حديثا هذا اليوم حول الحوزة والمرجعية فمن باب الاتفاق كان تهجم بعض القنوات المغرضة على مقام المرجعية مما استفز شعور كل حر غيور في العالم الإسلامي، بل العالم كافة إذ لم يكن هناك تخطيط وان كان هذا التهجم مؤكدا للإقدام على مثل هذا الحديث. هناك زمزمات تُسمعُ ها هنا وهناك تصب في خانة نقد الحوزة. وبعض هذه الزمزمات تنم عن إحساس بعظم المسئولية وخطورة الموقع ودقة الظروف التي تمر بالعالم الإسلامي، مما يفرض على الحوزة وأهلها والمرجعية والمنادين بها واليها أن يلاحظوا مواكبة هذه الظروف بالشكل الذي يحقق طموح الأمة وآمال الشعوب.
وذلك لان المرجعية هي في الواقع اللواء الذي يتقدم الناس لتحقيق الأهداف المشروعة لهم في بناء حياة صحيحة ورغيدة وهنيئة.
وبعض الزمزمات تصدر من نية سوء وانحراف في التفكير وخطأ في أسلوب النقد مما يدفع بعض المحبين للمرجعية والحوزة الي اتخاذ مواقف متشددة وقد تكون سلبية وغير مؤدية للغرض وذلك دفاعا عن المرجعية وعن الحوزة. أود ها هنا أن أتكلم حول هذا الحديث لا بإسهاب وإنما بنحو الإثارة وبنحو الإشارة الي بعض ما ينتفع به إخواننا المؤمنون إنشاء الله تعالى.
امتداد تأريخ الحوزة:
الحوزة تأريخ طويل يمتد من زماننا هذا الي عهد النبوة المشرق، عندما كان النبي يعقد مجالس الحديث والتعليم لأصحابه. وقد كان من المعروف بين ما يسمى عند أهل الاصطلاح بالتابعين إطلاق عنوان وصية رسول الله على الطالب. إذا اقبل طالب العلم قيل: هذا وصية رسول الله . هكذا كان النبي يؤدب أمته على الاحتفاء بكل من يطلب العلم كائنا من كان. وبمقدار طلب العلم يحصل على الاحترام والمحبة والاحتفاء والاهتمام من قبل الناس.
طالب العلم وصية رسول الله:
انتم اليوم في هذا المسجد المبارك إنشاء الله تعالى وصية رسول الله . وأنا ممن أوصاهم رسول الله وغيري لو كان مكاني لكان ممن أوصاهم رسول الله بان نوصل العلم سواء كان بنحو التعليم أو بنحو التذكير لكم ولأمثالكم ممن يتواجد في مثل هذا المحل المبارك لو وجد في زمان آخر. وهكذا كان أنا وغيري ممن يريد أن يدرس سواء كان ذلك الدرس درسا راتبا يوميا أو درسا منقطعا أسبوعيا، أنا وصية رسول الله عند أستاذي، وأستاذي وصية رسول الله عند أستاذه وهكذا كل من يطلب العلم فهو وصية رسول الله .
تعريف مصطلح الحوزة:
الحوزة ليست إلا المعهد الذي يتقاطر اليه الناس من كل حدب وصوب لطلب العلم. فالحوزة وصية رسول الله التي أناطها رسول الله بذمة الأمة. الرسول أوصى الأستاذ أن يعتني بتلميذه وأوصى التلميذ بان يعتني بالأستاذ، وأوصى الأمة بان يعتنوا بالاثنين. هذه الحوزة التأريخ الطويل لا يتصف فقط بطول التأريخ بل بالإشراق.
نماذج علماء الحوزة:
1- هناك نماذج باهرة ورائعة ضربت أروع الأمثلة بالجد والتحصيل والسهر والكد والصبر على خشونة المعيشة والجوع والعطش في سبيل التحصيل. السيد المرعشي رحمه الله تعالى، هناك وثائق تكشف عن انه كان يشتري الكتاب الذي يرى انه نفيسا بصلاة سنتين أو صيام سنتين ويصلي ويصوم ليقتني كتابا حتى أسس مكتبة ضخمة معروفة في قم المقدسة. كل ذلك والسيد المرعشي لم يرزق حج بيت الله الحرام لأنه لم يبلغ الاستطاعة. مكتبة المرعشي الآن لو أردنا أن نؤسسها لاحتجنا الي (50) مليون دولار.
أتدرون لماذا لم يستطع رحمه الله تعالى حج البيت الحرام؟ لأنه رحمه الله يرى أن تأسيس هذه المكتبة أهم في نظره - وهو من المراجع والفقهاء القادرين على تشخيص التكليف - من أن يحج. ولا اقل من انه كان يصرف نفقة الحج قبل هلال شهر شوال، وبالتالي لا تتحقق الاستطاعة.
هناك أناس من العلماء قضوا الأيام الطوال جوعا وعطشا ولا ينالون من القوت إلا قوت من لا يموت، قرص واحد يقتاتون به اليوم لينتظروا الغد لعل الله عز وجل يرزقهم مثله في ذلك الوقت دائبين على التحصيل وكادحين في سبيل تخريج مستوى علمي مؤهل لقيادة الأمة.
الحوزة خرجت لنا علماء على المستوى الشخصي لا نجد لهم مثيلا في المعاهد الأخرى. قد نجد في معاهد الأكاديميين هناك من بذلوا مثل هذا الوقت والجد في سبيل تحصيل العلم، لكن هناك بعد آخر يهتم به أهل الحوزة لا نجد له مثيلا في كل أقطار العالم وهو البعد الأخلاقي الروحي. العالم عندنا في الحوزة لا يعد عالما حتى يكون موصوفا بالصفات التي حث عليها أهل البيت . وأولها التقوى والورع. وما أدراك ما التقوى والورع، حيث لا ينالان إلا بشق الأنفس.
2- السيد الإمام رحمه الله تعالى الذي ملأ الدنيا صوتا وثورة لم يستطع أن يكون كذلك إلا عندما حبس نفسه أكثر من (50) عاما من أن يتكلم بكلمة واحدة في وجود غيره من العلماء الأتقياء الورعين عند تصديه للأمة. السيد البروجوردي والشيخ الحائري وأمثالهم في عهدهم كان السيد الإمام رحمه الله تعالى جنديا مخلصا متواريا عن الأنظار والأضواء. بعد وفاة السيد البروجوردي قدس الله نفسه الزكية جاء مندوب جريدة اطلاعات الي قم المقدسة وأراد أن يجري مقابلة مع الإمام رحمه الله تعالى - ولعل البعض يرى في هذه المقابلة فرصة ثمينة في يوصل أن الصوت الي الأمة - الإمام رحمه الله تعالى قال للصحفي: أنا رجل علم ادرس وأُدرس، اذهب وابحث عن غيري. أي فرصة إعلامية تحصل لي ولأمثالي نحن نلهث وراءها، نحن نحتاج الي ذاك المستوى من الورع والتقوى.
3- السيد العلامة الطباطبائي قدس الله نفسه الزكية، الرجل عاش في تبريز قبل أن يذهب الي قم المقدسة وهو عالم كبير وذلك بعدما رجع من النجف الاشرف، عاش في تبريز مدة (10) سنوات لا يعرفه فيها احد منكب على فلاحة الأرض وتأليف كتبه الخاصة، حتى تسنت له الفرصة – ولعلي ارجع الي تبرير امتهانه لفلاحة الأرض - وذهب الي قم المقدسة، وعندما ذهب أصبح السيد العلامة المفسر الأول على مستوى العالم الإسلامي كله.
منتجات الحوزة ومنتجات الآخرين:
الحوزة أنتجت هؤلاء وأنجزت أعظم الانجازات. إن كان الغير يفخر بانجاز مصدر تعليمي أو انجاز مصرف إسلامي أو انجاز دورة اجتماعية معينة فالحوزة ولله الحمد أنجزت دولة كاملة بكل مرافقها. أنجزت أنموذج يحير عقول الغرب والشرق في التعاطي مع الملفات الدقيقة والحرجة بدون أن يمس هذا التعاطي أي شئ من ثوابت الدولة.
دولة طالبان لم تستطع أن تصمد أكثر من سنتين وكل الشرق والغرب معها، وقضيتها مع إيران في قتل الدبلوماسيين معروفة. دولة طالبان كانت مدعومة ومع ذلك انهارت. أما الحوزة فاستطاعت بحمد الله تعالى أن تقود سفينة هذه الدولة الي الآن مع علو الأمواج واضطراب البحر ونزول السهام كالمطر. نعم هذا لا يعني أن الحوزة فكر شخص واحد، ولا يعني أن الحوزة منهج واحد، ولا يعني أن الحوزة يجب أن تستبد بالأمور.
الحوزة والتسليم بالتخصص:
الحوزة من أول يوم آمنت بالتخصص. الإمام رحمه الله تعالى في أول دورة من دورات انتخابات الرئاسة نهي وحرم على الحوزويين أن يتصدوا للانتخابات الرئاسية. وعندما فاز بني صدر الرجل المعروف فوجد الناس انه لا مفر من أن يعطوا زمام الأمر للحوزويين لأنهم أهل الثقة والورع حتى هدأت الأمور فرجع أهل التخصص. وتصدي الحوزويين كان بالنسبة للمراتب والوظائف العليا، أما بالنسبة لإدارة الأمور اليومية، والمستشفيات والإدارات العامة كلها بأيدي المتخصصين في كل الأوقات.
محاكمة نقد الحوزة والمرجعية:
المشكلة أن هناك من يطرح نقد الحوزة بأسلوب ظالم عن نية حسنة أو عن نية سيئة. ولست هنا في مقام محاكمة النوايا، وإنما في مقام محاكمة هذا النقد. هذا النقد يشتمل على أخطاء فادحة جدا، وأنا كما قلت لست بصدد الحديث التفصيلي عن هذه الأخطاء، وإنما بصدد الاثارات التي لعلها تنفعنا إنشاء الله تعالى في مقام اتخاذ الموقف الصحيح من هذا النقد.
لتأييد النقد اسرد أحاديث بشكل سريع:
• الحديث الأول: عن الإمام الباقر قال: «أما انه ليس عند احد من الناس حق ولا صواب إلا شئ أخذوه منا أهل البيت، ولا احد من الناس يقضي بحق ولا عدل إلا مفتاح ذلك القضاء وبابه وأوله وسننه أمير المؤمنين علي ابن ابي طالب ، فإذا اشتبهت عليهم الأمور كان الخطأ من قبلهم إذا اخطاؤ، والصواب من قبل علي ابن ابي طالب إذا أصابوا».
نحن مضطرون الي التسليم بأن الحوزة أولى من كل احد بالحديث بلسان أهل البيت . لان كل الناس إنما يطلبون الحق، ويطلبون العدل. والعدل من أين؟ والحق من أين؟ انه من علي ابن ابي طالب . ومن الذي يعرف حق علي ، وعدل علي ؟ أليس هو المتخصص في الدين. المتخصص في الدين أولى بان يُقصد بطلب هذه الأمور، وأولى بان يتكلم ويصمت غيره في هذه الأمور.
• الحديث الثاني: يقول الإمام الصادق أو أبوه - التردد من الراوي وهو أبو بصير – «لا تكذبوا بحديث أتاكم به احد أتدرون لعله من الحق فتكذبوا الله من فوق عرشه».
• الحديث الثالث: عن سفيان بن الصمت «قال قلت لأبي عبدالله جعلت فداك أن الرجل ليأتينا من قبلك بالحديث ويخبرنا عنك بالعظيم فيضيق بذلك صدورنا حتى نكذبه. فقال أبو عبدالله : أليس يحدثكم عني، قال قلت بلى، قال فيقول لليلِ انه نهار وللنهار انه ليل، قال فقلت لا، قال فقال: رده إلينا فانك إن كذبت تكذبنا».
هذا الحديث أردت أن أذكره لبيان الضابطة في الحكم على ما نسمع أو نرى انه صحيح أو غير صحيح أو انه حق أو باطل. الإمام الصادق يقول هذا الحديث الذي سارعت الي تكذيبه هو مثل الحكم على الليل انه نهار أو مثل الحكم باجتماع النقيضين، قال لا. فقال الإمام الصادق فلم تكذبه.
ضيق الصدر لا يسوغ التكذيب:
إن كنت لا تعلم فرده الي من يعلم. هؤلاء الذي يحاكمون الحوزة ويحاكمون المرجعية هل يستطيعون أن يقارنوا بين ديكارت وبين صدر المتأهلين حتى يعرفوا ظلامة علماء أهل البيت إذ يقاس بهم غيرهم! هل هناك قياس بين ابن رشد وبين السيد العلامة الطباطبائي رحمه الله تعالى! هل هناك قياس بين القانوني عبدالرزاق السنهوري – من أعظم القانونيين في العالم وهو ممن شارك في وضع دستور أكثر من بلد عربي ومن خبراء وفقهاء القانون الأكاديميين – هذا لم يملك نفسه أن يبدي إعجابه الشديد بكتاب شيخنا الأنصاري «المكاسب» المعقود للمعاملات، غير انه وجد انه مكتوب بلغة لا يفهمها أصحابه.
نحن نتكلم عن علم أهل البيت والله هنا لا يعنيني لا الشيخ الأنصاري ولا السيد الإمام ولا السيد العلامة ولا صدر المتألهين، وإنما يعنيني الإمام الباقر والإمام الصادق . أتدري بمن تضحي إن ضحيت بالحوزة؟
الشهيد المطهري رحمه الله تعالى أرسل رسالة الي الإمام الخميني رحمه الله تعالى قال: إن فلان من المثقفين لا يحترم احد من الحوزة إلا أنت. يعني بعد وفاة الإمام رحمه الله تعالى هذا المثقف لا يهتم بأحد من الآخرين: الآخونديين أو الملالي أو طلبة العلم. هذا احترام للدين، هذا لا يعني أن المطلوب منا أن نقدس كل من لبس العمامة، وإنما المطلوب منا اتخاذ مواقف موضوعية وايجابية سليمة في المسائل الشائكة والعالقة والتي فيها التباس.
• الحديث الرابع: عن المفضل ابن صالح قال ابو عبدالله : «خبر تدريه خير من عشرة ترويه وان لكل حقيقة حقا ولكل صواب نورا ثم قال: إنا والله لا نعد الرجل من شيعتنا فقيها حتى يلحن له فيعرف اللحن». اللحن هو الخطأ في الكلام، والمقصود به لغة: الخطأ في الإعراب.
استشهاد بمثال في اللحن:
والمقصود به في هذه الرواية أن يكون الخطأ من قبيل الخطأ في قراءة الآية التالية بهذا النحو: أَنَّ اللّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولِهِ، خطأ. الرسول ليس معطوفا على المشركين، الرسول معطوف على الله سبحانه وتعالى. والقراءة الصحيحة: ﴿أَنَّ اللّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ «التوبة:3». الواو هنا استئناف والرسول مبتدأ والخبر مقدر. لو قرأنا هذه الآية بنحو: ﴿أَنَّ اللّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولِهِ﴾. أي أن الله بريء من الجميع حتى الرسول.
الفقيه لا يكون فقيها حتى يستطيع أن يعرف الخطأ واللحن والباطل من دون أن يقال له ما هو الباطل وما هو الحق. أن يكون العلم قادرا بعد تأسيس الأصول الصحيحة على بناء الفروع. معنى ذلك أن كثيرا مما يحاكم الحوزة يحاكم بأفكار دخيلة، وأقوال وافدة.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد واله الطاهرين..

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق