تناول الشيخ عبد الله النمر مفهوم العبادة باعتباره مفهوما تنتظم فيه الحياة بأكملها، وباعتبارها حالة تحقق للإنسان الرخاء والسعادة وأعلى حالات الأنس واللذة، وباعتبارها نظاما عاماً للحياة الاقتصادية والاجتماعية. وانطلق سماحته في الخطبة مبتدءا من الآية الكريمة (يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون)
• العبادة والحياة
وبين سماحته إنّ اللذات التي يأنس بها الإنسان في حياته ويشعر من خلالها بالمتعة والسعادة هي منقسمة تدريجيا وتراتبيا إلى لذات حسية وأخرى عقلية وثالثة روحية. وهذا الأمر يؤثر في العبادة التي تنقسم بدورها إلى عبادة فكرية وعبادة روحية وعبادة سلوكية. وهذه التقسيمة الثلاثية تسري في ألوان العبادات المشروعة فالصلاة عمود الدين، والدعاء مخّ العبادة، والعبادة أكثرها في طلب الحلال كما جاء في الأثر.
وهذا يعني أن تهندس حياتك على شكل عبادة، وأنه يراد منك أن تأخذ بالأسباب، ولكن أن يكون اتكالك واطمئنانك على الله وثقتك بتدبيره. إذا كان الإنسان يدري أنه ليس بيده شيء فسوف ينضبط سلوكه ضمن التوجيهات الإلهية.
• عموم العبادة
المتبادر إلى الذهن أن المقصود بالعبادة هو الصلاة والصوم، ولكن في الحديث القدسي: " يا أحمد، العبادة عشرة أجزاء، تسعة أعشار في طلب الحلال، فأطب مطعمك ومشربك فأنت في حفظي وكنفي".
ولكن ما هو الحلال المقصود؟ يتبادر إلى الذهن أنه الذهاب إلى السوق والانشغال بالأعمال، ولكنه أوسع من ذلك، فهو يتضمن طلب الزوجة الصالحة، وتنظيم شأن الأسرة، أن تعل على إصلاح أسرتك وتعمل في تقويم حياتك ومجتمعك وإحاطة واقعك بالخير.
إقامة الحياة الاجتماعية على أساس الحلال، وليس معناه أن هذا اللحم حلال أنه ذبح بالحديدة مع التسمية بنحو ما، ليس معناه أن يأخذ المال بأي وسيلة حتى لو كان فيها شبهة أو حرام ثم إذا أرد أن يشتري لحما أخذ في التحقيق في طريقة الذبح والتذكية، هذا عدم توازن.
في مثل هذا الزمن معناه أن تعطي بمقدار ما تأخذ، معنى كسب الحلال هو عموم التصرفات العامة وأن تكون مبنية على الإنصاف والفضيلة.
• العبادة باعتبارها لذة
وقمة العبادة هي التفكر، عن أمير المؤمنين علي (ع): " التفكر في ملكوت السماوات والأرض عبادة المخلصين". و"تفكر ساعة خير من عبادة سنة" لأنها عبادة مكثفة.
الصلاة عمود الدين والدعاء مخ العبادة، مخ العبادة في الارتباط بالله ثم تأتي هذه الخيمة من التشريعات. إذا بنى الإنسان هندسة حياته على هذه الأسس فإنه يكون قد حقق معنى العبادة.
عن النبي (ص): " أفضل الناس من عشق العبادة فعانقها، فأحبها بقلبه وباشرها بجسده، وتفرغ لها، فهو لا يبالي على ما أصبح من الدنيا، عسر أم يسر".
العبادة ليست حضور الصلاة بعد الصلاة، وعمل العمرة بعد العمرة، المعانقة تحكي عن وثاقة العلاقة، هناك بعد عملي يحكي عن استئناس قلبي.
جاء في مناجاة الإمام السجاد (ع): " إلهِي مَنْ ذَا الَّذِي ذَاقَ حَلاوَةَ مَحَبَّتِكَ، فَرامَ مِنْكَ بَدَلاً؟ وَمَنْ ذَا الَّذِي أَنِسَ بِقُرْبِكَ، فَابْتَغَى عَنْكَ حِوَلاً؟". هذا لون من الهيام الدائم الذي لا يبارح، من الذي يدخل في أفق هذه السعادة فيلتفت إلى غيرها فضلا عن أن يذهب إليه.
• أثر العبادة
وفي أثر عن النبي (ص): " يقول ربكم: يا بن آدم تفرغ لعبادتي أملأ قلبك غنى وأملأ يدك رزقا، يا بن آدم، لا تباعد مني فأملأ قلبك فقرا وأملأ يدك شغلا".
الشعور بالكفاية والاسترخاء مقابل جمع المال مع الجشع والحرص فهذا ليس غنى، فقد تمتلئ يد الإنسان بالمال ولكن مع انشغال البال وتكثر الملفات. في هذه الأيام نحن بحاجة إلى هندسة حياتنا النفسية.
في الحديث القدسي المروي عن الإمام الصادق (ع): " يا عبادي الصديقين تمتعوا بعبادتي في الدنيا فإنكم تنعمون بها في الآخرة".
بل يقول العلماء أن أسمى النعيم في الآخرة هو العلاقة بالله، نسأل الله أن يمنّ علينا بالنعيم وعلى قلوبنا بالأنس به وبرسوله وأهل بيته (ص).

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق