بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليك يا أبا عبد الله
قال الله تعالى :" ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر أولئك هم المفلحون "
وقال الحسين الشهيد (ع) :" إني لم أخرج أشرا ولا بطرا وإنما خرجت لطلب الاصلاح في أمة جدي رسول الله أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر "
إن حركة الإصلاح التي نهض بها الحسين في ثورته ضد الظلم هي حركة إمتدادية لمسيرة وإرادة السماء في إحقاق الحق ، وهي ذات الحركة وذات المسيرة التي سار عليها الأنبياء والرسل عبر رسالاتهم الدعوية إلى الله سبحانه .. تهدف هذه الحركة لإعادة التوازن في أمور الحياة ونشر القيم والفضائل وإرساء العدالة المنتهكة من قبل الظلمة والطغاة . فما سار عليه أنبياء الله وأوليائه سابقا من مواجهات وحركات إصلاحية في مجتمعاتهم ، كانت حركة الحسين الإصلاحية ممثلة لذلك الخط وذلك النهج السماوي ..
ثورة الحسين نهضة إنسانية :
ماحدث في كربلاء لم يكن حدثا عاديا ، ولم تكن معركة وقعت أحداثها في تاريخ معين وانتهت بغياب شمس يوم عاشوراء ، بل هي حدث متجدد مع مر الأيام والعصور ولا يزال حتى هذا اليوم يمدنا بألوان العطاء ويشد الهمم ويقوي العزائم وينهض بالقدرة والإرادة الإنسانية لمكافحة كل أشكال الإنحطاط ومواجهة كل أنواع الظلم ومقاومة كل آثار التخلف ، لأنها نهضة تنمية الإنسانية وأنسنة الإنسان وتثبيت القيم وترسيخ المبادئ الإلهية .. شأنها كشأن القرآن الكريم والذي لا يختص مضمونه بعصر نزوله ، إنما يتجدد في كل عصر ، والحسين هو القرآن الناطق وحري بنا أن نفهم نهضته في كل عصر ونتعامل مع معطياتها بما ينهض بفكرنا وثقافتنا وتتقوم به سلوكياتنا وتنتظم به حياتنا لأنه منهج حياة .
ومن الطبيعي أن تحتل هذه النهضة مكانة عند جميع المسلمين وإن كانت قد تغلغلت في أعماق وجدان الشيعة بشكل خاص فهي جزء من الجو الثقافي العام حيث تسهم في تكوين شخصياتهم الثقافية والاجتماعية والسياسية ، لأنها احتلت مكان الصدارة في الأحداث التي غيرت مجرى التاريخ ، وستبقى بما تحمله من مثل وقيم إلهية مدرسة للأجيال تضيء لهم الطريق تتفجر بينابيع الخير والإصلاح حتى يرث الله الأرض ومن عليها .
منهج الفلاح والإصلاح في نهضة الإمام الحسين
إذا تأملنا في الآية القرآنية ومقولة الحسين معا نجد منهجا سماويا يحدد حركة الإصلاح النهضوية للإرتقاء بالانسان إلى مرتبة الفلاح والفوز بالرضا الإلهي ، فالله يدعو بأن تكون هناك أمة داعية للأمر بالمعروف وهو أمر مباشر " ولتكن " ويؤكد في ذيل الآية بأن اتباع هذا المنهج ــ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ــ هو أساس الفلاح ..
معنى الفلاح : أي الفوز والظفر ، وصلاح الحال ، ومعنى حي على الفلاح : أي هلموا واسرعوا إلى الظفر والنجاح والصلاح ، وفلح الشخص أي ظفر بما يريد ،ومعنى الفلاح في القرآن الكريم هو الفوز بالنجاة من النار ودخول الجنة . (موسوعة ويكوبيديا الحرة )
من هم المفلحون الذين أشارت إليهم الآية ؟
وضح الله سبحانه صفات المفلحين في آيات أخريات في سورة المؤمنون في قوله :" قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ .فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ "
فهؤلاء المؤمنون لهم صفات خاصة توضح فلاحهم وهي :
(1) الخشوع في الصلاة يتمثل في الاطمئنان القلبي والتوجه فكرا وقلبا وروحا نحو الله سبحانه ،هذه الصفة تتضمنها قوله تعالى: { الذين هم في صلاتهم خاشعون }.
(2) أعراضهم عن اللغو وهو كل قول وعمل وفكر لم يكن فيه لله تعالى إذن به ولا رضى فيه ومعنى إعراضهم عنه: إنصرافهم عنه وعدم التفاتهم إليه، وقد تضمن هذه الصفة قوله تعالى: { والذين هم عن اللغو معرضون }.
(3) فعلهم الزكاة أي أداؤهم لفريضة الزكاة الواجبة من أموالهم ،وفعلهم لكل ما يزكي النفس من الصالحات وقد تضمن هذه الصفة قوله تعالى: { والذين هم للزكاة فاعلون }.
(4) حفظ الفروج ، وقد تضمن هذه الصفة قوله تعالى: { والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين }
(5) مراعاة الأمانات والعهود بمعنى محافظتهم على ما ائتمنوا عليه من قول أو عمل ومن ذلك سائر التكاليف الشرعية وقد تضمن هذا قوله تعالى: { والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون } أي حافظون.
(6) المحافظة على أداء الصلوات في أوقاتها ،وقد تضمن هذه الصفة قوله تعالى: { والذين هم على صلاتهم يحافظون }.
فهذه صفات من اتصف بها كمل إيمانه وصدق عليه اسم المؤمن وكان من المفلحين الوارثين للفردوس الأعلى كما حدده القرآن الذي هو منهج بناء الإنسان جعلنا الله تعالى منهم.
كيف نتحصل على الفلاح في الحياة الدنيا ؟
هناك قواعد وأسباب يضعها الشارع المقدس ليحصل الإنسان المؤمن على الفلاح من خلالها :
1. التقوى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ "
2. طاعة الله ورسوله : إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ{51} النور .
3. الصبر والمصابرة :
قال تعالى :" ياأيها الذين آمنوا إصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون "
جاء عن الباقر عليه السلام في تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا) قال: (اصبروا على أداء الفرائض وصابروا على أذية عدوكم ورابطوا إمامكم المنتظر)
4. الذكر والشكر :
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :" قولوا لا إله إلا الله تفلحوا " فأساس السعادة والفلاح في الدنيا والآخرة هو في ذكر الله , قال تعالى : ( الذين آمنوا وتطمئن قلوبُهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب ) الرعد / 27 ــ 29
إن في هذه الآية الكريمة إشارة إلى أن ثمرة ذكر الله ألا وهي اطمئنان النفس والقلب والروح , فذاكر الله يعيش الاطمئنان في نفسه وقلبه وروحه , فعندما يداوم المؤمن على ذكر الله ،يشعر في أعماق قلبه بحضوره سبحانه وتعالى وتغمره الطمأنينة في ذلك . لذلك ينبغي أن يكون ذكر الله باللسان والقلب , وليس باللسان فقط , ولا يكفي أن يكون ذكر الله باللسان فقط , دون أن يستشعر القلب هذا الشكر وما يترتب عليه من الامتناع عن المعاصي , والانغماس في الطاعات .
• وبالنظر للمعنى المضاد لهذه الكلمات نجد كلمة واحدة يمكنها أن تقابلها جميعا، مما يعني اشتراكها اللغوي، وهي كلمة "الخسر والخسارة" والتي تعني النقصان والضياع، وفي القرآن الكريم مقابلة واضحة بين كلمتي الفلاح والخسارة.
يقول تعالى: "فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون، ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون" 102- 103/المؤمنون.
مطابقة بين الآيات :
" ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر أولئك هم المفلحون "
"أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون" 5/البقرة.
الآيات في سورة المؤمنون وضحت صفات المفلحون الست ، والآية " ولتكن منكم أمة " وضحت منهج أولئك المفلحون ، ثم تأتي الآية من سورة البقرة " أولئك على هدى من ربهم " لتوضح أن منهج المفلحون هو منهج هداية من قبل السماء ..
كيف يتحقق الفلاح ؟
الفلاح لا يتحقق إلا بتحقق الإصلاح بشكل مطلق في الذات والأسرة والمجتمع ، وهذا لا يتحقق إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما ورد في الآية الشريفة لأن الدعوة إلى الخير لا تتحقق إلا به وهو منهج الفلاح الإلهي ، القرآن حدد من هم المفلحون ووضح أنهم على هدى من الله ، والرسول صلى الله عليه وآله يقول :" الحسين مصباح الهدى وسفينة النجاة "
فمن أراد الهدى تبع نور المصباح ومن أراد النجاة من الغرق ركب السفينة ، وذلك باتباع قول الرسول الذي هو سبب لتحصل الفلاح كما ورد في الآية " إنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ "{51} النور . وهو صلى الله عليه وآله يشير إلى أن طريق الحسين هو طريق الهداية وسبيل النجاة ويدعو لاتباع منهج الحسين النهضوي لأن فيه صلاح الإنسانية ..
ماهو منهج الإصلاح الحسيني ؟
قال الحسين الشهيد (ع) :" إني لم أخرج أشرا ولا بطرا وإنما خرجت لطلب الاصلاح في أمة جدي رسول الله أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر "
فتحدد منهج الإصلاح من خلال الآية وقول المعصوم وهو بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فيحنما خرج الحسين على حكم الطاغية يزيد خرج بسب فساد رأس الدولة الإسلامية التي تدير أمور المسلمين مما تسبب بانتشار الفساد في جسد الأمة إلى درجة لم يكن السكوت فيها حلا ..
سيرة أهل البيت عليهم السلام توضح لنا منهجهم مع الحكومات الظالمة حيث أنهم ينؤون عن تلك الحكومات من أجل بناء الجماعة الصالحة التي تدير دفة قيادة هذه الأمة وهذا ما أسس له الإمام الحسن عليه السلام ، ومن بعده الإمام الحسين عليه السلام في عهد معاوية ، لكن عندما تولى الحكم يزيد لم يعد لتلك القاعدة السلمية أن تؤثر في الساحة فلم يعد مجال لوجود صلاح في الأمة بعد تولي يزيد ، وخروج الحسين عبر عنه عليه السلام بالإصلاح . والسبب يعود إلى خطورة موقعية يزيد على رأس الأمة وهو يمثل رأس الفساد ، لأنه يمثل دور قيادة الأمة حيث يمسك بيديه مفاتيح الثروة والقوة ، والناس عادة تتحرك خلف الشخصية التي تمتلك القدرة على العطاء والمؤثرة تأثيرا حاسما على الوضع الفكري والمعيشي للفرد وتحاول التقرب منه للنيل من عطاياه ، فإن كان رأس الأمة وقائدها شاربا للخمر متجاهرا بالفسق والفجور فهو يشيع الفساد الخلقي والروحي في جسد الأمة ليحللها من قيم الدين ومبادئ الإسلام .
والحسين عليه السلام يمثل القيادة الإلهية للأمة ، وسكوته على سريان ذلك الفساد في جسد الأمة الإسلامية ، يعني إباحته لكل ما يصدر من يزيد ، فكان خروجه تصحيحا لمفهوم الدين وإنفاذا لفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وليبين ضرورة حفظ الدين وفدائه بكل ثمين حتى بالروح قال تعالى :" الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتو الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور " الحج /41.
فقد يشب حريق في أحد المنازل ، إذا لم يخمد سريعا فسوف يتسبب بانتشار الحريق حتى في المنازل المجاورة له ، ومثل ذلك لو ظهر منكرا في أحد الأشخاص إذا لم نسعى لتغيير هذا المنكر وإصلاح هذا الفرد فسوف يتسبب ذلك بانتشار الفساد في المجتمع بأسره ، ذلك لأن السكوت عن السلوك المنكر وترك المعروف ، سوف يوسع دائرة ذلك السلوك ، وقد يسحب الفرد الساكت إلى دائرته المنحرفة ، أو قد يقع ضحية له ، وهذا يعني أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يرفع الشر والضرر عن نفس الفرد أيضا .
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يعني الأمر بكل ما فيه مصلحة وصلاح الإنسان والمجتمع والنهي عن كل ما يتسبب بالضرر لهذا الإنسان ولمجتمعه حتى لو لم يكن ذلك ضررا ظاهرا لكن أثره قد يظهر على المدى البعيد ..
بالنتيجة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وظيفة أساسية في حفظ التوازن في المجتمع الإسلامي ، وسبب لإبعاده عن الانحرافات الفكرية والسلوكية وهي منهج الإصلاح المؤدي إلى وصول المجتمع بأفراده إلى مستوى الفلاح الدنيوي والأخروي .. جعلنا الله وإياكم من المتمسكين بنهج الحسين والسائرين عليه .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق