العالم ، فانتخاب الرئيس الأمريكي لديه يمثل انتخاب رئيس العالم ، و بقدر ما يحمل هذا التصور شيئاً لا بأس به من الحقيقة إلا أنه ؛ قنوط المهزوم و حيرة الذات ؛ التي حمَّلَها العالم العربي- الإسلامي في مطاوي حديثه . هذا العالم المكسِّر الأجنحة والذي يراه خفَّ مسرعاً إلى " الشخصية الناصرية" لأنه وجد فيها الخلاص و الشرعيّة الضالَّة بعد هُوِيِّ السلطنة العثمانية و ارتهان ما خلفها من الأنظمة المهترئة إلى الغرب كما يُقرِّر ، و ما لبث قليلاً هذا العالم العربي بشعبه حتى نكست أعلامه مرة أخرى في تجاذبات اليسار و غبش الرؤية و ضخامة الشعارات الشاعرية. 
(و كم أود معرفة رأيه الآن وقد كان يبين على سير العالم و الغرب خصوصاً نحو الخطة التسامحية القبولية بانتخاب أوباما و أود أن أعرف رأيه الآن و أوباما يخف بنفسه من ضعيف إلى أضعف في الداخل الأمريكي والخارج العالم ).

ثم أحببته حين لوَّح بقلمه كسيف و أشار إلى أن البشرية أمام أخطار بيئية محدقة وكوارث طبيعية منتظرة كالإحتباس الحراري و ذوبان القطب الجنوبي و يكفي بهذه الأخطار أن تشعل مصابيح الطريق نحو صياغة التزام عالمي و عقد جامع لعالم متجانس متعارف يخرج من قيود الهوية الضيقة بشكل طوباوي مثالي ( يعجبني) يقترب فيه من فكرة الخلاص و المهدوية لكن بدونه ، بيد أنه يعود لطرح التجربة الأوربية كصيغة أولية لهذا العقد والإلتزام مذكراً الأوربيين بمشاكلهم مع مآسي المهاجرين الذين يدخلون حضن الأم الأوربية التي لم تصل للطريقة الصحيحة حتى الآن لتدفئة هذا الحضن ، فلا زالت تدفعم نحو التخلي عن ذواتهم أو البقاء كآخرين على الأخص العرب منهم و هذا يفقدهم الكرامة و يحولوهم إلى قنابل ، ومن هنا يعيد تلك العودة للذات إلى انفجار الهوية الدينية بعد انخذال ونكسة اليسار في العالم العربي الإسلامي و ضمور العلمانية والديمقراطية لتتمكن الإسلاموية من جمع محاسن هذين التيارين مع قبول مسبق في أرضية الذات الشرق أوسطية لتسيل معها في نهرها . 

الكتاب لم يطرح أفكاراً ظريفةً فقط ومعالجات طريفة في الحقيقة كمقارنته في فصل اليقينات الخيالية بين الحالتين المسيحية والإسلامية و تفريقه لهما - على أنه كان مسيحياً جيداً آن ذاك - و اعتقاده أن السيرورة في الإسلام كانت تتجه نحو أرضية علمانية منذ البدء لأن الخليفة ليس كسلطوية الباباوية الكاثوليكية و لأن الإسلام يوجه العلاقة بين العبد وخالقه مباشرةً مما يدع مندوحةً للتحرك الحر في هذه المنطقة لكنه يعود ليؤكد أن السلطة الكنسية كانت لها ظليعة في فسح الأفق الحر لتنطلق الأنوار في أوروبا ولم يحدث ذلك في الشرق ، ملفتاً أن ( الخلفاء ) ويقصد من الخلفاء هنا علماء الدين أنهم كانوا يأخذون رواتبهم من السلطة السياسية مما حدا بهم أن يسعوا جهدهم في الحفاظ على مكانتهم و دينهم أكثر و مما حدا بالسلطة السياسية أن تستولي على سلطهم وتسحقهم وتتعدى عليهم على العكس من المسيحية على حد قوله و بسبب هذا الخنق انتشر الديني في الجسم الإجتماعي . 

طرحه الإنسانوي الثقافي في الكتاب يستحق القراءة و لكنّ الحل الذي يطمح له و إيمانه بالعلم - العلموية- كحل تجتمع لديه الخصوم و ميوله للتجربتين الأوروبية والأمريكية -كأنهاتجارب مستقلة عن السيرورة التاريخية - على أنهما الآفاق التي ستؤوي التاريخ القادم ، و لم يشفع له انتقادهما و اقراحاته التصحيحية لهمامن أن تضعه موضع اليائس المذهول بتلك التجربتين ،مما دفعه لإيضاح كيفية آماله في نهاية الكتاب. هذه النظرة شبيهة بالتأويلات الدينية التي يقول عنها لم تفلح في تخليص وتحرير قراءته . أتفهمه لكني كرهته أكثر مما أحببته في هذا الكتاب . 

رابط الكتاب لمن يريد قرائته مباشرة بواسطة علي مولا الرجال الأجودي والبطل المعرفي في النت : 
https://docs.google.com/…/d/0B4tdKbWs3AxXenJtQXcxYlVjY…/edit

الخميس، 20 نوفمبر 2014

الِدماءُ الخضرِ ..

ثمانية شهداء قضوا غدراً بعد خروجهم من المأتم الحسيني في قرية (  الدالوة )  فتوضأ النور من دمائهم .

إلى الأحساء .. إلينا ..



الدَمُ الأخَضَرُ الرُؤَى
والشَهَيدُ
بِهِمَا الحَقُّ فَجْرُهُ مَشْهُودُ



حَضَنَتْهُ ( الأَحْسَاءُ )
فَابْتَهَلَ النَّخَلُ وغنَّى فُؤَادُها المَفْؤُودُ


هَكَذَا الحُبُّ ؛
مِنْ  هَدَيرِ الشهَادِاتِ يُدَوّيْ
فَيَسْتَفِيقُ الوُجُودُ


فِإذَا جَاعَ غَادِرٌ وارْتَدَتْهُ
شَهْوَةُ النَّارِ والظَلاَمُ الأَبِيدُ


أطْفَأتَهُ الأَلْحَانُ مِنْ شُهَدَاءٍ
بِمَقَامِ الحُسَينِ كَانَتْ تُعِيدُ


-


يَا زَمَانَ الَّلظَى لَنَا كَلَّ يَومٍ
صَخْرَةٌ مِنْكِ فِي الطَرَيقِ كَؤُودُ



بَاكَرَتْنَا خَوَارِجٌ تَحْسَبُ التَقْتِيلَ
أحْلَى مِمِّا أتَى التَوحِيدُ !


وَيَرَونَ السَمَاءَ مُلْكَاً لَهُمْ حَصْرَاً
فَهَذَا يُؤْوَى وَ ذَا مَطْرُودُ



ثُمَّ لَمْ يَكْتَفُوا
فَصَالُوا عَلَى المُسْلِمِ
وَ( القُدْسُ) دَونَهُمْ مَكْدُودُ !


كَيفَ جَاؤا ؟
فِي أَيْ مَغْرَسِ شُؤْمٍ
أنبَتَتْهمْ ناراً هنُاَكَ الحُقُودُ ؟



نَبِّئُوهُمْ بِأَنَّ ظِلَّ أَبِيْ الَأْحْرَارِ
بَاقٍ وَ دُونَهُ المَوتُ عِيدُ


وَ بِأَنَّ التَوحَيدَ تَفْرَعُ عَنْهُ وُحْدَةُ الكِلْمِةِ الَّتِي لا تَمَيدُ


خَسِئَتْ حَيَّةٌ فَلا يَفْتِنُ النَّخْلَ
لَيَحْنِيْ هَاماَتِهِ تَهْدِيدُ


وَ سَيَبْقَى الحُسَينُ ، قَامَةَ شَمْسٍ، سَرْمَدِيَّاً ،
وَلِلْهَوَانِ يَزِيدُ ..


-


يَا لِصُبْحٍ تَتَبَّعَتُهُ مَآقِينَا
حَيارَى وكِدْنَ حَتَّى الكُبُودُ  


فَمَدَدْنَا كَفُوفَنَا نلمسُ الصُبْحَ
ولَمْ نَدْرِ أَنَّهُ الَمْرصُودُ


فَرَمَتُهُ قَوسُ الَّليَالِي
كَمَا تَرْمِيْ جِمَارٌ شَرَارَهَا وَ تَكَيدُ


فَهَوَى مِثْلَمَا ( أَبِي الفَضْلِ) أَرْدَى
ظَهْرَهُ فِي الطُفُوفِ غَدْرَاً عَمَودُ


فَارْتَمَينَا بَعْضَاً؛ يَلُومُ سَجَاياَنَا
بِبَعْضٍ ؛ فِي شِلْوِهِ تَقْدَيدُ


أَتَرَاهم ؟
وَنَحْنَ تَقْسِمُنَا العَتْمَةُ شِقِّينِ ؛ مُوْقَدٌ و جَلَيدُ


و لَهَا مِنْ كَلامِهِم مَا خَضَيلٌ
وَ لَنَا مِنْ مَلامِهِمْ مَا خَضَيدُ


ثُمَّ يَسْتَمْطِرُونَ مِنْ مُقْفِرِ
البَطْحَاءِ غُصْنَاً يَزِينُهُ عُنْقُودُ !


فِيْ صَحَارٍ كَأَنَّهَا أَوطَانٌ
وَ حِصَارٍ يُقَالُ : هَذَا حُدُودُ !
-


يَا أَساَناَ ، لَمَّا نُجِدْكَ
فَفِي العَينِ قَذَىً جَاثُمّ وَ دَمْعٌ وَقَيدُ ..
 


كَيفَ نَأْسَى وَلَمْ يَزَلْ مِنْ سُرَانَا
جُرْحنا نَاغِرٌ وَ لَا تَضْمِيدُ ؟

قَدْ ظَنَّنَا بِأَنَّ مَدْمَعَنَا ؛ سَيْفٌ
وَ تَنْحَابَنَا ؛ فَتىً صِنْدِيدُ !


وَ نَقَولُ السَمَاءُ قَبْضَتُهَا مَعْنَا
فَلَا بُدَّ حَقَّنَا سَتُعِيدُ !


فَتَرَكَنَا اليُنْبُوعَ كُنَّا عَلِيهِ
أنْ لدى آخِرَ الطَرَيقِ وُعُودُ !؟


كُلَّمَا يَشْهَرُ الحُسَينُ صَبَاحَاً
لِرُؤَانَا تَعَاجَلَتُهُ الغُمُودُ


-


ألشَهَيدُ الشَهَيدُ فِيْ دَمِهِ
النُورُ يُصَلِّي و تَسْتَعِدُّ الرُعُودُ


هُو فِي لَمَحةٍ يَجِيءُ .. يَمُورُ الوَرْدُ
في خَطْوِهُ … وَ تَنْمُو عُهُودُ  


هُو أَوفَى مِنْ أَنْ يَمَوتَ .. هُوَ
السِرُّ وَرَاءَ الحَيَاةِ .. وَ هْوَ الخُلُودُ


وَ إِذَا امْتَدَّ بِالحُسَينِ جَلَالَاً
فِي جَمَالٍ فَمَا لَهُ تَقْلَيدُ

وَهْيَ هَذِيْ الطُّفُوفُ تَخْتَصِرُ المَعَنَى
ابتكاراً فيبدع التغريدُ


غَيرَ أَنَّا هُنَا تُشَقِّقُنَا البِيدُ
لِنَنْأَى مِنْ دُونِهَا أَو نَبَيدُ  


لا نَبَيٌّ فِي الَأرْضِ نَسْأَلُهُ عَنْهَا
فَقَدْ ضَاق رَحْبُهَا المَمْدُودُ ..


لَمْ تُجِدْ جَمْعَنَا الأَرَضُونَ لَكِنْ
أََ تُرَى بَعْدَهَا السَّمَاءُ تُجِيدُ ؟

٢٠ \ محرم الحرام \ ١٤٣٦

خطاب البغدادي



فيما يبدو من الحوادث الأخيرة حتى رسالة " الخليفة البغدادي" أنَّ الهدوء قد رحلَ عن المنطقة إلى أجل غير مسمى ، و من هنا سأتجاوز بعض الأحداث إلى ما حدث في " الدالوة " ، وقد انسكب حبرٌ غزيرٌ في هذه الفاجعة للتأكيد على ربطها بالتنظيم وغير ذلك فلا حاجة للمزيد منه ، إلا أن المشهد يتضح أكثر بعد صدور هذا التسجيل للبغدادي في هذا التوقيت. وإن كان لا يُعلم متى تم تسجيله و هناك ظنون حول زمن تسجيله ، أكان قبل العملية التحالفية التي أصابت قافلة من " داعش" أم بعده .

تصدير هذا التسجيل الآن ، بعد عدة حوادث في اليمن وليبيا ومصر وأخيراً في السعودية ، وكلها كانت " جهادية " كان منتظراً لوصل الكلمات المتقاطعة حتى يستطيع " البغدادي " إعلان " التمدد " إلى هذه الدولة وتلك بانسيابية جيدة للمتلقي.


يهمني الآن هو موقع حادثة الدالوة من هذه الأحداث لدينا، فقد علت الأصوات و والأقلام ، في التحريص على سن قانون داخلي للتحريض الطائفي و التأسيس للحرية والإعتراف بالمذاهب والتعدد داخلياً وهذا أمر جيد، إلا أنني أظن صورة المنطقة بشكلها العام هي المفجعة متمثلة بضلوع التنظيم الداعشي في تحطيم تلك الصورة ، فالمستمع لخطاب " البغدادي " يجد ذلك الصوت الثائر على كل شيء وهذا لا يتكأ فقط على الموروث أو الجذور السلفية له فقط ، بل إنه يتكأ أيضاً على هذا الفرد المقهور في المنطقة والممرغ أنفه في التراب والفاقد للعزة.

هذا الفرد إذا كانت جذوره تتلاقى في طريق أو طرق مع الفكر " الداعشي " فهو أسهل في الإنقياد من غيره ، ولكن هذا لا يمنع الآخرين ممن يجدون تلك النبرة الثورية المثيرة للعواطف من الإنظمام كذلك ، وقد حصلت مع كثير من الغربيين الذين ما إن طلع التنظيم حتى تحولوا إلى " مؤمنين " ثم إلى " مجاهدين" .

إنَّ فكرة تنقيح المنهج وإصلاح الحال في الدولة متأخر على أي حال ولن يسعفه الوقت ليضع الموانع من تكرار فاجعة الأحساء - وأرجو عكس ذلك - فالظاهر، أن النظام الحاكم في السعودية كان حذراً منذ فترة من حصول أي شيء يشير إلى حضور الدواعش في المشهد بشكل فاعل و دموي، إذا ما لاحظنا سرعة التقاط المتهمين في مناطق مختلفة و إرسال تنبيهات - كما كُتِب - إلى بعض المنابر في القطيف و يظهر من زيارة الرئيس العراقي و إرسال السعودية وفداً أمنياً إلى العراق أنها تأخذ حذراً دولياً كذلك .

وما أريد قوله ، أنه لو استطاع التنظيم الداعشي إرسال طلائع إلى السعودية أو فلنتوقع أن طلائعه وصلت ، كما وصل رئيس الخلية الذي كان في مناطق النزاع ، فهل ستكون المسألة داخلية فقط ؟ مكتفيةً بسن بعض القوانين فقط ؟ أليست السياسيات الخارجية لها دورها هنا ؟

والمعرفة أنَّ داعش تنطلق وتخطط من أنها دولة " وخلافة" لها ثقافتها وخطتها المعولمة سيختلف عن معاملتها كحفنة متطرفين استطاعوا السيطرة على مناطق هنا أو هناك وستستطيع قواصف التحالف أن تبيدها ، مع ملاحظة تخبط هذا التحالف في أهدافه الحائرة و غموض غايته من هذا التدخل وغياب الإستراتيجية الواضحة فيه.

إن محاولة جعل المشكلة إلى قانونية فقط أو أن في الأرضية السلفية المستعدة لهذا فيجب فلحها فقط ، لن يجعل المشهد مكتملاً ، ومن هنا فإن مراجعة وإصلاح السياسات الخارجية بخطوات حقيقة و فاعلة كما القانون سيكون أمراً لا محيص عنه و أظنُّه أهم .

الثلاثاء، 23 سبتمبر 2014

فكرة الفن كحالة ثورية لدى مدرسة فرانكفورت.


كان العقلُ ، في لحظات تأسيسه المفهومي في الحقبة الأنوارية الأوروبية ؛ الزورقَ الأخير لتحرير الإنسان من براثن الأسطورة وهيمنتها كما تصورته الوضعية الغربية ، فبعد أن كان يقف وقفة المرتاب أمام كل ما لا يمكن اعتباره ذا معنى حسي ، كالمجردات من القيم والجمالية ، حتى تحول إلى أداة خاضعة مثل الطبيعة التي سعى للسيطرة عليها ، فالمعرفة ونتائجها من التكنولوجيا التي كانت يسخرها ذلك العقل للتسلط على الطبيعة وإخضاعها لمنافعه تجاوزت ذلك للتحكم والتسلط على الإنسان نفسه التي يُفترض بها أن تحرره ، وهذا ما اصطلح عليه بـ(العقلانية الأداتية) لدى فلاسفة وسيسولوجييْ مدرسة فرانكفورت الألمانية.

وُجِّهَ هذا التحليل من الرعيل الأول لمدرسة فرانكفورت للمجتمعات الغربية نقداً للمآلات التي تحولت إليها إبَّان الحرب العالمية الثانية مع صعود النُظُم الفاشية والنازية آنذاك ومع تشيئ الإنسان من الرأسمالية لاحقاً ، و في ذلك المناخ السياسي المحقون بالرعب والإرهاب، حاول ( ثيودور أدورنو ) و ( ماركوز ) مواجهة هذا التحول في المجتمعات الغربية ليس بالنقد فقط ولكن بالتنظير لما يمكنه أن يكون خلاصاً آخر لدى الإنسان غير تلك العقلانية التي تحولت إلى أداة ومن ثم انزلقت عن المحجة، بعد أن حرمته من حريته الحقيقية و منحته حرية مزيفة آلية ميكانيكية تُشيِّئ الإنسان إلى بُعدٍ واحدٍ لا حاجة له إلا الإنتاج والإستهلاك وعلى هذا كانت المدرسة الفرانكفورتية كونها ترى وظيفة الفلسفة الرئيسية هي تغيير المجتمع سعت إلى إنقاذ هذا الإنسان المعاصر من ذلك المآل الميكانيكي المظلم. 

وتغيير المجتمع يحتاج إلى يقظة القوى الهامشية كـ( البروليتاريا) ، تلك التي لم يتم احتضانها من قوى المجتمع القائم من حيثية الرفض والغضب المتفجر فيها إزاء هذا الوضع ولكن هذه الطبقة كما يرى (ماركوز) لم تعد باستطاعتها القيام بالتغيير لأن الأنظمة الحديثة استطاعت استيعابها واحتوائها ولكن (ثيودور أدورنو) لديه نظرة مختلفة. أدورونو خصص قسماً كبيراً من اشتغالاته الفلسفية قد تصل إلى النصف من أعماله في النظرية الجمالية ( الإستيطيقا ) ، لأن التغيير المتأمل لن يتحقق بواسطة القوى غير المندمجة مع النظام القائم أو النسق الراهن ، ولكنه يرى ذلك بين يدي الفن والجمال ، لأن الفن في جوهره " احتجاج " و "رفض" ، إنه يراه الملاذ للإنسان المعاصر من هيمنة التكنولوجيا حيث يخرج بالإنسان إلى أفق رحيب للإشتغال النقدي ، لأن البُعد الجمالي هو خلاص الإنسان من تلك العقلانية الأداتية. 

إذن فالفن يحمل بُعداً سياسياً في ذاته يتمثل في احتجاجه و رفضه للواقع اللاإنساني الناشب من المؤسسة السياسية الساعية للسيطرة على الإنسان ، فالعمل الجمالي عملٌ ثوريٌ غايته تحرير الإنسان ، لكنه ليس ملتزماً كما سعت إليه الماركسية الأرثوذكسية في السابق من جعل الفن ليكون أصيلاً ، فإنه سيعيبر عن نضال الطبقة البروليتارية في تصورها عن العالم ، بمعنى آخر ، ليس الفن معبراً عن طبقة محددة الإطار في تصورها ولكن ينظر للإنسان المقهور، والقيود المعاصرة تعض عقله ويديه ، فذلك الإنسان في جوهره كائنٌ حرٌ و من خلال هذه النظرة فإنه لا يمكن للفن النابع من تلك الذات إلا أن يشتاق لتلك الحرية و يعمل على تحفيز ودفع الذات للتحليق إليها وتحقيقها ، وذلك وعلى النقيض من (أفلاطون) ونظرته التي حطَّت من شأن الفن ، من حيث أنه عملٌ يحاكي الواقع ليس إلا ، وليس له تناول الحقيقة لأنه خدعة ، تحجب الإنسان عن إدراك الواقع والحقيقة من جرَّاء تغيير ذلك وتشويهه . 

من هنا ربما تظهر آثار (هيغل) على النظرية الجمالية ، فهو يرى الفن كالدين والفلسفة مجالاً لتجلي الحقيقة في اللحظة الأولى من الروح المطلقة أو الأفكار فهي - أي الحقيقة - تتمثل داخلياً وخارجياً في الفن وداخلياً في الدين وأخيراً و بالإطلاق تتجلى في الفلسفة على حد زعمه. 

فالعدالة والخير والسعادة صورٌ يُسكنها الفن خيالَه حاكما ومتحكما على القمع والبؤس والقهر وغيرها من الصور القبيحة التي تسكن الواقع ومن هنا يكون هدف العمل الفني تحويل الواقع القاتم إلى صورة فنية ، لذا ليس الإلتزام الفئوي و السياسي للفنان سبيلاً للحكم عليه أو جادة صحيحة للوقوف على أعماله إذا ما كان هدف الفن هو تحويل الواقع إلى تلك الصورة الفنية ، ولا يمكن للفن أن يكون مجالاً للواقع والحقيقة إلا حينما يتعلق بالراهن الإجتماعي للإنسان لأن إطار الحقيقة في هذه المساقات إطار تاريخيٌ عالق بالمجتمع والإنسان.

الخميس، 11 سبتمبر 2014

شيءٌ من الانتياب ...

قُلِ انتابَكَ الماءُ منتبذاً في الجوانبِ لوناً قصيَّاً

يُعوَّذ قلبكَ في بركةٍ 

كنتَ أخلفتها حيطةً في المتاعِ 

تُأَهِّبُها لاتهامِ الصواعِ ..

قلْ :

العرقُ منفصدٌ بدمِ الليلِ 

أغنيةً وقفتْ طللاً أخضرَ الدِمْنِ

يفتحُ بوابةً للشراعِ..

قلْ:

إذا تركوا منكَ ما تركَ السَفْرُ* من سِقْطِهم

قيَّماً كانَ 

في بطنِ تلك المفازةِ

- قد نصبوا للشعاعِ

شباكَ الذراعِ ..

قلْ :

أنا لن أقولَ 

الزوابعُ من ظمأٍ حاصرَتْ شفتي 

أوقظتْ ريبتي 

لنْ أقولَ إذا 

أوقبَ التوقُ 

أبراجَهُ في الحنينِ : 

هناااكَ ضياعي ..




- في حينٍ لا أتذكره ..




* المسافرون

الأربعاء، 3 سبتمبر 2014

كتاب: المحاورة بالحيلة ترجمة السيد صادق النمر

أقدم للقارئ العربي هذا الكتيب المصور القيِّم عن الأغاليط المنطقية الشائعة في مختلف حوارتنا اليومية، ولا يخفى على القارئ أن عملية التفكير المنطقي / النقدي عملية قوامها التمرن ، وإنما وضع هذا الكتاب بهذا الصياغة التبسيطية والرسومات بالغة الظَرفِ حتى يُتاح للقارئ أن يطلع على تجربة عملية و ممتعة في نفس الآن ، وفي هذا الكتيب اللطيف، سيجد القارئ فصولاً من الأغاليط الشائعة في المنطق غير الصوري ، وقد أحسن الفلاسفة الغربيون بمحاولة تسمية كل أغلوطة بإسم ليسهل حفظها على الدارس بل حتى ليتيسر استخدامها أثناء الإحتجاج ، ولكن معرفة هذه الحيل ، وهذا الكتيب يقدم لك أشهرها ، ليس من قبيل الترف الفكري أو من أجل الإحتجاج على الآخرين بل هو أيضاً من أجل المرء نفسه حتى يتجنب الوقوع في هكذا حيل يلجأ لها الفرد إما تأثراً بالخطاب العام أو ببيئة ثقافية معينة أو غير ذلك .

و تظهر أهمية هذه المغالطات والجهد المبذول من المدرسة الفلسفية الغربية في تسمية هذه المغالطات أنها تختصر على الفرد الراغب في الإطلاع على المنطق بشكل عام أن يخرج وهو محمل بأثمارٍ يستطيع فوراً استخدامها ، ولا نعني بهذا أن الكتب العربية المدونة في المنطق قد تجاهلت هذا ولكنها في مجملها لم تركز على تسمية أغاليط الحجاج بل قللت من قيمة المجادل من حيثُ هو مجادل ومن باب أن المراء مذموم ، فأخرت فصول الجدل والخطابة والشعر في آخر مصنفاتها المنطقية بعد القضايا والأقيسة، لأن من يتمرس فيما سبق من القضايا والأقيسة فسوف لن يحتاج للتركيز على الجدل والخطابة إذ ستغدو تحصيلَ حاصلٍ وإن كانوا عدوها من الفنون التي يستعملها السفسطائيون .

ولكننا الآن ، وفي هذا العصر، لما تباعد قاموس اللغة المتداول عن قاموس لغة الأعصار الماضية ، كما هي سُنُّةُ اللغات جميعاً، يأخذ فَنَّا الخطابة والجدل أشكالاً مغايرة تتمثل في الخطاب الإعلامي والإجتماعي والثقافي والسياسي لم يعتنى بهما في الكتب القديمة المؤسسة علاوةً على أنها صارت تُدرس من أجل المتخصص في الحقل الفلسفي أو الحقل الأصولي الفقهي على وجه الخصوص ، تزداد الحاجة للإهتمام بهذين الفصلين لممارستنا الحوارية اليومية، وهذا أمرٌ بالغ الأهمية لتحقيق التواصل الحواري الثقافي والإجتماعي في هذا الزمن النافق بالإقصاء والغارق في الدماء .

إنني أدعو القارئ العربي من أي تخصص أن يطلع على هذه المغالطات ويساعد في تثقيف الخطاب العام الذي يبدأ من الذات لتجنب هذه المغالطات أو يرصدها لتسميتها ثم نتجنبها .

أما بالنسبة للترجمة ، فقد حاولت أن أكون أميناً قدر الإمكان على أني بعد الإستئذان من الكاتب صحَّفت ما رأيت تصحيفه ليتناسب مع القارئ العربي وأضفت أبيات شعرية سائرة وأمثلة أخرى في بعض المغالطات أظنها تساعد على فهم المغالطة وحفظها ونرحب بأي ملاحظة يقدمها القراء الأعزاء تساعد في تطوير الترجمة وتحسينها فالكمال لله.

– صادق النمر ، أيلول ٢٠١٤

الأحد، 27 يوليو 2014

رسالةٌ لمقاومٍ فوقَ القَصْف !

كَذِبَ الرصَاصُ المسْتَخِفُّ .. النَّصْرُ والشُهَداءُ حِلْفُ
الثائرونُ على الظلامِ. .إذا تَصَعَّر مِنْهُ أنْفُ
السـائرون و دربُـهم.. حفـرٌ مدبـرةٌ وحَتْـفُ
المورقونَ إذا الضَمَائرُ والرُؤَى كادَتْ تَجِفُّ
عرفوا بأن يدَ الذين ..كســيرةٌ ثمَّ استشفوا..
.. ما يحـلبون بهِ الغيـومَ و ما بهِ صُبحٌ يَـِرفُّ
..
كَذِبَ الرَصَاصُ ، هُو الجبانُ، يُسِفُّ في عَينيه خَوفُ
من دمعةٍ سقطت سَيَنْبُتُ جدولٌ و يفيق قطفُ
من طفلةٍ تلهو فتقصفُ غيلةً ! ،(ينهارُ جرفُ )*
من جدةٍ تدعو كـ(مريم) ، قَلْبهَا نورٌ وعَطْفُ
ثار المقاومُ وانتشى .. أرأيتَ زوبعةً ستطفو؟
وثبوا فَوَاحِدُهُم إذا خَفَرَ الصَهَايَنَ فهو أَلْفُ !
في غزةٍ وَقعَ العدوُّ، فظنَّ ما ينجيهِ قَصْفُ !

خذها وَ سمِّي الغيمَ كفَّكَ ، يمْلأِ الجبهاتِ وكْفُ
في البندقيةِ غُنْوةٌ أخْرَى و أوطانٌ تُزَفُّ
في البندقيةِ بَوحُ مَقهورٍ و أحلامٌ ولُطْفُ
سَبْعٌ وستونَ انخدعنا. الآنَ فكيف يُغضُّ طرفُ ؟
من كل مؤتمرٍ به خطبٌ مزوقةٌ و زيفُ
إما هفوا بفنادقٍ .. إنَّ البنادقَ ليسَ تَهْفو
صُونوا البنادقَ كي تصونوا أرضَكمْ ويزولَ حَيفُ
في البندقيةِ ما عَرَفْتَ .. فَخُذْ بِها ما سَوفَ يَقْفُو
و دَعِ الذينَ حَدا بِهِمْ مَوتٌ يُسفُّ ولا يزِفُّ!
لَفُّو بقاعَ الأرضِ والأقصى قَريبٌ كادَ يَعْفو!
ولَعَلَّهَمْ ظَنُّوا بأنَّ القدسَ في البُصْرَى فَخَفُّوا..
أو أنهم سيحررون الأرض أجمعها ليوفوا ؟
حُولٌ فَلو جاؤوا لنصركَ قتَّـلوك ولم يَعفِّوا
ولطالما انْتَهَزَ الصَهَايِنَةُ الغَباءَ فطابَ حِلْفُ !
.....
ثُرْ ما بَدَا لكَ وانْتِفضْ هذي الحياةُ عليكَ وَقْفُ
الأرضُ أرضُكَ والحَقِيقَةُ والطَرِيقَةُ حَيثُ تَقْفُو
الأنبياءُ الثَاِئرُونَ هُناكَ .. (أنت) ! وأنْتَ عَصْفُ !
هَرَعَ الطغاةُ عليكَ في أجْوافِِهم رُعْبٌ و خُوفُ
نِصْفٌ عليكَ تألبوا ووراءَنا يندسُّ نِصْفُ !
شَقُّوا عَلينَا الأفقَ، هل نخشى؟ و كفك ثَمَّ تَرفُو !
يهتزُّ طاغيةٌ ولا يَهْتَزُّ للثوار كتفُ ..!
ثم النهايةُ أنْ تَكونَ النهرَ والطاغي يجِفُّ!
….
في القدسِ آخرةُ المعاني ليس ثمة بعدُ وَصْفُ !
إنِّا على بابِ السماءِ وها هنا يندكُّ حَرْفُ !
ناديتَنا: خَلفَ الضَبابِ تُمدُّ كفُّ أو أكفُّ
ناديتَنا: في القدس أغنيةٌ و ضوءٌ ليس يغفو
كذب الرصاص المستخفُّ فالنصر والشهداء حِلْفُ !

الأحد، 15 يونيو 2014

دعوة حمل السلاح في العراق

إبان هذه الأحداث الدامية المتفاقمة في العراق أخذت دعوة حمل السلاح حيزاً جيداً من التعاطي سلباً أو إيجاباً . وهذا لأنه موقف مهم ومستجد على الساحة في العراقية فلم يسبق للمرجعية أن أمرت بحمل السلاح بشكل صريح بعد الثورة الشعبانية وبعبارة ثانية لم يسبق للحوزة في النجف أن تدخلت في مسألة سياسية في الساحة العراقية بهذا الوضوح في الفترة الأخيرة ، لكنها تتزامن كذلك مع دعوات أخرى من شيوخ سنة بارزين كالشيخ أحمد الكبيسي . ويظهر من هذه الدعوات استشعار شديد للخطر القادم من تنظيم الدولة الإسلامية ( داعش ) و أحلافها وإن كانت الصورة غامضة عن مدى التحالفات التي هناك ، بقايا النظام البعثي ، و جند سنة ، و عشائر . 
على كل حال فإن هذا الموقف من حمل السلاح يمكن استخلاص نقطتين منه : أولاها : أن هذا ينبئ عن احباط من موقف الجيش هناك ولا يُؤمن عدم تكراره مرةً أخرى ، . ثانياً : الخشية من انهيار الدولة المتهالكة التي على علاتها يُرجى إصلاحها والتقدم بها.لكن قارئي دعوة حمل السلاح من منطلق أنها دعوة طائفية يفسرون أحداث الموصل أنها ثورة على حكومة فاسدة من المهمشين السنة وأنها امتداد للتظاهرات الحقوقية في الأنبار السالفة وإن كانوا يتجاهلون حقيقة ضلوع تنظيم داعش في أحداث الموصل وتمكنه منها . و بغفلة منهم سيؤكدون دعوى أن هذا التنظيم كان ذا يدٍ في تلك المظاهرات لأثره الواضح في أحداث الموصل ونينوى وإلا كيف اتفق له أن يكون مع ( الثوار) في نفس الموقعة و إخراج البيانات ؟ .وهذا بغض الطرف أن دعوة حمل السلاح مرفوعة من شيوخ سنة أيضاً الآن .ولا تتسق هذه القراءة مع الخلاف الواضح الذي حاول الداعون لحمل السلاح أنفسهم على أثره أن يرشدو الناس وينصحوهم بعدم انتخاب المالكي سابقاً ، على أنها فرصة للنيل منه ومن حكومته بتركها تصطرع لوحدها مع ( داعش ) في ظل ظروف جيشه الصعبة. و لائمو حكومة المالكي حصرياً وهم محقون في ذلك يجب أن يتلفتوا إلى الجارة سوريا كذلك و ينتبهوا لأثر سقوط الموصل عليها ( بعد أن تم إرسال عدة مدرعات من الغنائم في الموصل و كسر حدود سايكس بيكو ) ليتذكرو الصلة الإقليمية وتجاوز قرائتها محلياً فقط . 
وأقول هذا لأنه يوضح أن داعش وقد اكتفت ذاتياً الآن لديها فائض عن الحاجة ، تستطيع أن تهاجم بغداد والنجف وكربلاء وأبعد من ذلك تنفيذا لتهديداتها بالقضاء على الروافض وبالفرض أنها لن تستطيع السيطرة لكن ستخلق معركة طائفية طويلة تذكرنا بالحرب الطائفية ٢٠٠٥ - ٢٠٠٧ . ونعلم أنهم لن يقضوا على الروافض فقط كما شهدنا في سوريا . وهذا ينبئ عن الحاجة لقوة حقيقة لا يحتمل فيها التخاذل مرةً أخرى كما حصل في الموصل ولا يكون هذا إلا بالدعوة لحمل السلاح شعبياً أو استدعاء الأجنبي ولا شك أن الأحق بلا مين بين هذين هو حمل السلاح لا استدعاء المحتل . وهذا ما حصل. فساد حكومة المالكي وقف ضده الداعون حالياً لحمل السلاح معه في مواجهة داعش بلا نكير من أحد ولكن الحاجة الآن إلى التوحد الوطني ملحة تسمو فوق أي دعوة أخرى ولعلها . و كما لم يقف طموح داعش عند سوريا وهذا معلوم فوصولها إلى العراق نتيجة لذلك الطموح سواءً استقال المالكي - ويفترض به ذلك ولكن لا ماء في وجهه - أو لم يستقل ولا يوجد أي دليل على خلاف سيناريو سقوط الموصل لو كان المالكي مستقيلاً من منصبه فلا حاجة للمزايدة . 
ما يثير الإستغراب هو هذا الإمتعاض -وتعداد التشرذم والخلافات الطائفية والصدامات سابقاً وغيرها - من صدور موقف موحد من هذه المكونات أخيراً ضد خطرٍ داهم وحقيقي يهدد المنقطة كلها وليس العراق فقط ؟ صدور هذا الموقف مع حكومة العراق وليس المالكي من الأطراف التي هي نفسها كانت ترجو استبداله يشي لنا بحجم الخطر الذي يستشعرونه هم لجميع مكوناتهم وأطيافهم . إن تجاوز هذه المحنة التي يمر بها العراقيون متحدين فوق كلِّ شيء وكلما قلَّت الخسائر لكان أفضل كذلك وهذا لا يتسق أبداً مع أي تدخل من الأمريكان بأي شكل كان بل إنه سيعزز احتمالات التقسيم .
ومن المبكر جداً توقع أي شيء قادم من هذه العتمة .

الاثنين، 9 يونيو 2014

عن تجربةِ الرجلِ المُعلِّقِ في الهواء ! لإبن سينا

لا أظن أن أي تجربةٍ فلسفيةٍ ذهنيةٍ نالت من الشهرة ما نالته تجربة رينيه ديكارت المشهورة بالكوجيتو " أنا أفكر ، إذن أنا موجود ". و في هذه التجربة سعى ديكارت من خلالها أن يؤسس لمبدأ غير قابل للدحض أو الشك فيه حتى يكون منطلقاً للتعرف على الوجود من الذات التي لا سبيل إلى نكرانها مهما حذق السفسطائي في التشكيك . لكن هناك تجربةً ذهنية ليست بشهرة تجربة ديكارت وهي تجربة طرحها الشيخ الرئيس ابن سينا المعروفة ببرهان الرجل المعلق في الهواء أو الرجل الطائر.
يُروى أن ابن سينا كان جالساً في سدة درسه وطرح هذه المسألة لطلابه قائلا: لو أنك خلقتَ دفعةً واحدةً و جُردت من المحسوسات والمعقولات بحيث أعضائك وأطرافك لا سبيل إلى تماسها مع أجزائها وكنت معلقاً في الهواء وقد غفلت عن سائر أعضائك فلا تستطيع إبصارها آنذاك، فإنك بلا شكٍ لا تغفل عن ذاتك نفسها. 
الإختلاف هنا بين تجربة ديكارت وتجربة ابن سينا يتركز بدايةً في الغاية من كل تجربة على حدى . فغاية ديكارت محصورة في النظرية المعرفية / الابستمولوجية في حين أن غاية ابن سينا هو إثبات النفس وأنها ليست جزءً من البدن ولكنك تستطيع الخروج منها بنفس النتيجة المعرفية التي يريدها ديكارت نفس وإن كانت غايتها إثبات النفس و وجودها. هنا ، ديبوراه بلاك - بروفيسور في قسم الفلسفة في جامعة تورنتو في كندا- في بحثها بعنوان " Avicenna on Self-Awareness and knowing that one knows" ما نستطيع ترجمته بـ" ابن سينا في الوعي بالذات والتعريف بأن الفرد يعرف " ، و تخلص إلى سبع مسائل يمكن الخروج فيها من هذه التجربة ؛ أولاً : أن من جوهر النفس أن لا شيء يمكن أن يكون نفساً إنسانيةً دون أن تملك وعياً بذاتها . ثانياً : أن لا سبب خارجي يمنح النفس معرفتها بذاتها . ثالثاً : أن لا أداة ولا وسيط يتطلبنا لنعي بذواتنا فنحن نحصل عليه من خلال النفس ذاتها( بالعلم الحضوري) . رابعاً : أن تَعَقَّلَ الذاتِ أمرٌ مباشرٌ غيرُ مشروطٍ .خامساً : أنه موجود في النفس منذ مبدأ وجودها . سادساً : أن أمرٌ استمراري غير مرحلي وغير مجزَّأ وسابعاً : أن النفسَ عاقلةٌ فقط حيث أنها لكي توجد يكفي أن تتعقل ذاتها. و بطبيعة الحال فإن تعقل النفس ومعرفتها كمبدأ هو نفسه ما أراده ديكارت من الكوجيتو على أنه لا علاقة بين التجربتين حقيقية سوى أن تجربة ديكارت هي تحصيل حاصل كونها أثبتت نفسها بمجرد القول " أنا " أو " I " فلا حاجة للتفكير لاحقاً لإثبات ما ثبت قبلاً . كما أن الذات أسبق بمرتبة وجودية من فعلها ( التفكير) فتقع المغالطة بجعل المعلول دليلاً على العلة . 
حسناً ، بعد هذا العرض المقتضب لهاتين التجربتين ، وأثناء بحثي عن التجربتين وجدت الاحتفاء بالإنجليزية بهما جديراً بالتأمل على قلة الاحتفاء به في المحتوى العربي في الشبكة و ربما وردت عَرَضاً هنا أو هناك . على أنها مسألة شبيهة بالكجيتو الديكارتي لكنك تجد الإحتفاء والتأسيس على الكوجيتو الديكارتي وفيراً غزيراً على النقيض من تجربة ابن سينا .
في تقديري ، أن تجربة ابن سينا الذهنية تستحق الإظهار أكثر والاحتفاء أكثر وليست هذه دعوى للإستغناء عن منتجات الثقافات الأخرى ولكنها دعوى للحفر المعرفي في تراثنا أكثر على الأخص فيما ينمي المعرفة كما نجده في بحث البروفيسور بلاك المذكور المتاح في الإنترنت . إن تراثنا الفلسفي يستحقُّ بكل أطيافه كذلك أن يُجلَّى أكثر ويُتاح أكثر -دون بخس لمجاهدات الكثيرين من الكتاب- بشكل حديث يُسِّهلُ على القارئ المعاصر في الشبكة المقارنةَ بين المناهجِ الموجودة وأن يتعرف على هويته الفلسفية المعرفية الموازية للهويات الفلسفية المعرفية الأخرى هنا دعوى لإكتشافها من جديد لا إحيائها من جديد وهي أكثر من ذلك دعوى للنشر والإتاحة أكثر لا كما كانت لكن بقراءتها قراءةً معاصرةً كما تُقرأ الهوياتُ والمدارسُ الفلسفيةُ المعاصرة .  

الاثنين، 2 يونيو 2014

قصيدة العلامة الشيخ محمد جواد البلاغي (قده)

من القصائد البديعة في مولد الحسين (ع) ، قصيدة العلامة الشيخ محمد جواد البلاغي (قده) . هذه القصيدة بالشروط التي كتبت بها في زمانها ، تحفة عجيبة وظريفة . تليق أن تدرس كمثال للبديع والبيان في كتب البلاغة القديمة . و لأني معجب بالشيخ و جده الكبير في التعلم والتعليم والنشاط الثقافي فسأعجب بأعماله أيضاً . كان الشيخ مهتما بالمقارنة بين الأديان الإبراهيمية كثيراً ، وقد ذهب لأجل ذلك إلى بغداد و سأل بعض من فيها من أهل تلك الأديان أن يعلموه اللاتينية والعبرية ولكنهم رفضوا لمعارك قد خاضها معهم ذات صيت . لكنه تعلمه بنفسه حتى يستطيع أن يقرأ في كتبهم ليشرع في في تأليف النقود والردود عليهم وظهر بعدة كتب ورسائل منها كتاب ( الرحلة المدرسية ) الشهير .

ولم يثنه فقره المدقع من البحث والتأليف والتعلم فكما يذكر تلميذه السيد الخوئي أنه زاره مرة بعدما عزم على ترك الدراسة الحوزوية في أوائل سنيه لفرط فقره. وَجَدَ أستاذه يشكو له شوقه لشرب الشاي مع أمه ولكنه أفقر من أن يشتريه فخجل من أن يفصح عن عزيمته بعدما رأى أستاذه فصار ما صار إليه رحمهما الله .

وبمناسبة المولد أضع قصيدته البديعية في الحسين .

شعبانُ كم نَعمَتْ عينُ الهدى فِيهِ
لولا المحرمُ يأتي في دواهيهِ

وأشْرَقَ الدينُ من أنوارِِ ثالثِهِ
لولا تَغَشَّاهُ عاشورٌ بداجيهِ

وارتاحَ بالسبطِ قلبُ المصطفى فَرِحاً
لو لم يرعْهُ بذكرِ الطفِّ ناعيهِ

رآهُ خيرَ وليدٍ يُستجارُ بهِ
وخيرَ مُستشْهِدٍ في الدينِ يَحميهِ

قرَّتْ بهِ عينُ خيرِ الرُسْلِ ثمَّ بَكَتْ
فَهَلْ نُهنِّيهِ فيهِ أم نُعَزِّيهِ ؟

إنْ تَبْتَهِجْ فاطمٌ في يومِ مولدِهِ
فليلةُ الطفِّ أمستْ من بواكِيهِ

أو يَنْتَعِشْ قلبُها من نورِ طلعِتِهِ
فقد أُدِيلَ بقانيْ الدمْعِ جَاريهِ

فقلبُها لم تَطلْ فِيهِ مَسَرَّتُهُ
حتى تَنَازَعَ تَبريحُ الجَوى فيهِ

بُشرى أبا حَسنٍ في يومِ مولدِهِ
ويومَ أرعَبَ قلبَ الموتِ ماضيهِ

ويومَ دَارَتْ على حَرْبٍ دوائرُهُ
لولا القضاءُ وما أوحاهُ داعيهِ

ويومَ أضْرَمَ جَوَّ الطَفِّ نَارَ وغَىً
لو لم يَخِرَّ صريعاً في مَحَانِيهِ

يا شمسَ أوجِ العلى ما خِلتُ عَنْ كَثَبٍ
تمسي وأنتَ عفيرُ الجِسمِ ثاويهِ

فيا لجسمٍ على صدرِ النبيِّ رُبي
تَوَزعْتُهُ المَواضِي مِنْ أعادِيهِ

ويا لرأسٍ ، جَلالُ اللَهِ تَوَّجَهُ بهِ ،
.. ينوءُ على المَيَّادِ عَاليهِ

وصَدْرِ قُدْسٍ حَوى أسرارَ بَارئِهِ
يكونُ للرِجْسِ شِمْرٍ مِنْ مَرَاقِيهِ

ومَنْحَرٍ كانَ للهادِي مُقَبَّلُهُ
أضْحى يُقَبِّلُهُ شِمْرٌ بِماضِيهِ

.. يا ثائراً للهدى والدينِ مُنتصراً
أمْسَتْ أمَيَّةُ نَالَتْ ثارَها فيهِ

أنَّى و شَيخُكَ سَاقِي الحَوضِ حَيدرةٌ
تقضيْ ،وأنتَ لهيفُ القلبِ ظَامِيهِ ؟

ويا إماماً لهُ الدينُ الحَنيفُ لَجَا
لَوذاً ، فَـقُمْتَ، فَدَتْكَ النَفْسُ، تَفْدِيهِ

أعْظِمْ بِيَومَكَ هذا في مَسَرَّتِهِ
ويومِ عاشورَ فيما نالَكم فيهِ

يا مَنْ بهِ تَفْخَرُ السَبْعُ العُلى و لَهُ
إمامةُ الحَقِّ مِنْ إحدى مَعاليهِ

أعْظِمْ بمثواكَ في وادي الطفوفِ عُلاً
يا حَبَّذا ذلك المَثْوى و وَادِيهِ

لهُ حَنينيْ .. و مِنْهُ لَوعَتِيْ .. وإلى
مغناهُ شَوقِيْ .. و أعلاقُ الهَوى فِيهِ ..

الثلاثاء، 13 مايو 2014

لعلي عليه السلام.. دقةُ لبابه ..




كلُّهُ مسمعٌ ، وكُلِّي دَوِيُّ :
جمرةٌ مُهجَتيْ ، و روحُكَ رِيُّ

كنتُ أدنو ، كنتُ انتبذتُ أقاصيَّّ
لألقاكَ أيُّها العُلْوِيُّ

أيُّ تَلْويحَةٍ و أيُّ الْتِمَاعٍ
أيُّ تَصريحةٍ.. و أيُّ.. و أيُّ..

كان يكفي لكي أنغِّمَ أنفاسي
و يَهتزَّ صدري الحجريُّ

أنا في غُربَتيْ .. ونحنُ غريبانِ
و قد يؤنسُ الفمُ الأبَويُّ ..

أفقي سدَّهُ الظلامُ بكفيِّهِ
وقلبي في عتمةٍ منفيُّ ..

أعصِرُ الغَيبَ في الطَريقِ حُميَّاً
عثتُ فيها ولم يزلْ بي غيُّ

فإذا ما سكرتُ أرجو صُعُودَاً
للسَمَواتِ .. طَاحَ بِيْ الطَينِيُّ

أنا عنها زَلِقْتُ كُنْتُ جَحِيمَاً
أو هَبَاءً .. هَذا الهَبَاءُ الشَقِيُّ

ربما لستُ .. لستُ أدري فقلبي
- لا جناحيْ - عن المدى مطويُّ

ربما كنتُ من جحيمٍ ولكنْ
يطفأُ النارَ صوتُكَ النوريُّ

ها أنا جئتُ كالحقيقةِ ظلاً
ويدي طولها كلامٌ حييُّ

دقَّةٌ مِن يَدي لبابِكَ إنَّ
البَابَ للهِ بابُكَ العسجديُّ

- هاكَ كأسيْ وردَّهُ .. لكَ ما شئتَ
سيبقى هواكَ شيءٌ مُضيُّ

أنتَ هذا الوجودُ يملأُ جَنْبَيَّ
وعُذري بأنَّنِيْ مِنْكَ شَيُّ

كلُّ غُصْنٍ لم يَنفرعْ من مَعَانِيكَ
فإنِّي لهُ حَطُومٌ عَدِيُّ

كلُّ شَدوٍ شَدوتُهُ ، عنك ينداحُ
ويُعليهِ أنَّهُ عَلَوِيُّ

غيرَ أنِّي أجدبتُ فاهطلْ ربيعاً
فلقد ينفعُ الهوى السِحْريُّ

لبذورٍ سِيمتْ هواناً وخَسفاً
وشموسٍ في أفقها لا تُضيُّ

أوَ يُرضيكَ أن تجفُّ مُوسِيقَايَ ؟
وحبُّي موَلَّهٌ هاشميُّ ؟

خذْ بِرُوحٍ أتْلعتُها كلما الشَوقُ
سَقَاهُ من عزفهِ عُذريُّ

وامْتَحِنِّيْ ما لاحَ طَيفُكَ في الصَدْرِ
فإنِّي كما تَشَاءُ وَفَيُّ

وإذا ما اللظَىْ على الدَرْبِ يعدو
سوفَ أنسى اللظى .. فوجهُكَ فيُّ

الثلاثاء، 15 أبريل 2014

أيها الشاعر.. هل أنت حقاً هناك؟

ليست إشكالية فهم الشعر جديدةً أو مخصوصة في لغة ما، كونه واقعاً في أعلى السلم اللغوي من أي لغة. وبالنظر لمسألة الفهم سنجد أنها موجهة إلى المتلقي بوصفه مبلغ النص أوان نشره، وسنجد أن المُلقي «الناص» ساعياً للمعنى في هذه العملية التفاعلية التواصلية. ونعرف أن الاشتغال في كتابة النص -أي نص- مختلف عن الاشتغال في تفسيره والتدليل على إشاراته سواء كانت واضحةً أو رمزيةً أو دقيقةً أو ضعيفة أو أنها محض هراء متكدس. إن الشعر مجهول كبير ومعروف أكبر، إلا أن عمليته ليست عبثية بالصدفة بل مقصودة، سواءً كان ذلك القصد جمالياً فنيّاً أو جماهيرياً أيديولوجياً ولأنَّ السياقات الثقافية تتسع وتضيق نظرياً وتطبيقياً مما يجعل تحديد ماهية السياق الذي خرج منه نص ما من الأهمية بمكانٍ عالٍ، حتى نعرف الإطار النصي في أثناء الكتابة والقراءة، وكما أن الكتابةَ والكُتَّابَ عمليةٌ مستغرقة وجوهرية في الصناعة الثقافية فإن القراءة والقُرَّاء عملية جوهرية تفاعلية معها وبها حتى يكون وجود النص مؤثراً وفاعلاً وإلا فسلة المهملات أليق به. وقد نقول كذلك إن القراء أصناف متعددون، ينطلق الفرد منهم بناءً على تحيزات ثقافية معينة مما يؤثر على الفاعلية التواصلية للنص (الشعري) الصادر وهذا، ألبتة، صحيحٌ. إنني أتساءل في هذه المقالة: لماذا يستبعد شاعر بحجم قاسم حداد وجود قراء لشعره في السواد الأعظم؟ وسأناقش هذا من حيثيتهم «تحيزهم الثقافي»، بيد أني سأضع أربعة احتمالات، للأثر المفترض من هذه الحيثية «التحيز الثقافي للقارئ» أولها: أن الأثر المحتمل من النص سيُفهم بشكل مضاد مما يعطل التفاعل معه. ثانيها: أن الأثر المحتمل من النص سيُلوى لتحقيق غاية ما. ثالثها: أن الأثر المحتمل من هذا النص لن يُفهم إما لعطل في النص «عبثيته» وإما لعطلٍ في القارئ «جهله». ورابعها: هو فهم النص كما يليق به أن يُفهم فيحصل تفاعل وتواصل حقيقي معه. ولكل احتمال حديث فيما يلي.

الاحتمال الأول: وهو «فهم النص بشكل مضاد»، فيحدث لسبب مانع أو قاصر في إيصاله مما يناقض التفاعل مع النص إلى الجهة المضادة، كما حصل مثلاً مع قصيدة علي بن جبلة مادحاً أبا دلفٍ قائلاً:
كلُّ مَن في الأْرضِ مِن عَرَبٍ
 بينَ باديهِ إلى حَضَرِهْ
 مستعيرٌ مِنكَ مَكرُمَةً
 يكتسيها يومَ مُفْتخِرِهْ».

فبلغ المأمون خبر قولهِ ذاك فطلبه حتى جاء به، وقال له: جعلتنا ممن يستعير المكارم من ممدوحك والافتخار به؟ ثم حصل ما حصل مما أدى إلى قتله، ولا يخفى أن هذا الفهم ضدُّ ما توجهت به غاية النص الجمالية المضخمة لذات الممدوح، مما منع المتلقي الخارجي «غير الممدوح» من التفاعل مع النص تفاعلاً إيجابياً. ولا شك أن السياق الثقافي لهذا التفاعل المضاد هو ما كان من أن القصائد آنذاك لها ما لها من التأثير إذا سارت حتى تتضخم دلالتها المفهومية بشكل يحجب عن التأمل فيها إما لعروض كيف – نفساني «حسد أو ما شابه» أو على سبيل الجواز والمجاز. وربما تتداخل قنواتٌ ناشرة أخرى تلوي عنق النص ليُفهم بهذا الشكل المغلوط مما ينقلنا إلى الاحتمال الثاني.

الاحتمال الثاني: وهو «لَيُّ عنقِ النص مع تحقق الفهم، وذلك لغاية ما» من الجلاء والممارسة بكثرةٍ لا تدع للأمثلة ميزة إضافية في تبيانه، على أن مثال نص «العكوك» علي بن جبلة السابق يخدمنا أيضاً، فيبدو أنه لم تصل محامله إلى المأمون إلا «بُجْرَ الحقائبِ» والأزواد المشحونة بكل ما يمكن أن يكون سلبياً، وفي سياق لائق أن يؤدي به إلى أن يُفهم كما فهمَ، أو أن المأمون أسر حُسن ذاك المديح في نفسه وتمناه فيه، مما أدى لتفسير النص بما يتناسب والتهمة. ولكن المهم هنا هو الاحتمال الثالث «عدم فهم النص» على وجه الإطلاق بمعنى انطفاء شعلة التواصل والتفاعل الحقيقي، مما يدع مجالاً لتزييف الفهم وتسويق هذا الزيف إما تجميلاً وترفيعاً وربما تقديساً للنص وإما تنزيلاً وتسخيفاً وحطةً من شأن النص. والطريقان المفترضان لهذا الاحتمال «عدم فهم النص» قادمان من جهتين. 

الجهة الأولى: النص نفسه وله ثلاثة أحوالٍ أيضاً،

1- لا يبعد أن النص المنغلق على محيط خاص لا يمكن فهمه من زوارٍ خارجيين بسهولة إلا إذا كان المتصدي لفهمهِ مدركاً لذلك المحيط، متداخلاً في عوالمه.
2- قد يكون النص مفتوحاً للتأويل بسعة، ولا يعقل أيضاً أن يكون النص مفتوحاً على وجه الإطلاق -ولا أظن أحداً يقول بهذا- ولكن انفتاحه هذا يساعد كي تتناوله شريحة أوسع من القُرَّاء والمتلقين، على إدراك حدود أبعد من ظواهره ومجازاته. ولكنها تظل في حدود إمكانية النص لاستعياب تلك التأويلات بعنوان انفتاحه.

3- قد يكون النص ضعيفاً، هزيلاً أو مبهماً في نفسه، لا يُرجى فهمه أو التفاعل والتواصل معه.

الجهة الثانية: القارئ، لا يفهم القارئ النص على إطلاقه، إما لأن حائلاً يمنعه من فهمه، كالجهل مثلاً، أو مانعاً آخر. وكما ذكرت سابقاً أن القارئ حين لا يفهم النص لا يعني بالضرورة عدم تفاعله معه ولكن قد يتفاعل مع النص بشكل زائف ادعائي لا تواصل حقيقي تواصلي، وسيتبين هذا لاحقاً.

بقي من الاحتمالات الأربعة آخرها، وهو فهم النص كما يليق به والزعم هنا أن فهم النص بمعنى معرفة معانيه وإدراكها ولكن الفهم هو إدراك المعنى مع التفاعل والتواصل معه مما يضيف إلى معناه معنىً وإلى فحواه فحوى تزيده بُعداً وتعمقه غوراً فيحتمل من ثقافة المتلقي ما يوسع وجوده ويباعد حدوده كما يحصل مع المصطلح الثقافي لكلمات مثل الحرية أو الهوية مما لا يخفى على الباحث في الحقلين الفلسفي والسياسي بُعد معانيهما ومحوريتها وتشعبهما. وهكذا يحصل مع النص المفهوم حقيقةً وهذا ما حصل مع نصوص معينة اندمجت في الذهنية والذاكرة اللغوية العربية وهكذا نوجز احتمالات الفهم بين القارئ والشاعر والنص.

«فليس صحيحاً أن ثمة قرّاءً للشعر الذي أكتبه، بالمعنى التقني الحضاري الذي ظللنا طوال الوقت نزعمه. هذا إذا استثنينا الندرة المعروفة لأقرب القراء، وربما هم ما يمكن رصدهم شخصاً شخصاً، إذا تجاوزوا بعض الأصدقاء من الشعراء، وأصدقائهم، والدائرة الأصغر من المولعين بالشعر الذين بلا مزاعم ثقافية وإعلامية. أولئك هم فقط قراء الشاعر، قراء شعري كمثال». (قاسم حداد).

فيما سبق من الاقتباس، مثال حيٌّ لشاعر شهير في العالم العربي يتساءل عن وجود قراء لشعره واضعاً بعض الحدود والاستثناءات، لكن هذا الهاجس الذي يحمله قاسم لم يكن يحمله أبو تمام قبله، وهو الشاعر المولد المحدث في زمانه. أبو تمام كان واثقاً من أن شعره يُفهم وأن دلالته في متناول المتلقي والقارئ حين أجاب سائله: ولِمَ لا تفهم ما يُقال؟ وكان يثق أن قارئه لو اجتهد أكثر لفهم ما يراد من النص، ولكن قاسم يختلف عن أبي تمام. قاسم حداد يقول في إحدى أمسياته أنا لا أعرف ماذا أقصد!. وهذا منحى مختلف عن أبي تمام، هنا ينظر قاسم إلى نصه نظرة مرتاب، فالقارئ المجهول لدى قاسم أغلب الظن أنه لن يفهم ما يكتب إلا إذا كان محصوراً في تلك الدائرة التي حددها. الدائرة التي هي أصلاً «تحيُّزٌ ثقافي».

قاسم حداد لم يضع الاحتملات السابقة في تقديره للمتلقي، وأقول لم يضعها لقوله: «أنا لا أعرف ماذا أقصد»، فإن كان جوابه لسائله تهكماً منه فله افتراضات، أما إن كان حقيقياً فمعضلة! ولعل الافتراضات هي: أنه يظن أن نصه فوق أن يطلب منه قصد ما وبهذا لا يمكن أن يكون مقصوداً أو أن نصه بلغ من العفوية مبلغ السيلان الغيبي بحيث لا يحتمل توقع قصده المطلق! أو أنه مجرد «عبث لغوي»!. إن الحيِّز الثقافي الضيق الذي حصره قاسم حداد فيمن يحتمل أنهم يفهمونه هو عنوان آخر للنخبة والعامة، ونسخة أخرى من عنوان الفقيه والعوام، ونسخة أخرى من عنوان السلطان والرعية، وهذه العناوين متسلطة مع حفظ الخصوصية كل عنوان. وهو ليس تخلّياً عن الجمهور بقدر ما هو ممارسة سلطوية تنظر بعين واحدة، واعتادت التصفيق ممن حولها مهما قدمت من نص ذي قيمة أو غير ذي قيمة وتفاعلت معه تواصلاً زائفاً لمصالح معينة أو لفرض سياق ثقافي مأزوم بأزمة الواقع السياسي الذي نحن فيه.

إن القارئ فاعل أساسي في النص ودلالته، ولولا وجود القارئ لكان وجود النص عبثاً، ولا غبار على هذا، والتهوين من أمر السواد الأعظم من القراء هي عقلية طفولية سلطوية تفترض ذهنياً وتظن ما افترضته واقعاً معاشاً، وإصلاح هذا يتم بإعادة مكانة القارئ المؤسسة للنص كما يحصل ديموقراطياً، فيُسائل الشاعر في كل نصٍ بشكل جديد بعيداً عن عنوان الكبر والصغر الذي جعل من النصوص الهزيلة للشعراء «الكبار» محترمة وهي أليق ما تكون للتمزيق. أما الفكرة التي لم تعبر ببال قاسم ولم يضعها أبداً لهول وكثرة ما صفق له ومجد من «قراء شعره» وهي احتمال أن العطل في نصه وكاتبه لا في قارئه، فأيها الشاعر، هل أنت هناك حقاً؟

الثلاثاء، 1 أبريل 2014

أحتاجُ أغنيةً لأسكبَ داخلي ..

نفس المآسي التي دعت إلى رثاء الشيخ الفضلي العام الماضي لا زالت ، لا زالت ...
إلى آية الله الدكتور الشيخ عبدالهادي الفضلي ، تركنا وفي الصَدْرِ بَقيَّة ولا زال نشاز رحيله يرنُّ كل عام :

أحتاجُ أغنيةً لأسكبَ داخلي ..

حَربٌ علينا الموتُ دوماً مُنْجَزَة
كُنْتَ انْتَصَرَتْ لأنَّ فِكْرَكَ مُعْجِزَة

لا وَقتَ في المَسْرَى لنُمْسكَ إبْرةً
للصبحِ .. تُهدِينا السَماءَ مُطَّرَزَة

لا وقتَ أصْلاً كي تَمَوتَ وهَذِهِ الـ
آمال في عَينِيكَ ليستْ مُحْرَزَة !

الدَربُ هذا الأُفعوانُ رَدِيفُنا
ليَرى مَقيلَ المُتعبينَ فَيَحْجِزَهْ

لا وَقتَ نَهْرُبُ مِنهُ إنَّ رِكابَنا
فِيهِ تَنُوءُ بأُغنياتٍ مُعوِزَةْ

كُنْتَ الوَحِيدَ تَجوزُ فوقَ ظَلامِهِ
وقَتامِهِ و ضَرَامـِهِ كي تَهمِزَهْ

والآنَ لمَّا صِرْتَ تَحتَ رِهِانِهِ
يسعى لضَوءٍ قد تَركتَ ليَلْمِزَهْ !

يا آخِرَ النَخِلِ الذي تَمرَاتُهُ
حتى بأيدي راجمِيهِ مُعَزَّزَة

قُمْ هاهنا سِفْرٌ مِن الغَيبِ الذي
كَفَّاكَ تَحتَرِفِانِه كي تُوجِزَهْ
.
الحَقْلُ حَقْلُكَ كُنْتَ قَدْ شَذَّبْتَهُ
والآنَ أغْرِبَةٌ عَليهِ لتَنْهَزَهْ..!

ألأنَّكَ النَهْرُ العَظِيمُ سَمَحْتَ عَنْ
مَنْ كانَ يَسْرِقُ مَاءَهُ لتُحَفِّزَهْ !

قَلَمُ الغُيُوبِ يَنُصُّ أنَّك سِحْرُهُ
في الأرْضِ تُشْهِرُهُ لكلِّ مُرمَّزَهْ

مَنْ حالفَ الشَوكَ الذي حَاوَرْتَهُ ..
.. أبدى مَسامِيرَ السِجالِ مُلغَّزَة

لا بَأسَ . قُلْتَ : - و رُحْتَ تُبْحِرُ في المَدى-
هذي سِجَالاتٌ تَكونُ مُجَهَّزَةْ

القَلْبُ بُلبُلُكَ السَمِيرُ وفِكرُكَ الـ
صَقْرُ الذي آليتَ أنْ لا تَحْجُزَهْ

مِن كُلِّ زوايةٍ تُطالعُ فِكرةً
هذَّبتها بالحُبِّ و هي مُجزَّزَة ..!

لَمْ يَبقَ شَيءٌ لم تَنَلْهُ مَجَامِرُ الحُسُّادِ
فَاجْمعْ ما حطبت لنَفِرَزَهْ !

الآنَ أرْمَاحٌ ذَخَرْتَ نُرُيدُها
و مِنَ الصَوارِمِ بَاتراً لَم تَهْزُزَهْ

وإذا تدفقت الموسيقى عَنْكَ .
قَدْ وَجَدَتْ لُحُونَكَ لم تَكُنْ بالمُنْشِزَةْ

لو كُنْتَ تَسْمُعُ عَاذِلِيكَ لَكُنتَ فِي
قُضْبَانِهِمْ تَكِزُ الجِدارَ لتُعْجِزَهْ !!
..

يا هَذِهِ اللغةُ التي رَسَبَتْ لكَي
تُبدي جميلاً مِنْهُ وهي مُمَيَّزَة

مَاذا أقُولُ : و قَدْ أُبَجِّسُ فِي دَمِي
صَخْرَ الكَلامِ لكي يفيضَ فأُبْرِزَهْ

والقَولُ فيهِ هو المُغَامَرَةُ التِي
أَخْشَى تَكُونُ مِن المحبَّةِ مُوجَزَةْ

في جُعْبَتِي .. لا شيء .. إلَّا أنَّنِي
أرْنُو إلى سُورٍ عَليهِ لأقْفِزَهْ

أَحْتَاجُ أُغْنِيَةً لأَسْكُبَ دَاخِلِيْ
.. لَكِنَّ مِحْفَظَةَ الأغَانِي مُعْوِزَةْ ..!

و لَعَلَّ فَجْراً هَمَّ يَدْفِنُ نُورَهُ
في الأُفْقِ ..جنَّحَنِي الفُتُونُ لأَكْنِزَهْ

يا أيُّها الإِنْسَانُ أرْوعُ صُورِةٍ
قد كَانَ فِيكَ . مُكَثَّفَاً و مُرَكَّزَةْ

آمَنْتُ أنَّ الطُرْقَ لَمْ تُشْبِهْكَ لا
، أَبَدَاً ، أُعَوِّلُ أَنْ تَكُونُ مُجَوِّزَةْ ..

الأربعاء، 12 مارس 2014

في مديح الإخفاق بقلم كوستيكا براداتان

كوستيكا براداتان بروفيسور مساعد في كلية الشرف في تكساس ، يُدِّرسُ الأديان والدراسات المقارنة ومحرر في لوس أنجلس تايمس قسم مراجعة الكتب ، ومؤلف لكتاب “الموت للأفكار: حياة الفلاسفة الخطيرة” ، يحدُّثنا في هذه المقالة -من ترجمتي- والمعنونة ب “في مديح الإخفاق” عن ثلاثة أسباب تجعل من الإخفاق الموجود في طبيعتنا مهماً.


ولكن قبل أن يبدأ بسرد الأسباب، يستفتح براداتان مقالته بالحديث عما يجعل هذا الموضوع مهماً، أو لم على الفلسفة أن تهتم بالإخفاق حيث يقول


لو كان هناك وقتٌ للتفكير بجدية عن الإخفاق ، فهو الآن .


إننا في عصرٍ محكوم بالنمو المتسارع . نحن نشهد التطورات في العلوم ، الفنون ، التكنولوجيا ، الطب و تقريباً كلُّ أشكال الإنجازات البشرية في مستوى لم يشاهد من قبل . نعلم أكثر عن عمل الدماغ ومسافات المجرات أكثر مما يمكن أن يتصور أسلافنا . تصميم الإنسان الخارق ـ الأصح ، الأذكى ، الأقوى ، الأكثر وسامةً ، الأطول بقاءً – يبدو أننا نعمل عليه . حتى الخلود يبدو الآن ممكناً بالمخرجات المحتملة من الهندسة الأحيائية.


الوعد باستمرار النمو والتطور الإنساني فاتنٌ بالتأكيد و لكنَّ هناك خطراً أيضا، أن في ذاك الكمال المستقبلي ، سيكون الإخفاق بائداً .


لمَ علينا أن نقلق ؟ وبشكلٍ أدق، لمَ على الفسلفة أن تهتم بالإخفاق؟


أليس لديها ما هو أهم ؟ والجواب لهذا بسيط : فالفلسفة في أفضل وضعها تبحث عن الإخفاقات، لأنها تعرفها بشكل حميمي . فتاريخ الفلسفة الغربية على الأقل لم يكن إلا سلسلةً طويلةً من الإخفاقات، إنْ كانت منتجةً فاتنة بالطبع. و أي فيلسوف مختص عملياً يثبت نفسه بدراسة “الإخفاقات “ ، “ الأخطاء “ ، “ المغالطات “ أو “ السذاجات” من الفلاسفة الأخرين . فقط ليكون في المقابل غير متجاهلٍ من الآخرين كفاشلٍ آخر . كل جيل فلسفي يأخذها كمناوبة ليلاحظ الإخفاقات السابقة : وعليه ، بغض النظر عن ما تفعله ، الفلسفة محكومٌ عليها بالإخفاق . لكن من إخفاقٍ إلى إخفاقٍ ، ازدهرت عبر العصور . كما عمانوئيل ليفينس يضعها في الذاكرة ( في مقابلة مع ريتشارك كيرني ) “ ما يميِّز الفلسفة هو الإخفاق “ فهو يبدو غذائها ، و يبقيها على قيد الحياة . كما كانت ، نجاحات الفلسفة ، كانت إلى الآن تخفقها .


ومن هنا يبدأ براداتان بسرد الثلاثة أسباب التي التي تجعل من الإخفاق والفشل عنصراً مهماً لنا.


الإخفاق مهم لعدد من الأسباب أريد أن أناقش ثلاثة منها


الإخفاق يدعنا نرى الوجود في وضعه المجرد :


فأينما يظهر، الإخفاق يشرح كيف يقترب وجودنا إلى نقيضه. خارج غريزة البقاء ، أو الماورائيات المحضة ، نميل لرؤية العالم كمادة ، معتمدة ، بل مكان غير قابل للهدم . و نجد صعوبة حادة في تقبل وجود هذا العالم بدوننا . “ إنه من المستحيل كلياً لموجود عاقل أن يتعقل نفسه غير موجودة ، في السياق المعقول والحياة “ كما لاحظ غوثي . نخدع أنفسنا وننسى كيف أننا قريبون من العدم دائماً . لك أن تقول أن إخفاق مكينة طائرة تستطيع أكثر من اللازم أن تضع نهايةً لكل شيء ، حتى سقوط حجر أو خلل فرامل سيارة يقوم بالمهمة . وبما أنه ليس دائماً ينسب للقدر ، فالإخفاق يحمل معه درجةً مؤكدةً من تهديد الوجود .


الإخفاق هو ظهورٌ فجائيٌ من اللاشيء (العدم) خلال الوجود. ولتجريب الإخفاق هو أن تبدأ بالنظر إلى الشقوق في نسيج الوجود وهذه اللحظة بالتحديد – ربما استوعبت – عندما الإخفاق يتحول إلى مبارِكٍ لذاك التماهي. لأن هذا الكمون يثبِّت التهديد اللازم لجعلنا متنبهين لما فوق الإعتيادي فينا كموجودين . فالمعجزة أننا وجدنا دفعةً واحدةً عندما لم يكن هناك سببٌ يوجب ذلك و معرفة هذا تعطينا شيئاً من الكرامة. في هذا الدورة ، يملك الإخفاق أيضاً الدور العلاجي المميز و كثيرٌ منا ( كالأكثر نباهةً أو متنوِّراً استثنائياً ) يعاني بإزمان من تسويةٍ فقيرةٍ في الوجود . نحن جبرياً ، نحد ذاوتنا بأهمية أكثر مما نحن عليه ونتصرف كأن العالم كان من أجلنا . وفي أسوء لحظاتنا نضع أنفسنا كالأطفال في المركز من كلِّ شيء ونستثني بقية الكون ليكون تحت خدمتنا . نفترس بقية المخلوقات ، بنهمٍ نعرِّي الكوكب من الحياة ونملؤه بالقذارة . الإخفاق يمكن أن يكون دواءً ضد هذا الغرور و الغطرسة ، مما يأتي بالوضاعة عادةً .


قابليتنا للإخفاق أمرٌ جوهريٌ في تكويننا :


نحن نحتاج للحفظ ، للرعاية ، حتى نحافظ على إمكاناتنا . نحن نظل على سبيل الحسم جوهرياً غير كاملين ، غير مكتملين و مخلوقات خطاءة. بمعنى آخر ، هناك فجوة دائماً موجودة بين (ما نحن) و (ما نستطيع أن نكون). أياً كانت إنجازات الإنسان في التاريخ فقد كانت مضبوطةً بسبب هذا المساحة الفارغة . هي في هذا الفاصل ، بين الناس ، الأفراد سواءً والمجتمعات قادرةٌ على إنجاز أي شيء . لا يعني هذا أننا انتقلنا إلى شيء أفضل ، سنظل في هذا الضعف ، أشياء تخطئ. لكن في هذا المشهد يكون نقصنا غير مطاق لأنه بعض الأحيان يصيبنا بالعار أثناء فعل الخير. و من السخرية أن جهادنا مع مشاعرنا الخاصة قد يأتي بأفضل ما لدينا .


الفجوة بين “ ما نحن “ وما “ نستطيع أن نكون “ أيضا هي المساحة بين ما تتخيله المثالية . أدبيات المثالية ، في أفضل أحوالها ، توثق بالتفاصيل كفاحنا مع ما هو شخصي وماهو إخفاق اجتماعي . و في حين عادةً بُنيَت ( المثاليات ) عن عوالم كاملة وفائضة ، المثاليات ردات فعلٍ على النواقص و الصدوع في الوجود . إنها التعبير الأفضل لما نحتاجه بشدة . كتاب توماس مور لم يكن عن جزيرةٍ خياليةٍ ( مبتكر اليوتوبيا ) ولكن كان عن إنجلترا في زمانه . المثاليات تبدو محتفيةً بالكمال الإنساني ولكن في المقابل ، قبولَها المذهل للإخفاق و عدم الكمال والحيرة .


و الآن بشكل محسوم نظل نحلم ونجري مع المثاليات ولو لم توجد لبعض الحالمين لعشنا في عالم أكثر قبحاً اليوم. ولكن فوق ذلك كله ، بدون الأحلام والمثاليات سنجف كأنواع حية. افترض في يومٍ ما أن العلم استطاع حل جميل معضلاتنا . سنصير بتمام الصحة ، نعيش مطلقاً وأدمغتنا – مع الشكر لبعض المساعدات – ستعمل مثل الكمبيوتر . في ذلك اليوم يمكن أن نكون شيئاً مثيراً جداً ، لكنني لست متأكداً إذا ما كنا سنملك ما نعيش لأجله . سنكون مكتملين افتراضياً لكننا ميتين فعلياً.


وفي نهاية المطاف، قابليتنا للإخفاق هي التي تجعل منا مَن نحن. فأدمغتنا في جوهرها مخلوقات مخفقة موجودة في عمق أي طموح . إنَّ الخشية من الإخفاق والتعلم وكيفية تجنبه في المستقبل كلها أجزاء من عملية التشكيل والقدر الإنساني للقرار . ولهذا ذكرت فيما سبق ، أن قابليتنا للإخفاق يجب أن تحفظ. ولا يهمنا قول محترفي التفاؤل ، فهكذا شيء يستحق الإحتفاظ كقطعة فنية مميزة ، كذكرى أو كأي إنجاز آخر . لأن القابلية للإخفاق – بشكلٍ ما- مهمة أكثر من أي إنجازات فردية بشرية . لأنها تجعل هذه الإنجازات ممكنة التحقق .


نحن مصمَّمونَ لنخفق :


لا يهم كم هي حياتنا تحولت لناجحة ، و كم صارت ذكية ، ولا كدحنا و كدُّنا .. فذات النهاية تنتظرنا كلنا “ الإخفاق”. إنه في مكوَّنِنَا الأحيائي ( البيولوجي ). فالتهديد الوجودي من الإخفاق يلازمنا طوال الوقت ، لكن من أجل أن ننجو في الحكم النسبي للقناعة ، أغلبنا تظاهر أنه لا يرى الإخفاق . تظاهرنا، على أنه لم يوقفنا عن المسير قدما لقدرنا : أسرع ، ” أسرع بنسبة عكسية لربع المسافة من الموت “ كما شرح العملية شخصية إيفان في رواية تلستوي ، إلا أن شخصية تلستوي لا تساعدنا كثيراً هنا ، فالسؤال الجوهري عن كيفية الوصول إلى الإخفاق الأكبر ، كيف نواجهه ونعانقه ونملكه – أمرٌ أخفق فيه إيفان في فعله .


الموديل الأفضل يمكن أن يكون إنغمار بيرغميان (Ingmar Bergman’s) وشخصيته أنتونيوس بلوك ، من فلم “ الختم السابع ” (The seventh seal) . يعود الفارس من كروسادس وينغمر في أزمة إيمان ، بلوك تواجَهَ مع الإخفاق الكبير على هيئة رجل . لم يتردد في الدخول في الموت مباشرةً . لم يهرب ، لم يسأل الرحمة ، فقط تحداه في لعبة شطرنج . لا حاجة للقول أنه لم يستطع النجاح في هكذا لعبة – فلا أحد يستطيع – لكن النصر ليس المسألة . أنت تلعب ضد الإخفاق الأكبر النهائي لا لينتصر ، لكن لتتتعلم كيف تخفق .


بيرجمان الفيلسوف يعلمنا درساً عظيماً هنا . كلنا في النهاية سنخفق . لكن هذا ليس الأمر الأهم . ما يهمنا هو كيف سنخفق وماذا سنكسب من العملية . خلال هذا الوقت الوجيز من اللعبة مع الموت ، أنتونيوس بلوك لابد أنه خبرَ ما لم يخبره طوال حياته . بدون تلك اللعبة كان سيعيش للاشيء . في النهاية بالطبع خسر ، لكن أنجز شيئاً نادراً هو لم يحول الإخفاق إلى فن فحسب.. بل أداره ليجعل منه فناً في الإخفاق وجزءً حميمياً من فنِّ الحياة.!






للاستزادة: