الأحد، 4 مايو 2014

الشهيد المعلم .. يوم المعلم

بسم الله الرحمن الرحيم 

(قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِ﴾

تمرّ في هذه الأيام ذكرى استشهاد العلامة الشيخ مرتضى المطهري أعلى الله درجاته في عليين، ولا يخفى ما لأفكار ونظريات هذا العالم الجليل من أثر كبير في بيان قواعد وأصول الإسلام بشكل يتناسب مع لغة العصر وبيان سلس قلّ له نظير.
ولقد كانت خدمات هذا العالم الجليل هي السبب الأول والرئيسي لاغتياله سنة 1979 م بعد أقل من أربعة أشهر على انتصار الثورة، وهذا هو دأب قوى الظلام والجهل والإقصاء حيث يسعون بشكل دائم لتقويض أركان المجتمع الإسلامي باستهداف رموزه العلمية والفكرية فرحم الله الشهيد المطهري وحشره الله مع حماة الدين ومروجي المذهب من خلص أصحاب أهل البيت عليهم السلام.

رأيت من الجيد في هذه المناسبة العظيمة أن أضع بين أيدي القراء الأعزاء رسالة الشهيد المطهري للإمام الخميني قدس الله سرهما حين إقامته في النجف أثناء نفيه، بعد ترجمتها بما يتيح لي الوقت والجهد، ولقد حرصت على أن لا أخرج في الترجمة عن تعبير الشيخ المطهري في الرسالة إلا في بضع موارد اضطررت فيها لتغيير العبارة بما لا يخرجها عن جوهرها ولا يخل بمعناها وبما يتناسب مع التعبير والبيان العربي . ومن المهم جداً بل من اللازم على كل قارئ لهذه الرسالة أن يلتفت إلى عدة نقاط بها يتم فهم محتوى الرسالة حيث إنها تحتوي على عدة مقدمات مطوية غير مدرجة وأحداث جرت في زمن كتابتها كانت معهودة بين الشيخ والسيد:

أولاً/ الرسالة أقرب ما تكون في مضمونها للشقشقة والهم المبثوث، ولذلك نرى بعض المقاطع التي قد يُخيّل للقارئ عدم ارتباطها بالمقطع السابق.

ثانياً/ الرسالة تتحدث عن فترة ما قبل انتصار الثورة، وبالتالي هي وثيقة لتوثيق بعض نقاط البناء الثقافي للشباب الإيراني التي ولّدت بعض الأفكار في فهم الثورة والإسلام في نفوس تلك الشريحة.

ثالثاً/ ثمة جزء غير بسيط إن لم نقل بأن الرسالة كلها تدور حول الدكتور علي شريعتي، ومن المعروف أن الشهيد المطهري والدكتور علي شريعتي قد اشتركا في إلقاء المحاضرات في طهران في حسينية ” إرشاد ” والتي أسست سنة 1343 هجري شمسي وكان الشهيد المطهري أحد مؤسسيها، وكان يلقي فيها محاضراته.
وفي هذه الحسنية بدأت العلاقة بالدكتور علي شريعتي بواسطة علاقة الشهيد المطهري بوالد علي شريعتي الدكتور محمد تقي شريعتي وهو من أعلام النهضة والفكر الإسلامي في إيران وفاعلاً على الصعيد السياسي ومتصدياً للمد الشيوعي في تلك الفترة.

هجري شمسي وكان الشهيد المطهري أحد مؤسسيها، وكان يلقي فيها محاضراته. وفي هذه الحسنية بدأت العلاقة بالدكتور علي شريعتي بواسطة علاقة الشهيد المطهري بوالد علي شريعتي الدكتور محمد تقي شريعتي وهو من أعلام النهضة والفكر الإسلامي في إيران وفاعلاً على الصعيد السياسي ومتصدياً للمد الشيوعي في تلك الفترة.

وبعد ذلك شرع الدكتور علي شريعتي بإلقاء المحاضرات في نفس الحسينية، واستمر الشهيد المطهري أيضاً في إلقاء المحاضرات حتى انسحابه منها لأسباب متعددة في أواخر سنة 1349 هجري شمسي، ومن المهم في هذا المقام أن نشير إلى أنّ الشهيد المطهري كانت له ملاحظات على محاضرات الدكتور علي شريعتي ونظرياته في تفسير الدين والقرآن والتاريخ – والشهيد المطهري ابن بجدتها – لم يذكرها في هذه الرسالة بل كانت هذه الرسالة عبارة عن رؤوس أقلام لبعض نظريات شريعتي وسلوكياته وطبيعة رؤيته للحوزة والعلماء باعتبارهم الشريحة المستهدفة في فترة ما قبل الثورة. 

وفي هذه الرسالة تنقل الشهيد المطهري في حديثه عن شريعتي من فترة زمنية إلى أخرى وتارة يمدح بعض أفكاره وأخرى ينتقدها ويحذر من خطورتها، وهذا ليس تهافتاً في كلامه قدس الله نفسه بل هو راجع لما ذكرناه في النقطة الأولى من أن الرسالة لم توضع لنقد علمي دقيق حتى ينتقل فيها الشهيد من مقدمة إلى أخرى بل هي شقشقة أراد بها أن يبين خطورة أفكار الدكتور شريعتي، ولإنصاف وموضوعية المطهري كما هو دأبه وكما هي سليقته باعتباره محققاً ومفكراً يقرأ ما خلف السطور ويأخذ الأمور بروية فإنه تارة يمدح ما يستحق المدح وتارة أخرى يذم وينتقد ما ينبغي أن يُنتقدوقد تكون بعض عباراته قاسية في نظر البعض تجاه شريعتي ولكن أهل الدار أدرى بما في الدار.

أكتفي بهذا المقدار لأدع القارئ يحكم بنفسه من خلال قراءته لهذه الرسالة الثمينة وهي المُسماة عند الإيرانيين بالرسالة التاريخي ، وليلاحظ القارئ بأن ما بين () القوسين هو توضيح مني وليس جزءاً من الرسالة دعت إليه الحاجة:




بسم الله الرحمن الرحيم 

السلام على مولانا أمير المؤمنين وإمام المتقين وقائد الغرّ المحجّلين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أستاذنا وقدوتنا العظيم، إنّ توالي الحوادث غير المقبولة في الإسلام من جهةٍ، والإرشادات والخطوات المدروسة والموضوعة في محلّها من قِبل شخصكم الكريم من جهةٍ أخرى، أوجبت أن أتمسك بشدة وإخلاص وتصميم جدّي بمسألتي لله تعالى أن يديم ويحفظ وجودكم المبارك قائداً عظيماً للمسلمين، اللهم آمين.

وأُشهد الله تعالى على أنني قلّما أنسى هذه الوظيفة (الدعاء) في أيّ حالٍ من الأحوال أو موقفٍ من المواقف وأتمنى أن أكون مشمولاً لدعواتكم الصالحة. 

قبل شهر تقريباً كنت قد أرسلت عريضة إلى أوروبا وبودّي أن أعرف هل وصلت أو لا؟ هنا (في إيران) قد حدثت أمور معقدة ومضللة مؤخراً يجب أن ألفت نظركم الشريف إليها: 

أولاً/ من الواضح عندكم بشكلٍ كافٍ نفوذ الأفكار الماركسية حتى في بعض المجاميع الدينية ، وأصبحت في مرحلةٍ متقدمة بين بعض الأصدقاء الذين لم يكونوا يتأنون في مجابهتها والتصدّي لها في كل مورد وكل موضع (بطريقة واحدة) حتى في المواضع الفكرية التي ليس من الصلاح مجابهتها بتلك الطريقة، ومن اللازم بكل وسيلة تنبيه الأفراد الواقعين في الخطأ والاشتباه من هذه الجهة من طرف بيتكم المحترم.

ثانياً/ ما يُسمّى بجماعة “المجاهدين”. هؤلاء الأشخاص كانوا في بداية أمرهم جماعة سياسية ولكنهم وبالتدريج تحولوا إلى طائفة مذهبية ذات توجه خاص في تفسير الدين، وقد شابهوا الخوارج تماماً حيث كانوا في بدايتهم حركة سياسية، وبعد ذلك تحولوا إلى مذهب مُستقل له أصوله وفروعه.

وإنّ أصغر بدع هؤلاء المجاهدين دعواهم وقولهم أنهم وصلوا إلى مرحلة الاكتفاء الذاتي وأنهم في غنى عن مراجع الدين والمتخصصين في الدين لفهمه، ومن هنا يُعرف الكتاب من عنوانه فإن هؤلاء في الوقت الذي يُظهرون وفاءهم للإسلام فإنهم يقدمون ويقدسون كارل ماركس كما يقدسون ويحترمون الإمام الصادق عليه السلام. وبالطبع ومن الواضح أن كلامي هو عن أولئك الذي بقوا على مسلكهم السابق وأما الذي أعلنوا تغييره فتكليفنا واضح تجاههم. ومعلومات خادمكم عن هؤلاء الأشخاص إنما هي بالواسطة، ولكن معرفتي بهم كانت من طرف بعض الأشخاص المتدينين وذوي الإدراك والفطنة من الذين كانوا قد سجنوا معهم. وأنا أعتقد أنه من الضروري أن تطلبوا من هؤلاء الأشخاص – كلهم – أن يرسلوا لجنابكم نظرياتهم وأفكارهم، وإني لأتعجب من بعض الأصدقاء ومن بعض المرتبطين بكم كيف ما زالوا يؤولون أفعالهم!؟ 

ثالثاً/ قضية الروحانيين (طلبة العلوم) . كنت ولا أزال من دعاة النقد البناء في الحوزة العلمية ولكن نقدي إنما كان لأجل حفظها ورعايتها، ومع الإعتراف بمزاياهم وخصوصياتهم، ونقدي لا يتعدّى الرغبة في الإصلاح والتطوير. ولكن الأمر الذي لا ينبغي غضّ النظر عنه هو اتفاق وجهات نظر العديد من الجهات المختلفة؛ من بعض أصحاب المناصب في الدولة، والشيوعيين، ومنافقين خلق، وبعض التجمعات التي تتظاهر بالتديّن، على مهاجمة الحوزة واقتلاعها من جذورها. طبعاً كلاً بطريقته: فبعضهم عن طريق خلق وإيجاد حوزة مطيعة وخاضعة للدولة كعلماء أهل السنة ( الذين يرون وجوب اتباع الحاكم ولو كان فاسقاً) ، وبعضهم عن طريق اقتلاع الدين، والبعض الآخر عن طريق استغلال سيرة الناس الدينية وحرفها بما يتلاءم مع تفسيرهم للدين وأهواءهم. وفي هذا المقام ينبغي أن أُبدي أسفي على ما يقوم به بعض الطلاب والشباب الجامعيين والمتعلمين من جُهد وسعي حثيث لزرع الحقد والكراهية تجاه طلبة العلم والحوزة باستثناء شخصكم الكريم، وإن عاقبة هذا الفعل ونتائجها وخيمة على الإسلام والعلماء. ومن المناسب أن توجهوا لبيتكم ومكتبكم المحترم الأمر بالتحقيق الوافي تجاه المحبين والمُرتادين وأن ينصحوا من لهم هذا النوع من التوجه.

رابعاً/ قضية أتباع شريعتي. كنت قد أشرت في بعض الرسائل السابقة إلى اتفاقي مع بعض الاصدقاء المشتركين بيني وبين شريعتي على أن لا أتحدث عن بعض المسائل المُتعلقة به كتوافقي معه أو لا، أو بعض الالتزامات المتعلقة بالمحاضرات . ومع ذلك فإني أحمل ما ورد من انحرافات ومغالطات في كتبه على الخير وحُسن الظن لا الخصومة والعداء (للإسلام) . ولكن مؤخراً يقوم بعض الجماعات ذات العقيدة والعلاقة غير السليمة بالإسلام وأصحاب الميول المنحرفة والضالة (فكرياً وعقائدياً) وبشكل مجاميع منتشرة بتصنيم (جعله صنماً) شريعتي بشكل لا يستطيع معه أيّ عالم حوزوي (بالخصوص) أن يُظهر جرأة في إبداء رأي أو وجهة نظر تجاه كلامه وأفكاره. وهذا السلوك بدأ ظهوره في مراسم أربعينية شريعتي , والتي أقيمت في مشهد – وذلك مع الأسف الشديد بحضور بعض الأصدقاء المقربين – وزاد الأمر عن ذلك في أنشطة مسجد “قبا” في شهر رمضان المبارك، وكلّ ذلك كان قد أقيم تحت عنوان أن هذا الشخص (شريعتي) بعد السيد جمال الدين الأفغاني وإقبال اللاهوري – بل أكثر منهما – هو مجدد النهضة الإسلامية والرامي بالخرافات عرض الحائط ، ويجب التمسك بأفكاره وآراءه . ولكن ولحُسن الحظ فإن عملهم هذا قد استفز بعض الجماعات (فتنبهوا لخطورته) وواجهوهم بشدة على عكس ما كانوا يريدون بالإضافة إلى أن وعي وصدق نية إمام المسجد جعلته ينتبه إلى المخطط الذي كان يُحاك ضد الحوزة والعلماء فأعاد بقدر المستطاع الأمور إلى نصابها في أواخر الشهر المبارك.

والأعجب ! أنهم يريدون تجديد الإسلام بأفكارٍ هي خلاصة نظريات ماسينيون مستشار وزاة الاستعمار الفرنسية في شمال أفريقيا ورئيس المبشرين المسيحيين في مصر ، ونظريات جورويج اليهوديالمادية ، ونظريات جان بول سارتر الوجودية المنكرة لله تعالى، وعقائد دوركهايم الاجتماعية المناهضة للدين، إذاً فعلى الإسلام السلام.

وأقسم بالله لو اقتضت المصلحة استخراج أصول نظريات هذا الشخص الحلّاجي (نسبة للحلّاج ولعل الشهيد عبّر عن شريعتي بهذا التعبير باعتبار تقديسه مع تخبطه في فهم الدين) ومقارنتها بنظريات الإسلام الأصيل لتبيّن أنها ضد أصول الإسلام وأنْ لا أساس متين لها . وأنا إلى الآن في حيرة من أمري في كيفية التصدّي لهذه القضية ، ولكن مع وضوح أنّه قد وصل إلى حدّ التصنيم فإنني أفكر ألغي الاتفاق المتعلق بهذا الشخص ، وفي نفس الوقت فإني انتظر توجيهاتكم المباركة.

إن من أصغر خطايا هذا الشخص هو تشويه اسم وصورة الحوزة وعلماء الدين، لقد صوّر عمل العلماء والحوزة على أنّه اضطهاد وظلم لعامّة الناس بشكل مطلق، وادّعى بأن المَلِك والمالك والمُلّا وبتعبير آخر الفضة والذهب والسُبحة دائماً متلازمة وذات غاية واحدة. وهذا الأصل هو أصل من أصول ماركس المعروفة وبعبارة أفضل مثلث ماركس المعروف فيه بأن الدين والدولة ورؤوس الأموال تقف بوجه الناس والشعوب ( …. عبارة غير مفهومة …. ) إلا أنّه -شريعتي- قد جعل مكان الدين الحوزة، والنتيجة أن شباب اليوم أصبح ينظر لأهل العلم بنظرة أسوأ من نظره لضباط الأمن (في الدولة البهلوية). والله أعلم أيّ بلاء كان سيقع على الإسلام والحوزة لولا أنّ الله تعالى قد مكر به من باب {يمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين} . هذا وقد انتشرت له -شريعتي- دعايات في أوروبا وأمريكا من قبيل زهده وورعه وعفته وخدمته للناس وتفانيه وجهاده في سبيل الله واستقامته على طريق الحقّ، ومن الواضح بأنّ هناك أيادٍ مجهولة خلف هذه الدعايات، وإنّ معارفكم في تلك البلدان غفلوا عن متابعة الأمر. أرى من الضروري أن ترسلوا من جانبكم الكريم أحياناً بعض الأفراد ذوي الوعي والفطنة والبصيرة ولو سرّاً إلى أوروبا وأمريكا لكي يروا الأمر عن قُرب ويحضرون لكم تقريراً واضحاً عن بعض الأمور والحقائق التي قد أُخفيت ولم تصل إليكم كما ينبغي من جماعتكم هناك.

إن المجموعات التي سبق ذكرها (أتباع شريعتي) يحاربونني بشدة باعتباري من أهل النظر والتأليف والمحاضرات، ويبثون الشائعات عني ويقومون بالبهتان عليّ إلى درجة أصبحت أرى نفسي فيها مصداقاً لما ذكره المحقق الأعظم خواجه نصير الدين الطوسي من الشعر في آخر شرح الإشارات بلسان الحال: 

به گرداگد خود چندان که بینم * بلا انگشتری ومن نگینم

أرى البلاء محيطاً بأطراف نفسي كأن البلاء خاتم وأنا فصّ الخاتم 

ولكن بلطف وعناية الباري تعالى وتوجيهات أئمة الدين لن ولم يدخلني الوجل والخوف، وما ذكرته ليس إلا بثّ شكوى لمثل جنابكم الكريم فأنتم الأستاذ رفيع الشأن، والأب الذي لم يلدني. أنا الآن قطب ومركز هجمات هؤلاء الأشخاص فإن أمرتموني بالثبات والصبر فسأفعل وسأقف في وجههم، وإن أمرتم بالابتعاد فسأنأى بنفسي عن المواجهة.

أكرر دعائي لله سبحانه وتعالى بأن يمدّكم بطول العمر، فإن لدي قلقاً شديداً على شخصكم فلولا قدّر الله تعالى بأن فُقدتم من الساحة فإن الأمور لن تكون أبداً على ما يُرام لأن هؤلا الأشخاص لا يحسبون لأحدٍ أيّ حساب إلا أنتم. وليس من البعيد أن يستغل هؤلاء المنحرفون اسمكم الكريم لتمرير غاياتهم ومقاصدهم، ولذا من الضروري جداً وبأي شكل من الأشكال وأيّ وسيلة من الوسائل أن يصلني نظركم الشريف حول الأمور المهمة والأهم عن طريق بعض الأصدقاء. ولقد بلغني أنكم أرسلتم بعض النصائح مع أحد الأصدقاء المشهديين الذي كان في زيارة للنجف الأشرف، وسمعت من بُعد أنها كانت ذات تأثير وأنها أتت بنتائج ملموسة أدّت إلى تقليص أفكار شريعتي التي أصبحت خطيرة.

من المناسب معرفتكم بأني قد أرسلت في الأشهر الأخيرة من حياة شريعتي أكثر من مرّة بواسطة أكثر من شخص رسائل له نبهته فيها على المطالب المناهضة للإسلام الموجودة في كلماته ومحاضراته وكتبه وبأن عليه إصلاحها، وأنني على استعداد بأن أثبت ذلك له في حضور جمعٍ من أهل التحقيق والفكر أو لوحدنا، فإن ثبت ما ذكرته فليصلحها بقلمه هو ومن عنده وليس من الضروري أن يكون ذلك بقلمي، وبأن تصحيح الأخطاء سيرفع من منزلته في نفوس الناس، فإن رفض فسأكون مضطراً إلى أن أنتقده بشكل صريح وعلمي، وسيكون مردود ذلك عليه سيئاً. وقد أظهر رغبته مع آخر شخص كان قد أُرسل من طرفه في أن يقوم الشيخ محمد تقي الجعفري والشيخ محمد رضا الحكيمي بمناقشته وسيكون ذلك بنحوٍ أوافق عليه، وقد وافقت على ذلك بشرط أن يكون النقاش مكتوباً. وبعد ذلك بلغني من بعض المصادر بأنه قد حاول الاتفاق مع الشيخ الحكيمي من ورائي على أن يقوم بمناقشته بشكل سطحي غير جادّ، ولكني قد عرفت بعد ذلك من طرف بعض الثقاة لديّ بأنه في أوروبا يقول بأنه ينتظرني هناك وأنه يريد أن يتشاور معي في النقاط التي ينبغي إصلاحها، وبالطبع فإني استحسنت ذلك واعتبرته دليلاُ على حُسن نية الرجل وسوء نية أتباعه وحاشيته في إيران. ولذلك فمن المناسب أن تراجَع كتبه وتصحح من قبل الشيخ الحكيمي -والذي لديه إجازة خطية من شريعتي تسمح له بذلك- قبل طباعتها. ولكن الذي يبدو وللأسف الشديد بأن أولئك الأشخاص الذين نصبوه مجدداً للإسلام كانوا قد اتخذوا قراراً مُسبقاً بنشر آثاره وكتبه في الأصول والفروع الإسلامية، وإنني أظن بأنه من الجيد لو رأيتم ذلك مناسباً أن توصوا معارفكم في أمريكا وأوروبا بأن يتمهلوا في طباعة كتبه حتى يتمّ تصحيح الشيخ الحكيمي لها، وإن لم تروا من المناسب التدخل في قضيته بشكل مباشر فأوصونا بطريقة أخرى ترونها مناسبة.

ومن المناسب لمعرفة حقيقة شريعتي أن يطلع جنابكم المحترم على مجموعة مقالاته المنشورة في جريدة “كيهان” التي طبعت قبل سنة ونصف. هذه المقالات على قسمين: 

القسم الأول: ضد الماركسية وهي مقالات جيدة وفيها ملاحظات بسيطة من ناحية دينية.

القسم الثاني: مرتبط بالحديث عن الأمة الإيرانية، والحقيقة أنها أقرب ما تكون للفلسفة لهذه الأمة، ومن المؤكد أنه إلى الآن لم يدافع أحد عن الأمة الإيرانية بهذه الجودة واللغة المتكئة على فلسفة العصر الحديث وذوقها. فمن المناسب تسمية هذه المجموعة بـ ” نهضة الفلسفة ” ، وخلاصة هذه المقالات والتي يمكن أن تجمع في كتاب كامل هو أن الأصل في الأمة ليس هو الدم والنسب بل هو الثقافة، والثقافة لأنها وليدة التاريخ البشري فإنها مختلفة باختلاف المجتمعات البشرية. وإن ثقافة كل مجتمع هي التي تصنع الروح والشخصية الاجتماعية للفرد.

ويقول بأن الأنا والذات لكل مجتمع هي ثقافته، وكل مجتمع لا ثقافة له فلا دوام له. ويقول بأننا نحن الإيرانيون لدينا ثقافة تمتد إلى 2500 سنة في عُمق التاريخ وهي شخصيتنا الحقيقية والواقعية، ولقد مرّت حوادث كثيرة في الماضي حاولت إيجاد حالة من الاغتراب الذاتي عندنا ولكننا في كلّ مرّة نعود إلى ذواتنا وإلى شخصياتنا الحقيقية، ويزعم بأن تلك الحوادث هي ثلاثة : غزوة الاسكندر، وغزوة العرب، وغزوة المغول.

وقد ركز شريعتي في بحثه عن ما أسماه غزوة العرب، وقدّس ومجّد النهضة القومية تجاه هذه الغزوة، ثم ذكر بأن الإسلام بالنسبة لنا هو إيديولوجية وطريقة حياة وليست ثقافة !! وزعم بأن الإسلام لم يأت لكي يُغيّر ثقافتنا ويضع في العالم ثقافة موحدة بل هو معترف بالتعدد الثقافي كما أنه اعترف بالتعدد العرقي وزعم أن الآية الكريمة : ( إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا ) ناظرة إلى ما ذكره من الاختلاف الثقافي والعرقي والتي هي أولاً وبالذات صنيعة الطبيعة وثانياً وبالعرض صنيعة التاريخ.
ثم زعم وادّعى بأن إيديولوجيتنا أثرت على ثقافتنا وبالعكس والنتيجة أن صارت لدينا قومية إسلامية وإسلاماً قومياً!

وبهذا البيان السابق -الخطير- أنكر عملياً وضمنيّاً وجود الثقافة الإسلامية القائمة بذاتها وادّعى بأن بعض الشخصيات الإسلامية كابن سينا وأبو الريحان البيروني ونصير الدين الطوسي وملا صدرا هم شخصيات قومية ترجع للثقافة الإيرانية، يعني أن بقاء عِلم هؤلاء هو امتداد للثقافة الإيرانية لا الإسلامية.

ومما يؤسف له أن هنالك إقبال كبير على قراءة هذه المقالات ، ونسبتها إليه لا شك فيها ، وقد كذب الناشرون ونقلوا زوراً وبهتاناً للسيد الخامنئي والسيد البهشتي بأنني أنا الذي كتبتها قبل عدة سنوات ولكنهم وقعوا عليها وقاموا بنشرها، إلا أن الأدلة واضحة على أن هذه المقالات جديدة وليست مكتوباً قديماً ، وعلى كل حال أتمنى أن تطلعوا عليها. 

جديرٌ بالذكر بأنه قد انتشرت مؤخراً مجموعة من الأسئلة والأجوبة مؤرخة بشهر شعبان من تاريخ 1397 هجري قمري نُسبت لجنابكم وكان لها الأثر الكبير في تقويض أفكار المنحرفين والمنتحلين للتديّن، ولهذا قام هؤلاء بنشر شائعة مفادها بأن هذه المجموعة صادرة مني، ولكني قد كررت وذكرت لهم بأنكم بهذه الشائعات تسيئون لسماحة الإمام بحيث تجعلون رأيه تابعاً لما أريد. 

والخبر الآخر العجيب هو الحرية المفاجئة مؤخراً الممنوحة لعدة قطاعات بالخصوص السياسية، وبالطبع فإن نصيب الحوزة بالقياس لغيرها كان ضئيلاً جداً وما زالت تحت المراقبة والمنع، وهذا يحتاج إلى بحث أيضاً.

سلامي وتحياتي لأبنائكم دام بركاتهم.
والسلام عليكم ورحمة الله ونلتمس منكم الدعاء

ليست هناك تعليقات: