حدودنا بالياسمين
والندا محصنة
وعندنا الصخور تهوى
والدوالي مدمنة
وإن غضبنا نزرع
الشمس سيوفا مؤمنة
هذا ما قاله نزار قباني في القرن العشرين، فهل تقرأ معي ما قاله عمرو بن كلثوم في القرن الخامس؟
أبا هند فلا تعجل علينا... وانظرنا نخبرك اليقينا
بانا نورد الرايات بيضا... ونصدرهن حمرا قد روينا
ونشرب إن وردنا الماء صفوا... ويشرب غيرنا كدرا وطينا
ملأنا البر حتى ضاق عنا... وظهر البحر نملؤه سفينا
خمسة عشر قرنا بين الشاعرين، والوهم هو هو، الفرق فقط في اللغة.. فهناك بون شاسع في لغة من ارتشف من بردي ”كأسا دهاقا تغار منه الدنان“ وبين من أظن أنه لم ير نهرا في حياته.. هناك لغة مائية تقابلها لغة صخرية.. وكل منهما يترعها الوهم.
ترى ما هو الوهم؟
”الوهم كل صورة ذهنية لا يقابلها شيء في الوجود الخارجي“ هكذا يقول المعجم الفلسفي وهذا ما ينطبق على قبوله كل من الشاعرين.
وهنا نسأل: هل الإنسان في حاجة إلى الوهم؟ نعم، هذا ما يجيب به النفسيون، وقد أدينت فلسفة الأنوار؛ لأنها رفضت أن يكون الوهم من ضمن حاجات الإنسان النفسية.
يقول أحد الفلاسفة:
”إذا كنا نريد أن نتخلص من الأوهام المتعلقة بوضعنا: فذلك يعني أن علينا أن نتخلى عن وضع في حاجة إلى الأوهام“.
حياتنا الواقعية الآن المليئة بالقتل الهمجي والدمار العبثي، في أشد الحاجة إلى المزيد من الأوهام وإلا كيف يعيش من تحيط به الأنياب من كل حدب وصوب؟
ولقد أبدع الشاعر ابودلف العجلي وهو من شعراء القرن الثالث الهجري، أبدع حين قال:
"أماني من ليلى حسان كأنما
سقتني بها ليلى على ظمأ بردا
مني ان تكن حقا تكن أحسن المنى
وإلا فقد عشنا بها زمنا رغدا"
نعم أصبح اللا معقول زمنا رغدا..

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق