التعايش مع الآخر شعار .. يجب أن نرفعه في كل لحظة بالرغم من الظروف الصعبة التي تحيط بنا ..والخطوب التي تطوق أعناقنا..
والتعايش مع الآخر ..حلقة جميلة توصلنا إلى بر الأمان إذا استخدمنا حلقاتها بكل أمانة وحكمة.
ولو رجعنا إلى العصور القديمة لوجدنا أن جميع العلوم الموجودة يعتمد انتشارها على هذا الشعار .. بالطبع هناك حلقات أخرى..ولكن من ضمنها هو أن أقرأ وأتعايش مع الطرف الآخر بكل إيجابية وأريحية ..
وهذا لا يعني بأن أتبع مبادئ وقيم هذا الإنسان بالضرورة ..ولكن يعني أن أفهم ما يدور في فكره وأن أعرف كيف أتأمل معه من منظور إنساني قبل أن يكون ديني .. وهذا التعامل يجبرني على أن أفهم الأيدلوجية المعروفة لدى الآخر..وهذا الفهم والوعي الدقيق يسهل ويعطي طابع إيجابي ومعرفي في كيفية التعامل والتعايش مع الطرف الآخر.
أتصور .. أننا يجب أن ننظر إلى المسألة في بداية الأمر – كما قلت آنفا – من منظور إنساني .. قبل كل شيء..ولا يجب أن نقسم هذا التعايش إلى فئات من شأنها أن تجعل وتبعث انشقاق في المجتمع ..
إننا نتعامل مع الآخرين ونتعايش معهم ليس من منطلق عرقي أو طائفي أو عنصري أو قبلي ..بل من منطلق إنساني بعيد كل البعد عن هذه المسميات الآنفة الذكر..
وأتصور هنا ..أن بعض المشاكل التي داهمت المجتمعات وغزت العقول نتيجتها أننا لم نصل إلى الفهم الحقيقي لهذا الشعار بل جرفنا التيار وأصبحنا في دوامة قد فقدنا التوازن حتى تناهبتنا الأعاصير إلى يومنا هذا.
لابد للتعايش مع الآخر لضوابط معينة أهمها :
1- الاعتراف بإنسانية الطرف الآخر..وأنه إنسان قبل كل شيء وله حقوق إنسانية بعيدة كل البعد عن العرق وغير ذلك ..بل يجب أن نفصل هذه الحقوق عن بعض الشوائب التي تحاول أن تلحق بها ..مثال على ذلك : إذا كان هذا الإنسان مسلم يمتلك الحقوق الإنسانية بما تعني هذه الكلمة وإذا فقد هذه الكلمة يفقد معها جميع الحقوق ؟؟!! إذا كان الفرد شيعيا له كامل الحقوق الإنسانية من الاحترام والتقدير وغير ذلك وإذا فقد هذه الكلمة ليس له شيء ؟؟!! إذا كان الفرد سنيا له جميع الحقوق الاجتماعية والإنسانية وغير ذلك وإذا فقد هذه الكلمة يفقد معها جميع هذه الحقوق ؟؟؟!!!!
بالطبع هذه النظرة .. والتي نراها واقعا في مجتمعاتنا بوضوح هي مرض قد استشرى بكل فروعه حتى طال المثقف والعالم قبل العامي..وهذه كارثة خطيرة جدا..تنذر بمآسي حقيقية
نلمسها حاليا في مجتمعاتنا.
2- وبعد الاعتراف ..يأتي الاحترام للمذاهب الموجودة في المجتمع .. بشكل يدعو إلى الألفة والمحبة ..واحترام مذهب الطرف الآخر لا يعني الخضوع لمبادئه بل يعني الاحترام الذي يرقى إلى مد جسور الثقة والتفاهم المتبادل .
3- الابتعاد عن كل خطاب يدعو إلى الفتنة مهما كان قائل ذلك الخطاب .. حتى وان كان صادقا فيما يقوله ..وأنا لا ادعوا الطرف الآخر أن يصم أذنيه بل أدعوه أن يتجاوز بعض الأمور التي تحاول أن تثير زوبعة فكرية أو دينية بين المذاهب الموجودة ..من أجل المحافظة على القيمة الحقيقية لهذه العلاقة .
والابتعاد هنا يجب أن يشمل ..جميع المصنفات التي تسبب فتنة حقيقية .. بين المذاهب ..وقد يقول قائل أنني ادعوا الناس إلى إغلاق باب التفكير والحوار ؟؟ وهو بالطبع تساؤل في محله .. ولكن يجب علينا أن نتبع السبل المهمة في الحوار والتفكير ..وأتصور لو تتبعنا الطريقة الصحيحة لما وقعنا في هذه الخطوب ..الفادحة .
4- محاولة خلق جو من التقارب والتزاور والتداخل بين هذه المذاهب ..من أجل تحجيم الهوة بقدر المستطاع ..بل ومحاولة عدم الاستجابة لأي صوت يحاول أن يفكك هذه الترابط .. بل وعدم الاكتراث له وحث الناس على التقارب ..لكي تقوى شوكة المجتمع ..ويصبح الناس في مختلف مذاهبهم يد واحدة ..ولا نسمح لأي طرف أو فرد أن يدخل بين هذه المذاهب ويفسد ترابطها.
5- محاولة تقبل الطرف الآخر بأخطائه ..وأنا هنا لا أقصد اتباعه ..ولكن يجب أن يتسع صدر الطرف الآخر بشكل كبير لكي يستطيع أن يتأقلم ويجاري أي فئة لها مبادئها ومعتقداتها مهما كان الاختلاف فيما بينها ..
6- توعية عامة الناس بأدب الاختلاف مع أي طرف..ومحاولة حثهم على التقارب ومحاكاة الوضع .. والبعد عن كل ما يحاول أن يعكر صفو العلاقة .. وأتصور أن هذه النقطة مهمة جدا .. وخصوصا من المسؤولين .. لأن عليهم مسؤولية تعبئة الشارع بأفكار من شأنها أن تبعث التقارب في أوساط الناس ونبذ العنف والتشدد وغير ذلك .. ولهذا يجب أن يحمل المسؤول أفكار وسطية تدعوا إلى التقارب والى التعايش مع الطرف الآخر بل ومحاولة تعبئة الشارع والمجتمع بهذه الأفكار ، وعدم السماح لأي طرف مهما كان أن يشوه عقول الناس ويحاول أن يستميلهم من أجل أن يبث في عقولهم بعض الأفكار التي من شأنها أن تلحق الضرر بالمجتمع وبالناس وبالدين ..
هذه بعض الأمور التي حاولنا أن نطرحها من اجل أن نسير وفق منهج رسمه لنا الإسلام والنبي الأعظم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم .. بحكمته وكرمه ..
علينا مسؤولية كبيرة جدا اتجاه المجتمع واتجاه أنفسنا أولا .. واتجاه الطرف الآخر .. وأتصور أن إمكانية التعايش معه أمر يسير بشكل سليم إذا احسنا واتقنا كيفية التعامل وأصبحنا واعين لما نقول ونفعل ونتحرك .. ولانتقاد بشكل مباشر أو غير مباشر لأناس هدفهم اختلاق الفتنة بين الناس وتحطيم أركان المجتمع وهدم سور الألفة والتعايش مع الطرف الآخر ..

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق