الأحد، 13 يوليو 2014

شهر رمضان ربيعُ القرآن - 1

سيكون حديثنا عن ( شهر رمضان ربيع القرآن ) ؛ غير أن هناك ثلاثَ محطاتٍ أعتبرها بمثابة المدخل ، ثم ننتقل إلى الحديث الذي سيتوزع على أكثر من أسبوع . ونسأل اللهَ عز وجل لنا ولكم التوفيق .

1 – العدوان على غزة
الأمر الأول ؛ الذي ينبغي أن نلتفت إليه هو : ما تعاني منه الأمةُ هذه الأيام ؛ بالخصوص أهلنا في ( غزة ) من عدوانٍ صهيونيٍ ظالمٍ ؛ يتعرضون له بشكلٍ يُدمي القلبَ ، والأنكى من ذلك أن الأمةَ أشبه ما تكون بالمشلولة والعاجزة عن أن تقدم شيئاً ، حتى الكلام الذي كان في السابق يعاب أن يقتصروا عليه أصبح في هذه الأيام شحيحاً شح الكرامة عند من لا يملكون مثل هذه الكرامة ، ونسأل الله تعالى أن ينتصر من البطش الذي مهما فعل العالم كله لن يمحو ظلامة هذا الشعب ، والذي لا يمكن أن يلمع صورة هذا الكيان الغاصب والمحتل ؛ مهما اصطف حوله مَن اصطف مِن قوى الشرق ومن قوى الغرب .

2 – الفكر التكفيري وحادثة شرورة
الأمر الثاني هو : ما تعاني منه - أيضاً - هذه الأمة من ( الفكر التكفيري ) ؛ والذي أخذ يضغط على مفاصل هذه الأمة في أكثر من اتجاه . في سوريا رأينا ما حصل ، في العراق ما حصل ، في جنوب البلاد هذه الأيام في الأسبوع الماضي ؛ ( حادثة شرورة ) . ويُتوقع أن تتكرر مثل هذه الحوادث ما لم تُعالَج المسألةُ بشكلٍ صحيحٍ .
ليست المسألةُ تقف عند حدود شجب هذا الفعل أو ذاك الفعل ، وإنما ينبغي أن يُقرأ الحدث والحادثة وأصحاب الحدث والفكر الذي أنتج مثل هذا التصرف الشنيع والبغيض ، والذي لا يسمح لصاحب الحس المسؤول إلا أن يحسن القراءةَ حتى يَحسن منه العلاجُ .
نسأل الله عز وجل أن يجنب أمةَ الإسلام جميعاً شر هذا الفكر ومن يدعمه من قريبٍ أو من بعيدٍ .

2 - ذكرى مولد الإمام الحسن (ع)
الأمر الثالث هو : الذكرى التي ستطل علينا بعد يومين ؛ ذكرى مولد الإمام الحسن ( عليه أفضل الصلاة والسلام ) ؛ والذي كان ضحيةَ فتنٍ ألَمَّت بالأمة حتى اضطر أن يغض الطرف عما كان له من الحق الثابت من الله سبحانه وتعالى ومن رسوله . وأيضاً هذا مفصلٌ من مفاصل تاريخ الأمة ينبغي أن للأمة أن تقف عنده وتستلهم منه الدروس والعبر ؛ لأن الفتن إذا اشتدت ولم تُعالج بشكلٍ صحيحٍ ينتج عنها ثلم الحق والتطاولُ على أصحاب الحق ، وقد يكون عواقبُ ذلك تمتد ليس إلى سنة وسنتين ، بل تأخذ أجيالاً طويلة ويختلط الحابل بالنابل ؛ حتى يُسوَّى سبطُ رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بمن بان غيُّهُ وظلمُهُ وجورُهُ ، نسأل الله - لنا ولكم – السلامة .
أمير المؤمنين ( عليه أفضل الصلاة والسلام ) لَمَّا سأله أحدُهُم في بعض حروبه التي وقعت بينه وبين من أريد الحابل والنابل فيها حتى لا يتبين الحق وأهله ، فسأل عن أسماء لامعة ، أمير المؤمنين ماذا كان جوابه ؟
ماذا كان جوابه : إنك لملبوس عليك ... ) .
وهذا هو الخلل الذي وقعت فيه الأمة سابقاً ولاحقاً .

تعيير مقاومة أهل غزة !!
لاحظوا مثلاً ما يحدث في غزة هذه الأيام نجد أن بعضَ أصحاب الشوارب الطويلة ؛ إذا صح التعبير ، يعيبون على أهل غزة أنهم يرمون صواريخ يدافعون عن أنفسهم ، متهمين [ إياهم ] أن مثل هذه الصواريخ لا تحدث أي أثر مطلوب في الوسط الصهيوني !! وبالتالي ، ليس لكم أن تقاوموا ! 
لكن نفس أصحاب الشوارب الطويلة نجدهم كيف حرَّضوا شعوباً إسلاميةً على دولهم ؛ مع أنهم يعلمون بأن أولئك لن يحصل منهم إلا مثلُ ما حصل بالنسبة إلى أهل غزة في ما إذا طالبوا بحقهم !
كيف يسوغ لهذا الضعيف أن لا يدافع عن نفسه ، وكيف يُحرَّض ذلك الضعيف أن يطالب بحقه ؟!

الموازين مختلة ومعوجة !!
وبالتالي ، لا بد لنا أن نرجع إلى الوراء قليلاً ؛ حتى نعرف الميزانَ الذي يوزن به الحق ؛ حتى نعرف أي قضية هي عادلة ؟! ومن له الحق أن يطالب بهذه القضية العادلة ؟!
لأن هناك أيضاً قضايا عادلة ركبها أهل الباطل ، ويستفيد منها أهلُ الباطل ، ونستعيذ بالله عز وجل أن تُستثمَر حتى القضية الفلسطينية ؛ التي تجمع الأمة ؛ إلا من شذ ، على أنها قضية عادلة لا خلاف فيها ، نسأل الله أن يجنبها أصحابَ الفكر التكفيري وأصحابَ الفكر المتصهين ؛ إذا صح التعبير ، أن يتجاذب الأمةَ هذان الطرفان ؛ فتضيع هذه القضية كما ضاع ضيعوا غيرَها من القضايا .
***

التحذير من هِجران القرآن
يقول الله عز وجل في سورة الفرقان ﴿ وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي ؛ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا ! وَقَالَ الرَّسُولُ : يَا رَبِّ ! إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا ﴾ [الفرقان/ 27 - 30] .
إنما أنزل اللهُ سبحانه وتعالى القرآنَ الكريمَ ؛ والذي نُدِبنا في شهر رمضان خاصةً على أن نجعل تلاوتَهُ في الليل والنهار وِرداً لا نتخلف عنه وبنداً أساسياًّ يلازمنا ، إنما جُعل ذلك لأن الله سبحانه وتعالى أنزل القرآنَ ليهيدنا ﴿ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ﴾ [الإسراء/ 9] ؛ وما أحوجنا أن نعرف الحقَّ لنتبعه والباطلَ لنتجنبه . ولن نتعرف على ذلك إلا في القرآن الكريم وما تشعَّب عن القرآن الكريم من سنة النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .
الإمام الحسن ( عليه أفضل الصلاة والسلام ) في كلامه المروي عنه يقول : إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَجِيْءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَائِداً وَسَائِقاً ، يَقُوْدُ قَوْماً إِلَى الْجَنَّةِ ؛ أَحَلُّوْا حَلالَهُ ، وَحَرَّمُوْا حَرَامَهُ ، وَآَمَنُوْا بِمُتَشَابَهِهِ ، وَيَسُوْقُ قَوْماً إِلَى النَّارِ ضَيَّعُوْا حُدُوْدَهُ وَأَحْكَامَهُ وَاسْتَحَلُّوْا مَحَارِمَهُ )(١).
القرآنُ الكريمُ - بناء على هذا النص والنص الذي ذكرناه قبل قليل من الآية الكريمة - هو الذي يمثل الخارطةَ التي ينبغي للراغب أن يصل إلى الخير في الدنيا والآخرة أن يسير على ضوئها .
ولذلك ، لما كان النبيُّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) حريصاً عليكم ﴿ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ [التوبة/ 128] يتأسف على أن تتخذ أمته هذا القرآن مهجوراً .

كيف يتخذ الناسُ القرآنَ مهجوراً ؟
أ - أن لا يقرأوه ولا يتلوه ، هذه مرتبة من مراتب هجران القرآن الكريم .
ب - مرتبة من مراتب هجران القرآن الكريم أن يتلى لكن لا يعمل بأحكامه ، كما قال الإمام الحسن ( عليه أفضل الصلاة والسلام ) .
جـ - ومن مراتب هجران القرآن الكريم : أخذ بعض القرآن الكريم وترك البعض الآخر من القرآن الكريم .
د - ومن مراتب هجران القرآن الكريم : التصديق بعض آياته وغض النظر عن بعض آياته الأخرى .
هـ - ومن مراتب هجران القرآن الكريم : أن يعتمد متشابهات القرآن الكريم ويغفل عن محكمات القرآن الكريم .
مراتب متعدة كلُّها تصب في أن الإنسان قد يُبتلى بهجران القرآن الكريم .
ولذلك ، حينما يتأسى ويتأسف رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ليس المقصود بأن الأمة بأجمعها ، هناك شهادات من رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) نفسه ، بأن هناك جماعةً من الناس ، طائفةً من الناس ، سيظلون متمسكين بهذا القرآن الكريم مهما شذَّ مَن شذَّ من أهل الشرق ومن أهل الغرب(٢)، جعلنا الله وإياكم ممن يتمسك القرآن الكريم اعتقادا وقولا وعملاً .
ما الذي يريده الله عز وجل لما أنزل القرآن الكريم على قلب رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ؟
إنما أراد أن يبقي الإنسان في عالم الكرامة ، وفي عالم التميز والطهارة والنقاء . ووضع لنا معالمَ كلِّ ذلك في القرآن من أوله إلى آخره ، حتى لا نكفر ببعض ونؤمن ببعض كما وقع في بني إسرائيل ؛ لما ابتلوا بمسألة الأنانيات ؛ على المستوى الفردي وعلى المستوى العام ؛ حتى قتلوا الأنبياءَ بغير حق .

كيف يحصل للإنسان أن يعمل بهذا الأمر ؟
أن يُحسن التلقيَ الرسول الأكرم ( صلى الله عليه وآله ) ، ومن أحسن التلقيَ فلا فرق بين أن يكون معاصراً له أو غير معاصر له ؛ لأن بعضَ من عاصر رسول الله لمّا لم يحسن التلقيَ عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) اختلط الأمرُ عنده ، ولم يعد يميز بين الحق والباطل ، وبين أهل الخير وبين أهل الشر .
وأضرب لذلك أمثلة أربعة ؛ وهي معارك في كلها كان رسولُ الله مشاركاً بشخصه الكريم ، لكن لمّا اختلت المعادلة ؛ ليس منه ( صلوات الله وسلامه عليه ) ؛ فهو المعصوم الذي لا يقارف خطأً ولا خطيئةً ، غيرَ أن الذين كانوا معه لمَّا وقعوا في مخالفة القرآن الكريم وما أمرهم الله عز وجل به لم ينفعهم أن يكون القرآن الكريم بين ظهرانيهم ، بل لم يحسنوا استثمار وجود النبي الأعظم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في أوساطهم .

1 - الحادثة الأولى : معركة بدر
كيف نصر الله عز وجل المؤمنين وقد كانوا أذلة ؛ بمعنى قلة العدد وضعف الإمكانات . والتي يظن كثيرٌ من الناس أن الإمكانات ما لم تكن كبيرةً جداًّ فإن الله لا ينزل النصر !
هذا من الأخطاء الكبيرة جداًّ .
قد تكون إمكانات المؤمن متواضعة جدا غير أن الله عز وجل ينزل النصر لأن النصر من عند الله ﴿ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ﴾ [آل عمران/ 126] .
إمكانات قريش - في بدر - كانت ضخمةً جداًّ ، وإمكاناتُ المسلمين كانت متواضعة جداًّ ؛ غير أن مشيئة الله أن ينصرهم لما نصروه ، تحققت هذه المشيئة بشكلٍ مبهرٍ ، وأحدثت انقلاباتٍ على مستويات عدة .
النبي ( ص) كان مشاركاً والمسلمون كانوا مشاركين .
لكن في حادثة أخرى ؛ جاءت بعدها :
2 - معركة أحد 
في معركة بدر المسلمون كانوا مهاجمين وقلة وإمكاناتهم ضعيفة ، في أحد كانوا مدافعين وإمكاناتهم أكثر ، لكن مع ذلك لما خالفوا أوامرَ رسول الله وأوامرَ الله عز وجل من خلال أمره ، نزلت بهم كارثةٌ تعادل في آثارها السلبية - للأسف الشديد - الآثارَ الإيجابيةَ لمعركة بدر .
فإذن ، وجود شخص النبي ( ص ) ، وكذلك وجود آيات القرآن الكريم ، في حد نفسها ليس هو المقدار الذي يلزمنا لكي ننتصر ، بل لابد أن : نحسن التلقي ، ونحسن التفاعل بشكلٍ إيجابي ؛ حتى تتحقق معادلةُ النصر بشكلٍ كاملٍ .
ماذا يقول الله عز وجل في الكتاب الكريم ؛ في هذا الكتاب الذي أنزله اللهُ رحمةً بنا ولطفاً بنا ، يقول ﴿ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ﴾ [الأنفال/ 46].
حتى أصحاب القضايا العادلة ، حتى المجتمعات الكبيرة ، إذا وقع في ما بينهم التنازعُ ، النتيجة المنطقية والطبيعية أنهم يخسرون القضايا .

تمزيق الأمة
ولذلك ، حينما نسمع هذه الأصوات الشاذة ؛ أصوات النشاز ، التي كلما أرادت الأمة أن تجتمع على قضية عادلة حرَّكوا لهم قضيةً نشازاً حتى يمزقوا شملَ الأمة ، مثل هذا المجتمع سيتعرض ؛ شاء أم أبى ، للكثير من النكسات ما لم يتخلص من هذه الروح .
تتكلم له عن إسرائيل قال الرافضة ! تتكلم له عن إسرائيل العدو المحتل الغاصب قال القضية الفلانية والدولة الفلانية !!
مثل هذه الثقافة ، ليس من شأنها ، ولا تساعد أمةً من الأمم ، أن تنتصر ؛ حتى وإن تغنت بالقرآن الكريم ، ورفعت شعاراتٍ مقدسةً . 
الحل هو : أن نعرف الحق ، ونلتزم به كما جاء من عند الله عز وجل .

3 – معركة الخندق
المعركة الثالثة ، لاحظوا في معركة بدر ومعركة أحد لما عمل الناس بالمعادلة ومقتضياتها انتصروا ، ولما أخلُّوا ببعض المعادلة انكسروا . في المعركة الثالثة ؛ معركة الخندق ، أيضاً كان وضعه وضعاً دفاعياًّ كما هو الحال في أحد وقد كانت قوة العدو المهاجم على المدينة أكثر من قوتهم المهاجمة في معركة واحد ، لكن لما التزموا بأوامر رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وعملوا بسننه سبحانه وتعالى نصرهم الله عز وجل ، دون قتالٍ كبيرٍ . لم يشارك في معركة الخندق من القتال الحقيقي والجاد إلا أمير المؤمنين ( صلوات الله وسلامه عليه ) ؛ يعني شخصاً واحداً ، لكن كفى الله المؤمنين القتال .
وبالتالي ، بإمكان النصر الإلهي ينزل دون أن تحصل معارك كبيرة ! أفراد قلائل يمكن أن يحقق الله عز وجل النصر على أيديهم .

4 - معركة حنين
المعركة الرابعة معركة حنين  ؛ وكانوا كثرةً كاثرةً , أعجبتهم كثرتهم ، ظنوا أن النصر إنما ينزل بالكثرة !! فنزلت بهم هزيمة بما يتناسب وذلك الشعور بالغرور لما ابتعدوا عن الله عز وجل .
أيضاً كانوا مهاجِمين على خلاف ما كانوا في بدر .
في بدر كانوا مهاجِمين وكانوا قلة فنصرهم الله ؛ لأنهم انتصروا لله . في حنين مهاجِمين , إمكاناتهم كانت كثيرةً لكن أرادوا الغنائمَ ، أرادوا الدنيا لم يريدوا الله سبحانه ؛ فنزلت بهم تلك الهزيمة الكبرى التي سُجِّلت في التاريخ  .
هذه أربع حوادث تبين للإنسان ؛ لو تأمل فيها وتأمل في الدروس التي جاءت في القرآن الكريم ، أن معادلات النصر ومعادلات الهزيمة رُسِمت بشكلٍ واضحٍ ( من كان مع الله كان الله معه ) ، ﴿ إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ﴾ [محمد/ 7].
أما أن تتحول قضايا الأمة حتى المقدس منها إلى قضايا تصفية حساب ؛ تيارات ، وأحزاب ، وجهات . هذا الطرف يستغلها ! وذاك يتملص منها ! أو يستغلها بشكلٍ سلبيٍّ لتصفية طرف أخر ؛ فتضيع القضية في جوهرها بعيداً عن ما يريده الله سبحانه وتعالى .
فإذا مالم نعمل على استحضار هذه الثقافة القرآنية النازلة من عند الله لن نهتدي إلى صراط مستقيم . يقول الله عز وجل عن النبي ﴿ وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [المؤمنون/ 73] . القرآن ﴿ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ﴾ [الإسراء/ 9]  .

والتي هي أقوم على أي مجال ؟ 
على مستوى تفكير الأمة ؛ فلا يليق بهذه الأمة أن تبقى أمة ضعيفة مستضعفة ؛ يتناولها وينهشها ذئاب الشرق وذئاب الغرب ، وقد أنزل الله عز وجل عليها كتاباً يهديها ﴿ لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ﴾ [الإسراء/ 9]  ؛ يبين لها وجوه الخطأ ووجوه الصواب ، وما ينبغي وما لا ينبغي في العاجل والآجل ، كيف تجتمع ، ما هي أضرار التفرق .
مثل هذه الثقافة إذا لم نستحضرها استحضاراً حقيقياًّ لوجه الله عز وجل سيحصل في واقع الأمة نكبات فوق ما هي مبتلاة به من نكبات ؛ لم يكن السبب فيها إلا عدم الرجوع  إلى ما جاء من عند الله عز وجل . 
لاحظوا الآيات الشريفة التي صدَّرنا بها الحديث ﴿ وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ ﴾ [الفرقان/ 27] يتأسف الإنسان اذا وقف بين يدي الله عز وجل سيتأسف ، ولذلك سمي يوم القيامة ﴿ يَوْمَ الْحَسْرَةِ ﴾ [مريم/ 39] , ﴿ يَوْمُ التَّغَابُنِ ﴾ [التغابن/ 9] ويوم الندامة(٣). على المستوى الشخصي سيتأسف الإنسان ، وعلى المستوى الاجتماعي ؛ لأن اللهَ عز وجل يحاسب الناسَ - في يوم القيامة - حسابين :
يحاسبنا كأفراد على ما عملنا في حق أنفسنا وفي حق الآخرين .
ويحاسب الأمة كأمم ؛ مثل ما أن فرعون ﴿ يَقْدُمُ قَوْمَهُ ... وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ ﴾ [هود/ 98], رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) سيتقدم أمام هذه الامة ليشهد على كل واحدٍ منا ما الذي عمله من الحسنات ، وما الذي عمله من السيئات . 
شهر رمضان محطةٌ ينبغي أن تُستثمر استثماراً حسناً ؛ بتفعيل تلاوة القرآن تفاعلاً إيجابياًّ . نسأل الله سبحانه وتعالى أن لا يحرمنا وإياكم نعمة القرآن الكريم ، ونعمة العمل به والأنس بالقرآن الكريم .
للحديث تتمة ...
لكن لا أنسى أن أنوه بأن احتفالنا بذكرى مولد الإمام الحسن ( عليه أفضل الصلاة والسلام ) في الليلة السادسة عشرة سيكون احتفالاً قرآنياًّ . ينبغي لنا أن نشجع أبناءنا ؛ بالخصوص الشباب الصاعد ، على أن يستحضروا هذه الثقافةَ ؛ من خلال المشاركة في مثل هذه المناسبات الشريفة ؛ لئلا نبتعد عن القرآن ، فكلما اقتربنا منه نجونا وكلما ابتعدنا عنه هلكنا ، نسأل الله سبحانه وتعالى لنا ولكم ألا نكون بعيدين عن قوله الحق عز وجل ، وجعلنا وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه .
اللهم صل على محمد وآل محمد .
اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن ؛ صلواتك عليه وعلى آبائه ، في هذه الساعة ، وفي كل ساعة ، ولياًّ ، وحافظاً ، وقائداً ، وناصراً ، ودليلاً ، وعيناً ؛ حتى تسكنه أرضك طوعاً ، وتمتعه فيها طويلاً .
اللهم انصر الإسلام والمسلمين ، واخذل الكفار والمنافقين .
اللهم اشف مرضانا ، وارحم موتانا ، وأصلح ما فسد من أمر ديننا ودنيا ، ولا تخرجنا من الدنيا حتى ترضى عنا يا كريم .
وصلى الله على محمد وآله الطاهرين .




هوامش:
(١) إرشاد القلوب للديلمي ، الباب التاسع عشر ، في قراءة القرآن المجيد ، ج 1 ، ص 79 .
(٢) انظر : بحار الأنوار ، كتاب الإمامة ، باب الاضطرار إلى الحجة .
(٣) يونس/54 ؛ سبأ / 33 .

ليست هناك تعليقات: