﴿وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلاً أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ، إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُم مُّرْسَلُونَ، قَالُوا مَا أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمَن مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ، قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ، وَمَا عَلَيْنَا إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ ,قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِن لَّمْ تَنتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ، قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِن ذُكِّرْتُم بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ، وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى..﴾ [يس: 13-20]
يبدأ الله سبحانه بذكر مثال حي للذين حق عليهم القول فهم لا يؤمنون فيقول: (وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلاً) ومعنى الضرب هو التثبيت والبقاء كما تُضرب وتسكّ النقود. وكأنه يأتي بالسنة الإلهية الثابتة ممثلة حية في قصة.
استخدم القرآن (الضرب) لأن كل أمة بسلبياتها وإيجابياتها مضروبة في تاريخ الإنسانية، وبهذا المثل تكتشف الخصائص المشتركة في تعاطي الناس مع الرسل والرسالات والرساليين. هذه الأمثلة عندما تضرب لا يراد منها تفاصيل القصة, بل ينتزع المثال من كليات القصة القابلة للتكرار في كل زمان، ويستخرج لنا أمور كلية يمكن أن نستخلص منها ثوابت نعتبر بها.
(أصحاب القرية)
القرية التي يعبر عنها القرآن في موضع آخر بالمدينة هي أنطاكية إحدى مدن بلاد الشام -على اتفاق أغلب المفسرين- وهي مدينة مهمة جغرافيا ودينيا, لكن القرآن لا يتكلم عن وضعها الجغرافي ولا التاريخي، فالقرآن لا يهتم بجغرافيا المكان بل بمنهج التفكير, لذا يركز على ردّة فعل أهل هذه القرية مع المرسلين وتعاملهم مع الرساليين، لأن القرآن ليس ناقلا للتاريخ، وإنما هو ناقد للتاريخ وفرق بين نقل التاريخ و بين نقده.(1)
﴿إذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُم مُّرْسَلُونَ﴾
يبدو أن هذه القرية فيها من المشاكل والتكبر والغرور وعدم الاستجابة للحق ما جعل مسؤولية الرسل في هذه القرية ثقيلة جداً, لذلك يقول (عززنا بثالث) أي أيدناه, ما يعني أنها تحتاج إلى أكثر من رسول. هذا يستدعي إلى أذهاننا حمل النبي همّ الرسالة وحده، في قوم لم يسبق أن أرسل إليهم نبيّ ﴿.. لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ..﴾ [يس: 6] فما أشق مهمة رسول الله صلى الله عليه وآله الذي كانت أخلاقه هي رأس ماله في هدايته قومه. هذه قرية سبق لها المرسلون ومع ذلك يعزز الله سبحانه رسولا برسول، وكم تعبوا من أقوامهم وقالوا ما قالوا لكنه صلى الله عليه وآله يحفر في صخر قلوب قومه القاسية بماء رحمته ولا يقول إلا "اللهم اهد لقومي فإنهم لا يعلمون".
﴿قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمَانُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلا تَكْذِبُونَ، قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ، وَمَا عَلَيْنَا إِلا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾
لاحظوا منطق الأنبياء و الرسل، وردة فعل هذه القرية التي استحقت أن تكون مثلا يضرب، كانوا يقولون لهم إنا مرسلون من عالم الوحي و الطهارة، لكن قومهم لا يرون فيهم البعد الوحياني، فيجيبون: ﴿مَا أَنْتُمْ إِلا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ لأن نظرهم كان يتركّز على ظاهر الرسل (3)، وهذا إشكال من يقف على البعد البشري في الإنسان ولا يلتفت إلى البعد الإنساني مع ما فيه من اختلاف المراتب والكمالات, فالتفاوت ليس في البعد البشري، بل في مقدار رسالية الإنسان. وهؤلاء إنما يلتفتون إلى جانب الطينة وهي ذات النظرة الإبليسية في قول إبليس: ﴿أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ [ص: 76] وهذا أول مانع للإنسان من اكتشاف معنويات الآخرين (3).
(وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ)
وجود الرحمن لم يكن يمثّل لهم عقيدة ثابتة في أنفسهم، لكنّهم يتشدّقون بهذا بحكم الرواج الاجتماعي لهذه العقيدة التي انتشرت بواسطة من سبق من الأنبياء.
(قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ وَمَا عَلَيْنَا إِلا الْبَلاغُ الْمُبِينُ)
للأنبياء والرسل وجميع الرساليين وظيفتان:
الوظيفة الأولى: إبلاغ الناس و إيصال البيانات الإلهية أكبر عدد ممكن من الناس.
طبيعة الإنسان الرسالي هي التعبير عن الرسالة وإيصالها بأسهل الأساليب, ﴿يَـٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: 67] يعني أوصل الخبر إلى أكبر عدد وأبعد مكان.
والبلاغ هو خصوصية في الروح الرسالية، وإذا لم يحمل الإنسان نفَسا رساليا فلا يمكن أن يهتم بفهم الناس واهتدائهم، ولا يعنيه هل وصلوا إلى الحقيقة أم لا, ثم إن المعلم الرسالي هو من يتكلم في العلوم الوحيانية العميقة بلسان قومه.
الوظيفة الثانية: إن هذا البلاغ بلاغ مبين وواضح, وهذا ما يجعل الناس تأتي للدين بلا إكراه.
وقفة مع قوله جلّ وعلا (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ)
اذا اجتمعت آليات الرسالية في الدعوة إلى الله فلن يكون هناك إكراه في الدين, وإذا كان البلاغ بيّنا وواضحا فهو يوافق الفطرة، لأن حقيقة الوحي لا تزاحم الفطرة، بل تحكيها، ولذلك هي موقع قبول الناس.
يقسم العرب الغذاء إلى مطبوع ومكروه، الغذاء المطبوع وهو الذي يوافق الطبع فلو عرض غذاء طيب ذو طعم طيب ورائحة طيبة على إنسان جائع فهو موافق للطبع فيسمى مطبوعا, أما الطعام المكروه الذي لا يوافق الطبع فإن الإنسان ينفر منه.
من هذا المثال نريد بيان أنّ كل الحقائق التي يقولها الأنبياء والرسل موافقة للفطرة، فإذا وجد الإنسان نفورا من أمر ديني فليعلم أن هذا الأمر غير صحيح.
إذن: من أين يأتي الشعور بالإكراه في الدين؟
للجواب عن ذلك نقول: الدين ثلاثة حقول:
1- العقيدة: والطريق إليها العقل, ولا يمكن أن ينتهي العقل إلى نتيجة قطعية ثم ينفر منها.
2- الأخلاق: وهي أيضا ليست مما ينفر منه, هل سمعتم أن أحدا ينفر من كلمة زهد, تقوى, أدب, اخلاق؟!
3- الفقة: وهنا يمكن أن يأتي النفور من الدين وذلك لسببين:
السبب الأول: أن الفقه قانون، وطبيعته الضبط, ولا بد من الالتزام به, وهذا أمر طبيعي, فكما أن لكل بلد قانون يجب احترامه والالتزام به؛ كذلك بعد أن يدخل الإنسان مدينة الإيمان عليه أن يلتزم بقانون هذه المدينة. ومن يرد الفرار من هذا القانون بعد إيمانه بالعقيدة والأخلاق فإن المشكلة منه هو ﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾ [القيامة: 5].
السبب الثاني: أن الفقه لا يبنى دائمًا على القطعيات العقلية, بل على الظواهر والظنون العقلائية, التي لا تطابق الواقع دائما, أما الفقه الذي وضعه الله فهو مطابق للواقع، ومدعاة للانجذاب والقبول، ولا ترى الناس أمامه إلا ﴿ تَرَىٰ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: 83] لأنّ البلاغ والبيان الإلهي بيّن وواضح وموافق للفطرة للطبيعة.
ثم إن ﴿وَمَا عَلَيْنَا إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ تكلف هؤلاء الرساليين كثيرًا، فالرسول ليس رسول فقط عندما يجلس على المنبر، وهنا يكمن الفرق بيننا وبين بقية المدارس الإسلامية، فهم يعتقدون أن الرسول رسول عندما يتكلم عن الوحي فقط, فهو أمين في حمل الرسالة، ولكنه ليس معصوما في بقية شؤونه. (4)
(قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ)
التطير سنة جاهلية, حيث يهيج الطير فإذا طار من جهة اليمين تيمنوا به ومضوا فيما عزموا، وإن طار من جهة اليسار تشاءموا ورجعوا عما عزموا عليه. وكم هو غريب هذا الرد على منطق الأنبياء الذين يتحدثون عن الحقائق فيقابَلون بالحديث عن الفأل والأوهام. الأنبياء جاؤوا لعلاج الناس من الأوهام وهؤلاء يحاججونهم بالوهم!
التطير هو الربط اللامنطقي بين الحوادث, والكلي الذي نأخذه من هذه الآية هي أن هذا التلاعب بخيال الناس وإيهامهم بخلاف الواقع موجود في كلّ زمن، لكنه يغير ثيابه, و كل الحكام المنحرفين يبحثون عمّن يربط بين الأحداث ربطا وهميا خياليا، ليفسروا الأحداث ويحللونها تحليلا وهميا لا منطقيا يناسب أهدافهم. في حين أن الدين ينهى عن التطير ويدعوا للتفاؤل (تفاءلوا بالخير تجدوه).
(لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ)
الرجم ليس صرف رمي حجر, بل فيه إهانة وتحقير, ولو قارنا بينه وبين الجلد لوجدنا أن الجلد يقوم به واحد لكن الرجم تقوم به مجموعة, هذا تهديد بأن كل المجتمع سيقف في وجه الأنبياء وسيرجمهم، وهذا تأليب للرأي العام ضد دعوة المرسلين.
(قالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ)
رد علمي لا انفعال فيه, لم يدافع المرسلون عن أنفسهم بل ردوا بمعالجة علمية للنظرة التوهمية, وذلك لأنهم أطباء واحدهم (طبيب دوار بطبه). هم يهددون الأنبياء بالرجم؛ والأنبياء يردون عليهم ببيان الحقائق، قالوا طائركم معكم: أي أعمالكم ونواياكم وما جمعتم في داخلكم وهل يمكن أن يفر الإنسان من ذاته.
الغريب أن الإنسان حين يقع في مشكلة فهو يميل إلى إلقائها على مّن حوله أو على الظرف الذي هو فيه أوعلى بيئته ومناخه. ولكن القرآن يقرر بأن كل سوء يقع على الإنسان فهو من عمله, ورد في الحديث (أعمالكم عمّالكم)أي أنها تبني وتهدم فيكم, فالعمل الذي يصدر منك يكون فاعلا فيك وأنت مفعول. وقد قلنا أنه لا يمكن التفكيك بين الإنسان وأعماله، فهي معه تشكل قافلة، ولا يمكن أن يهرب أحد من ذاته. هؤلاء المرسلون يقررون هذه الحقيقة ويقولون لهم أن العمل أصبح جزءا من ذاتكم (طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ).
والحمد لله رب العالمين
----------------------------------------------------
(1) أصل كلمة النقد من نقد الدراهم أي تمييز جيدها من رديئها وهو تقليب الشيء لتنظر الزائف من غير الزائف . القرآن ينقد التاريخ يعني يقلبه و يريك الوجه الصالح ، و الوجه الذي فيه انحراف .
(2) عادة حين يعبر القران عن ظاهر الإنسان وجنبته الطينية يستخدم لفظ بشر , (إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِن طِينٍ) [ص/71]
(3) أقوى دليل في السقيفة حيث أبعدوا به أمير المؤمنين وقالوا أن الشيخين أكبر منه في العمر!! وهي الحجة التي اسكتت كل الناس! كلهم فهموا أن الشيخين هم أكبر من أمير المؤمنين وبذلك مازوهم عليه ، في حين يميز النبي عليا بقوله : أقضاكم علي , أعلمكم علي .. الخ الجانب الذي فيه امتياز جانب واقعي رسالي وليس ظاهري .
(4) وهذا معنى " السلام عليك يا أمين الله " ولهذا كانت زيارة أمين الله هي من أهم الزيارات لأن أمين الله في كل حركاته يوصل الرسالة في كل أموره, في نومه وفي جلسته وفي مشربه وفي نومه ولذلك يستحب أن تلبس اللون الذي يلبسه المعصوم وتأكل ما يأكله المعصوم وتشرب ما يشربه المعصوم لأنه في كل شؤونه يوصل رسالة .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق