لم أشاهد التلفزيون طيلة أيام الشهر الفضيل، أما البارحة فأقعدتني وعكة في المنزل، فقررت أن استقطع بعض الوقت لمشاهدة «برامج رمضان» عل ذلك يسليني قليلاً. وفيما أشاهد «باب الحارة» وقعت على سمعي كلمة «شيخي»، هذه كلمة لم أسمعها منذ عقود، فقد أخذتني للتاريخ السحيق في بداية أيام دراستي الابتدائية، ووضعتني وجهاً لوجه مع «الشيخ محمد شيخ أنور».
درست الابتدائية في مدرسة خاصة تسمى مدرسة الجوهرية السفرجلانية، مبناها جميل، عبارة عن بيت عربي واسع له فناء مربع كبير فيه شجر وتتوسطه بحرة ضخمة، وبلطت أرضيته بالرخام الأبيض الخالص مع نقشات هنا وهناك بالبازلت الأسود، تماما كالبيوت التي تشاهدونها في «باب الحارة»، لكنه أوسع وبالقطع أجمل وأكثر صدقاً. كانت مدرسة الجوهرية أهلية، يقوم عليها مربٍ صارم وحانٍ في الوقت نفسه، يسمى محمد خير السيروان يرحمه الله. أما موقع المدرسة فقد كان خرافياً، بالقرب من سوق القطن، وتماماً خلف شارع مدحت باشا الشهير، وتحديداً خلف الجزء المؤدي لباب الجابية. وهذه المدرسة غير المدرسة الجوهرية التي كانت وقفاً أسسه في القرن السابع الهجري أحد كبار شيوخ الشافعية في دمشق، في حين المدرسة الجوهرية السفرجلانية أسست على يد أحد أعيان دمشق ومربيها الأفاضل محمد عيد السفرجلاني، وتخرج منها عدد كبير من اللامعين من أهالي دمشق، منهم الشيخ عبدالرحمن الباني الذي انضم للمدرسة بتوصية من الشيخ علي الطنطاوي يرحمهما الله. أما المؤسف فهو أن مدرستي هذه تعرضت لحريق في العام 2009، يبدو أنه قضى على ما تبقى منها.
أما أجواء المدرسة فقد كانت شامية عابقة، وكان على بعد عشرات الأمتار منها مسجد أثري، لا يحضرني اسمه الآن، كان شيخنا «حيث كنا نناديه «شيخي»» الشيخ محمد شيخ أنور يأخذنا هناك أحياناً لأداء فرض صلاة الظهر، فقد كان الشيخ نفسه إماماً راتباً لمسجد كبير في باب سريجه، وفي المدرسة كان تدريس القرآن والتفسير والفقه مكثفاً، وأذكر أني لما انهيت الابتدائية فيها وانتقلت للأحساء لأكمل دراستي، لم أجد أي صعوبة في المواد الدينية، بل وجدت أن ما درسته في الجوهرية قد جعلني أتجاوز أقراني في الأحساء، حتى أن من كان يدرسني المواد الدينية في متوسطة أبي بكر الصديق «رضي الله عنه» في الأحساء، وأذكر أن اسمه الأستاذ علي الكثيري، كان يستغرب كيف أني درست في دمشق، وكان يحكمها البعث آنذاك، وأن مناهج الدراسة غطت كل هذا الكم تفسيراً وفقهاً!
أما «شيخي» فكان شخصية مختلفة شكلاً وموضوعاً، فقد كان يلبس الطربوش ملفوفاً بشال، على طريقة المشايخ في دمشق، أشيباً ذو وقار وهيبة، ولا يقبل الخطأ، وكانت علاقتي بالشيخ ممتازة بحكم مواظبتي، لكن في يوم من الأيام وأذكر حينها كنت في الصف الخامس الابتدائي قال الشيخ محمد: غداً سنذهب إلى المسجد القريب من المدرسة وهناك سيريني كل منكم كيفية الوضوء والصلاة ثم نصلي جماعة. وبالفعل ذهبنا ظهر اليوم التالي نحن التلاميذ برفقة شيخنا إلى الجامع وأخذنا نتوضأ الواحد تلو الآخر، وعندما أتى دوري توضأت، فقال لي بلهجة شامية قحة: «توضا متل ما علمتك»، ففعلت، فمسح بيده على رأسي برفق. وذهبنا بعدها إلى الصلاة، وكانت قد انقضت جماعة الجامع، فأخذنا إلى ركن، وقال لي: أقم، فأقمت، وأمنا في الصلاة. وما أن انتهينا حتى قال: لن نعود إلى المدرسة، بل سأعزمكم على الغداء، لكل واحد منكم «عروسة» فلافل. فرحنا كثيراً بهذا الكرم من شيخنا، الذي لم نتعود منه إلا الصرامة وقلة الكلام. أما دكان الفلافل فقد كان على بعد خطوات من المدرسة والجامع وضمن محيط الحارات الضيقة. تناولنا السندوتشات فرحين، وقلنا لشيخنا الواحد تلو الآخر: كتر خيرك شيخي، وهو يكرر قائلاً: كتر خير الله، وبعد أن فرغنا من الأكل أخرج «شيخي» كيساً فيه تمر، وقال: هذا تمر من الحجاز، كل واحد يأخذ تمرة. كنت معتاداً على أكل تمر الخلاص المكنوز مما يجلبه الوالد رحمة الله عليه من الأحساء. أكلت التمرة التي لم استسغ طعمها كثيراً لكني كنت فرحاً أنها من أستاذي.
آخر عهدي بشيخي أنني كنت في زيارة لدمشق في بداية السبعينيات الميلادية، وكنت ماشياً في شارع مدحت باشا وإذا بشيخي قبالي، ركضت نحوه وقبلت يده، وقال: وين صفيت يا إحسان؟ فأخبرته أني عدت إلى بلدي، وأني أتردد على دمشق كل صيف، فقال: أهم شي تكمل تعليمك ولا تنس كتاب الله أبداً، أهم شي القرآن يا ابني. ماذا أقول عن جيل من المربين تجلهم رغم قسوتهم، فأنت تدرك أن صرامتهم حانية وأن حرصهم عليك عظيم. رحمة الله على شيخي.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق