الاثنين، 21 يوليو 2014

محورية القرآن الكريم في فكر أمير المؤمنين (عليه السلام)

الإمام علي شهيد الفكر التكفيري

نعيش ذكرى شهادة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( عليه أفضل الصلاة والسلام ) ، والذي ذهب ضحيةَ فتنةٍ داخليةٍ تسبب الفكرُ التكفيريُّ في التضحية بشخصٍ كان يُرجَى أن يكون سببَ نجاةٍ لهذه الأمة ؛ لأنه رمز التقوى ، ولأنه معلم التقوى ، ولأنه ربيب التقوى.
تلك المشكلة التي ذهب أميرُ المؤمنين ضحيةً لها تتكرر في مختلف الأزمنة بطرق وأخرى ، والأمة في هذه الأيام تعيش هذا الفكر ، والذي نعاني منه بصور مختلفة ، وكأن الشغل الشاغل لهذا الفكر هي تمزيق قضاياها الكبرى .

العدوان على غزة وهزال الأمة
فها نحن نعيش عدواناً صهيونياًّ آثماً على أهلٍ لنا في فلسطين غير أن الأمة أشبه ما تكون - كما ذكرنا في الأسبوع الماضي - أشبه بالمشلولة لا تستطيع أن تفعل شيئاً . والسبب الرئيسي في ذلك هو هذه الفتن التي ألمت بالأمة . نسأل الله تعالى أن يجمع شملها على التقوى .
لو عدنا إلى فكر أمير المؤمنين ( صلوات الله وسلامه عليه ) والذي أرشد رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وأمر بطاعته بمثابة طاعة رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وبيَّن أن أمير المؤمنين عليه أفضل الصلاة والسلام سيقاتل على تأويل القرآن كما قاتل رسول الله (ص) قومه على تنزيل القرآن الكريم .
يعني أن القرآن الكريم ؛ وكذلك السنة ، لا يكفي أن تكون موجودةً في أوساط الأمة ما لم يحسنوا التعاملَ مع الكتاب الكريم والسنة المطهرة عبر إتيان البيوت من أبوابها ، وأمير المؤمنين ( صلوات الله وسلامه عليه ) من أبواب النجاة ، وأبواب التقوى ، وأبواب معرفة القرآن الكريم والسنة المطهرة .
فإذا ضُرب هذا الباب ستكون الأمةُ في حالة خبط عشواء ؛ كما عاشته وتعيشه هذه الأيام .

التكفيريون وتشتيت الأمة
ألسنا نسمع الفتاوى يميناً ويساراً لا تعرف متى يحل الشيء ومتى يحرم ؟!! ومتى يكون خطأ ومتى يكون صواباً ؟! لأن كثيراً ممن تصدى للفتوى ولتوجيه الأمة - للأسف الشديد - يجد أسباب القتل موجودةً في الأمة ؛ فيحرض الناس على أن يذهبوا إلى قتال المسلمين !! فإذا بان عدوانٌ كالذين نجده هذه الأيام في غزة نجدهم مطبقي الأفواه لا يتكلمون بما يجب أن يتكلموا به ؛ وهو أن هؤلاء - المظلومين في غزة - يشاركونك في الدين ! يشاركون في الرؤية ! ويشاركونك في المظلومية !
ولو أن الأمةَ اجتمعت - بعضَ الاجتماع - لما تجرأ هؤلاء الأوغاد الصهاينة أن يفعلوا ما يفعلون ، ويعيثوا في الأرض فساداً لا يستطيع أحدٌ أن يتكلم ، لولا أن الله عز وجل بعث في الأمة بعضَ الهمة وبوسائل متواضعة استطاعوا أن يقولوا لهم : لن نكون كما كنا في السابق ! ولن تكونوا - أنتم - كما كنتم في السابق ؛ تعيثون في الأرض فساداً لا يستطيع أن يقول لكم أحد شيئاً !
إذا عدنا لكلام أمير المؤمنين ( عليه أفضل الصلاة والسلام ) سنجد أنه قد وضع لنا معالمَ ما يجب أن نختطه ؛ إذا أردنا النجاةَ لأنفسنا .
وأذكر ذلك بشكل مختصر في مسائل سبع . والموضوع كله يدور حول ( محورية القرآن في فكر أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه ) ؛ إتباعاً لما ذكراه في الأسبوع الماضي من أن هذا الشهر هو ربيع القرآن .

المسألة الأولى : لزوم العمل بالقرآن

في فكر أمير المؤمنين ( صلى الله وسلامه عليه ) ؛ وهو تلميذ رسول الله والتلميذ النجيب والخريج الأول ، والذي تواترت الشهادات عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بأن الارتباط به ؛ أي بأمير المؤمنين ، كما هو الارتباط بالعترة الطاهرة والارتباط بالقرآن الكريم معاً ، هو الذي يعني الاعتصام بحبل الله عز وجل ( إِنِّي تَارِكٌ ( أو مُخَلِّفٌ ) فَيْكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوْا بَعْدِي أَبَداً كَتَابَ اللهِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِيْ )([1]). حتى لو كان هناك حديث آخر بعنوان ( وسنتي ) هناك أيضا حديث ( وعترتي ) ، ويتكامل الحديثان في التأكيد على أن علياًّ ( عليه أفضل الصلاة والسلام ) هو - كما ذكر الطبري - هذا وشيعته في الجنة أو إلى الجنة([2]).
يقول أمير المؤمنين ( صلوات الله وسلامه عليه في وصيته التي ألقاها على مسامع أهل بيته الذي حضروه عند شهادته عليه أفضل الصلاة والسلام ) في ضمن وصية طويلة ، يقول :اللّهَ اللّهَ فِي الْقُرْآَنِ ، لا يَسْبِقْكُمْ بِالْعَمَلِ بِهِ غَيْرُكُمْ )([3]).
فإذن ، هناك وصية منه ؛ والإنسان إنما يوصي بالشيء الذي يرى أن سلامة من يوصي إليه في العمل به . والقرآن الكريم عند أمير المؤمنين ( صلوات الله وسلامه عليه ) جديرٌ بأن يُوصي أهلَه ويوصي من يحبونه ويحبهم أن يلتزموا العملَ بالقرآن الكريم قبل أن يعمل به الآخرون . بل الإمام ( عليه السلام ) يدعو إلى المسابقة في العمل بالقرآن الكريم بشكل أكبر.

المسألة الثانية : الدور الوظيفي - الشفاء والهداية
أمير المؤمنين ( عليه السلام ) حينما يوصي بالعمل بالقرآن الكريم والسبق إليه لا ينبع ذلك من فراغ ، بل لأن القرآن الكريم في فكر أمير المؤمنين ( صلوات الله وسلامه عليه ) ؛ وهو الفكر الإسلامي الأصيل ، فإن له دوراً وظيفياًّ يتمثل ف يأمرين أساسيين :

· الشفاء من ناحية
· والهداية من ناحية أخرى
كما نص القرآن على ذلك وذكره أمير المؤمنين ( صلوات الله وسلامه عليه ) .
وفي ذلك أذكر مقطعين اثنين :
أ - يقول عليه السلام : فَاسْتَشْفُوْهُ [ أي القرآن ] مِنْ أَدْوَائِكُمْ ، وَاسْتَعِيْنُوْا بِهِ عَلَى لَأْوَائِكُمْ ، فَإِنَّ فِيْهِ شِفَاءً مِنْ أَكْبَرِ الدَّاءِ ؛ وَهُوَ الْكُفْرُ وَالنِّفَاقُ ، وَالْغَيُّ وَالضُّلالُ )([4]).
الإنسان يعرض له الخطأ والخطل في التفكير ، وبالتالي لا يستطيع أن يضع الأمر في مواضعها السليمة ؛ ولذلك يحتاج إلى مصابيح تنير له الواقع حتى يعرف الشيءَ على ما ينبغي أن يُعرَف عليه . فإذا تأمن له الفكر النير بقي عليه أن يعمل على وفق هذا الفكر ويسير على ضوئه . حينئذٍ ، يتجنب الخطأَ إلى الصواب ، ويتجنب الباطلَ إلى الحق .
القرآن الكريم بوصية لأمير المؤمنين ( صلوات الله وسلامه عليه ) ، وبوصفٍ قرآني للقرآن الكريم ؛ وهو وصف الله عز وجل للقرآن الكريم ، يقول : إذا أرادتم أن تستشفوا من ( أَدْوَائِكُمْ ) ؛ أي من أمراضكم ؛ الأمراض الفكرية ، والأمراض الأخلاقية ، لن تجدوا ذلك إلا في القرآن الكريم وما نبت من ثمر طيب من هذه الشجرة المباركة .
هذا ما يريده صولات الله وسلامه عليه . هذه جهة الشفاء .

وأما الهداية فيقول عليه السلام – في نص آخر ؛ في الخطبة نفسها - :
... وَاسْتَدَلُّوْهُ عَلَى رَبِّكُمْ، وَاسْتَنْصِحُوْهُ عَلَى أَنْفُسِكُمْ ، وَاتَّهِمُوْا عَلَيْهِ آَرَاءَكُمْ، وَاسْتَغِشُّوْا فِيْهِ أَهواءكم )([5]).
الإنسان عنده رأي يصيبه بعقله ، وعنده ميول تتحرك من خلال إرادته وهواه . هذا العقل ، وهذه الإرادة وهذا الهوى ، قد يوافق الواقعَ ، وقد يخالف الواقعَ . فإذا وافقنا الواقعَ وصلنا إلى الله سبحانه وتعالى ، وإذا الواقعَ ذهبنا إلى حهة أخرى .
أمير المؤمنين ( صلوات الله وسلامه عليه ) يقول إذا أردتم الدليل على الله عز وجل ؛ الدليل النظري ، والدليل العملي ، الدليل الظاهري ، والدليل المعنوي إلى الله سبحانه وتعالى ، يعني من أراد أن يصل إلى الله ؛ أي إلى الحقيقة المطلقة ؛ أي إلى الكمال المطلق ، وإلى السعادة التامة ، فإن عليه بالرجوع إلى الله ولن يرجع إلى الله إلا أن يدله القرآنُ عليه .
ولذلك ، يقول ( اسْتَدِلُّوُهُ ) يعني : وابحثوا عن الدليل على الله عز وجل في القرآن الكريم . يعني الدليل النظري من جهة ، والعملي من جهة أخرى . من أراد أن يسير إلى الله عز وجل ويسلك السبيلَ إليه فلا بد له من أن يرجع إلى القرآن الكريم [ هذا ] من ناحية.

الناحية الثانية : الإنسان يحتاج إلى مَن يعينه في مثل هذه السبل .
والذين يتصدون للإعانة :
· هناك من يصح أن يستعان بهم .
· وهناك من لا يصح أن يستعان بهم .
إنما يستعان ويُستنصح بالمخلص والعارف والنزيه . الآخرون الذين يخالفون القرآن الكريم بالتأكيد لا يحملون هذه الصفات ، في حين أن القرآن الكريم الذي ﴿ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِه ﴾ [فصلت / 42] ، والذي نزل من عند ﴿ الْعَزِيْزِ الْحَكِيْمِ ﴾ يحمل كلَّ هذه الخصائص بشكلٍ كاملٍ .
ولذلك ؛ ( اسْتَنْصِحُوْهُ عَلَى أَنْفُسِكُمْ ) . فإذا ما وجد الإنسان في نفسه ؛ على مستوى عقله ، على مستوى قلبه ، ميلاً وانحيازاً عن القرآن الكريم ، وليس ميلاً وانحيازاً إلى القرآن الكريم ؛ فإن عليه أن يشكك في نفسه ! لا أن يطعن في القرآن الكريم ويشكك في القرآن الكريم ، وبالتالي يتلاعب بمضامين القرآن الكريم بما يتناسب وهواه ؛ كما سنأتي على ذكره في آخر المسائل .

المسألة الثالثة : انسجام معارفه وعلومه
إن القرآن الكريم - حينما يريد أن يربينا على سلسلة المعارف والتعاليم - لا يوقعنا في ارتباك ، كما قد نقع فيه نحن ؛ إذا تصدينا للعليم ، أو إذا ذهبنا إلى عالم التعلم ، قد نوجه أنفسنا ، أو يوجهنا غيرُنا ، مرة بهذا الرأي ، ثم سرعان ما نجد لرأي مختلفاً ، كما أشرنا إلى أن الفكر التكفيري وأساتذته وتلامذته هذه إحدى بلاواهم .
إحدى بلاويهم أن المسلم يجب المباردة إلأى قتاله وتكفيره وتبديعه !! في حين أن الخصم الآخر لا بد من التروي والتأني والتريث ، ولا ينبغي لنا الاستعجال ، وينبغي أن نكون عقلاء وحكماء في المعارك التي تُشن معه !!
مع المسلم يستشيطون غضباً ، حتى الطبيب الذي كان ينبغي أن يعالج الناس ، ينفخونه حتى يلبِّسوه هذه الأحزمة الناسفه فيفجر نفسه فس خلق الله ! يعني بدل أن يتصدى لعلاج الناس يحرضونه حتى يقتل الناس ! وأي ناس ؟! إخوانا له في الدين ! اختلف معهم واختلفوا معه . أما ذا ذاك الصهيوني الذي يحتل بفلسطين ويتلاعب بمقدرات الأمة ويهينها فإن الأمر يجب أن يكون عليه برداً وسلاماً .
هنا يدعون للحكمة !! ويدعون للعقلانية !! أما هناك تجد أن الفتاوى والمواقف تستغرب من أن أين تصدر منهم .
هذه من المشاكل لأنهم في الحقيقة لا يستقون من معينٍ نزيهٍ ، ولا من معينٍ طيبٍ ، وإنما يستقون الفكر من معينٍ قذرٍ ، ومن معينٍ متسخٍ. نسألل عز وجل لنا ولكم السلامة .
ينقل أمير المؤمنين ( صلوات الله وسلامه عليه ) عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ؛ ليعرِّف بمكانة القرآن الكريم . يقول :
وَذَكَرَ ( صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآَلِهِ ) أَنَّ الْكِتَابَ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضاً ، وَأَنَّهُ لا اخْتَلافَ فِيْهِ فَقَالَ سُبْحَانَهُ ﴿ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافاً كَثِيراً ﴾ [النساء/ 82] )([6]).
( وَيْنْطِقُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ ) أي يفسر بعضه بعضا ( وَيَشْهَدُ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ ، وَلا يَخْتَلِفُ فِي اللّهِ ، وَلا يُخَالِفُ بِصَاحِبِهِ عَنْ اللّهِ )([7]).
يعني : هناك تناغم تام بين تعاليم القرآن الكريم حيث تؤدي بك بشكل سلس ومرن إلى الله سبحانه وتعالى . لا تتفرق بكم السبل ، وإنما هو سبيل واحد وصراط مستقيم.

المسألة الرابعة : سعة المعارف القرآنية وشموليتها - الماضي والحاضر والمستقبل
إن القرآن الكريم معارفه واسعة تؤمِّن لنا معرفةَ لما مضى بشكل صحيح ، ومعرفةً للحال الحاضر بشكل صحيح ، ومعرفةً للمسائل المستقبلية بشكل صحيح .
ونحن لا نستطيع أن نقطع الصلة بين هذه العوالم الثلاثة . يعني أننا لا نستطيع أن نقطع صلتنا بالماضي ؛ لأن هناك مسائل ماضية لكنها تتدخل في رسم واقعك . كذلك هناك مسائل مستقبلية هي التي تحدد لك أهدافَك ! لا نستطيع - كما يقول بعضهم - : لنُلغِ الماضي ولنطوِ هذه الصفحات !! 
مَن يستطيع أن يطوي الصفحة عن هابيل وقابيل ؟!
مَن يستطيع أن يطوي الصفحةَ عن آدم وإبليس ؟!
مَن يطوي الصفحةَ عن محمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وأبي جهل وأبي لهب من ناحية أخرى ؟
مَن طوى هذه الصفحة لن يستطيع أن يعرِّف نفسَه الطريقَ الذي يؤدي به إلى الجنة ، أو نعوذ بالله يؤدي به إلى النار .
إنما نعرف - ونستطيع - التخطيط لمستقبلنا إذا أحسنا التعامل مع ماضينا .
وهذا ما يؤمنه لنا القرآن الكريم . يقول علي ( عليه أفضل الصلاة والسلام ) : وَفِي الْقُرْآَنِ نَبَأُ مَا قَبْلَكُمْ ، وَخَبَرُ مَا بَعْدَكُمْ، وَحُكْمُ مَا بَيْنَكُمْ )([8]).
تريدون أن تمِّنوا لأنفسكم موقفاً فكريا سليما ؛ تستطيعون النجاة به من المخاطر ومن المحن والابتلاءات على ما ينبغي أن تنتهوا إليه ؟!
عليكم بالرجوع إلى القرآن الكريم .
وقد ذكرنا مراراً أن مدرسة أهل البيت ( عليهم أفضل الصلاة والسلام ) تجعل القرآن ميزاناً حتى في ما يتعلق بما يُنسَب ويروى إلى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وإلى ما يسنب ويروى إلأى الأئمة ( علهيم أفضل الصلاة والسلام ) . فإذا شككنا أن هذا النص مما روي أو لم يُروَ فإن الميزان في معرفة هذا النص وصحته ومقبوليته واعتباره وإمكانية قبوله أن نعرضه على القرآن الكريم ، فـما خالف كتاب الله فهو زخرف ([9]).
وبالتالي ، لا نستطيع أن نستغني عن هذا القرآن . ويخسر من يفرق في الرجوع إلى القرآن الكريم نسأل الله أن نكون وإياكم من أهل القرآن .

المسألة الخامسة : البصيرة والوعي
لا يكف يأن يكون عندك قرآن قد سمى الأشياء بأسمائها ، ووضع النقاط على الحروف بشكل كامل ، وإنما لا بد أن نحسن فهمه ؛ لنحسن التعاملَ معه . ويقول أمير المؤمنين ( عليه أفضل الصلاة والسلام ) ؛ عن الدين عموماً ، والقرآن يمثل الدين ، يقول ( عليه السلام ) : عَقَلُوْا الدِّيْنِ عَقْلَ وِعَايَةٍ وَرِعَايَةٍ ، لا عَقْلَ سَمَاعٍ وَرِوَايَةٍ ، فَإِنَّ رُوَاةَ الْعِلْمِ كَثِيْرٌ ، وَرُعَاتَهُ قَلِيْلٌ )([10]).
قد يحسن كثيرٌ من الناس أن يحفظ ، قد يحسن كثير من الناس أن يطبق ، لكن العبرة - في حسن التطبيق - هو حسن الفهم في الدرجة الأولى . مَن فهم وأحسن الفهمَ سهل عليه أن يكون من أهل التطبيق الحسن . والأمران توأمان ؛ لا نستطيع أن نفرق بينهما . لا يكفي أن نفهم ، بل لا بد أن نعمل ، ومن الخطر أن نعمل دون أن نفهم !
فإن مَن قتل أمير المؤمنين ـ ومَن حرَّض على قتل أمير المؤمنين ، ومَن يحرض - الآن - على قتل المسلمين ؛ بعضهم لبعض ، وتبديع بعضهم لبعض ، إنما هو فهم بعضَ الدين على حساب الدين الآخر ! ونحن ندفع الثمن للأسف الشديد ؛ نتيجة هذا الاعوجاج في الفهم ، والاعوجاج في التطبيق.

المسألة السادسة : جذور الانحراف وبذوره
كيف يقع الانحراف بين الناس ؟
يعني حينما نؤكد على القرآن الكريم في الحقيقة نحن نريد أن نبحث عن الجواب لمثل هذه المسألة ، وعن هذا التساؤل الذي بيَّنه صلوات الله وسلامه عليه ) في هذا الجانب ، يقول :
إِنَّمَا بَدْءُ وُقُوْعِ الْفِتَنِ أَهْوَاءُ تُتَّبَعُ ، وَأَحْكَامُ تُبْتَدَعُ ، يُخَالَفُ فِيْهَا كِتَابُ اللّهِ )([11]). 
يعني : من أعطاه الله عز وجل كتابا لا يأتيه الباطل من بين يديه ومن خلفه ، وتركه ، ثم أخذ يستنبط آراء ومواقف تنبع من هواه ؛ لأن هذا ابن قبيلته ، أو هذا مدينته ، أو هذا ابن منطقته ، أو حتى هذا ابن مذهبه أو ابن دينه ، سيضل عن قول الله عز وجل ﴿ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا ، اعْدِلُوا ؛ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ﴾ [المائدة/ 8] .
نحن حينما نقول أن أهل غزة مظلومون يجب أن ينتصر لهم لأنهم أهل حق ، لا لأنهم يشاركوننا في الدين فقط ؛ وإن كانوا يشاركوننا في الدين ، غير أنهم – إلى جانب ذلك – هم أصحاب حق ، ولو كانوا مثل غيرهم أصحاب باطل لما وجب الانتصار لهم ؛ كما نقول عن أصحاب هذا الفكر المنحرف الذي يريد أن خرج من هذه المنطقة إلأى تلك المنطقة ليخرب هنا ، ويفسد هنا ، هو يشاركنا في الدين ، لكنه - للأسف الشديد - صاحب دعوى باطلة ؛ لا يصح الانتصار له ، بل يجب الوقوف بوجهه ؛ بتعريف زيفه وكشف حقيقته ، شرط أن يتاح ذلك لأهل الفكر ولأهل العقل ، لا أن يُمنَعوا ويُحرَموا ، حتى إذا وقعت الطامة لا تستطيع الأمة أن تحسن التعامل مع مثل هذه المسائل .
وما نعيشه - للأسف الشديد - من التخبط على مستوى الأمة عموما في مشارق الأرض ومغاربها ، في الحقيقة نحن نعيش إفرازات أخطاء متراكمة . ليس الخطأ قد وُلِد يوم أمس وقبل أمس ، أخطاء بعيدة ومتراكمة تحتاج إلى علاج جذري . نسأل الله عز وجل أن يوفق الجميع إلى ذلك.

المسألة السابعة : حملة القرآن
إن القرآن الكريم - حينما نقول بضرورة العمل به - للتعامل معه أبواباً يجب أن نطرقها . فلو أن أحداً أراد أن يدخل إلى عالم القرآن من غير الباب الذي أراد اللهُ عز وجل للناس أن يدخلوا إليه ، فلن يحصلوا على قراءة صحيحة للقرآن الكريم ، وتفسيرٍ صحيحٍ للقرآن الكريم ، وتأويلٍ صحيحٍ للقرآن الكريم . لأن القرآن – كما نعرف – حمل ذو وجوه . يمكن لصاحب الهوى أن يجد آية هنا وآية هناك ، بل إن القرآن الكريم نفسه حذر ﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ؛ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ ، وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ﴾ [آل عمران/ 7].
فإّن ، لا بد أن نرجع إلى القواعد والقوانين والأِخاص الذي جاءت الشهادة من رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لهم أنهم أهل القرآن وحملته . ومنهم صاحب هذه المناسبة ؛ أعني أمير المؤمنين ( صلوات الله وسلامه عليه ) ومن ادخره الله عز وجل سببَ نجاةٍ للأمة ؛ حيث قد روي عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنْ الدُّنْيَا إِلا يَوْمٌ لَطَوَّلَ اللهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ ؛ حَتَّى يَخْرُجَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي ؛ يَمْلَأُ الأَرْضَ قِسْطاً وَعَدْلاً بَعْدَ مَا مُلِئَتْ ظُلْماً وَجَوْراً )([12]).
يقول : وَلَنْ تَأْخُذُوْا بِمِيْثَاقِ الْكِتَابِ حتّى تعْرِفُوْا الّذِي نَقَضَهُ ، وَلَنْ تمَسَّكُوْا بِهِ حَتَّى تَعْرِفُوا الَّذِي نَبَذَهُ ) يعني : لا نخلطْ الحابل بالنابل ونقول : كلٌّ إلى خير ، بل لابد أن نفرز القرآن ، ومن عمل بالقرآن ، وما سار وفقا لقرآن الكريم ، ( فَالْتَمِسُوْا ذَلِكَ مِنْ عِنْدِ أَهْلِهِ ) أي أهل القرآن والحق ( فَإِنَّهُمْ ) يشير إلى أهل البيت وأهل الحق ( عَيْشُ الْعِلْمِ ، وَمَوْتُ الْجَهْلِ )([13]).
ويقول عن المهدي ( عجل الله تعالى فرجه ) أن من خصائص الإمام المهدي إادة الاس إلأى القرآن الكريم ؛ بعد هذا التيه الذي اشتطوا به وأخذوا أنفسهم إليه ، يقول : وَيْعْطِفُ الرَّأْيَ عَلَى الْقُرْآَنَ ، إِذَا عَطَفُوْا الْقُرْآَنَ عَلَى الرَّأْيِ )([14]).
يجب أن تكون الحاكمية الحقيقية الفكرية للقرآن الكريم ، لا أن نفسر القرآن بآرائنا ، بل ينبغي أن تكون آراؤنا تحت ظل القرآن .
نسأل الله عز وجل أن نكون وإياكم من أهل القرآن ومن حملته ، ومن عرفاء القرآن ، ومن العاملين به والآخذين بكل ما فيه من أوله إلى آخره .
ونجدد التعزية بمصاب مولانا أمير المؤمنين ( صلوات الله وسلامه عليه ) ، ونسأل الله عز وجل أن ينجي هذه الأمة وينصرها حيث كانت .

اللهم صل على محمد وآل محمد .
اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن ( صلواتك عليه وعلى آبائه ) في هذه الساعة ، وفي كل ساعة ، ولياًّ ، وحافظاً ، وقائداً ، وناصراً ، ودليلاً ، وعيناً ؛ حتى تسكنه أرضك طوعاً ، وتمتعه فيها طويلاً .
اللهم انصر الإسلام والمسلمين ، واخذل الكفار والمنافقين .
اللهم اشف مرضانا ، وارحم موتانا ، وأصلح ما فسد من أمر ديننا ودنيانا ، ولا تخرجنا من الدنيا حتى ترضى عنا يا كريم .
وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين .

---------------------------------


([1]) انظر الأمالي للشيخ الصدوق ، المجلس التاسع والسابع .
وروى الترمذي في سننه بتحقيق شاكر ، ج 5 ، ص 663 أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال : إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ) .
وجاء في إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة ، ج 6 ، ص 329 برقم ( 5950 / 2 ) وقال : رَوَاهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ: ثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، ثَنَا شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ [ وآله ] وَسَلَّمَ -: "إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا : كِتَابُ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ – وَعِتْرَتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا الْحَوْضَ " .
هَذَا إِسْنَادٌ رُوَاتُهُ ثِقَاتٌ ) انتهى .
([2]) قال السيوطي :
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن عَائِشَة قَالَت : قلت يَا رَسُول الله: من أكْرم الْخلق على الله قَالَ: يَا عَائِشَة أما تقرئين {إِن الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات أُولَئِكَ هم خير الْبَريَّة}
وَأخرج ابْن عَسَاكِر عَن جَابر بن عبد الله قَالَ : كُنَّا عِنْد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ [ وآله ] وَسلم فَأقبل عَليّ فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ إِن هَذَا وشيعته لَهُم الفائزون يَوْم الْقِيَامَة وَنزلت {إِن الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات أُولَئِكَ هم خير الْبَريَّة} فَكَانَ أَصْحَاب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ [ وآله ] وَسلم إِذا أقبل عليّ قَالُوا: جَاءَ خير الْبَريَّة) .
وَأخرج ابْن عدي وَابْن عَسَاكِر عَن أبي سعيد مَرْفُوعا: عليّ خير الْبَريَّة .
وَأخرج ابْن عدي عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: لما نزلت {إِن الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات أُولَئِكَ هم خير الْبَريَّة} قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ [ وآله ] وَسلم لعَلي: هُوَ أَنْت وشيعتك يَوْم الْقِيَامَة راضين مرضيين
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن عليّ قَالَ: قَالَ لي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ [ وآله ] وَسلم: ألم تسمع قَول الله: {إِن الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات أُولَئِكَ هم خير الْبَريَّة} أَنْت وشيعتك وموعدي وموعدكم الْحَوْض إِذا جِئْت الْأُمَم لِلْحسابِ تدعون غرّاً محجلين ) الدر المنثور في التفسير بالمأثور ، ج 8 ، ص 589 .
([3]) نهج البلاغة ، الكتاب 47 .
([4]) نهج البلاغة ، الخطبة 176 .
([5]) نهج البلاغة ، الخطبة 176 .
([6]) نهج البلاغة ، الكتاب 18 .
([7]) نهج البلاغة ، الخطبة 133 .
([8]) نهج البلاغة ، الحكمة 313 .
([9]) انظر : أصول الكافي ، ( باب الأخذ بالسنة وشواهد الكتاب ) .
([10]) نهج البلاغة ، الخطبة 239 .
([11]) نهج البلاغة ، الكتاب 50 .
([12]) انظر لتخريج الحديث من مصادر الفريقين : منتخب الأثر في الإمام الثاني عشر .
([13]) نهج البلاغة ، الخطبة 147 .
([14]) نهج البلاغة ، الخطبة 138 .

ليست هناك تعليقات: