كانت الأجواء مزدحمة في غرفة فريق إدارة التغيير. فريقنا الصغير كان جزءً بسيطاً في مشروع ضخم يضم أكثر من مائة موظف. أجواء متوترة وأعصاب مشدودة، فنحن على وشك الانتهاء من مرحلة مهمة، والنجاح فيها ضروري لضمان نجاح المشروع بأكمله. ووسط زحمة العمل يدخل (بلاين)، أحد أهم المسؤولين في إدارة المشروع. أشار إلي، وهمس "هل يمكنني الحديث معك؟"
بلاين لم يكن من المسؤولين الذين يتحدثون مع موظفيهم بإسهاب، ونادراً ما يدخلون في حديث حول أمور لا تتعلق بالمشروع. لقد كان معروفاً بالتركيز في العمل بشكل واضح، وهو ما أهّله لمركزه القيادي في ظني. كما أنه لم تجمعه بي أي محادثة مباشرة من قبل. لذلك حين سمعت طلبه للحديث، علمت أن ما يريده بلاين هو أمر متعلق بالمشروع، وأنه أمر هام! خرجت معه إلى الرواق. تبعته وهو يمشي خطوات بعيداً عن الباب، ثم توقف ونظر إلي. "أريدك أن تعرف أن مدير المشروع سعيد جداً بعملك. قد لا تسمح له الفرصة بقول ذلك، ولكني وجدت أن علي أن أعلمك. فشكراً لك، واستمر". فقط. هذا ما أراد بلاين أن يقوله لي!
علمت فيما بعد أن بلاين ومديره اعتادا على تحفيز بعض الموظفين بهذه الطريقة – المدهشة لي على أقل تقدير – كعرفان لجهودهم وتشجيعاً لهم.
وفي أحد الأيام، حين كنت أعبر بوابة أمن للمشاة في الشركة، حدث أمر غريب. حين اقتربت من البوابة لاحظت أن رجل الأمن قد قام من كرسيه وأقبل علي ورحب بي بطريقة لم أعتدها من قبل. لقد مررت بهذه البوابة مئات المرات. رجال الأمن لم يكونوا فظين، ولكنهم يكتفون بالإشارة إلي بالدخول، أو الابتسام والسلام في أفضل الأحوال. أما أن يقوم ويرحب بهذه الحرارة فهذا أمر جديد! مشيت خطوات في دهشة، وتذكرت بلاين. تساءلت: لماذا لا أكلف نفسي أن أشكر هذا الرجل على قيامه بواجبه على أكمل وجه واستقباله للقادمين بهذه البشاشة الاستثنائية؟ رجعت إليه، وقلت لك بلا مقدمات "شكراً، شكراً لهذه الابتسامة والحفاوة في الاستقبال. لقد أفرحتني جداً بتصرفك..." ورحت أكيل عليه عبارات العرفان وهو يقابلني بابتسامة وكأنه غير مستغرب مما أقول. رد علي بهدوء "هذا واجبي". عرفت بعدها أن صاحبي هذا كان محط تقدير الكثير من الزوار ممن أعجبهم أسلوبه وبشاشته.
وبعد أيام، حادثة جميلة أخرى. إحدى زميلاتنا في العمل كتبت رسالة طويلة للمسؤولين في دائرة الخدمات تمدح فيها عاملاً آسيوياً لأدائه الرائع في عمله. كان (أبو بكر) البائع في إحدى نقاط الوجبات الخفيفة في الشركة يعمل كالأخطبوط في تلبية طلبات الزبائن الذين ينهالون عليه طوال اليوم. أعلم ذلك لأنني أحد أولائك الزبائن. ما يميز أبا بكر أن نقطة البيع هذه هي الأكثر ازدحاماً في كل الشركة. في أحد الأيام حسبت عدد الذين يشترون منه في وقت واحد وكان عددهم خمسة وعشرين. عامل واحد وخمسة وعشرون زبونا لا تجد بينهم غاضباً أو متململاً. لماذا؟ لأن أبا بكر، وهو الذي قضى أكثر من عشرين سنة من عمره في هذا العمل، يعمل بسرعة ولياقة عجيبة، ويقابلهم بكل ابتسامة وانشراح. يحفظ طلباتهم ويمازحهم بكلمات عربية حفظها عبر السنين. لذلك لم يكن مستغرباً أن تعود هذه الزبونة إلى مكتبها لتخصص بعض الدقائق لتبحث عن عنوان مديره،وتكتب فيه رسالة طويلة تشكره فيها.
نتحفز عادة للشكوى إن لم تعجبنا الخدمة أو عاملنا الموظفون بأسلوب فظ. ولكن ماذا إن عاملنا موظف بأسلوب حسن فقابلنا ببشاشة وقدم لنا خدماته على أكمل وجه؟ هل نبذل المجهود نفسه في التعبير عن ردود فعلنا الإيجابية كما نعبر عن ردود فعلنا السلبية؟ تأمل حولك، ألا تجد في زملائك من ساعدك كثيراً وتشعر بالإمتنان له؟ ماذا عن العامل الذي يغسل لك سيارتك وذلك الذي ينظف مكتبك كل يوم؟ إن حياتنا مليئة بمن يستحقون منا جزيل الشكر، فهل شكرناهم كما يستحقون؟ إن كلمات الشكر والعرفان والامتنان حين توجه لهؤلاء فإن لها مفعول السحر على قلوبهم، تماماً كفرحتي بكلمات (بلاين) الغير متوقعه، وابتسامة رجل الأمن حين رجعت إليه وشكرته، وسعادة (ابي بكر) حين كرَّمه رؤساؤه بعد رسالة مديح طويلة. فكلمة الشكر الصادقة هي بلا شك.. تذكرة إلى القلب.
شكراً لكم.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق