الأربعاء، 7 مايو 2014

هويّة المرأة في الإسلام حقيقة ومعالم ثابتة

للحديث حول (هويّة المرأة حقيقة ومعالم ثابتة) لا بدّ من طرح التعريف الذي تتبنّاه المناهج والمدارس الأخرى, وسنمرّ على تعريف هويّة المرأة عند الغرب، ثم نعرض التعريف الذي نرتئيه نحن المسلمون لهويّة المرأة، لنقارن بين التعريفين.


هوية المرأة وفق النظريّة الغربيّة:


يتّجه الغرب في تعريفه لهويّة الأشياء نحو الاهتمام بالنتائج، من خلال التجربة التي هي أوسع ميادين المعرفة عندهم، فهم يجرّبون أكثر من ظاهرة وبأكثر من نحو، و في أكثر من بيئة اجتماعية، وعليه يدرسون النتائج التي تتأتى من هذه التجربة, سواء في مجال التربيّة أو المرأة أو أيّ مجال له ارتباط بمعرفة هوية الإنسان، هذا هو منهج الغرب.

أمّا نحن أصحاب المنهج الإسلاميّ فإنّنا وإن كنّا لا ننكر أهمّيّة التجربة كباب واسع من أبواب المعرفة في كلّ الشؤون الأخلاقيّة والإنسانيّة والمعرفيّة والكلاميّة؛ لكنّنا نرى أنّها ليست المنهج الكامل التامّ الذي يوصلنا لمعرفة هويّات الأشياء.

لأنّ أصل عنوان الهويّة أعمّ من النتاج الذي يحصد في هذه الدنيا، خصوصًا إذا كنّا نتحدّث عن هويّة موجود أبعاده أوسع من حدود هذه الدنيا وأسبق.

نعم هناك روايات كاشفة عن دور التجربة في الوصول إلى نتائج معرفيّة، كتلك الروايات التي تتحدّث عن الفعل وردّة الفعل، منها مثلاً: "من عاب عيب، ومن اغتاب اغتيب" و"من وصل رحمه طال عمره" هذه نتائج يمكن الوصول إليها بالتجربة، إلا أنّ التجربة محدودة، ، وليست منهجا يتناسب مع كلّ موضوع مطروح للبحث.


هويّة المرأة وفق النظرة الإسلاميّة:



في النظرية الإسلامية يُنظر لهويّة المرأة على نحو الإطلاق، على اعتبار أنّها شيء غير محدود الأبعاد، لذلك لا يمكن إخضاعه للتجربة، فالتجربة محدودة، في حين أنّ هويّة المرأة موضوع ذو أبعاد وحيثيّات غير محدودة.

لذلك نحن نعتقد بأن كثيرا من المعارف منحصرة على نحو التمام والكمال في المنهج الإسلاميّ.

فالإسلام عندما يعرّف هويّة الأشياء في حقيقتها فإنّه يعتني بأمرين:

الأوّل: معرفة المبدأ.

الثاني: معرفة الغاية والمنتهى.

فكلّ شيء لكي يعرّف لا بدّ من معرفة نقطة انطلاقه وموقع انتهائه, وهو ما يسمى بتعبير الفلاسفة (العلّة الغائيّة)، بينما خلط الغرب بين الوظيفة والعلّة الغائيّة، فعمدوا لتحديد وظيفة المرأة من أجل تشخيص هويّتها، وفي تشخيصهم للهويّة يبحثون عن الوظيفة، بينما نحن نقول أنّ الوظيفة شيء والهويّة شيء آخر، وبينهما ارتباط وحبل اتّصال ممتدّ، ولكي نحدّد هويّة المرأة ينبغي أن نعرف أوّلا هويّة الإنسان بما هو إنسان.


هويّة الإنسان:



هويّة الإنسان بحسب القرآن تتمثّل في كونه خليفة الله سبحانه وتعالى في الأرض، وفي طيّات هذا الاصطلاح مضامين ومعان كثيرة وعميقة.

وخلافة الله في الأرض دور يحتاج إلى تعليمين:

الأوّل/ تعليم نظريّ: وقد جاء القرآن بأعلى وأكمل مستوى من التعاليم النظريّة، التي تفيد تحقّق هذه الهويّة في الواقع الأرضيّ، فالقرآن عندما تحدّث عن الإنسان بما هو إنسان قال﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: 30] و قد فصّل القرآن في الحديث حول الخلافة من الجهة النظرية.

الثاني/ التعليم العمليّ: ويتمثّل في تقديم النموذج, فكما طرحت الرسالات السماويّة نماذج من الأنبياء والصالحين الذين مثّلوا هذه الخلافة على نحو التمام, فالإسلام كذلك طرح النموذج الأكمل والأعلى والأسمى والأرقى والأتمّ؛ وهي السيّدة الزهراء عليها السلام, التي هي سيّدة نساء العالمين من الأوّلين والآخرين.

فإذا أردنا تحديد هويّة المرأة في نظر الدين والإسلام فعلينا أن نرجع إلى هذين المرجعين الأساسيين: المرجع النظريّ الذي هو القرآن الكريم، والمرجع العينيّ العمليّ التي هي الصديقة الزهراء (ع).




أوّلا/ المرأة في القرآن: ( التعليم النظريّ)



لم يميّز القرآن الكريم بين المرأة والرجل, يقول تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى﴾ [الحجرات: 13], ويقول الله عزّ وجلّ ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13], فليس هناك تفاوت في أصل الخلقة وأصل الوجود، وليس هناك تفاوت بين المرأة والرجل في مسألة الخلافة.

الفرق بين آدم وحواء كان فقط في اختصاص آدم (ع) بالولاية وحمل الرسالة, أمّا في أصل الخلافة بمعنى اجتماع الأسماء والصفات الالهيّة والتمثيل الواقعيّ لهذه الاسماء والصفات فلا تفاوت بين أمّنا حواء وأبينا آدم.

هذا المنهج القرآنيّ في تعريف هويّة المرأة يعتبر من المناهج الجديدة الذي بدأ طرحه السيّد العلامة الطباطبائيّ (صاحب الميزان) لكي يعالج به كثيراً ممّا ورد عندنا في التراث الدينيّ، والذي ربّما يشعرنا بالتمايز بين المرأة والرجل من حيث الخلقة والوجود, وتبعه على هذا المنهج تلامذته كالشهيد المطّهريّ والشيخ الجواديّ الآمليّ, والثقافة السائدة الآن في فكرنا وثقافتنا الشيعيّة إنّما تعود إلى أصل هذا التنظير الذي وضعه السيّد الطباطبائيّ رحمة الله عليه.

وهذا التقديم للقرآن على بقيّة التراث الدينيّ يرجع في الحقيقة إلى وصايا أهل البيت أنفسهم فقد قالوا: (اعرضوا كلامنا على كتاب الله, فما وافق كتاب الله فخذوا به، وما خالفه فارموا به عرض الجدار) يعني لا تعطوه قيمة.

وهذا يفسر لنا التفاوت الكبير في التراث الذي اعتمد عليه البعض في التعريف بهويّة المرأة.

فإذا صادفتنا روايات من قبيل: (المرأة شرّ كلها، وشرّ ما فيها أنّه لا بدّ منها) فلا يمكن لنا أن نقبل هذه الرواية، لأنّ الرؤية القرآنية في الخلق تنفيها، تلك الرؤية المتمثّلة في قوله تعالى: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [السجدة: 7], إذ لا يمكن أن يخلق الله سبحانه الشرّ ثم يحكم على هذا الشرّ بأنّه حسن وأنّه هو الذي خلقه جلّت قدرته!

كما أنّ الدليل العقليّ أيضاً يرفض ذلك، حيث أنّ الشرّ أمر عدميّ كما هو متسالم عليه، والأمر العدميّ لا يحتاج إلى خلق وإيجاد، إذ ليس له حصّة من الوجود.

فإذا جعلنا القرآن مرجعا سوف نرى أنّ كلّ هذه الروايات التي تشعر بنحو من الدونيّة أو عدم الكرامة هي روايات مرفوضة بنصّ الآيات القرآنيّة، فالقرآن هو الأصل والمرجع الذي تعرض عليه الروايات, والقرآن يقول: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء:70]


الثاني/ المرأة النموذج الكامل (التعليم العمليّ):



لا شكّ أنّ الحديث عن المصداق العينيّ هو أقرب إلى تجربة الإنسان الحسيّة, فالتعليم بالنموذج/المصداق صالح ليشمل جميع مناهج المعرفة، بما فيها منهج الحسّ والتجربة.

لقد كانت الزهراء عليها السلام سيّدة نساء العالمين, وبدراسة هذا النموذج (السيّد) المتكامل يمكن أن نخرج بتصوّر صحيح وسليم للهويّة الكاملة، والنموذج الذي يجب أن يحتذى، والذي هو الوجه الآخر للقرآن (لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض) أي ليس هناك فرق بين النموذج النظريّ المتكامل في القرآن وبين النموذج العمليّ المتجسّد في الصدّيقة الزهراء (ع).



الحديث عن هذا النموذج المتكامل والذي هو الصدّيقة الزهراء عليها السلام نختصره في بعدين: بعد كلاميّ وعرفانيّ وبعد عمليّ.



1- الزهراء النموذج في البعد الكلاميّ والعرفانيّ: يعتبر هذا البعد بعدا تأسيسيّاً للبعد العمليّ.

البعد الكلاميّ يعني: اكتمال وجودها الفطريّ عليها السلام، فالفطرة النظيفة الأساسيّة هي في الحقيقة ليست إلا قطرة من ساق العرش، والفطرة التي فطر الله سبحانه وتعالى الناس عليها لا انفكاك بينها وبين الدين والعقل وكلّ خير وفضيلة، فمن لا فطرة له لا عقل له، ومن لا عقل له لا دين له، هذه المفاهيم (العقل والدين والفطرة) هي تجلّيات مختلفة لحقيقة واحدة.

فإذا كان المولود يولد على الفطرة، وأبواه يهوّدانه أو يمجّسانه فإنّ الزهراء عليها السلام التي نشأت بين أب كرسول الله صلّى الله عليه وآله وأمّ كالسيّدة خديجة التي هي إحدى سيّدات أهل الجنّة قد بقيت فطرتها وبقى وجودها كما هو: نقطة من ساق العرش، أو كما في تعبير الرواية (تفاحة من الفردوس) هذه الفطرة عندما تتضوع وتتجلى و تبرز إلى الخارج فأيّ شيء ستعكس؟! سوف تعكس (السيادة)، والسيادة تعني طرد كلّ أسباب الفقر والجهل والظلمات والحاجات، السيادة تقتضي الغنى الذاتيّ (بالقياس بسائر الموجودات وليس بالله سبحانه) لأنّ الإنسان مهما كان غنيّاً في ماله وإمكانيّاته وما تحت يديه يبقى هذا غنى عرضي، إذ الغنى الأساسيّ إنّما هو غنى الذات، وغنى الذات يعني سعة العلم، وبتعبير آخر هو (النور)، ونحن نعرف أنّ الزهراء صلوات الله وسلامه عليها هي النور، وهي نور النور، والدعاء المنسوب لها والمعروف بدعاء النور يحكي هذا المضمون الذي نعبّر عنه بالغنى الذاتيّ وطارديّة الجهل.

أعلى مستوى يمكن أن يصل إليه الإنسان في تلقّي المعرفة التي هي الغنى الحقيقيّ هو الإلهام والوحي، وقد بلغ النبي صلّى الله عليه وآله أعلى الدرجات في تلقّي المعرفة -إذ أنّ الأنبياء يختلفون في درجات اتّصالهم بالوحي- وأعلى مستويات التعليم هو التعليم الموهبيّ والذي هو من قبل الله وبلا واسطة، وقد فاق فيه رسول الله كلّ الأنبياء بل فاق جبريل نفسه حتّى قال –جبريل- (لو دنوت أنملة لاحترقت).

هذا الاتّصال بين رسول الله والوحي كان له فيه مشارك آخر وهو الصدّيقة الزهراء عليها السلام، فإنّ قولها بعد وفاة رسول الله: (قد كان جبريل بالآيات يؤنسنا) ليس معناه كما يؤنس سائر المسلمين، إذ يسمعون ما يأتي به جبرئيل من خلال رسول الله صلّى الله عليه وآله، ولو كان هذا هو المعنى لما كان تفاوت بين الزهراء وسائر المسلمين، بل نفهم منه مع مجموع أقوالها سلام الله عليها أنّها كانت تشير إلى الوجود الجبرئيليّ الذي هو أعلى مستوى لتعليم الانسان من قبل السماء، ليس في مستوى رقي الإنسان من الأرض للسماء وإنما في نزول العلم من السماء إلى الأرض, هذا الوجود الجبرئيليّ هو معجون بين وجود رسول الله صلى الله عليه وآله ووجود الزهراء عليها السلام ولذلك كانت عذاباتها بعد وفاة رسول الله شيء لا يوصف، لأنّها قد فقدت جزءا أساسيّا من امتداد وجودها الروحيّ والسماويّ، وهذا ما جعل جبريل (ع) ينزل عليها بعد وفاة رسول الله ليؤنسها.

لقد كانت الزهراء سلام الله عليها في البعد العرفانيّ والروحيّ وفي البعد الأصيل في ولايتها في أعلى قمّة السيادة، فسادت نساء العالمين من الأوّلين والآخرين.

(السيادة) التي جسّدتها السيّدة الزهراء عليها السلام تشكّل بعداً من هويّة المرأة في وجهة النظر الإسلاميّة، هذا البعد لم تختصّ به الصديقة الزهراء من باب القرار الإلهيّ؛ وإنّما هي سلام الله عليها استحقت ذلك بكفاءتها وبجدارتها وبتمكّنها, فإنّ الله سبحانه وتعالى باسط اليدين بالعطيّة، ولو كان هناك امرأة تستطيع أن تصل إلى هذا المستوى فإنّ عطايا الله سبحانه وتعالى تفيض ولا تغيض.

البعد العرفانيّ والكلاميّ والعقائديّ جزء من الهويّة يحتاج إلى دراسة وإلى تأمّل وتدقيق، وإذا أغفلنا هذا العنصر الأساسيّ والأصيل فثقوا أنّنا سوف نخطئ في كلّ دراسة ندرسها بخصوص هويّة المرأة، لأنّه بُعد تتفوّق فيه المرأة على الرجل بأشواط، وهذا بشهادة أهل الخبرة والاختصاص.




2- الزهراء النموذج في البُعد العمليّ:



إنّ المؤثر الأوّل في صناعة هويّة الإنسان البيئة الاجتماعيّة، فالظروف والمناخ والوالدين والأصدقاء لها بالغ الأثر في صناعة الهويّة، ومن ينكر ذلك فهو ينكر الحقيقة، فالواقع الاجتماعيّ الخارجيّ كاشف عن ذلك، فضلا عن الأبحاث العلميّة.

وإذا قرأنا حياة الزهراء والمؤثرات والمناخ الاجتماعيّ الذي أثّر في صناعة هويّتها (ع) سنجد أنّ بيئتها هي البيئة الأولى التي احتضنت الرسالة، واحتضنت الدين في جهاده وتضحياته وفدائه، ولم يحدث أن تراجعت (ع) في أداء وظيفتها، وكانت واعية بكلّ التدافعات والتجاذبات الاجتماعيّة -على تعقيدها– وتأخذ أكمل وأحسن المواقف منذ نعومة أظفارها، لا من أجل بنوّتها لرسول الله، بل لحبّها لرسول الله صلّى الله عليه وآله.

لأنّ العلائق الاجتماعية والعلائق الأبويّة والأموميّة إذا كانت سببا لتحريك الإنسان لا تكون موردا لتقديس الله وإعطاء الثواب عليها، فإن الله يقول: ﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِي اللَّه بِأَمْرِهِ﴾ [التوبة: 24]

فإذا لم يكن الدافع انتخابيّا واختياريّا فلا قيمة للعمل, ثم لنلاحظ ما هو الدافع والمحرك للعمل.. إنّه حبّ الله سبحانه وتعالى وحبّ رسول الله, هذا هو ما يجب أن يكون دافعاً، والزهراء عليها السلام انطلقت من هذا الدافع, انطلقت من محبّة الله ورسوله، لا لأنّه أبوها بل لأنّه رسول الله, ولأنّها تعي مقتضيات الرسالة، والعقل يضع لهذا العمل قيمة.

ثم بعد أن نتصوّر هذه البيئة ننزل إلى المستوى العمليّ الإجرائيّ في حياتها (ع).

أثناء حياة رسول الله صلى الله عليه وآله وفي محضر أمير المؤمنين عليه السلام كان ما يجب أن يُسمع هو صوت رسول الله وأمير المؤمنين، لذلك كان دورها عليها السلام دور المتأدّب في محضر الولاية، وهذا بحدّ نفسه قيمة تشكّل جزءاً من هويّة المرأة المؤمنة, فإنّ المرأة المسلمة المؤمنة هي التي تحدّد عنصر الولاية الرابط بينها وبين الله سبحانه، لأنّه عنصر أساسيّ، عندما تعرفه المرأة المؤمنة وتعرف أنّ هذا هو طريقها لتحديد هويّتها تكون قد اهتدت فعلا إلى إتمام هذه الهويّة وتكميلها، واجتذاب الفضائل في هويّتها الإنسانيّة، وعندما تخسر هذا العنصر تكون قد خسرت عنصراً أساسيّا من هويتها.

ثمّ بعد وفاة رسول الله وسقوط التجربة الإسلاميّة, كانت سيرة السيّدة الزهراء عليها السلام هي سيرة الله تماما، يقول الله تعالى ﴿أَفَنَضْرِب عَنْكُمُ الذِّكْر صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ [الزخرف: 5].

عندما تبتعد عن الله سبحانه وتعالى وتتحوّل إلى مسرف فليس ديدن الله أن يعرض عنك وينقطع عن ذكرك، هذا ديدنا نحن البشر عندما نختلف مع بعضنا قد يصل الخلاف إلى حدّ المقاطعة والمفارقة التامّة. 

الصديقة الزهراء عليها السلام اتّبعت سنّة الله تعالى؛ فمع وصولها إلى حدّ اليأس من حال المسلمين وكانت تعبّر بقولها: (أصبحت والله عائفة لدنياكم قالية لرجالكم) إلا أنّها كانت متمسّكة بمحاولات الإرشاد والهداية والشفاعة إلى آخر لحظة.

هذه السيرة والسلوك الربّاني العمليّ الذي نراه في حياة الزهراء عليها السلام هو حكاية عن جزء أساسيّ من هوية المرأة، فإن المرأة أم ّأينما تضعها، المرأة كلّها تحنان إلهيّ، وهذا النوع من الحنان لا يتوقّف حتّى مع اليأس من الطرف الآخر, ولذلك كان أحد أسمائها عليها السلام (الحانية).

شيء آخر يلفتنا في حياة الزهراء عليها السلام في بعدها العمليّ, , فلو قارنّا أفعالها بأفعال الأنبياء لوجدناها تتفوّق على الأنبياء, سنعرض مثالا واحدا: نبيّ الله نوح عليه السلام ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا* فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا * وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا * ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا * ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا * فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ [نوح: 5-11] ثم بعد أن يئس نوح من قومه قال ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح:26] أمّا الزهراء عليها السلام فمع أنّها قد دعت قومها ليلا ونهارا وسرّا وجهارا ولم يزدهم دعاؤها إلا فرارا، إلا أنّها في آخر لحظاتها طلبت من أمير المؤمنين أن يجعل كتاب شفاعتها في أمّة أبيها رسول الله معها في القبر حتى تلقى الله بالشفاعة لهم، وكان هذا الكتاب والعهد الذي فيه هو مهر زواجها من عليّ عليه السلام

ليست هناك تعليقات: