بعد أن أصدرت أمريكا مجموعة من القوانين التي تحارب العنصرية ضد السود، غادر بعضهم من الولايات الجنوبية إلى الشمالية للعمل هناك، وقصدت مجموعة منهم شركة كبيرة في شيكاغو والتي وظفتهم في مصانع في مدينة أخرى بعيدة، وهذا الأمر لم يكن يهمهم كثيراً بسبب فراق موطنهم الأصلي وسكنهم كمجموعات في أحياء واحدة.
وبحكم أن أوضاعهم المادية لم تكن جيدة حيث الرواتب ضعيفة، لم تقدم لهم التسهيلات من البنوك وشركات القروض، وهذا الأمر جعل وضعهم المادي الفقير يستمر إلى يومنا هذا تقريباً، بعد مرور عشرات السنين.
قبل سنوات جاءت مجموعة كبيرة من البوسنيين وسكنوا نفس المدينة، ووضعهم المادي كان متدني تماماً مثل السود، ولكنهم كأقلية وضعوا خطة ساعدهم على تنفيذها تكاتفهم ووحدتهم، وتمثلت في تأجير شقق رخيصة كانت نوعاً ما مهملة لأنها تتواجد في أطراف المدينة، وبعد ذلك قاموا بإنعاشها وتأجيرها على الآخرين، ثم دخلوا بقوة في السوق العقاري من شراء وبيع كخطوة ثانية، وبعد أن تمكن أول شخص من تملك منزل، لم يحسده أبناء جلدته بل كان دافع لهم لتملك البيوت ومساعدة بعضهم على ذلك، حيث قدمت لهم التسهيلات نظراً لارتفاع وضعهم المادي العام كجماعة، من خلال تقديم الضمانات اللازمة وكانت الخطوة الأخيرة هي الدخول في جميع الأنشطة التجارية من أجل مداورة الأموال، وبالفعل هم الآن رقم من الأرقام في مدينة واترلوا بولاية أيوا.
السود للأسف حالياً يعمل بعضهم لدى البوسنيين لأن الأقليات عادة تتعاطف مع بعضها وأيضاً لا توجد لديهم أدنى تفرقة.
المشكلة أنه لو سألت أي أسود عن سبب وضعهم المادي مقارنة بالبوسنيين فسوف يكون الجواب أنهم بيض لذلك تقدم لهم التسهيلات ونحن سود! وهو أمر غير صحيح، وأكده لي بروفسور سعودي يعيش منذ ثلاثين سنة في هذه المدينة، ولكن السبب الصحيح هو ترسخ المظلومية في عقولهم والتي تتربى عليها الأجيال لذلك أحياء السود في أمريكا هي الأفقر والأكثر جريمة.
أيضاً لا أنسى هنا أن أذكر اليهود كشعب محارب في جميع أنحاء العالم، فلو نظرنا بعين محايدة بعيداً عن أي منطق آخر لقلنا أنه الشعب الأكثر مظلومية، ومع ذلك صنع من مظلوميته قوة حيث أن الأفراد فيه والجماعات متطورة في مختلف المجالات، ويعملون ككتلة واحدة ويدرسون أبنائهم تاريخ المظلومية من أجل العبرة، وأنها سوف تعود في حال الضعف فقط والعيش على ركام الماضي.
أما نحن فللأسف لا زلنا نعمل على ترسيخ المظلومية ونبحث عنها بل أن الحسين الذي تحرك من أجل رفع المظلومية، أصبحنا نذكر مظلوميته لنقول للأجيال أننا مظلومون ويجب أن نستمر حتى يخرج من يخلصنا من الظلم وهو المنطق الخطأ، ويعني إن الدماء التي ذهبت في كربلاء لم تعالج الخلل في الأمة بقتل المظلومية واستنهاض القوة في داخلنا، بل الأكثر من ذلك أن بعض الخطباء أصبح يبحث عن أي كلام أو رواية حتى لو كانت مختلقة من أجل أن يجهش الناس بالبكاء في حين أن واقعنا هو الذي يستحق البكاء عليه أكثر.
الوضع في دولتنا لا يزال جيد والفرص متوفرة ويجب علينا أن نستثمرها وأن نبعد شبح المظلومية عنا، وعدد من جماعتنا يعملون في الدوائر الحكومية في الرياض ولم يجدوا إلا الثناء عليهم وعلى جهودهم، وتجارنا هم رقم قوي في المنطقة الشرقية، وبرنامج الابتعاث مفتوح للجميع، والمدينة التي أسكنها، عدد المبتعثين فيها من الشيعة يفوق عدد المبتعثين من باقي أطياف الوطن بفارق كبير.
بصراحة تامة يجب القول إن التمييز في عقولنا قبل أن يكون على أرض الواقع، ولا يعني ذلك عدم وجود أخطاء في الدولة والتي قد تكون على مختلف أبناء الوطن كما هي على الشيعة ولكن يجب أن لا نركز عليها بل ننطلق دون النظر إلى الماضي ولا توجد دولة بدون أخطاء.
في الوقت الحالي، فرص كثيرة موجودة في الدولة نرفض استثمارها بسبب أن المظلومية نسجت شباكها في عقولنا ولم نعد نفكر أبعد منها، وأعتقد أن الدولة في هذا الوقت منفتحة على الجميع، وهناك تغيرات واسعة فردة الفعل من رجال الدولة تجاه حادثة الدالوة كانت إيجابية جداً ويوضح مدى الاهتمام لجميع مكونات الوطن، ولكننا نريد من المارد أن يخرج من الفانوس السحري ونطلب منه تغيير كل شيء ويقول لنا «شبيك لبيك»!.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق