غزة في القلب، ورفرفته لا تقوم على شرط، فحب غزة مطلق كسائر أراضي العرب، أما "إسرائيل" فقد تفننت في إلقاء حممها على غزة لأيام، بعد أن حاصرتها لسنيين، وتجاوز عدد القتلى حتى كتابة هذه الأسطر 120، أما الجرحى فعددهم مئات كثيرة. وسبب الهستيريا "الإسرائيلية" اختطاف ثلاثة "إسرائيليين"، وفي حقيقة الأمر هي ليست هستيريا بقدر كونها استخفافا وحرقة للولوغ في الدم العربي، الذي أصبح رخيصاً مستباحاً هذه الأيام أكثر من أي وقت مضى؛ إذ تلقي "إسرائيل" بحممها دون تميز، يقودها منطق الغاب الذي يقول: كل أهل غزة مسؤولون بالتضامن عن الاختطاف، وكما هو معتاد فقد دخلت "إسرائيل" في حالة جنونية، فهي لا تريد أن تتوقف بعد أن قتلت العشرات، وتهدد بدخول جحافلها لغزة لتهدم البيوت بمن فيها.
هناك من يتحدث عن الصواريخ التي تطلق من غزة، فماذا عن الصواريخ التي تطلق على غزة؟ وماذا على القصف الجوي؟ وماذا عن القتل العشوائي؟ وماذا عن الحصار الدائم؟ وماذا عن الآلة الإعلامية العالمية الهائلة المسخرة لنقل وجهة النظر "الإسرائيلية" حول ما يحدث في غزة للعالم؟ وماذا عن حشد المظاهرات لمناصري "إسرائيل" في عواصم الغرب دفاعاً عمن اختطف، ولا أحد يحتشد للعرب الفلسطينيين المدنيين الذين يقتلون بدم "مثلج"؟ عندما تفتح جوجل بحثاً عن أخبار غزة سيأتيك في رأس الصفحة دعاية لدعم الضحايا "الإسرائيليين". إن كان هناك من يدافع عما تفعله "إسرائيل" من إجرام ويرى منطقاً فيه، فليس أقل من أن نتألم ونناصر الأهالي العزل من عرب غزة ممن يقبعون في بيوتهم ينتظرون الحمم لتقع فوق رؤوسهم فيموت من يموت، وحتى الذي مات فقد قضى جل حياته في حصار واضطهاد وعوز.
نعيش في أيام يسبق التعميم السياسي فيها أي تفكير، فحتى عندما تفصلنا وتقسمنا جزر التناحر والتناقض السياسي والفكري فيجب أن تبقى صولة العصبة العربية قائمة. هناك من يريد أن ينساها أو يهمشها أو حتى يسفهها، لأسباب مرتبكة، وحتى عندما تفصلنا وتقسمنا جزر التناحر والتناقض السياسي والفكري لكن يجب أن تبقى الصلة الإنسانية متيقظة، فما تمارسه "إسرائيل" أتى من الأساس ليهتك العصبة العربية ويفتتها ويجعلها نسياً منسياً، أما الجانب الإنساني، فأزعم أن "إسرائيل" تتباكى عليه عندما يتعلق بها، وتحاربه بتعسف عندما يتعلق الأمر بالعرب، وهذا ديدنها خلال العقود التي رزحت فيها فوق قلبنا.
وإغاثة الملهوف من المكارم التي لا تشترط التطابق الفكري ولا السياسي، فلم يك من عادة العرب "التحقيق" مع الملهوف قبل أن يمكث ويطمئن، أما "إسرائيل" فليست في حالة دفاع عن النفس، فها هي تستمرئ القتل العشوائي، ومناصروها في أنحاء العالم يصفقون لها دون شرط، وفي الناحية المقابلة، لا يجد أهالي غزة ملجأ؛ فهم محاصرون وحاسرو الرؤوس؛ فـ"إسرائيل" تحميها قبة حديدية تصدّ عنها الصواريخ، وميزان القوى 10000:1 لصالحها. ما أقوله: لنركز على أن أهل غزة عرب مثلنا، وأنهم ممتهنون من قبل قوة غاشمة تنفرد بهم، ولنتذكر أن شيمة العرب المناصرة وليس الخذلان، فإن لم نكن أمة واحدة فليس أقل من أن نكون عصبة ونسيجا واحدا محترما غير قابلة للامتهان، ولا يمكن الجدل في أن بعضنا قد يسعى لامتهانه، لكن الخطأ والنقيصة لا تعطي مبرراً لبقيتنا لممارستها، وفي النهاية سنُضعف بعضنا بعضاً، وسنقوي من يتربص بنا الدوائر.
في ظني، أن اختلافنا مع "إسرائيل" يفوق أي اختلاف، واختلافها معنا يفوق أي اختلاف؛ فهي ليست جادة إلا في التمدد على الجسد العربي، وهذا أمر يجب ألا نسمح به لا لها ولا لغيرها سواء أكان جاراً قريباً أو بلداً قصيّاً.
ما يحدث في غزة يعلمنا دروساً ويتيح لنا الفرصة لاستخلاص العبر، فها هي "إسرائيل" تظلم العرب في غزة، ومع ذلك ستجد من يقول لك: «لكنكم ظلمتوا أنفسكم وقتلتم بعضكم بعضاً وأنتم اخوة»، أو يفترض ان تكونوا إخوة فما بال "إسرائيل" لا تفعل ذلك؟! وإن كان التهديم يشمل البشر والحجر، فالحمم "الإسرائيلية" أصابت المساجد في غزة، وحتى هذه لم يلتفت لها أحد! إذ يبدو أن تدنيس المساجد غدا أمراً روتينياً! وهكذا، فأمامنا- نحن العرب- خيارات في التعامل مع "إسرائيل" لاستعراضها جبورتها البشع في غزة، أقلها أن ننتفض عصبةً، إذ لابد من وضع حدّ للتمادي ولاستخدام القوة التي تجاوزت الافراط، فنناصر سكان غزة وسوادها نصرة للعروبة ولصلة الدم بما نستطيع، ولو في الحدّ الأدنى بجمع معونات للأسر المنكوبة في غزة، فإن كان منا من لا يريد فعل ذلك لاعتبارات يستغلق على فهمها، فليس أقل من أن يرفع الصوت بالاحتجاج على تهديم "إسرائيل" للمساجد، فهي بيوت الله التي بُنيت ليعلو فيها ذكره.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق