الأحد، 27 يوليو 2014

قواعد سلوكية

في آخر جمعة من هذا الشهر الكريم أود أن أختتم ما تقدم من الحديث عن ( شهر رمضان ربيع القرآن ) بذكر عدد من ( القواعد السلوكية ) .
لكن بين يدي الحديث أشير إلى حوادث ثلاثة نعيشها هذه الأيام تصب في مصلحة ما نريد أن نتحدث عنه ، وكيف نؤسس في ذواتنا ؛ على مستوى الأفراد ، وعلى مستوى الجماعات ، قواعدَ سلوكيةٍ ؛ تتيح لنا أن نسير في الاتجاهات الصحيحة . سواء :
1.       في علاقتنا بالخالق عز وجل
2.       أو في علاقتنا بالمخلوقين
3.       أو في علاقتنا بأنفسنا .
1 - العدوان على غزة
الحادثة الأولى : هي ما يعانيه أهلنا في فلسطين وفي غزة على وجه خاص من عدوان صهيوني غاشم .
لا يمكن للحر والأبي والكريم من الناس والعزيز إلا أن يقف إلى جانبهم مسانداً لهم بقدر ما يستطيع ؛ ولو في حدود الدعاء لهم ؛ بأن يسدد اللهُ عز وجل خطاهم ، وينصرهم على هذا العدو الغاشم والذي يجثم على صدورهم منذ عقود كثيرة .
أراد العدو ومن ساند العدوَّ ظاهراً وباطناً في نفوس الأمة أن هذا العدوان ، وأن هذا الاحتلال ، قدَر الله المقدور ، وأنه سنة حتمية لا مجال للتعامل معها إلا بالاستسلام لها والإذعان ، غير أن هذه التجربة التي تعيشها هذه الأمة الممتحنة في غزة ؛ على ما يعانونه من العدو ومن الصديق ، استطاعوا أن يوصلوا إلى العالم رسالة ؛ أن هذا العدو الغاشم - مهما تغطرس - فإن الضعيف قادر بعون الله عز وجل إن هو طرق الأبواب الصحيحة للانتصار .
وفي الحقيقة إن غزة قد لا تحتاج أن ينتصر لها الناس لأنها تنتصر للناس . ما يحدث في غزة اليوم من موقف عزيز وكريم من هؤلاء المرابطين على هذا الثغر الإسلامي المقدس ، في الحقيقة لا ينتصرون لأنفسهم ولقضيتهم الخاصة ، بل ينتصرون لهذه الأمة التي يعمل العدو على تشتيتها بمختلف أشكال التشتيت والتفتيت .
ومما يؤسف له أن في الأمة سمَّاعين لهم ؛ ينصتون لهؤلاء الأعداء ؛ في ما يصرحون وفي ما يلمحون به ، من أجل أن تتكرس كلُّ مخططاتهم الخبيثة واللئيمة لتمزيق هذه الأمة ، وبالتالي سلب ثرواتها هنا وهناك ، والهيمنة على شؤون العالم بأسره .
فأسأل الله عز وجل أن يمنَّ على أهل غزة بالنصر المؤزر والفتح المبين ، وأن يعيد القدسَ إلى أهلها المحقِّين ، وأن يعد فلسطين إلى أهلها من النهر إلى البحر . هؤلاء الصهاينة لا حقَّ لهم في فلسطين ، هم مغتصبون بكل معايير السماء وبكل معايير الأرض . وبالتالي ، في إن خذلان هؤلاء خصوصاً لا يصب في مصلحة أحد ، ولا في مصلحة الحق ، ولا في مصلحة العقل والمنطق .
وإذا كان هناك قضايا مشروعة هي بالقياس إلى ما يحدث في فلسطين والقضية الفلسطينية هي متشابهات في مقابل هذا المحكَم ، والله سبحانه وتعالى يعلمنا كيف نتعامل مع القضايا . حتى آيات الله عز وجل في القرآن الكريم ، لا يصح أن يذهب إلى المتشابه ويترك المحكم . ينبغي أن يتعامل مع المتشابه من الآيات من خلال التعامل مع المحكم . وهكذا قضايا الأمة .
إذا كان هناك في الأمة كثيرة قضايا عادلة ؛ وهي كذلك ، لكن لا يمكن أن تنصرف أذهان الناس ويُصرف أذهان الناس عن القضية الأمة ، القضية المركزية ، القضية المحكمة ، بمجموعة من القضايا المتشابهة هنا وهناك ، كما هو الحال في القضيتين التاليتين .
2 – تهجير المسيحيين من الموصل
القضية الثانية : تهجير المسيحيين من الموصل بذريعة ما أسس من دولة وخلافة إسلامية مزعومة . وفي الحقيقة هذا التصرف وهذا السلوك مضافا إلى ما تقدم من سلوكيات شائنة وما يجري من سلوكيات شائنة وما يتوقع أن يحدث من سلوكيات شائنة باسم الدين ، تُنسب زوراً إلى الله عز وجل ، هو بحد نفسه كاف ليكون سببا لإيضاح الصورة القبيحة لمثل هذا المشروع ؛ الذي يريد منه أهله القريبون والبعيدون صرفَ الأنظار عن القضايا الأساسية مثل القضية الفلسطينية .
3 - تدمير مرقد النبي يونس (ع)
الحادثة الثالثة : هي تدمير وهدم مرقد النبي يونس ( عليه أفضل الصلاة والسلام )
هناك فكر شاذ يراد لهذا الفكر الشاذ أن يتبوأ مكانة لا يحتلها في الواقع الإسلامي ، لكن العدو الكبير ولا نحتاج إل أن نسميه لأنه أوضح من الشمس أن يشار إليه ، هذا العدو الذي صنع ( طالبان ) في أفغانستان وباكستان وتورط لهم لاحقاً ، وصنع ( بوكو حرام ) في نيجيريا وأطراف نيجيريا ، وصنع هؤلاء في العراق ، وصنع آخرين في أكثر من منطقة ، في الحقيقة هو ابتلي بالإسلام الذي لا مناص إلا أن يواجهه وأن يتواجه معه .
كيف يُواجه هذا المشروع النازل من عند الله الذي يرغب في إيصال الحق إلى أهل الحق ؟
لما لم يتمكن بأدوات خارجية أن يقوض هذا المشروع عمد إلى اختلاق مشاريع من داخل هذه الأمة ؛ مشاريع مريضة ، مشاريع متخلفة ، لا تمت إلى الإسلام بصلة ، تعادي البشر والحجر معاً ، تعادي القريب والبعيد ، تعادي الأحياء والأموات .
وما حدث مع حجر ، ومع أويس القرني ، وقبل ذلك مع الإمامين العسكريين ، وما حدث قبل يومين مع النبي يونس ، هو نموذج على نمط التفكير الذي يُراد أن يقال للأمة : إذا أردتم الإسلام فهذا هو الإسلام ! والإسلام من كل هذا بريء ، ونعوذ بالله عز وجل من أن يتقبله أحد إلا من كان في قلبه مرض ، وإلا فإن السوي من الناس والعاقل من الناس لا يمكن أن يتقبله ، فضلاً عن أن يحمل تبعاته لهذا الدين الحنيف .
***
لذلك ، فإننا بحاجة إلى أن نرجع إلى القرآن الكريم ، من أجل أن نستخرج منه على مدونة سلوك ، تنظم لنا عددا من القواعد يمكن للإنسان لو اعتمدها في حياته أن يصل إلى الله عز وجل ، وأن يصل إلى الخير على جميع الأصعدة ؛ في سياسته وفي اقتصاده وفي اجتماعه ، وثقافته ، في علاقته مع من يؤالفه ، ومع من يخالفه على حدٍّ سواء .
أذكر خمس قواعد بشكل موجز ومختصر ، ولست بصدد الاستيعاب للآيات القرآنية ، وإنما انتخبت مقطعاً من سورة الزمر ، باعتبار أن هذا موسم وفَّق الله عز وجل الجميع أن يمروا على القرآن الكريم تلاوة ، وينبغي أن لا ندع القرآن وتلاوته ونعوذ بالله من أن نهجره على مستوى تلاوته أو التدبر فيه أو العمل بما جاء فيه .
القاعدة الأولى : نبذ الكسل
الإسلام لا يسمح لنا أن نكون كسالى ، فـ{ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى } [النجم/ 39] . ثقافة الإسلام في العمل والإنتاج هي الثقافة الوحيدة المسموح بها ، وما عدا ذلك يعرِّضك - أيها الإنسان - إلى خطرٍ شديدٍ ، وأشد خطراً في الآخرة ؛ فإن مصيرك عند الله عز وجل موقوفٌ على عملك .
ولابد أن يكون عملك هذا عملاً حسناً ، وعملاً صالحاً ، ولا نستطيع أن يكون عملنا صالحاً إلى أن نستهدي بما جاء في الكتاب الكريم .
يقول عز وجل ؛ في هذه السورة المباركة { لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا ، وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ } [ الزمر/35] .
تريد أجراً حسنا ؟
لا بد لك أن تعمل . وإذا عملت وتفاوتت أعمالك فإن الله عز وجل يجازيك ويكافئك بأفضل ما عملت ؛ يعني : يجعل أعمالك كلها على وفق ما عملته من العمل الأحسن ، أو يُنتقَى العمل الأحسن ليُجعل معياراً لثوابك ومكافأتك عند الله عز وجل .
وهذا ما ينبغي أن نكون قد حصلنا عليه عبر هذا المرور على القرآن الكريم في هذا الشهر الكريم ، وعبر هذه الدورة الروحية التي فرضها الله عز وجل علينا ؛ حيث يقول {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ! كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ ؛ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } [البقرة/ 183] .
القاعدة الثانية : جودة التخطيط والتنفيذ
مررنا في هذا الشهر الكريم بهذه الدورة ؛ دورة الصيام والقيام ، ودورة تلاوة القرآن الكريم وتدبره ، ويفترض بنا ؛ عبر هذه الدورة ، أن نكون قد اقتنصنا عدداً من الدروس في ما يصب بضرورة أن نخطط لأنفسنا دائما بشكل جيد ، ونسعى للتنفيذ بشكل جيد .
وهذا ما يمكن ن نسميه باللغة القرآنية بـ( الاستقامة ) أو ( الإحسان ) كما جاء في الآيات القرآنية . يقول عز وجل ؛ يشير إلى هذه الفئة من الناس { أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ * لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ } [ الزمر / 33 - 34 ] .
مطلوب منا أن نكون من أهل التقوى ، ولا يمكن أن نكون من أهل التقوى إلى أن نكون من أهل الإحسان . والإنسان المحسن إنما يصح وصفه بهذا الوصف إذا أجاد عمله وأتقنه . فإن النبي الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يروى في سيرته ؛ من أجل أن يعلمنا ضرورة الإحسان ، أنه لما توفي ولده إبراهيم ( عليه السلام  ) وقف على قبره وفي قمة الحزن ، وكذلك كان أصحابه الكرام معه يواسونه في حزنه ، وحافر القبور يحفر والنبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يشير إليه وينبهه إلى أن قووِّم وعدل هذا ، يعني القبر أثناء حفره ، فسئل أن هذا قبر ، بالتالي هي حفرة يراد وضع هذا الجثمان فيها ثم طم التراب عليه ، قال ( إِنَّ اللهَ يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدَكُمْ عَمَلاً أَنْ يُتْقِنَهُ )([1]).
تحويل مسألة الإتقان إلى ثقافة ؛ نبتدئ فيها بصغار الأمور وننتهي فيها إلى كبارها ، يجعل من هذه الأمة أمة صالحة ، لا أمة معوجة مختلة ؛ مثل ما يفعل هؤلاء حيث يتركون القضايا الأساسية والكبرى ويتجهون إلى مشاغلة الأمة والمشاغبة عليها بقضية هنا أو قضية هناك !!
المحسنون من الناس ، المتقون من الناس ، أولو الألباب من الناس ، لا يمكن أن ينساقوا وراء مثل هذا الفكر الشاذ والمنحرف .
القاعدة الثالثة : ضرورة الصدق والمصداقية
لابد أن يكون الإنسان ؛ في مقام الإخبار القولي والعملي والوجداني ، وكذلك في مقام السلوك العملي ، أن يكون صادقاً مع نفسه ، وصادقاً مع الله ، وصادقاً مع الناس ؛ فإن الله عز وجل يمدح هؤلاء الذين { صدقوا ما عاهدوا الله عليه } .
كيف نصدق في معاهدة الله عز وجل ؟
أن نكون صادقين ومستقيمين في ما طلبه منا أن نؤديه ؛ سواء كان الأمر صغيرا أ كبيرا ، علنيا أو سريا ، مع من نحب ومع من نكره . هذا ما ينبغي أن يكون عليه الناسُ دائماً .
يقول الله عز وجل ؛ أيضاً في السورة المباركة { وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ } [ الزمر/33] . وحينما يوصف إنسان أو جماعة بأنهم متقون يعني أن الله ضمن لهم السعادة في الدنيا والسعادة في الآخرة .
وهذا الوصف ؛ وصف المتقين ، ليس وصفاً ينبغي أن يلصق بالمتعبدين بالعبادات الخاصة فقط ! قد يكون الإنسان صادقاً مع الله عز وجل قبل هذا ، بل يجب أن يكون صادقاً مع الله عز وجل في تلقي المعلومات ، في التعامل مع المعلومات ، في تنفيذ العبادات ، في تحسين المعاملات ، في كل سلوكياته ينبغي أن لا يتعامل إلا مع الصدق ، لا يأتي إلا بالصدق ، وإذا سمع الصدق يذعن له .
مثل هذا الإنسان يكون من أهل التقوى .
ويقول في آية أخرى في السورة نفسها { فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ ؟! أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ } [ الزمر / 32 ] .
مثل ما أن أولئك حُكِم عليهم بأنهم متقون ؛ لأنهم صادقون ، حُكِم على هؤلاء بالوبال والخسران ؛ لأنهم كافرون ، بسبب أنهم لم يتعلموا مع الله عز وجل بالصدق والمصداقية ، حتى لما سمعوا من الله عز وجل عبر رسله الكرام لم يحسنوا التعاملَ معهم ، بل ردوا هذا كله ! لذلك صاروا ( كافرين ) ومثوى هؤلاء هو ( جهنم ) .
وفي الحقيقة حينما يقال مثواه جهنم هذا تعبير عن النتيجة الوخيمة والعاقبة السيئة لمن يفعل هذا ، سواء استعملنا اللغة الشرعية ؛ لغة الجنة ولغة النار ، ولغة التقوى ، ولغة الفسق ، أو حتى استعلمنا اللغة المعاصرة التي لا ترتبط بشكل مباشر بالدين . اختر ما شئت من العبارات . إذا أردت أن تكون سعيداً أن تكون ؛ بلغة الشرع من أهل التقوى ، وبلغة أخرى اختر ما عبرت . لكن لا يمكن إلا أن تنتهي إلى هذا الوصف الذي اختار الله عز وجل له هذه السمة .
القاعدة الرابعة : النقاء المعرفي
من الضروري للمؤمن ؛ خصوصاً بعد هذا التوفيق لا ولكم ، ونسأل الله عز وجل أن يسلِّمنا في هذا الشهر ، ويسلِّمه لنا ، ويتقبله منا ، ولا يجعله آخر العهد ، أن نقف بين يديه عز وجل صائمين قائمين تالين متدبرين لهذا القرآن الكريم ، عاملين به ؛ لنحشر وإياكم - إن شاء الله - من حَمَلته ؛ إذا وفدنا على الله عز وجل .
من المهم جدا أن نعمل على النقاء المعرفي .
ليس مسموحاً في الإسلام أن يفتح أذنيه وعقله وقلبه لكل ما هب ودب من كل ما يمكن أو يوصف بأنه معلومة أو معرفة ، وليس الأمر كذلك إطلاقاً .
وقد ابتُلينا هذه الأيام . إذا كان في السابق من الصعب جداًّ أن يقتني ورقة ؛ لغلبة الفقر على الناس وحاجتهم إلى تأمين قيمة هذا الورق ، والذي قد لا يمتلكونه ، وقيمة الأدوات والمواد التي يُكتَب بها ولا يملكونه ، اليوم أصبح هناك حالة من التسيب في نقل الكلام ، وفي نقل ما يوصف بأنه من المعلومات وليس من المعلومات في شيء !
لا ينبغي للإنسان أن يستسهل أمام تلقي كل ما يسمع ، فـ(كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ )([2]).
حتى إذا سمعنا أشياء ليس بالضرورة نتحدث عنها .
أولاً لا بد من أن نتثبت منها ومن صحتها .
ثم نتثبت من أن نقلها للآخرين لا يترتب عليه أضرار ، سواء كان أضراراً في العاجل أو الآجل ، في دائرة قريبة أو دائرة بعيدة ، كل هذا يصب في مسألة النقاء المعرفي ، وكيف نحافظ عليه .
هذا الباب يمكن أن نذكر فيه بنوداً عديدة :
 1 – خصائص القرآن
البند الأول هو الله عز وجل أوحى للأمة هذا القرآن ، والذي جعله مفتاح خير وبركة في هذا الباب . بدءً من مسألة التوحيد ، وانتهاءً بآخر مسائل التشريع الإسلامي . لا يمكن للناس أن يستغنوا عن هذه النافذة الربانية التي يتلقون منها ما يجب أن يتلقوه من المعارف إذا أرادوا لأنفسهم السلامة والصحة .
يقول عز وجل { وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } [ الزمر / 27 - 28] .
ساق الله عز وجل أو منَّ علينا بهذا القرآن لأمرين اثنين :
1 - الأمر الأول : يمكن أن نسميه بـ( غاية متوسطة ) ؛ وهي مسألة التذكر . والتذكر إما أنه فعل عقلي ، أو أنه فعل قلبي ، أو أنه فعل يجمع السمتين معا . يعني : نتعرف على ما لا نعرفه ، أو نتذكر ؛ نستحضر ونستعيد ما ركزه الله عز وجل في فِطَرنا ، وهذا ما نسميه بـ( التذكر ) و ( الاتعاظ ) ، لكن هذا هدف متوسط ليس المقصود أن نتذكر الآن ونتعظ الآن .
وإنما المطلوب من هذا التذكر أن يكون سبباً ووسيلةً من أجل أن يدفعنا إلى :
2 - عالم التقوى { لَعَلَّكُمْ تَتَقُوْنَ } [ الأعراف/171] .
القرآن - إذن - إنما جاء به الله عز وجل إلينا من أجل صناعة التقوى ، التقوى الأفراد والتقوى المجموع والتقوى في الثقافة  والتقوى في الخلاق التقوى التعامل مع الله والتقوى في كل جوانب الحياة .
هذه خصوصية من الخصائص التي ينبغي أن يرجع إليها .
2 – خطورة الزيغ عن التوحيد
الأمر الثاني : هي خطورة الزيغ عن توحيد الله عز وجل
في ما يتعلق بالتلقي المعرفي يمكن للإنسان أن يتلقى معرفةً ويأخذ معرفةً من هناك ، وهكذا لتعدد مصادر المعرفة عنده . لكن المعرفة في الحقيقة ليست مجردَ معلومات نستحصل عليها وتستقر في أذهاننا وقلوبنا وإنما هي تضع لنفسها أثراً في ما يتعلق بتوجيه سلوك هذا الإنسان فإذا تعددت المعارف والمعلومات ؛ بحيث لم تكن منسجمة في ما بينها ؛ بأن استقيت هذه المعلومة ؛ وأعني حين ما أصفها بالمعلومة لأنها توصف معلومة ، وليست بالضرورة كذلك ، من هذا المصدر ومعلومة أخرى من مصدر آخر ، ومعلومة ثالثة من مصدر آخر . يعني أن كل هذه المصادر تتولى توجيه هذا الإنسان الذي يتلقى هذه المعارف . ما الذي يحصل ؟
يحصل حالة من التمزق الداخلي ، تتعدد الولاءات في نفس هذا الإنسان ، ولاء لهذا ، وولاء لهذا ، وولاء لثالث . ولاء لهذه الجهة ، كالولاء للأنا ، والولاء للأسرة ، والولاء للقبيلة ، والولاء للمدينة .
هذه الولاءات المتعددة تجعل الإنسان يعيش حالةً يمكن أن نسمها ونصفها بـ( الانفصام ) ؛ فتجد هذا الإنسان شديد التقوى هنا ولكنه بعيدٌ عن التقوى هناك ، كما نجده عند الخوارج في ما مضى وعند هؤلاء الذين يمارسون ، يعني مثلا هم شديدو التقوى عن إسرائيل !! لا يريدون إلحاق الضرر بإسرائيل !! لأنهم غير مكلفين بمواجهة هذا العدو ، ولكن حينما يواجهون المسلم لا يكتفون بقتله بالرصاصة ! بل لا يقر لهم قرار إلا أن يُنحر بالسكاكين ، بل يتلذذون ، ويعلنون أنهم يتلذذون بنحر مسلم يشهد الشهادتين بالسكين !!
سبب هذا الاضطراب ما هو ؟
وإن كانوا يتلقون من الله عز وجل بعض الشيء إلا أنهم يتلقون من الشياطين أشياء كثيرة ؛ لهذا نجد عندهم هذا الانفصام وهذا التعدد .
الله عز وجل حذرنا أن تكون لنا ولاءات تتنافى مع التوحيد . كل ولاء يتنافى مع قول ( لا إله إلا الله ) مرفوض ومردود ، وأثره سيكون بالغ السلبية على الإنسان { ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ } [ الزمر / 29 ] .
يعني اذا كان هناك مملوك يملكه شخص واحد ، لا يتولى توجيه الأمر إليه إلا هذا الواحد ، هل سيكون حاله مع المملوك الآخر الذي يشترك في ملكيته أكثر كمن مالك تتعدد الأوامر إليه ، أحدهم يأمره بالقيام والآخر يأمره بالقعود ! كما نجده في التعامل مع هذه القضية الفلسطينية المركزية المقدسة ، حينما يكون هناك أكثر من ولاء لهذا الطرف أو ذاك الطرف . وجدانه يقول أن هذا الذي ترتكبه إسرائيل في حق هذه الأمة المنكوبة والمظلومة هذا جريمة حرب ، لكن ولاؤه لكرسيه ، لقبيلته ، لمناطقيته ، لحزبيته ، لخصومته ، لقوة هنا أو قوة هناك ، تجعله يدعو للعقلانية والحكمة وأمثال ذلك .
تراهم يهيجون على بلد شقيق مسلم وتراهم يجردونه من كل حقوقه ؛ بدعوى أنهم يريدون أن ينتصروا للمظلوم في ذاك البلد ، أوليس أهل غزة من المظلومين الذين يحتاجون أن تتنفضوا لهم كما انتفضتم لغيرهم ؟!
هذا التعدد في الولاءات والأمور التي تتولى توجيه الإنسان هذا أمر مهم .
إنما يحفظ الإنسان نفسه إذا كان توجهه وتوجيهه من الله سبحانه وتعالى .
3 - الفوز الحتمي
الأمر الثالث : الله عز وجل يقرر لنا فوزاً حتمياًّ إذا عملنا بمضامين القرآن الكريم وارتبطنا به عز وجل ؛ فيقول سبحانه { أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ، وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ ، وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ * وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّضِلٍّ ، أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انتِقَامٍ ؟! } [ الزمر/36-37] .
أي إذا ارتبط الإنسان بالله عز وجل وإن كانت إمكاناته قليلة ؛ كما كانت إمكانات الرسول ومن كان معه في بدر قليلة ؛ غير أنهم لما ارتبطوا بالله نصروا الله فنصرهم الله عز وجل ، وهكذا .
كان في يوم من الأيام يُراد تسويق مقولة أن هذا جيش لا يقهر !! تبيَّن أن هذا الجيش ليس فقط لا يقهر ، بل يُقهر ويُخزى بإمكانات قليلة جداًّ . ليست الأمة بحاجة إلى إمكانات كبيرة وخطيرة لأن يلحقوا الهزيمةَ ويأخذوا حقهم المستحَق منه ؛ غير أن هناك مَن لا يريد لهذه الأمة أن ترتبط بالله عز وجل المطلوب في هذا الباب . 
القاعدة الخامسة : مسألة العواقب 
1 – حقيقة الموت
القرآن الكريم يؤدبنا تأديباً أكيداً على أن الإنسان ينبغي دائماً أن يضع العواقب نصبَ عينيه ، لكن العواقب الصحيحة والنهائية ليس العواقب الآنية التي قد تكون من مقتضى سنن الله عز وجل أن يلحقك بعض الضرر ؛ كالجهاد في سبيل الله .
لو أن كلَّ الناس أرادوا ألا يفكروا إلا في الأمن والسلامة في ما يتعلق بأشخاصهم لما طالب أحدٌ بحقه ؛ خشية أن تكون المطالبة بالحق تتسبب له بإلحاق شيء من الضرر قليل أو كثير فيه .
هذا لا يقول فيه أحد ، ولا يقبله أحد .
يقول عز وجل مخاطباً النبي (ص) في السورة نفسها { إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ } [ الزمر/30-31] . أي قد يقع هناك خلاف بين هذا الطرف وذاك الطرف لكن لا ينبغي أن يتنازل الإنسانُ عما يرى أنه حقٌّ ثبت له بالأدلة البرهانية ؛ من أجل أن يُرضي فلاناً من الناس على حساب رضا الله سبحانه وتعالى .
وبالتالي ، ما دام هذا سيموت ، وهذا سيموت ، سيجتمع هؤلاء الخصوم عند الله عز وجل ليسألهم : لماذا أصررتَ على باطلك ؟! ولماذا تنازلتَ عن حقك ؟!
يخاطب الأول بهذا المنطق ، ويخاطب الثاني بهذا المنطق . هذه حقيقة أن الناس سيموتون .
2 - حقيقتا الحساب والجزاء 
الله سبحانه وتعالى لا يقرر أننا سنموت من أجل أن تنتهي القصة ، بل من أجل تبتدئ القصة الحقيقة ، بداية القصة الحقيقة هي انتقال الناس من هذا العالم إلى ذاك العالم ؛ لأن هذا العالم عالمٌ فانٍ وذاك العالم هو العالم الباقي . فقد سبق وقد قلنا أن الله عز وجل قال { لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا ، وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ } أي عن المؤمنين .
3 - اختلاف الأعمال والعاملين
هذا يجرنا إلى أمر ثالث وأخير هو أن الأعمال تختلف ؛ لأن الناس مختلفون . الناس فيهم من أهل التقوى وفيهم مَن ليس من أهل التقوى ، عمل أهل التقوى سيكون مناسباً لتقواهم وعمل غير أهل التقوى سيكون مناسباً لهم .
أسأل الله عز وجل لنا ولكم أن نكون ممن يستمع القول فيتبع أحسنه . 
اللهم كُن لوليّك الحُجَّة بن الحَسَن صَلواتُكَ عَليه وَعَلى آبائه ؛ في هذه السّاعة ، وفي كُلّ سَاعَة ، وَليّاً ، وَحَافِظاً ، وَقائِداً ، وَناصراً ، ودَليلاً ، وَعَيناً ؛ حَتّى تُسكِنَه أرضَك طَوعاً ، وَتُمَتِعَه فيها طَوِيلاً .
اللهم انصر الإسلام والمسلمين ، واخذل الكفار والمنافقين .
اللهم اشف مرضانا ، وارحم موتانا ، وأغن فقراءنا ، وأصلح ما فسد من أمر ديننا ودنيانا ؛ إنك على كل شيء قدير .
اللهم أنزل نصرك المبين وفتحك القريب على أهل فلسطين ؛ إنك على كل شيء قدير ، واجمع شمل أمر أمة محمد (ص) على نهج محمد كما جاء من عندك يا رب العالمين .
وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين .

--------------------------------------------------

([1]) السيرة الحلبية ، غزوة بني المصطلق ، ج 2 ، ص 410 .
وفي وسائل الشيعة في الحديث رقم ( 3484 ) عن الإمام الصادق في حديث : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) نَزَلَ حَتَّى لَحَدَ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ ، وَسَوَّى اللَّبِنَ عَلَيْهِ ، وَجَعَلَ يَقُولُ : نَاوِلْنِي حَجَراً ، نَاوِلْنِي تُرَاباً رَطْباً ؛ يَسُدُّ بِهِ مَا بَيْنَ اللَّبِنِ . فَلَمَّا أَنْ فَرَغَ ، وَحَثَا التُّرَابَ عَلَيْهِ ، وَسَوَّى قَبْرَهُ ، قَالَ : رَسُولُ اللَّهِ (ص) : إِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّهُ سَيَبْلَى ، وَيَصِلُ إِلَيْهِ الْبَلَاءُ ، وَلَكِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ عَبْداً إِذَا عَمِلَ عَمَلًا أَحْكَمَهُ ) وسائل الشيعة ، ج 3 ، ص 230 .
([2]) من وصية لرسول الله (ص) ألقاها على أبي ذر . انظر : وسائل الشيعة ج 12 ، ص 188 ، برقم ( 16044 ) . ورواه ابن أبي شيبة في مصنف ، ج 5 ، ص 237 ، برقم (25617) .

ليست هناك تعليقات: