بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله على محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين .
ربِّ اشرح لي صدري ، ويسِّر لي أمري ، واحلُل عقدةً من لساني يفقهوا قولي .
عبادَ الله ! أوصيكم - ونفسي - بتقوى الله .
وإن من تقوى الله عز وجل يكون الإنسانُ محسناً في أقواله وفي أفعاله . وما تلقيناه عن أئمة الهدى ( صلوات الله وسلامه عليهم ) ؛ مما تلقوه عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وتلقاه هو عن الله عز وجل ، كلُّه يصب في هذا الاتجاه .
فقد روي عنهم ( صلوات الله وسلامه عليهم ) قولُهم : جُرُّوا إِلَيْنَا كُلَّ مَوَدَّةٍ )(١). وأقوال كثيرة تصب في هذا الاتجاه . منها قولهم ( عليهم السلام ) : كُوْنُوا لَنَا زَيْناً ، وَلا تَكُوْنُوْا عَلَيْنَا شَيْناً )(٢).
كيف نكون محسنين ؟
والسؤال المنطقي الذي يُثار في مثل هذه المواضع ؛ إذا سمعنا مثل هذه النصوص ، هو : كيف يكون الإنسان كذلك ؟ يعني كيف يكون الإنسان محسناً في أقواله وفي أفعاله ؛ ليكون سبباً إلى جرِّ المودة لله ولرسوله ولآله ( عليهم أفضل الصلاة والسلام ) .
الجواب عن ذلك : أن الإنسانَ يدور أمره بين الجمال أو الحسن ، والقبح ، أو الجمال والتشوه .
فإذا كان الإنسانُ جميلاً ؛ في قوله ، وفي فعله ، وفي روحه ، وفي ضميره ، كان سبباً لإضفاء الجمال على ما ينتسب إليه ؛ من دين ، ومن مذهب ، ومن فكرة ، ومن أسرة ، ومن منطقة ، وهكذا .
وأما إذا كان بخلاف ذلك ؛ بأن كان قبيحاً ، وصار متشوهاً ، كان سبباً لتشويه ما ينتسب إليه ؛ من دين ، ومن مذهب ، ومن قبيلة ، ومن منطقة ، وهكذا .
بلوى الإرهاب
وما ابتُليت به الأمة في هذه الأيام ؛ مما يحصل في شمال العراق ، أو في شمال سوريا ، والتحق بهم - أخيراً - شمال لبنان ، يمثل الجانبَ القبيحَ لهذه الأمة ؛ التي لا يرجو ولا يأمل مسلمٌ أن يبقى الحالُ على ما هو عليه بهذا النحو .
نعمة المقاومة
وفي المقابل هناك صورةٌ مشرقةٌ حصلت في غزة . هذه المقاومة والممانعة الجميلة ؛ مع ما فيها من ثمنٍ غالٍ ، إلا أنها أعطت صورةً مغايرةً ، صورة يحبها وينشدها كلُّ صاحبِ ضميرٍ حيٍّ ؛ في سبيل مطالبة ذوي الحقوق بحقوقهم .
وإذا أردنا أن نكون دائماً في الصورة المشرقة والحسنة ؛ مبتعِدِين - دائماً - عن الصورة المشوَّهة والمشوِّهة ، فلا بد لنا أن نرجع إلى ما أنزل الله عز وجل على رسوله من قرآن كريم ، ومن السنة المطهرة ، على مستوى النظرية أولاً ، وعلى مستوى التطبيق ثانياً .
عبر من معركة أحد
وبمناسبة ذكرى معركة أحد التي وقعت في السنة الثالثة للهجرة ؛ بعد مرور سنة وشهر عن معركة أخرى ؛ هي معركة بدر ، أريد أن أقف عند بعض الآيات ؛ لنأخذ بعضَ العِبَر بشكلٍ موجزٍ وسريعٍ وخاطفٍ .
النبيُّ الأعظمُ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لما ضُيِّق عليه وضُيِّق على أصحابه في مكة المكرمة ، ومنعه كفارُ قريش من أن يمارسوا حقَّ التدين لله عز وجل أولاً ، وحقَّ الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى ثانياً ، اطر إلى أن يدفع ببعض أصحابه إلى الهجرة إلى الحبشة ؛ عبر مرحلتين ، ثم اضطر هو أن يقدم بعضَ أصحابه مهاجرين إلى المدينة ، ولحق بهم ليؤسس مجتمعاً إسلامياًّ .
اليهود سابقاً والاستكبار لاحقاً
وقد كان الوضعُ في المدينة المنورة مأساوياًّ ؛ من حيث التعايش الاجتماعي . فقد كانت هناك حروبٌ ضروسٌ بين الأوس وبين الخزرج . فمع أنهم يلتقون في نسبٍ بعيدٍ لكن نزغ الشيطانُ بينهم ؛ فوقع بينهم ما وقع حتى أصبح هؤلاء فريقاً وأولئك فريقاً . وكان اليهود الذين يقيمون في المدينة المنورة يحرشون بين الطرفين ، ويعتاشون على الفتنة بين الفريقين ؛ كما يحصل بالضبط هذه الأيام .
حينما يأتي شخصٌ ويدعم الصهاينةَ بأسلحة ليحافظ على التفوق لهم ؛ ليمارسوا الإبادةَ في غزة ، في الوقت نفسه يهدد الإرهابيين في شمال العراق ، أننا سنمنعكم عن أن تقوموا بإبادة في حق الإيزديين والمسيحيين .
نفس الطريقة التي كانت في السابق ؛ في التحريش بين الناس ، تُمارَس الآن .
وللأسف الشديد في هذه الأمة سماعون ، بسطاء ، سذج ، أغبياء ، هذا أقل ما يمكن أن يوصفوا به ؛ إذا أردنا أن نبتعد عن الحكم على نواياهم بأنها نوايا سيئة ، مبيتة في هذا الجانب .
الله سبحانه وتعالى ابتلى المسلمين بنصرٍ في بدر ، فُرِض عليهم أن يؤدوا لله عز وجل حقَّ الشكر ، غير أنهم في أحد لمَّا لم يراعوا شروطَ النصر الذي كتبه الله عز وجل لمن ينصره ، وقع بهم ما وقع ؛ حتى أصيب رسولُ الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، واستُشهد عددٌ من أصحابه ؛ قد يصلون إلى خمسة وسبعين شهيداً على رأسهم سيدُهم سيدُ الشهداء حمزة ( عليه أفضل صلوات المصلين ) ، فحصل نكبةٌ .
لكن اللهَ سبحانه وتعالى ما أراد للمسلمين أن يقفوا عند هذه النكبة دون أن يتعلموا كيف يتجاوزون هذه المحنة ؛ بالتعرف على أسباب ما وقعوا فيه .
لذلك ، أريد أن أقف عند بعض هذه الآيات .
الآيات هي في سورة آل عمران ، الآية 144 إلى 148. وقلت البحث في هذا طويل لا أريد أن أخوض كثيراً ، لكن أريد أن أخذ بعض العبر فقط .
يقول الله عز وجل ﴿ وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ . أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ . وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ . وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتاباً مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها ، وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها ، وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ ، فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَما ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكانُوا ، وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ . وَما كانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا ، وَثَبِّتْ أَقْدامَنا ، وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ . فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ ، وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [ آل عمران 144 - 148 ] .
هناك آيات سبقت هذه الآيات الشريفة ، وهناك آيات أُخَر لحقت هذه الآيات ؛ ليشكل مجموعُ هذه الآيات وآياتٌ أخرى في سور أخرى في القرآن الكريم تبين ما الذي حصل ؛ كواقعة ووقائع . وما هي وجوه الخلل التي وقع فيها المسلمون ، وتسببت في أن يلحق بهم ما لحق ؟
كما أن هناك آياتٍ أخرى بينت أسبابَ النصر والفتح في بدر وفي غير بدر .
هنا ثمان عِبَر أريد أن أقف عندها مستلهمين من الآيات الشريفة .
1 - سنة الموت
العبرة الأولى : أن الله عز وجل له سنن ، ومن سنن الله عز وجل التي لا تختلف ولا تتخلف ، وهذا قانون . يعني مثل ما أن الرياضيات فيها قوانين ؛ الواحد إذا أضفنا إليها واحداً تكون النتيجة اثنين لا مجال للتغيير ولا للتعديل ، هناك سنن اجتماعية ، هناك سنن تاريخية ، سنن قد لا تُصنَّف في هذا العلم أو ذاك لكنها سنةٌ .
منها : سنة الموت ﴿ إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ﴾ [الزمر/ 30] . لا يُستثني أحدٌ من الموت . ولذلك ، يكون الإنسانُ مخطئاً ، بل أبله ، إذا أراد أن يخطط لحياته بعيداً عن هذه السنَّة . فإن سنةَ الموت حاكمةٌ على الجميع ؛ اليوم أو غداً أو بعد غد ، طال الزمن أو قصر ؛ فإن الإنسانَ ميتٌ ؛ حتى لو كان في مثل مقام رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .
ولذلك ، لا يسوغ للإنسان أن يخطط [ للموت ] ؛ سواء عبر الإقدام على شيء يسبب موته ؛ فإن الله عز وجل إذا لم يقدِّر له أن يموت ، حتى لو أقدم [ هو ] على هذا الفعل ، والذي يبدو في ظاهره أن نتيجته الطبيعية هي الموت ، إذا لم يأذن اللهُ عز وجل ، ولم يحدِّد أجله في هذا الوقت وفي هذا التوقيت ، فإن أي فعلٍ لا يمكن أن يسلب الإنسانَ حياتَه ، لا بفعل نفسه ، ولا بفعل الآخرين .
ولذلك ، نجد أن المؤمن ؛ إذا استقر الإيمان في قلبه ، لا يخاف من الموت ؛ لأن خوفَه من الموت لا يبعد الموتَ عنه . وبالتالي ، هو - بطبيعته - شجاعٌ . لا يعني أنه لا يخاف أن يضرب ، أو يجلد ، لكن الخوف لا يبعد الموتَ عن الإنسان مهما فعل ، الدنيا كلها لو اجتمعت على أن تؤخر أجل إنسان لا تستطيع ذلك ، أو أن تقدم أجلَ إنسان لا تستطيع ذلك .
ولذلك ، فإن الذين كانوا سبباً من أسباب ما حلَّ بالمسلمين في ( أحد ) هو أنهم لم يفقهوا هذه السنَّة التي أنزلها الله عز وجل بالناس .
ونبدأ ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ ﴾ [آل عمران/ 144] النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) سيحل عليه سنَّةُ الموت ؛ سواء بشكل طبيعي ؛ وهو ما نسميه بالموت ، أو بسبب غير طبيعي ؛ وهو ما يسمى عادةً بالقتل الذي يؤدي إلى الموت .
هذا أمرٌ لا يمكن أن يفر عنه . وبالتالي ، لا تربطوا اعتقادكم بالدين وبالحق على أساس أشخاص ؛ مهما علا قدرُهُم عند الله عز وجل ؛ فإن الرسولَ سيموت وأنتم أيضاً ستموتون ، وأجلُ الله عز وجل محسوم في هذا الاتجاه .
2 - لزوم المبدئية
العبرة الثانية : هي ضرورة أن يكون الإنسانُ مبدئياًّ .
بمعنى : أن يبحث عن الحق . وحينما نقول ضرورة أن يكون الإنسان مبدئياًّ يعني أن نعرف الأشياءَ على ما هي عليه . إذا آتانا الله عز وجل القدرةَ على أن نتعرف على الأشياء ؛ كالشيء نبصره ، وكانت قدرة الإبصار عندنا سليمة ، وتوفر لدينا القرب المناسب والشروطُ المناسبة لنرى الشيء على ما هو عليه . سنحكم على الأحمر بأنه أحمر ، وعلى الأسود بأنه أسود ، وعلى الأبيض بأنه أبيض ، وهكذا .
حينئذٍ فلنعمل على أن نفعِّل هذه القدرة والآلة التي آتانا الله عز وجل عليها في النظر ، وكذلك في السمع ، وكذلك في الوسائل الأخرى .
فليس لي ، ولا لك ، بل يخرج الإنسان من دائرة الإيمان ويدخل في دائرة التعصب التي تنتهي بنا إلى الكفر بالله ، ولذلك أصول في الأخبار ، أن يسمى الإنسانُ الشيءَ بغير اسمه ؛ فيقول للأسود - في لونه - أنه أبيض ، وللأبيض - في لونه - أنه أسود . هذا نوع من أنواع الخروج عن المبدئية . هذا في ما يتعلق بالمسائل المحسوسة .
وإذا كان الأمرُ يتعلق بمسائلَ غيرِ محسوسة ؛ مما نتلقاه عن الله عز وجل ؛ مثل المسائل الشرعية والأحكام الشرعية . الأحكام الشرعية ليست شيئاً يمكن لي ولك أن نبتدع فيها ، ونبتكر فيها ؛ فنقول : أن هذا حلال ! وأن هذا حرام ! ﴿ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس/ 59] . هذا تعييبٌ وتعييرٌ لأولئك الذين أرادوا أن يصنفوا الأشياء بغير إذنٍ من الله ، بغير وحي من الله عز وجل ، أن هذا حلال ، وأن هذا حرام .
الله سبحانه وتعالى يقول ﴿ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلهِ ﴾ [يوسف/ 67] .
فإذا أردنا أن نسمي شيئاً بأنه مشروع أو غير مشروع وننسبه إلى الله لابد أن نرجع في ذلك إلى أصلٍ قرآنيٍّ ، أو أصلٍ روائيٍّ مرويٍّ عن رسول الله ، أو أصلٍ مرويٍّ عن أهل البيت تلقوه عن الأئمة بالشروط المعروفة في أوساط أهل الاجتهاد وأهل الاستنباط . وأما إذا تصدى للإنسان للإفتاء في أحكام الله عز وجل بغير علم فقد ورد التحذيرُ من رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أنه : فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ )(٣).
لا يجوز للإنسان ، وهذا مثل حقوقنا الطبيعية نحن البشر ، لا نرضى أن ينسب إلينا أحدٌ شيئاً لم نقله ، ولم نفوضه بأن يتكلم عنا ، لا نسمح له . فإذا كنا نحن لا نسمح فاللهُ عز وجل من باب أولى لا يسمح .
ولذلك ، نلاحظ هذا في ما يتعلق العبرة الثانية ، الله سبحانه وتعالى قال ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ ﴾ [آل عمران/ 144] أنتم آمنتم برسول الله الشخص ، أو برسول الله المشروع ؟!
إذا كان لرسول الله الشخص فليس هذا إيماناً بالله ، إنما يجب عليكم أن تؤمنوا برسول الله الذي يحمل وصفَ الرسالة ، الذي يحكي عن الله عز وجل . فإذا كان رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يعترضه الموت في بدنه فلا يعترضه الموت في مشروعه الذي جاء به من عند الله عز وجل .
وبالتالي ، المسلم مسلم ، في حياة رسول الله وبعد رسول الله ، وكما أن التقوى هي الميزان في التفاضل بين الناس المعاصرين لرسول الله ، هي نفسها أو هو نفسه الميزان لمن يأتي بعد رسول الله . فاللهُ عز وجل حينما يقول ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾ [الحجرات/ 13] . لا فرق في ذلك بين أن يكون الشخصُ معاصراً لرسول الله أو غيرَ معاصرٍ لرسول الله ، وإذا فرضنا أن شخصاً جاء بعد رسول الله هو خيرٌ في تقواه ممن عاصر رسولَ الله سيكون - بمنطوق الآية الشريفة - أفضلَ عند الله عز وجل من أولئك الذين عاصروا رسولَ الله .
ولذلك أصولٌ في الروايات ؛ فإنه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) تشوَّق ذات يوم إلى إخوانه ؛ كما وصفهم ( إخواني ) ، قال له بعضُ مَن حضر من أصحابه ( أَوَلَسْنَا إِخْوَانَكَ ) ! قال : كلا ، أنتم أصحابي ، ( إخواني ) ، ووضع لهم هذا الوصف ، أولئك الذين يأتون من بعدي ويؤمنون بي ولم يروني(٤). وفي رواية أخرى ( طُوبَى لَهُم )(٥)، وكرر ذلك ثلاثاً .
3 - عمل الإنسان ينفعه ويضره
العبرة الثالثة : أن الإنسان إذا فعل فعلاً حسناً فالنفعُ له ، وإذا فعل فعلاً سيئاً وقبيحاً فالضررُ عليه . أما الله عز وجل ومشروعه فلا ينالهم منا خيراً ؛ لأنه الغنى بذاته ، كما لا يمكن أن يناله منا الشرُّ ؛ فالله عز وجل عزيزٌ ومنيعٌ من هذا الجانب .
وبالتالي ، من مصلحتي ومن مصلحتك ومن مصلحة الإنسان نفسه أن يكون ساعياً لتحقيق المصالح الحقيقية لنفسه ؛ بالاستهداء بما يؤدي به إلى إدراك هذه المصالح ونيلها ؛ قولاً وفعلاً .
فلا يضر بشريعة الإسلام أن ينتكس أحدٌ هنا أو هناك . والآيات الشريفة ؛ هذا المقطع الذي ذكرناه ، يقول للناس الذين تخاذلوا عن الامتثال لقول رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : أنتم في تخاذلكم هذا لم تضروا الدين ، أضررتم أنفسكم . أما هذا الدين فقد قدَّر اللهُ عز وجل أنه سيغلب ؛ في زمان رسول الله سيغلب ، وبعد رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) سيغلب .
وحتى هؤلاء الذين يسيئون للدين - في مثل هذه الأيام - هم في الحقيقة قد يعرقلون - بعضَ العرقلة - مسيرة التدين ، لكن إنما يسيئون لأنفسهم .
جذور الوحشية الإرهابية
فهذا الإرهاب ؛ الذي نعيشه هذه الأيام واستاء منه العقلاء وأصحاب الضمير الإنساني ، نخبرهم أن هذا ليس المحطة الأولى ، سبقها محطات كثيرة أُسيء فيها للإسلام ؛ بنفس الطريقة ، قطع الرؤوس ، وحز الرؤوس ، وأكل الأكباد .
في معركة أحد هذه نفسها ، ألم يُمثَّل بجثة سيدنا حمزة ( عليه أفضل الصلاة والسلام ) . الذين مثلوا بهذه الجثة هم أسلاف هؤلاء . وكان المشركون ؛ الذين حلوا بالأبواء في رحلته هذه إلى غزو المدينة المنورة ، قد نزلوا بالأبواء ، وتشاوروا فيما بينهم أن ينبشوا قبر آمنة أم رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، غير أن بعض أصحاب الفطنة عندهم حذروهم ، من أنكم إن نبشتم قبرها فستنبش قبور آبائكم . فالذي ردعهم ليس أن هذا الفعل قبيح ، إنما ردعهم خوفُ العقاب(٦).
مثل هؤلاء الذين يريدون أن يقولوا نحن نريد أن نقيم الدين ! لكن بالتأكيد حينما يحذرهم مَن صنعهم ؛ بطريقة أو بأخرى ، أن قفوا عند حدكم ! سنجد أن هذا الدين سيقيمونه في البقعة التي ( سُمِح ! ) لهم أن يقيموا فيها هذا الدين ، أما البقعة التي حذروهم منها ؛ أن يصلوا إليها ، فليطمئن أصحاب تلك البقعة !! أن هؤلاء لن يصلوا إليها ؛ لأن الأمر الذي صدر إليهم - أولاً - أُوقِف عندما وصلت إلى هذه النقطة .
هذا ما ينبغي أن يُفهم في هذا الباب .
4 - الإحسان لأهل الإحسان
العبرة الرابعة : أن الله عز وجل يقول : جزاء المحسن الإحسان . كما أن جزاء المسيء أن يتحمل تبعاتِ عمله .
فإذن ، علينا أن نفعل ماذا ؟
علينا أن نكون محسنين دائماً . فـ ﴿ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى ﴾ [النجم/ 39] . أنا وأنت نصنع مصيرَنا وعاقبتنا هنا . فالإنسان هنا يشيد جنته ، أو - نعوذ بالله - النيران التي تحرقه .
5 - حب الدنيا والآخرة
العبرة الخامسة : هي انهم الناس ليسوا سواءً في محبتهم لله عز وجل من جهة وانعكاس ذلك على محبة الآخرة . وفي المقابل محبة غير الله عز وجل ومحبة الدنيا ، وحب الدنيا والآخرة لا يجتمعان ؛ فهما ضرتان ؛ فإن الله عز وجل يقول ﴿ مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ ﴾ [الأحزاب/ 4] .
وليس المقصودُ بحب الدنيا ألا تملك شيئاً وإنما أن لا يملكك شيء . يعني : أن تكون حراًّ ، أن لا تبيع دينك بدنياك ، أن لا تبيع دينك بمنصب يؤمنه لك فلان أو فلان ، أو بمال ، أو بمغنم يطمع فيه هذا أو ذاك .
والرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) نبه أولئك الذين أمرهم أن يقف على تلك التلة ؛ وهم الرماة ، أن لا ينزلوا في جميع الأحوال والظروف . إن رأيتمونا لا تشتركوا معنا ، وإن رأيتمونا ننتصر لا تشاركونا ، إن رأيتمونا نُهزَم لا تشاركونا.
لكن - للأسف الشديد - لم يطيعوا رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، فاستحلت الدنيا في عيونهم . فلما وجدوا المسلمين قد غلبوا في الجولة الأولى وأخذوا يغنمون ، وكان الحكم العام أن مَن يأخذ الغنيمة فهي له ، خافوا - بسبب محبتهم للدنيا - أن تفوتهم الغنيمة . فوتوا نصر الله ونصر رسوله ونصر الدين وأرادوا الدنيا . وبالتالي ، وقعوا في ما وقعوا فيه .
ولذلك ، الآية تقول أن الله سبحانه وتعالى سيجزي الشاكرين . والشاكر هو من يعمل بنعمة الله عز وجل كما ينبغي أن يُعمل بها .
6 - ضرورة الصبر
العبرة السادسة : هي أن الإنسان لا يستغني عن أن يكون صابراً في جميع محطات حياته . بالخصوص أصحاب المبدأ .
ولذلك ، فإن المعتدين ماذا يفعلون ؟
المعتدون يحاولون أن يسلبوا الإنسان إرادته ؛ كما فعلوا مع إخواننا في غزة . يقصفونهم ، ثم يقصفونهم ، المرة والمرتين والثلاث والأربع ، يقتلون الأطفال والنساء ، ويحرمونهم من كل أسباب الحياة الكريمة ، ليس الغرضُ أن يهدموا ؛ لأنه لو أطاعوهم لشيدوا لهم البنيان ، الغرض هو أن يكسروا إرادتهم حتى مطيعين . وإذا لم ينالوا ذلك في الحرب سيسعون إلى أن ينالوه في طاولة المفاوضات .
ولذلك ، المؤمن الصابر يعتقد أن النصر صبر ساعة . صبر ساعة يكفي في تحقيق النصر . ولذلك ، يقومون بعمليات احتواء .
ولو أن أولئك الذين كلَّفهم رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أن يبقوا على التلة بقوا لَما حصلت تلك الانتكاسة من أولئك المسلمين بسبب أولئك الكفار الذين هجموا .
7 - سمو الأهداف
العبرة السابعة : هي سمو الأهداف
لا يليق ، ولا ينبغي ، للإنسان المسلم أن ينحط في أهدافه . إن لنفسك ثمناً ؛ وهو الجنة . لا يسوغ للإنسان أن يفعل ذلك لأن الله عز وجل أراد أن يجعل طموحَ كلِّ واحدٍ منا جنةً ﴿ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ ﴾ [آل عمران/ 133] . وليس الدنيا بهذه السنوات القليلة ، وليس هناك تعارضٌ بين هذه وتلك ، لكن لا يجوز أن نجعل هناك تصادمٌ بين الدنيا والآخرة ؛ لنجعل الآخرة ضحيةً للدنيا ؛ كما يفعله أصحاب غيرِ المبادئ .
8 - العاقبة الحسنة للمحسنين
العبرة الثامنة : هي أن العاقبة الحسنة والمصير النهائي الجيد إنما يكون لأهل الإحسان ، النصر في الدنيا والفتح التام في الآخرة .
لذلك ، لاحظوا قول الله عز وجل عن الأقوام السابقين الذين كانوا مع الأنبياء وأراد للمسلمين أن يجعلوهم قدوةً لهم ﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ ﴾ [آل عمران/ 146] . الرِّبِّيون يعني : الربانيون ، الصادقون في إيمانهم ﴿ فَمَا وَهَنُوْا لِمَا أَصَابَهُمْ ﴾ يعني : تتوقع أن تكون مبدئياً وتطالب بحقك المشروع ، ثم يأتي الظالمون ويسلموك هذا الحق على طبق من ذهب ؟!
لا ، يجب عليك أن تقاوم ، وتطالب بحقٍّ ، وسيمانعونك بالباطل ، لكن أصحاب الحق الغلبة دائماً تكون لهم .
﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران/ 146] . وهذا مبدأ عام ، في جميع مجالات الحياة هو أداة ضرورية لمن يريد أن ينجح ؛ في شؤون الدنيا وفي شؤون الآخرة .
﴿ وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ﴾ [آل عمران/ 147] . الأخطاء منا نحن البشر ، أما النصر والتأييد فهو من الله عز وجل ، والبعيد عن الله عز وجل لا يستطيع أن ينال النصر التام في جميع المراحل .
ما هي النتيجة ؟
﴿ فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ ﴾ [آل عمران/ 148] . إذا كان الإنسان يرجو فتحاً هنا فما ادخره الله عز وجل لأهل الإحسان في الآخرة لا يمكن أن يُقاس بما يناله الإنسان [ هنا ] مهما كان هذا الأمر حسناً ﴿ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِيْنَ ﴾ .
جعلنا الله وإياكم من أهل الصبر والشكر ، وجعلنا وإياكم من المحسنين .
اللهم صل على محمد وآل محمد .
اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن ؛ صلواتك عليه وعلى آبائه ، في هذه الساعة ، وفي كل ساعة ، ولياًّ ، وحافظاً ، وقائداً ، وناصراً ، ودليلاً ، وعيناً ؛ حتى تسكنه أرضك طوعاً ، وتمتعه فيها طويلاً .
اللهم انصر الإسلام والمسلمين ، واخذل الكفار والمنافقين .
اللهم اشفِ مرضانا ، وارحم موتانا ، وأغنِ فقراءنا ، وأصلح ما فسد من أمر ديننا ودنيا .
وصلى الله على محمد وآله الطاهرين .
---------------------------------------
(١) مقولة للإمام الحسن العسكري ( عليه السلام ) ، بحار الأنوار ، ج 75 ، ص371 ، الباب التاسع والعشرون : مواعظ أبى محمد العسكري عليهما السلام وكتبه إلى أصحابه ، الحديث 12.
(٢) مقولة للإمام الحسن العسكري ( عليه السلام ) ، بحار الأنوار ، ج 75 ، ص371 ، الباب التاسع والعشرون : مواعظ أبى محمد العسكري عليهما السلام وكتبه إلى أصحابه ، الحديث 12.
(٣) وسائل الشيعة ، كتاب الحج ، أبواب العشرة ... ، 139 - باب تحريم الكذب على الله ورسوله وعلى الأئمة ، الحديث 5 ؛ صحيح البخاري ، كتاب العلم .
(٤) صحيح مسلم ، باب استحباب إطالة الغرة والتحجيل .
(٥) الأحاديث المختارة = المستخرج من الأحاديث المختارة مما لم يخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما (9/ 99) .
(٦) انظر : كتب السيرة النبوية ، أحداث معركة بدر .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق