السبت، 16 أغسطس 2014

العلاّمة الفضلي والتّجديد في المقرَّرات الدِّراسية.. مطالعة عامة في التجربة

إذا أردنا أن ندرس المنجزات التي حققها العلاّمة الدكتور عبد الهادي الفضلي منذ التحاقه بالدّرس الحوزوي في البصرة على يد والده عام (1365ﻫ) وحتى رحلته في عام (1434ﻫ)، فستبرز أمامنا مجموعةٌ من المنجزات المهمّة وعلى مستويات متعددة؛ إلاّ أنّ مشروع (تجديد المقررات الدِّراسية) سيأتي في طليعة هذه المنجزات؛ فصار كالقرين لاسمه، فلا يُذكر هذا الملف إلا وتجربة العلاّمة الفضلي تأتي في الصّدارة.
لو أردنا أن نؤرِّخ للدِّعوة إلى التَّجديد في المقرَّرات الدِّراسية الحوزوية، فإنَّنا سنجد أنّ الدّعوة الجادّة كانت مع بدايات النصف الثاني من القرن العشرين الميلادي، ففي النّجف الأشرف كان للشيخ محمَّد رضا المظفر (1383ﻫ) والسيد محمَّد تقي الحكيم (1423ﻫ) الدّورُ الأبرز في دفع حركة هذا التجديد وجدّيّته خطوات أساسيّة، من خلال المشروع البارز أعني به (كلية الفقه)، فاللأوّل كتابا (المنطق) و(أصول الفقه)، والثّاني كتابه الرّائد (الأصول العامّة للفقه المقارِن)، لتتوالى من بعدهما المشاريعُ في هذا الإطار.
ويمكننا ـ ومن دون شكّ ـ أن نظمّ إلى جانبهما تلميذَهما الدكتور الفضلي، الذي بدأ مشروعه التّجديدي في نفس هذه الفترة، بل كان مشاركاً في إيقاد تلك الشّعلة في (كلية الفقه) ، مما يعني أنّه رائدٌ من روّاد هذا الميدان بجانب أستاذيه المظفّر والحكيم.
هناك أمور ميّزت مشروع الفضلي عن سواه من أمثال هذه المشروعات، أذكر منها اثنين:

الأوّل: الفترة الزّمنية لإنجاز المشروع:

استغرق هذه المشروع من عمر الشيخ الفضلي ما يقربُ من نصف قرن، فكانت البداية منذ أن اختارته (جمعية منتدى النشر) في النجف الأشرف لتدوين كتاب (التربية الدّينية) الذي ألّفه قبل عام (1380ﻫ)، أمّا النهاية فمع كتابه (خلاصة الحكمة الإلهية) المؤلَّف عام (1427ﻫ).
لقد صنع الدكتور الفضلي لنفسه خلال هذه الفترة الزّمنية من الفرص ما لم تتوافر لغيره من المشتغلين على ملف التجديد، فتنوُّع الأنماط التعليمية التي تلقّاها (الحوزة والجامعة)، وتعدد البيئات والمراكز العلمية التي انتمى إليها وأعطى فيها (النجف ومصر وجدّة، ولندن)، راكمت في شخصيّته من التجارب التي كوّنت منها شخصيّة الخبير في تدوين المقرَّرات الدِّراسية.

الثاني: التّنوع المعرفي في المشروع:
صحيح أنّ روّاد العمليّة التجديدية كانوا من أصحاب الكفاءات العلمية ذات المستوايات العالية، كالشيخ المظفّر والسيد محمَّد تقي الحكيم في تجاربهما السابقة، والشهيد الصدر (1400ﻫ) في تجربته في (دروس في علم الأصول)، والشيخ محمَّد جواد مغنيّة (1400ﻫ) في تجاربتيه (علم أصول الفقه في ثوبه الجديد) و(فقه الإمام جعفر الصادق) وغيرهم، إلا أنّه لم يُقدَّر لتجارب هؤلاء الأعلام أن تكون شاملة للعلوم والمعارف المكوّنة لشخصيّة الطالب في الحوزة العلمية.
لقد كانت تجربة الفضلي ذات طابع شمولي، بمعنى أنّها ضمّت العلوم الأساسية والأخرى التي اعتَقَدَ أنّها تلعب دوراً في تكوين شخصية المتفقّه في الدِّين، فتنوَّع عطاء هذا المشروع ليشمل: علومَ القرآن الكريم، وعلومَ الحديث الشريف، والعلومَ العقلية، وعلمَ الفقه وأصولَه، وعلومَ اللغةِ العربية، وأخيراً المعارفَ العامّة.
إنّ تجربةً راكمت الكثير من الخِبْرات طوال هذه السنوات، واستوعبت هذا الكمّ من الدوائر العلمية والمعرفية، تستحقّ العناية من قِبل المعنيين بالدّرس الحوزوي؛ وذلك عبر خطوتين:

الخطوة الأولى: تقييم التّجربة بدراستها دراسةً موضوعية بمراعاة ظروف تولّدها، وموضِعيّة بالتَّركيز على كل دائرة من تلك الدوائر العلمية.
الخطوة الثانية: تقويم التَّجربة بتصحيح ما قد تكون مرّت به من إخفاقات، وتطوير ما انتجته من إنجازات.
يقول (رحمه الله) في إحدى حواراته: ((...لا بدّ من أن نغيّر في المقرر الدِّراسي بحذف ما لا بدّ من حذفه؛ لأنَّه أصبح من النظريات التَّاريخية التي لا يُستفاد منها في الواقع المعاصر... كما لا بدّ من إضافة ما لا بدّ منه من مواد علمية يحتاجها الطالب والدَّارس والباحث؛ ليكونوا بمستوى مقتضيات حياتنا الراهنة...))
هذا جانب عام مما قدّمه شيخنا العلاّمة الفضلي في حياته العلميّة الحافلة بالكثير من الظواهر التي تستحق تسليط الضوء عليها من قِبل المتخصصين

ليست هناك تعليقات: