الثلاثاء، 15 يوليو 2014

موظفون تخصصهم «زحلقة»

قيل قديماً للنجاح ألف أب، أما الفشل فيتيم لا أب له، وعندما نلاحظ كمية التلميع والتغطية التي تبذل لإضفاء صفات النجاح والابداع والتفاني لذهلنا، لكن أين النتائج؟ ومن يقيسها؟ وما دام الأداء لا يقاس فيبقى «الانطباع» سيد الموقف، فأصبح لدينا من يعمل لإضفاء انطباع وصنع صورة ذهنية أكثر منه لتحقيق نتائج على الأرض! وأذكر أثناء دراستي الجامعية أني قضيت صيفاً متدرباً في إدارة المشاريع في «شدقم»، حينها تصادف رمضان مع أشهر الحر الحارقة، وكانت الجداول الزمنية تطبع بطابعات عملاقة على أوراق من المقاس الضخم، وكانت مهمتي متابعة جزئية صغيرة من المشروع وتتبع أزمنة نشاطاتها وتوافر مواردها، وكان المسئول موظفا أمريكيا في منتصف العمر، فما أن اتي في السادسة صباحاً حتى يبدأ الجولة الصباحية، ويصحبني معه لأسجل ملاحظات اعرضها عليه عند العودة للمكتب، كان في حالة عمل دائم لا يتوقف عن القيام بشيء أو متابعة ميدانية أو اتصال أو كتابة أو حضور اجتماع، ذات يوم سألته بعد أن عدنا من الجولة اليومية في جو شديد الحرارة: لماذا لا تشرب بعض الماء؟ قال: في رمضان لا آكل ولا أشرب شيئاً أثناء ساعات العمل، وعندما استفسرت عن السبب، أجاب: لأكون تحت نفس الظروف التي يعمل تحتها البقية، وبذلك لا يقول لي أحد إنه لا يستطيع الخروج للميدان لأنه صائم، فأنا لم آكل ولم أشرب مثله تماماً.
ما لفت اهتمامي حرص الرجل على العمل ضمن الفريق، وأن يتماهى معهم لأبعد حدّ ممكن، وهذا يعكس الاهتمام بالإنجاز وبأن يعمل معه فريق منتج، وبالمقابل ذهبت بالأمس القريب لأمر له صلة بهاتف لي، أخذت قصاصة عليها رقم، وبانتظار أن يأتي دوري أخذت أشاهد ما يدور حولي، فوجدت أن من الموظفين من يعمل بحماس ويسعى لخدمة المراجعين، وعلى النقيض منهم من تشعر أنه يعدّ الثواني حتى ينتهي الدوام، فيمارس مع المراجعين أسلوب الكرات الطائشة، فيزحلقهم هنا وهنا، المهم ألا يعمل!
نجاح المؤسسات أمر يعتمد على تراتبية تشمل فريق عمل قد يصغر أو يكبر، لكن يبقى أن رئيس الفريق يتحمل جزءاً مهماً من مسئولية نجاحه وفشله، وهذه التراتبية تعني أن مسئولية مدير صالة الخدمات التي زرتها قبل أيام عليه أن يراقب موظفيه كالنسر ويحفزهم للإنتاج، ليس بمفهوم الانضباط المدرسي، بل رغبة في تحقيق أفضل النتائج لفريق العمل فيحقق الأهداف التي تم الاتفاق عليها مع الإدارة الأعلى، وهكذا ترتقي المسئولية في التراتبية حتى تصل لرئيس المؤسسة؛ انطلاقاً من أن صاحب الصلاحية قد فوض أحداً للقيام ببعض مسئولياته، وعليه تحمل تبعات التفويض، فإن لم يستطع الفرع أن يؤدي المهام المناطة به، فيتحمل المسئولية مدير الفرع، فهو لم يتنبه لموظفيه، ولم يتابع انتاجيتهم، ولم ينذرهم، وكان الزبون هو من دفع الثمن. لكن الزبون يدفع الثمن بعض الوقت بعدها سينتقل إلى منافس، ومع هجرة الزبائن تبدأ مؤسسات في التقلص وأخرى بالتوسع والازدهار.
وكما أتذكر بكثير من التقدير صيام المهندس الأمريكي حتى يشعر بإحساس العاملين تحت الشمس، فيما أستغرب مراوغة بعض الموظفين وتجنبهم أداء أي عمل وكأنه أتى ليسجل هدفا نظيفا ويغادر، والهدف النظيف هو أن يحصل على راتب دون أن يقوم بأي عمل، أو أن يعمل شيئاً عند الاضطرار لكنه لا يبادر، ولا بأس أن «يزحلق» العمل والزبائن على زملائه! لكن بالمقابل هل من الانصاف القول إن هذا الموظف غير مسئول ومهمل؟ أم نقول إن المؤسسة التي يعمل بها لم تحفزه بما فيه الكفاية؛ فلم توجد فارقاً بين من ينتج ومن يتثاءب طيلة ساعات الدوام! تصور لو أن مركز الخدمة الذي كنت أزوره، حفز موظفيه ليس فقط للحضور بأجسادهم، بل وفقاً لما ينتجونه، ومن يخدم عدداً أكبر من الزبائن يحصل على أعلى مكافأة، فمثلاً بالإمكان أن يتكون راتب الموظف الشهري من جزءين: أساسي لانضباطه في الدوام، وتحفيزي وفقاً لإنتاجيته.
يبدو أن ممارستنا الإدارية السائدة تقوم على دفع راتب مقابل حضور الموظف للدوام، دون أن يستشعر مسئوليهً أكبر وأهم، وهي أن يساهم في تحقيق أهداف المنشأة التي عمل لديها، بأن يكون منتجاً، لكن كيف؟ هل توجد أهداف محددة للموظف لكي ينجزها؟ وهل يميز النظام بين من ينتج ومن لا ينتج؟ لكن النظام يعاقب من يخطئ، بمعنى أن من لا ينتج لا يخطئ فلا يعاقب، أما من ينتج فقد يخطئ ويعاقب، ولذا فلا بد من التخلي عن تقييم المظهريات والانطباعات وقيد الحضور والانصراف، والانتقال إلى مكافأة النتائج والتميز بين الموظفين وفقاً لإنتاجهم، لكنهم سيكونون دائماً بحاجة لمدير يشعر بهم ويعمل معهم.

ليست هناك تعليقات: