الخميس، 24 يوليو 2014

«الثور الأبيض» ثمن دَقّ عُنق غزة

أعود لغزة، أو لعدوان وعربدة «إسرائيل» هناك، وكيف أن ما كانت «إسرائيل» تخاله نزهة ترهب به العرب الفلسطينيين بل سائر العرب في وقت انتكاستهم وتقاتلهم..كيف وجدت «إسرائيل» نفسها في ورطة استراتيجية أمام العالم. ويبدو أن الاسم الملائم لعملية «إسرائيل» في غزة هي تقليم المخالب. في بداية هذه المأساة، خرج بعض العرب ممن تعوزهم الثقة بالنفس ليلوموا غزة أنها أجبرت «إسرائيل» أن تعتدي عليها، وهذه سخافة من وزن «لم ارتطم خدك براحة يدي؟!». الآن، صمود غزة أصبح حقيقة، وأخرس أفواهاً كثيرة، لاسيما تلك المؤدلجة، التي لا تنظر لمعاناة الانسان والظلم الذي وقع عليه، ولا تنظر إلى من فقد وما فقد بل إلى كونه من هذا التنظيم أو ذاك. أقول وأكرر أن غزة وأهلها يستحقون أن نناصرهم عصبة لاعتبارات كثيرة واضحة لكن يجب ألا ننسى أبداً أن علينا أن نناصرها للإنسانية وللعروبة، ثم لماذا كل معاركنا مؤجلة مع الأطراف الخارجية، وعلى رأسها «إسرائيل»: فنهادنها أحياناً، ونحاورها في أوقات، ونتفاوض معها لدهور، وما أن يدب الخلاف بيننا فنفجرّ؛ فلا نرحم بعضنا ولا نعذر فنضع لما بيننا من وشائج أي اعتبار أو وزن؟!

شكراً غزة، فقد كشف صمودكِ أننا نستطيع، فثمة مَن يؤمن بأننا لا نستطيع؛ وشكراً غزة فقد كشفتِ حماقاتنا بأننا نستمرئ قتل بعضنا بعضاً فلا نتوقف حتى إن أتى العدو ليهتك أعراضنا ويستبيح دماءنا! وشكراً غزة فقد بينتِ لكل مَن يتقاتل من العرب من حولك أن معركتهم لن توصلهم إلى القدس الشريف بل ستوصل «إسرائيل» إليهم بعد أن يكتشفوا بعد فوات الأوان أنهم «الثور الأبيض» وأنهم كانوا يفتتون بعضهم بعضاً من أجل أن يحكم مَن يبقى منهم أجزاء من خرائب كانت في زمنٍ خزائن للحكمة فجعلوها مصانع للحماقة والتيه، وليسيطر عليهم الأجنبي الذي أكل الثور.

أدرك أن كم الدم الذي سُفك يعمي العيون لكن لابد من التَفَكرّ، ها هي «إسرائيل» المدججة الثرية المنفلتة تريد مسعورةً دق عنق غزة المحاصرة المحدودة مواردها جميعاً إلا الإرادة والصبر والمجالدة، وهاهم العرب قد قبلوا –أو هم على وشك- «إسرائيل» الغاصبة كجارة تُعقد معها الاتفاقات والمهادنات والصفقات، فإن كان الحال كذلك فلم لا يتهادن العرب مع بعضهم البعض؟ لم لا يتوقفون عن هذا الاقتتال ويلتفتون لما هو أهم؛ الحفاظ على ما تبقى من شرف أمتهم. أدرك أن وجهات النظر تتعدد، لكن ظني أن غزة بَينت أن بوصلة العرب ضائعة، وأن عليهم أن يكتشفوها من جديد، ليس فقط من أجل غزة لكن من أجل كرامتهم التي ثبت الآن أنها تمرّ عبر غزة أولاً، ثم للحفاظ على ما يزيد عن عشرة ملايين كيلومتر مربع تمثل قلب العالم ورئتيه ورثناها بعد حروب ودمار وعهود قامت وأخرى اندثرت، لكنها بقيت امتداداً لبني يعرب. وعلينا إدراك أن الحفاظ على ما ورثناه لن يتحقق أبداً بالاقتتال فيما بيننا، إذ يشهد على ذلك التاريخ، الذي خلاصته أنه كلما انكفأ العرب ليقتتلوا داخلياً ويضعفوا تعرضوا لغزو خارجي ولتدخلات أجنبية بوسائل وأساليب شتى، وإلا كيف خضعت معظم الدول العربية للاستعمار والانتداب على مرّ القرون؟ لكل منها قصة غبية، لكنها كانت كافية لتبرير السيطرة عليها من قبل قوى أجنبية، فما الذي يمنع هذا من الحدوث الآن، ونحن نراه «أشكرةَ» في رابعة النهار.

وسيسوق بعض العرب المبررات، لكن لا مبررات تكفي لرهن التراب العربي أو التخلي عنه أو ترك جزء منا يُسلخ جلده ونحن واجمون، إن كنا نفكر بعقلانية ومن باب المصلحة فعلينا أن نفكر دائماً ان عروبة أوطانناً خطٌ أحمر لابد أن ندافع عنه، أي علينا أن نعطي الدفاع عنه الأولوية. ليس في حديثي أية اكتشافات جديدة، أم أن تأسيس الجامعة العربية كان عملاً متعجلاً؟! هناك من نعت جامعتنا بشتى النعوت والأوصاف، لكنها كانت «بيت الحكمة» يرتفع مستوى الحكمة ويخبو تبعاً للإرادة الجماعية للأعضاء؛ فإن تفرقوا تدنت إلى مستوى الحماقة، وإن تراصوا ارتقت للألمعية.

أقول هذا مدركاً أن مسيرة الجامعة العربية كانت انحدارية إجمالاً مع فلتات «نيزكية» لا تدوم طويلاً، كما حدث في قمة الخرطوم ولاءاتها الثلاث. وبالقطع، ليس اليوم كالبارحة، فالوضع الراهن معقد، فقد أصبح «حيلنا بينا» وكان الدم يجمعنا فأصبحت بيننا ثأرات ودم، لكن مآلات ما تعايشه منطقتنا كارثية، كارثية علينا كعرب وليس كارثية على «إسرائيل» ولا على أي دولة مجاورة، فالخسارة خسارتنا بمفردنا، ندفعها دماءً ومالاً وكرامة وضياع هيبتنا وتفتت بلداننا. ما الحل؟ أن نجعل «إسرائيل» تتوقف عن دق عنق غزة ونحن نتفرج كيف عروبتنا تضيع أو ما تبقى منها.

ليست هناك تعليقات: