‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصة قصيرة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصة قصيرة. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 10 ديسمبر 2014

يومياتٌ تركية / الحلقة الثالثة



تنفسّ الصبحُ فتنفستُ الصعداء لا لأني لم أنم : 

فما أطالَ النومُ عمراً ولا 
قصّر في الأعمار طولُ السهرْ 

كما قال صديقي الخيّام ، ولا لأني لم أفك لغزَ نومٍ انتحر على أبوابِ أجفاني فما أكثرَ المنتحرين ، لكنّهُ قلقُ الرحيل وأُلفةُ المكان لدي فما عساني أحطُّ بأرضٍ حتى يُحزنني فراقُها ، فـ دبي التي عرفتُها منذُ ربع قرنٍ وزرتُها عشراتِ المرات ما يزالُ حلوُ ذكرياتها عالقاً بذهني 

أيقظتُ صديقيَّ الراقدينِ الحالمينِ ناجي حرابه و حمزة الحمود فقد كانا كَـ لاعبي شطرنج نومُهما فكرةٌ وصمتُهما مكيدةٌ وفتورُ جفنيهما ( كِش ملك ) .. فزعا من دغدغةِ أصابعي كمن عضه حنش ، فقد كُنتُ مضطراً لإخبارهما أن الطائرة ( الآذرية ) تنتظرنا على الباب فسهري بالأمس أحوجني لنديمٍ يُشاطرني الحديث 

مطارُ دبي في هذا الوقت المبكر جداً كخلية نحل أو قل كيوم الحشر حيثُ الزحامُ ( على ودنو ) كما قال العم توفيق الدقن ، فالوجوهُ شاحبةٌ والعيونُ جاحظةٌ والشفاهُ ذابلةٌ وكأن المرحوم دراكولا امتصّ ما تبقى فيها من دماء لعلهم لم يناموا مثلي .. اللهُ أعلم .

التفاهمُ مع موظفي الطيرانِ الآذري مُتعب جداً فلكنتُهم الانجليزية عصيّةٌ على الفهم والبحثُ بين ركامها عن حرفٍ هنا أو مفردةٍ هناك كمن يبحثُ عن إبرة في كومة قَشٍ ونحنُ لا نجيد ( الآذرية ) ولاهم يُجيدون ( الحساوية ) 

فتعطلتْ لغةُ الكلامِ و خاطبتْ 
عينيَّ في لغة الهوى عيناكِ 

المهم بعد شدٍ وجذبٍ وتوبيخٍ و عتبٍ حتى كدنا أن نشحنَ أحدَنا مع الشنط من فرطِ ما أُسيء فهمُنا ، غادرنا ( كونترهم ) وانطلقنا كمن : 

له ايطلا ظبيٍ وساقا نعامةٍ 
وإرخاءُ سرحانٍ و تقريبُ تتفلِ

وإن كُنتُ أكرهُ المفردةَ الأخيرة وأعلم أنها ممنوعة بالمطار لكن أكملنا ركضنا بلياقة ( تتفل ) .. شخصياً تجنبتُ السلالم الكهربائية وصعدت الدرج أربعاً أربعاً لأثبتَ للعذالِ مدى رشاقتي ولياقتي ولقافتي فظنّ البعضُ أن لدي فوبيا ركوب السلالم الكهربائية فصرتُ ( كالمُنبتِّ لا ظهراً أبقى ولا أرضاً قطع ) ظننتُ أني سأُمدح فذُممتْ .. ولربنا فيما براهُ شؤونُ 

ركبنا الطائرة الآذرية .. مقصدُنا باكو عاصمة أذربيجان وتحليقُنا فوق الاراضي الإيرانية ، عندها الطائرةُ :

وثبتْ تستقربُ النجمَ مجالا
وتهادتْ تسحبُ الذيل اختيالا

وحيالي غادةٌ تلعبُ في
شعرها المائجِ غُنجاً ودلالا

لكن مع الأسف لم يكن بجانبي إلا الحبيبان حرابه والحمود ولم يكونا - في الواقع - يلعبانِ بشعرهما ولم يكن بهما غنج ولا دلال .

حينها ارتفعتْ الطائرة عالياً تخترقُ السحب بل صعدتْ فوق ( هام السحب ) .. وهنا تذكرتُ العم الجواهري :

ركبناهُ ليُبلغنا سحاباً
فجاوزَهُ ليَبلغنا السحابُ 

ما بين ثقوبِ الغيم تتلصص عيناكَ الأراضي الإيرانية حيثُ الجبال الشامخة والأودية الملقاة على ظهرها وبطنُها للسماء في مشهدٍ سريالي بديع .

قطعَ استرسالُ تلصصنا نقاشٌ طارىءٌ بيني وبين الحبيب حرابه طال وقتُه وعلا صوتُه وعقمتْ غايتُه وأينعتْ وسيلتُه فلا أنا أقنعتُه ولا هو أقنعني ..

وللحديث بقية

الأربعاء، 23 أبريل 2014

مذكّرات ميَت ...

الصورة وهمية
كانت يدي تحتضن شاشة صغيرة هي نافذة لكل العالم من خلالها استطيع التحدث مع أصدقائي وأمزح وألعب واقرأ الجديد. 
أتذكر ان ابنتي كانت تهزّني بقوة لأتجاوب معها وأصطحبها إلى أي مركز تسوق لشراء دمية جميلة وقطعة شيكولاته لن تكلفني مبلغاً من المال بقدر تكلفة قدمي لتخطو بضع خطوات أحقق فيها رغبة طاهرة من طفلة بريئة كـ ابنتي.. 
لكنني لا أعيرها اهتماما، فأنا كُنت مشغولاً بأحاديث كثيره مع أصدقائي وماطلت في تلبية رغباتها وحاجاتها كثيراً.
وفي بعض الأيام تطلب مني زوجتي القيام بأمور مهمه في المنزل، أو الخروج معي لنزهة عائلية، فكنتُ أتذمر وأرى فيها المرأة الحنّانه التي لاتنتهي طلباتها ..
فأنا لستُ إلا إنسان محتاج الى الراحة والترفيه مع الأصدقاء وبين الشاشات.
ألاتفهمين ياامرأة؟!!
أنا شخص مهم في صفحات التواصل الإجتماعي، فلابُد أن تتقبلي انشغالي وعدم قدرتي على إعطائكم كل ماتأملونه مِنّي ...
كانت أمي ايضاً تدعونا على وجبة طعام شهية، تجلس بجانبي وأبي بجانبي الآخر.
بصراحة .. لاأتذكر أحاديثهما ولا اتذكر فيما كانت تنصب اهتماماتهما، فأنا مشغول بنافذة العالَم الصغيرة المليئة بالأرواح والاشباح!!
وآخر ما أتذكره قُبلة ابنتي لي وأنا على عجل اريد اللحاق بأصدقائي في الإستراحة لمتابعة مباراة مهمة ..
لقد فاتتني الخمس الدقائق الأولى، سأتابع الأحداث وانا أقود السيارة الى إن أصل...
أتذكر ايضاً صوت الإسعاف وتمتمات بشرية قبل أن ألفظ انفاسي الأخيره ...
والآن ...
اصبحتُ في حُفرة ضيّقة، منقطع عملي من الدنيا، أنظر الى صحيفة أعمالي
خالية من العطاء ... من الحُب .. من العمل
وماذا عن أخبار العالم بعد رحيلي؟؟؟
طلبتُ رخصة شرعيه من أحدهم في قبري كي يريني هذا العالم بعدي..
وفعلاً حقق لي رغبتي
فألقيت نظرة على صفحات التواصل فرأيتُ إعلان وفاتي ضمن الاعلانات القديمه المحشوه بكلمة "إنا لله وانا اليه راجعون" وسورة الفاتحه مُكرر إعادة لصقها، لم أرى رياحينها جائتني لأنها لم تُقرأ باللسان.
وعادت الحياة طبيعيه وأصدقائي مازالوا مجتمعين في الاستراحه لمشاهدة المباراة الاخيرة من الدوري متمنين أنني كنت معهم، لكن الموت أسرع.. ياله من مسكين...
ذهبت الى ابنتي، فقد اشتقت إليها كثيراً، رأيتها تحتضن آخر لعبة اشتريتها لها قبل سنتين، مرددة: "أُريد أبي، إرجعوا لي عيدي .. "
وترفع رأسها الصغير لتخاطب الله بعفوية الطفوله:
" ربي اجعل أبي في الجنة" ودموعها جمرات تحرق قلبي وتشعله بالحسرات
رأيت أمي ايضاً تبكي كل ليله على سجادة الصلاة، وتدعو لي بالراحة والسعادة الأبدية.
وزوجتي أصبحت أرمله متشحة بثوب الحداد، قد خصصت لي أعمالا وصلوات لتهديها لي حتى لا ينقطع رباط الحُب بيننا ..
آآه .. كم كنت عارياً من مشاعر الحب والعطاء مع عائلتي!!
كم كنت اعمى لاأرى تضحياتهم وعطائهم وحبهم لوجودي بينهم!!
أرغب الآن باللعب مع ابنتي وإسعاد قلبها الصغير.
أشتهي ايضاً الإستماع لأحاديث أمي وحكايا أبي.
لكن.. جائني الموت فجأة قبل أن أعطي عائلتي حُباً واشرع لهم أجنحة السعادة.
احتضنني التراب قبل أن احتضن ابنتي وأُمازح أخي وأُعطي زوجتي من وقتي.
قبل ان أدرك ان السعادة هي العطاء لمن حولي، الذين هم بحاجة الى وجودي في كل تفاصيل حياتهم..
" رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ"

الاثنين، 21 أبريل 2014

يقظة

الصورة وهمية
كيف أستيقظ لأراني في منام؟
لقد اعتدتُ ذلك 
أتثاءب وأمط يديّ بكسل وأنا أبتسم .. فأنا أعي تمامًا أنني في حلم أحدهم، وأقوم من السرير .. تطأ قدماي عشبًا مبللًا..
سهول خضراء تحيط بي، وأتحرر من ملابسي، أدندن أغنية هشة، أختبر حرارة الجدول بطرف قدمي.. رغم علمي أن الأنهار في أحلامك دافئة أبدًا.. لكنها عادة اعتدتها، أفرك جسدي بقشرة ليمون، وأغتسل، ألتقط المنشفة المعلقة على طرف غصن مكسور، ثم أتسربل بالبياض، أبلل وجهي بماء الورد، وأرش شعري بزيت التوت والرمان، وابتسامتي لا تنفك عن وجهي.. فـأنت عن يميني تراقبني، أو ربما خلف الشجرة عن شمالي؟ أو هناك بالأعلى متوسدًا رضاب الغيم..
شعري يجففه الهواء بلطف.. أحقًا أرقص على أطراف أصابعي فوق العشب بلا ألم، كما لو أرقص في الهواء.. ويلتف حول رسغي خلخال يتلألأ في رقصة باليه! يالذوقك الغريب!
إلى متى سأستمر في الرقص بلا تعب أيها الغافي على الوعد؟
تفتح عينيك ببطء، تتحامل على نفسك لتفارق الوسادة، تهرش رأسك، تتموسق في رأسك بقايا أنغام صاخبة، تلوي جذعك يمينًا ويسارًا، حتى تسمع فرقعة فقرات ظهرك، تنهض.. تخطو بتثاقل وتقف.. كمن سيكمل نومه واقفًا.
لن تفتح عينيك على اتساعهما، وستتبرم من تبذير الشمس لضوئها- حتى تحتسي قهوة مرة تقرع قلبك، ولا تبدأ يومك بابتسامة.. لا تعلم أنك تعيش في حلمي..
يوم ثان ٍ 
أصحو بابتسامتي، لأجدني قد نمت فوق كثيب ناعم متوسدة سرجًا ساقطًا عن ظهر صاحبه، وتحيّيني الفرس بحمحمة محب.. ثم تشير للبعيد
ألمح شبح امرأة هناك يسير ويتقافز على الرمال .. أقترب .. أراها .. أحدثها .. لكنها لا تسمعني ولا تراني 
أنا الشبح إذن ؟
يوم ثالث:
أصحو بلا ابتسامة..
فأعي أنني خرجت من حلمك.