هناك من قد يتصور أن ما بناه مجلس التعاون في ثلاثة عقود عرضة للتراجع والضياع، فمجلس التعاون (كمنظمة إقليمية) لم يَجمع ما بين دوله من العدم بل وثق على الورق ما كان قائماً منذ قرون. ويمكن الزعم أن مسيرة المجلس كانت متثاقلة إجمالاً، فالتقارب بين دوله الفتية يتهادى وكأنه يملك كل الوقت أجيالاً ودهوراً. وحتى أكون واضحاً، فلا يتناول حديثي السياسة العالية (high politiocs)، بل ما يمس حياتنا اجتماعياً واقتصادياً. كلنا يدرك أن المرتكز الأساس للتقارب عند سواد الناس هو ما يؤدي لأن يفتح أمامهم آفاقاً للعمل والاستثمار والبيع والشراء، وما يوفر حرية الملكية والتنقل، أي ما يكسبه المواطنة الاجتماعية-الاقتصادية، وهي لا تشمل المواطنة السياسية التي تخص بها كل دولة رعاياها دون غيرهم.
والمواطنة الاجتماعية-الاقتصادية، مواطنة عملية ذات منافع مباشرة للدول ولمواطنيها، فهي تعني تنقل أي منا بين الدول الست، وهذا متحقق. وأن يعمل كالمواطن، وهذه شاع الحديث عنها لكنها ليست متحققة تماماً رغم أن دول المجلس الست تعتمد هيكلياً على العمالة الوافدة. وكذلك يعني الاستفادة من الخدمات الصحية والتعليمية تماماً كما المواطن، بمعنى أن يكون مثلاً بوسع من أنهى الثانوية العامة في دولة من الدول الست أن يتقدم مباشرة لجامعة حكومية في دولة عضو أخرى فإذا ما استوفى شروط القبول التي تطبق على مواطني تلك الدولة قُبل، وكذلك الأمر فيما يتصل بالتعليم العام. والأمر ينسحب كذلك على الخدمات الصحية، من الرعاية الصحية الأولية حتى التخصصية والمرجعية.
هذه ليست أحلام يقظة بل هذا ما يجب أن يتحقق، في بلاد هي نسق واحد وسحنة واحدة، بل يجب ألا نرضى بأقل من هذا إنجازاً بعد مرور جيل كامل على توقيع وثيقة النظام الأساس للمجلس، وبعد أن مرت منطقتنا العربية وإقليم الخليج العربي بأزمات وحروب طاحنة، وبعد أن عايشنا خلال جيل من الزمن بعضنا البعض سنوات عجافا وأخرى سمانا.
أما تقوية الأواصر الاجتماعية-الاقتصادية فتتطلب تحريك ملفات حرجة الأهمية غير قابلة للوضع في «ثلاجة نشوف»، خذ مثلاً تيسير التجارة، التي ما برحت موضوعاً رغم أن اتفاقية الاتحاد الجمركي أقرت تطبيقها اعتباراً من يناير 2003، أي منذ ما يزيد على 11 عاماً كاملة، وفق أسس واضحة لا لبس فيها؛ فقد اعتبرت الاتفاقية دول المجلس منطقة جمركية واحدة: ﺗﺴﺘﺒﻌﺪ فيها اﻟﺮﺳﻮم اﻟﺠﻤﺮﻛﯿﺔ واﻟﻠﻮاﺋﺢ واﻹﺟﺮاءات اﻟﻤﻘﯿﺪة ﻟﻠﺘﺠﺎرة ﺑﯿﻦ دول اﻻﺗﺤﺎد، وﺗﻄﺒﻖ فيها رﺳﻮم ﺟﻤﺮﻛﯿﺔ وﻟﻮاﺋﺢ ﺗﺠﺎرﯾﺔ وﺟﻤﺮﻛﯿﺔ ﻣﻮﺣﺪة ﺗﺠﺎه اﻟﻌﺎﻟﻢ اﻟﺨﺎرﺟﻲ، ليقوم اﻻﺗﺤﺎد اﻟﺠﻤﺮﻛﻲ ﻟﺪول اﻟﻤﺠﻠﺲ ﻋﻠﻰ اﻷﺳﺲ اﻟﺘﺎﻟﯿﺔ: ﺗﻌﺮﻓﺔ ﺟﻤﺮﻛﯿﺔ ﻣﻮﺣﺪة ﺗﺠﺎه اﻟﻌﺎﻟﻢ اﻟﺨﺎرﺟﻲ، ﻗﺎﻧﻮن ﺟﻤﺮﻛﻲ ﻣﻮﺣﺪ، اﻋﺘﻤﺎد ﻟﻮاﺋﺢ وأﻧﻈﻤﺔ ﻣﺘﻤﺎﺛﻠﺔ ﻟﺪول اﻟﻤﺠﻠﺲ ﻓﻲ اﻟﻤﺠﺎﻻت ذات اﻟﺼﻠﺔ، ﺗﻮﺣﯿﺪ اﻟﻨﻈﻢ واﻹﺟﺮاءات اﻟﺠﻤﺮﻛﯿﺔ واﻟﻤﺎﻟﯿﺔ واﻹدارﯾﺔ اﻟﺪاﺧﻠﯿﺔ اﻟﻤﺘﻌﻠﻘﺔ ﺑﺎﻻﺳﺘﯿﺮاد واﻟﺘﺼﺪﯾﺮ وإﻋﺎدة اﻟﺘﺼﺪﯾﺮ ﻓﻲ دول اﻟﻤﺠﻠﺲ، ﻧﻘﻄﺔ دﺧﻮل واﺣﺪة ﯾﺘﻢ ﻋﻨﺪها ﺗﺤﺼﯿﻞ اﻟﺮﺳﻮم اﻟﺠﻤﺮﻛﯿﺔ اﻟﻤﻮﺣﺪة، اﻧﺘﻘﺎل اﻟﺴﻠﻊ ﺑﯿﻦ دول اﻟﻤﺠﻠﺲ دون ﻗﯿﻮد ﺟﻤﺮﻛﯿﺔ أو ﻏﯿﺮ ﺟﻤﺮﻛﯿﺔ، ﻣﻌﺎﻣﻠﺔ اﻟﺴﻠﻊ اﻟﻤﻨﺘﺠﺔ ﻓﻲ أي ﻣﻦ دول اﻟﻤﺠﻠﺲ ﻣﻌﺎﻣﻠﺔ اﻟﻤﻨﺘﺠﺎت اﻟﻮطﻨﯿﺔ.
والأمر لا يتوقف عند المنطقة الجمركية الواحدة، فهذا لم يكن أكثر من مجرد مثال طال الحديث عنه، لكن الفرص أمامنا متعددة تكاد لا تنتهي، خذ مثلاً اعتبار دول مجلس التعاون منطقة اتصالات واحدة وإسقاط رسوم التجوال التي تنهك سكان الدول الست لصالح شركات الاتصالات، أو سوق مالية واحدة ببورصات متعددة، أو حتى اعتبار دول المجلس منطقة سياحية واحدة كما هو الحال في «شنجن». في البداية والنهاية، يبقى الشأن الاجتماعي-الاقتصادي هو المحرك الأساس الذي يولدّ القيمة ويعززها وسيصنع منا منطقة جمركية وتعليمية وصحية واتصالاتية واحدة، وغيرها كثير.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق