رمضان شهر يتضاعف فيه النشاط الاجتماعي، فتتزاور الأسر كما لا تفعل في أي شهر آخر، فتكثرّ الدعوات من إفطار وغبقات وسحور، وهذا يتطلب استعدادات مكثفة، وتتزايد الضغوط على ربات المنازل لإعداد الموائد وتجهيز الأطباق والتحضير لاستقبال الضيوف، وهذه مهام شاقة فيها تكلفة مجهدة، لاسيما أننا نبالغ في إكرام الضيف إلى حدّ البَطرّ؛ ولابد من تتابع في الخدمة من قهوة وبخور وشاي وطعام وحلويات ومزيد من القهوة والشاي، والكثير الكثير من الترحيب، ويصبح البيت ومن فيه رهن طلبات الضيوف. هذا أمرّ تربينا عليه واعتدناه مؤخراً، أما فيما سلف من الأيام فقد كنا بسطاء، نعزم بعضنا بعضا على «حاضر العرب»، ويعذر بعضنا بعضاً، ولا زلت أتذكر دعوات الإفطار في الاحساء؛ أطباق صغيرة متنوعة من اللقيمات والبلاليط والساقو والثريد والهريس وبعض الخضراوات الورقية، توضع أمام كل ضيف، فيها عناية واهتمام أكثر من تكلّف المفاطيح و«السخانات» التي بعضها يكاد لا يمسه المدعوون. قبل أيام دعيت إلى سحور، ولفت اهتمامي أن الطعام كان سندوتشات وبعض المأكولات لكنها منظمة في حصص صغيرة بصورة بهية فيها تنوع وخالية من التكلف، والتفت المضيف قائلا، هذه من اعداد إحدى الأسر المنتجة، تناولت لقيمات من هنا وهناك، ولم أخف إعجابي بهذا الترتيب.
لكن هناك أسبابا موضوعية تتطلب أن نفكر كمجتمع في تجنب المبالغة في كميات الطعام، حفاظاً على النعمة أولاً وقبل كل شيء، وحفاظاً على الأموال من الضياع، ومع كل ذلك أن المجتمع يعاني من ندرة الخادمات المنزليات وارتفاع رواتبهن وتكلفة استقدامهن، بمعنى أن الحل العملي على المدى المتوسط، ليس ان «ندوخ السبع دوخات» لنقنع أندونيسيا والفلبين والهند وسواها من البلدان لترسل لنا عاملات، بل أن نعود للواقع، فنسعى للسكن في بيوت تتناسب مع حجم الأسرة، ونتخلى عن التكلف فهو ليس بالضرورة من علامات الكرم بل في كثير من الأحيان بهرجة واستعراض ومناسبة لالتقاط الصور!
وبالقطع هناك من سيقول إن هذا الطرح ليس واقعياً بل حالماً، لكن لم يكن تواجد الخدم في المنازل ظاهرة عامرة قبل عقود قليلة، لكن بدأت البيوت تكبر، وأخذنا نستقدم العمالة بداية للعمل في المنشآت الربحية ثم انتقلت العدوى لبيوت الأثرياء، وتبعهم من يليهم ثروة ثم من يليهم، حتى أصبح تواجد خادمة منزلية من مستلزمات تجهيز بيت الزوجية، وقد لا أكون مبالغاً إن قلت إن الخادمة قبل الزوجة، ولن أقول أهم! فالخادمة هي التي تطبخ وتدير المطبخ وتنظف المنزل والملابس وتعتني بالأطفال وتلاحقهم بل وتصحو معهم صباحاً وتجهزهم للمدرسة بما في ذلك ارتداء الزي المدرسي وتناول الإفطار واصطحابهم للباص أو برفقة السائق إلى المدرسة!
نحن أمام مرحلة علينا الاعتماد على الذات أو استقدام من يساعد ربة المنزل لوقت جزئي، أي بضع ساعات في النهار وليس أكثر، والسبب هو ما نعايشه من ندرة البلدان التي يمكن أن نستقدم منها خادمات، وارتفاع تكلفة تشغيلهن، إضافة لسعي بلادهن لوضع اشتراطات ترفع التكلفة بمعدلات عالية وتجعل اشتراطات عقود العمل في المنشآت الربحية أخف وطأة. وهكذا، فالإصرار على الاستمرار بالاستقدام وأن تعيش الخادمات في البيوت على مدار الساعة هو أمر لابد أن يتغير. أقول هذا مدركاً أنه ليس حلاً مريحاً لكنه هو ما ستؤول إليه الأمور وفقاً لما نشاهد من مقدماتها المعاشة، لكن لا أجد أن الأمر كارثي، فالمطلوب أن تتعاضد الأسرة وأن يدرك الجميع أن أول خبرة يكتسبها أي منا للتعاون والتعاضد والتكاتف هي في المنزل، بأن يتعاون ويتعاضد ويتكاتف مع بقية أفراد الأسرة بأن يتحمل مسئولية من نوع أو آخر، ولن يجد أحق من والدته وأخواته ليتعاضد معهم، أما التصرف ك «سي السيد» ويتصرف معه الذكور الصغار باعتبارهم مشاريع «سي السيد» فهذا أمر سيجعل الأمور أكثر صعوبة على الجميع.
وبالقطع فمن الصعب أن تعود عقارب الساعة للوراء، وليس مطلوبا أن نعيش كما الآباء والأجداد، ولكن لابد أن نطور أسلوب حياتنا المرتكز إلى أن أحداً يقوم على خدمتنا وألا نخدم أنفسنا نحن، أمرّ محبط جداً ان تجد طفلاً بكامل صحته يطلب أن تجلب له أمه أو أخته أو الخادمة ماء رغم أنه «خالي أشغال» وأتعب الكنبة من جلوسه وكسله! أو أن ترفض فتاة في مقتبل العمر أن تحضر المائدة أو أن تطهو الطعام! وتجد شاباً استهلك بسيارته اسفلت شوارع الحي لكنه يرفض أن يتبضع من البقالة أو أن يأخذ احدى أخواته مشواراً وكأن هذه المهام من اختصاص السائق أما هو فاختصاصه عدم التعاون مع أقرب الناس إليه.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق