1 - مدخل
المراجعُ للقرآن الكريم والسنة المطهرة ؛ المروية عن النبي وعن آله ( صلوات الله عليه عليهم ) ، يقف على عناوين كثيرة ؛ كلُّها تصب في مصلحة بناء الإنسان ؛ على مستوى إصلاح دينه ودنياه ، عاجله وآجله على حد سواء .
سأتحدث - بشكلٍ موجزٍ - عن واحدٍ من هذه العناوين؛ وهو ( ثقافة الانضباط والدقة ).
هذا العنوان نحتاج إلى مضمونه على أكثر من صعيد ، أفراداً وجماعاتٍ ، في حالة الأمن والرخاء ، وفي حالات الشدة . وبالتأكيد ، في حالات الشدائد والضغوط والفتن نحتاج إلى هذا العنوان أكثر مما نحتاجه في حالات الرخاء . ولا يخفى - علينا وعليكم - ما تمر به الأمة ؛ خصوصاً هذه المنطقة التي حدث فيها قبل أسبوعين في منطقة الدالوة وما حدث ؛ من جريمة مروعة ، ومجزرة مدمرة ، نسأل الله سبحانه وتعالى [ أن يوفق ] الجميع إلى تدارك نتائجها بتدارك بأسبابها .
ولا يمكن أن يحصل ذلك إلا أن نعمل وفقاً لهذه الثقافة ، أعني ثقافة الانضباط والدقة ، على جميع المستويات ؛ المستويات العليا ، والمستويات الدنيا ، وما بينهما ؛ أي المستويات المتوسطة .
2 - تنوع أساليب العمل
وإذا أردنا أن نسترشد بحادثتين ، مرت علينا ذكرى أحداهما ، وستمر علينا الذكرى الثانية منهما . وأعني بالحادثتين :
أ - ذكرى شهادة الإمام الحسين ( عليه أفضل الصلاة والسلام ) .
ب - والأخرى ذكرى شهادة الإمام السجاد ( عليه أفضل الصلاة والسلام ) ؛ والتي تصادف الخامس والعشرين من شهر محرم من كل عام .
هناك تفاوت بين المشروعين ؛ في الظاهر وليس في الجوهر والمضمون .
3 - الحلول الجذرية
كلا هذين الإمامين العظيمين كان ينشد ما بعث اللهُ عز وجل النبيَّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) من أجله ؛ وهو الرحمة للعالمين ، صلاح الأمة في الدين والدنيا ، وبالتالي : الإصلاح . وهذا يعني : اجتثاث أسباب الفساد من جذورها ، ومحاولة تحصين الأمة عن أن تتعرض لمثل هذه الحالات الإفسادية ؛ على أكثر من مستوى ، وفي أكثر من صعيد . لكن الإمام الحسين ( عليه أفضل الصلاة والسلام ) وجد نفسه مضطراًّ أن يختار المواجهةَ ؛ في التعبير عن هذه الحالة ؛ من أجل أن تُسمَّى الأشياء بأسمائها ؛ فيُشار إلى أن هذه السلطة المتحكمة ، أو التي تريد أن تتحكم في رقاب الأمة ؛ حتى وإن تيسر لها ذلك ، فإن هذا التسلطَ تسلطٌ غيرُ مشروع ، لا ينبع من تعاليم الإسلام الأصيلة ، وللناس - بعدها - أن يختاروا ؛ الانحياز إلى هذا المشروع الفاسد والمفسِد ، أو العزوف عن هذا المشروع الفاسد والمفسد .
فاختار ( صلوات الله وسلامه عليه ) المواجهة ؛ التي انتهت إلى ما انتهت إليه في كربلاء ؛ فتبين الرشد من الغي .
ومن أراد أن يكون مع الحسين فليفعل ، ومن أراد أن يكون في المعسكر الآخر فله أن يختار ذلك ، والله سبحانه وتعالى يفصل بينهم يوم القيامة . لكن نتائج هذا الانحياز إلى هذا الفريق أو ذاك ستتبين .
المشروع الآخر هو ما اضطُر - أيضاً - الإمامُ السجادُ ( صلوات الله وسلامه عليه ) أن يختاره ؛ وهو الانكفاء والانعزال . ليس من باب الفرار عن المسؤولية ؛ لأن هذا أمرٌ لا يجوز . لكن كم هم الأنبياء الذين اختاروا الانكفاءَ والانعزالَ ، بعد أن عمَّ الفسادُ وانتشر بين الناس ؛ بحيث يخيَّر هذا الصالح أن يكون فاسداً ؛ مع هؤلاء ، أو أن يكون صالحاً منزوِياً .
التعاليم الإسلامية - في مثل هذا المقام - تقول : عليك أن تختار الانعزال ، ولا تنخرطْ مع الفاسدين والمفسِدين .
الإمام السجاد ( صلوات الله وسلامه عليه ) تتفق الأمةُ - كلُّها - على أنه إمام ، فقيهٌ ، محدثٌ ، من سلالة النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ؛ حتى عبَّر أحدُهُم ما رأيت قرشياًّ أفضلَ منه !
لكن في مقام العمل ماذا فعلوا ؟!
انحازوا إلى غير الإمام السجاد ( صلوات الله وسلامه عليه ) . كانوا إذا أرادوا الحديث لا يذهبون للإمام السجاد ! يذهبون إلى غيره !!
إذا أرادوا الفقه يستفتون غيره !!
هل لأن الإمام ( صلوات الله وسلامه عليه ) إذا سُئل لا يجيب ، وإذا أريد منه أن يحدِّث لا يحدِّث ؟!
الجواب : كلا . كان يفتي ، وكان يحدِّث ، لكن أولئك اختاروا أن ينحازوا إلى غير الإمام ؛ لأن السلطة ما كانت تريد للسجاد ( صلوات الله وسلامه عليه ) أن يتصدى لهذا الشأن .
كما نجد نماذجَ ذلك كثيرين . ألا تُحجَب الكتب ؟! ألا يمنع التدريس من الشخص الذي ليس هواه مع هوى هذه السلطة . فالسلطة تمنع هذا ، وتسمح لهذا . هذا عبر التاريخ حاصل .
الإمامُ السجادُ ( صلوات الله وسلامه عليه ) اختار أن يعتزل ؛ لأن الظروفَ كانت تفرض عليه أن يختار ما جاء مِن عند الله عز وجل على حساب ما يريد الشيطانُ أن يسير إليه .
هذه الثقافة ؛ انطلاقاً من هذين المشروعين ، يمكن أن نقف عندها في عنوانين اثنين:
العنوان الأول : الثمرات
ما هي الثمرات التي تترتب للإنسان الفرد ، وللإنسان المجتمع ، إذا اختار أن يكون منضبطا ودقيقا . وليس لك ؛ إذا أردت أن تنجح في حياتك ، إلا أن تكون منضبطاً ، وأن تكون دقيقاً .
والانضباط والدقة - بشكل موجز - هي : إعطاء كل ذي حق حقه . الجانب المادي تعطيه حقه ، والجانب المعنوي تعطيه حق . نفسك تعطيها حقها ، ربك تعطيه حقه ، الآخرون تعطيهم حقوقهم ، مَن تحب تعطيهم حقوقهم ، ومَن لا تحب - أيضاً - تعطيهم حقوقهم .
فالانضباط والدقة :
في أحد أبعاده ، يعني : العدل .
في أحد أبعاده يعني : الحكمة .
في أحد أبعاده يعني : العقل .
وهناك تداخلات كثيرة تحت هذه العناوين .
1 - صلاح الدارين
لاحظ مثلاً : من الثمرات ؛ التي يذكرها الله عز وجل للإنسان إذا كان منضبطاً ودقيقاً ، إصلاح الدارين . دنياك تصلح ، وآخرتك تصلح . يقول عز وجل { وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ } [الأعراف/ 56] .
الانضباط والدقة ماذا يعني ؟
يعني : الإحسان ، يعني أن تكون أعمالك أعمالاً حسنة . يوضع هذا في محله ؛ فتكون دقيقا ومنضبطا ، فإذا لم تكن من المحسنين ؛ يعني أنك فعلت الشيء حيث لا ينبغي أن يُفعل ، أو بالطريقة التي ما كان ينبغي أن يؤدى عليه .
فلو أن الإنسان أراد رحمة الله عز وجل ؛ أي إصلاح الدارين ، فلابد أن يكون من المحسنين ، ولكي يكون من المحسنين عليه أن يتجنب الإفساد والفساد . ألم تتصدر الآية ، وتقول { وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا } ما يقابل الفسادَ ما هو ؟
الإحسان . والإحسان يعني الانضباط والدقة .
هذه الثمرة الأولى .
2 - حب الله تعالى
المنضبطون الذين يراعون الدقة ، والتطبيقات كثيرة ، أنا أريد أن أقف عند العنوان العام ، قد نشير إلى بعض الأمثلة ، لكن لا يجوز لنا أن نتيه في الأمثلة وننسي الفكرة الكلية الأصلية ؛ وهي أصل هذه الثقافة ؛ ثقافة الانضباط والدقة .
الثمرة الثانية : المنضبطون ؛ والذين يراعون الدقة في أعمالهم ، يحظون بمحبة الله عز وجل ؛ فإنه سبحانه يقول ؛ في آية أخرى ، { إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِين } [البقرة/ 195] . الإنسان - إذا كان من المحسنين - سيحظى بمحبة الله عز وجل .
وقد يتصور بعضُ الناس ؛ حينما يتيه في عالم الأمثلة والمصاديق ، ويشار إلى أن فلاناً من المحسنين ، يتصورون أنه يتصدق ، وكأن الإحسان هو التصدق !
التصدق هو عنوان فرعي ، مصداق من مصاديق الإحسان ، الذين يصلون ويحسنون الصلاة محسنون ، والذين يصومون ويحسنون الصوم محسنون ، وكذلك الذين يحجون وفقاً للضوابط الشرعية ، والذين يجاهدون في سبيل الله بالضوابط الشرعية ، والذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر بالضوابط الشرعية . وهكذا كلُّ هؤلاء محسنون .
لكن إذا أراد الإنسان أن لا يكون من المحسنين كيف يكون ذلك ؟!
يصلى بالطريقة التي لا يريدها الله عز وجل لا يكون من المحسنين ؛ وإن وقع في وهمه أنه يفعل الإحسان ومن أهل الانضباط والدقة .
كذلك الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ؛ لكن بالطرق غير الشرعية ، أو يجاهدون في سبيل الله عز وجل بالطرق غير الشرعية . هؤلاء وإن حسنت نواياهم ، لكنهم - للأسف الشديد - ليسوا من المحسنين ؛ لأنهم لم يسيروا وفقاً للضوابط الشرعية الدقيقة الصحيحة . ونترك أيضاً مجالاً لعالم الاجتهاد المختلِف .
لكن ليس هناك فقيه من الفقهاء المسلمين يقول مارس الظلمَ باسم الجهاد في سبيل الله ! ليس هناك أحدٌ .
قد يختلفون أن هذا مصداق للجهاد في سبيل الله أو لا ، لكن المصاديق الظالمة التي يتفق الجميع على أنها ظالمة ، ويسمونها بـ( المنكر ) ، لا يمكن للإنسان أن يقول أريد أن أفعل هذا بداعي الجهاد في سبيل الله !! كما يفعله هؤلاء المتوحشون والارهابيون حالياًّ ، وفعله أسلافهم في الآتي ، وسيفعلونه بالتأكيد في أكثر من منطقة ، وفي ما يأتي من أيام .
العنوان الثاني : الدواعي
التي يمكن أن تشكل المخاطر التي تفرض علينا أن نكون من أهل الانضباط والدقة . لكن لا بنحو الانضباط والدقة اللحظيين والآنيين ؛ لأنه يمكن للإنسان أن يكون في وقتٍ منضبطاً ودقيقاً ، لكن في شؤون أخرى عشوائيٌّ ، مبعثَرٌ . كما نجده عند الذين يعملون في بعض الشركات الصارمة ؛ في تطبيق القوانين في تسيير العمل ، تجده في الشركة في منتهى الدقة ؛ حينما يؤدي الأعمال ، لكنه في بيته ؛ حيث ليس عليه رئيس يلزمه ، يعيش في منتهى الفوضوية . هذا لا نسميه من أهل الانضباط والدقة ، لا يحمل ثقافة الانضباط والدقة .
نعني بثقافة الانضباط والدقة : أن تنبسط هذه الثقافة على جميع مفاصل الحياة . وهذا ما نحتاج إليه .
أذكر مخاطرَ ثلاثةً .
1 - عشاق المكاسب والمغانم
الخطر الأول : الذين يعيشون روحية المغانم والمكاسب .
هؤلاء لا يمكن أن يكونوا من أهل الانضباط والدقة ؛ لأن الذي يحلو له أن يجني المغانم والمكاسب دائماً ؛ فيكون من أهل الطمع والجشع ؛ سواء كان الطمع والجشع في المسائل المادية ، أو في المسائل المعنوية ، يعني الذين يطلبون المال ، ويعشقون المال ، لا يهمهم أن يحصلوا على هذا المال ، ويجنوه ، من الأبواب الحلال ، أو من الأبواب الحرام ! يهمه أن يحصل على المال بالطريق الشرعي ، أو بالطريق غير الشرعي .
مثل هؤلاء لا يمكن أن يكونوا من أهل الانضباط والدقة . ولو كانوا من أهل الانضباط والدقة لم يفعلوا شيئاً من وجوه الفساد ؛ التي انتشرت في أوساط الناس .
قبل أيام نُشِر أن رئيساً معزولاً ؛ من رؤساء الدول العربية التي حصل فيها ما حصل ، يقال أنه يملك اثنين وثلاثين مليار دولار !! وهو رئيس دولة فقيرة ؛ لا يكاد الناس يحصلون فيها على الماء ، ولا يكاد الناس يحصلون فيها على الكهرباء !! كيف تيسر لمثل هذا أن يسرق - إذا صح - ثلاثين مليار دولار ؟! قد لا يصح اثنين وثلاثين مليار دولار ، لكن لنفترض أنه حصل على خمسمئة مليون دولار بطريقة غير شرعية ، كيف تيسر له ذلك ؟!
لو سار وفقاً للانضباط والدقة ، وأخذ المال بالحلال ، لم يحصل على أكثر من راتب تقاعدي ؛ مثل ما يحصل رئيس أكبر شركة ، موظف خدم الدولة لنفترض ثلاثين سنة ! لكن هذه المبالغ - الطائلة - لا يمكن أن يحصل عليها الإنسان بطرقٍ تتوافق مع ثقافة الانضباط والدقة .
كذلك - أيضاً - المتسلقون ، والباحثون عن الشهرة والوجاهات . لا يهمه أن يكون تحصيلُه للوجاهة والشهرة والسمعة بين الناس عبر الطرق الشرعية ، أو عبر الطرق غير الشرعية !! إذا تطلب أن يزور مَن لا يستحق أن يُزار سيفعل ! أن يمدح مَن لا يستحق أن يُمدَح يفعل . المهم أن يجني المكاسب والمغانم !!
لاحظوا ماذا يقول الله عز وجل ويؤدبنا . وهذه الثقافة لو أردنا أن ندخل في تفاصيلها لطال بنا الحديث .
يقول عز وجل { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا } [النساء/ 94] .
هذه الآية تريد أن تبين للمسلمين والمؤمنين أن ثقافتكم بعد الإسلام والإيمان يجب أن تختلف عن ثقافتكم قبل الإسلام والإيمان . في السابق كنتم أهل سلب ونهب وسرقة وغصب لكن بعد أن آمنتم بالله عز وجل ، وأسلتم له لا يجوز أن تكون كذلك ، يجب أن يحكمكم النظام ؛ النظام الذي يحفظ للناس حقوقَهم ؛ فلا يأكل القويُّ الضعيفَ ، ولا تأكل القبيلةُ الكبيرةُ القبيلةَ الصغيرةَ ، ولا أصحابُ الأعدادِ الكثيرةِ يتطاولون على أصحاب الأعدادِ القليلةِ . كلُّ صاحبِ حقٍّ لابد أن يحظى بحقه قل عددُه أو كثُر . كثر ماله أو قل . ليس هناك فرقٌ - في إيصال الحقوق للناس . إذا كان من هذه الجماعة فهذا حقه محفوظ ، لكن إذا كان من تلك الجماعة حقه ليس بمحفوظ .
هذه آفة !
كيف نقضي على هذه الآفة ؟
الآية تقول { فَتَبَيَّنُوْا } . التبينُ مهمٌّ . إذا أردت أن تأخذ مغنماً هذا أمر مشروع . المغانم أخذها مشروع ؛ لكن بالطرق الشرعية ، بعد التبين أن هذا من موارد المغانم الصحيحة ، وبالطريقة الصحيحة تؤخذ . أما أن يحصل مثل ما حصل في التاريخ ، ولا حاجة إلى ضرب الشواهد ، أو مثل ما يحصل هذه الأيام ، هذه مشكلة !
حينما يطالب بعضُ الجماعات بحقوقهم ، يخاطبها أحدهم : انتبه ! أنت من الأقلية !
ثم ماذا ؟! وإذا كان من الأقلية ؟! يعني لأنه من الأقلية يُسلب حقه ؟! ألم يوصِ رسولُ اللهِ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بالضعفاء ؟؟!
الوصية في الضعفاء أشدُّ من الوصية في الأقوياء ؛ لأن المفروض أن القويَّ يأخذ حقَّه ، لكن ينبغي أن نوصي بالضعفاء من الناس . أما أن يتطاول الأكثرية على الأقلية . لا ، هذا أمر مشروع ! ولا يحق - أيضاً - للأقلية أن يطالبوا بما ليس لهم .
فلنتفاهم - أولاً - على ما هو الحق ؟ وما هي الحقوق ؟ ثم ليأخذ كلُ واحدٍ حقَّه ، وإلا يصبح العالم عالم غاب ، وهرج ومرج .
العالم المتقدم تجاوز هذه النقطة ، لكن - للأسف الشديد - نحن ؛ في بعض مناطقنا ، في بعض دولنا ، في هذا الشرق المنكوب ، وفي ظل الثقافة المنكوسة ، لا يعرف - إلا القلة - إيصالَ الحقوق إلى ذوي الحقوق ، يشيع حالة من الظلم ، أمر غريب جداًّ !
طبعا يستغرب الآية تتكلم عن الجيل الذي عاش في ظل الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ؛ حتى لا يأتي أحدٌ ويقول : الإسلام ، وربانا الإسلام, لا ! هذا الجيل الأول النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) كان إذا أراد أن يبعث سرية من السرايا لأداء مهمة جهادية . كان أول ما يوصيهم بمثل هذه الثقافة : لا تغلوا , لا تسرقوا, لا تمثلوا ، إلى غير ذلك من الوصايا المذكورة في سيرته الشريفة .
2 - التسرع
الخطر الثاني ؛ الذي يفرض علينا أن نكون من أهل الدقة والانضباط ؛ حتى لا تفوت الحقوق من محلها ، ولا يتسع وينتشر الإجرام ، وتشيع حالات الفساد والإفساد بين الناس : التسرع . مشكلة , التسرع في الأحكام , التسرع في تقييم الأشخاص , التسرع في تقييم الأحداث . كالذي حصل مثلاً في الدالوة ؛ كنموذج ، باعتبار أننا في هذه المنطقة ، ولا نزال نعيش ظلال هذه المصيبة - كيف يجب أن نتعامل مع هذه المسألة ؟
صحيح , اعتُقِل جماعة على ذمة القضية ، لكن يجب أن نتلفت - أيها الجماعة - هؤلاء لا يزالون ( متهمون ) ؛ حتى لا يذهب ذهن أحد بعيداً , هؤلاء لا يزالون متهمون , يجب أن يكفل لهم العدلُ كلَّ شروط العدل , فمن يكون مجرد ( مشبوه ) يخرج ؛ إذا لم يكن له ارتباط بالمسألة ، وإذا كان مُداناً ينزل به الحدُّ الشرعيُّ ؛ في حدود جريمته ؛ حتى لا يختلط علينا الأمر .
الإعلام يشوش ؛ وأمسكوا ، وزع الصور الفلانية ، والصور الفلانية ، والجرائد والصحف تنشر شاهد عاين ، وأنت ما تدري من أين هذا الشاهد عيان جيء به ، وأمثال ذلك .
وهذا يحصل في كثيرٍ مما يتعاطاه الناس دون مراعاة !
هناك دم سُفك بغير حق , ظُلامة حصلت , يجب أن يُقتص ممن فعلها ؛ لكن بالعدل حتى لا ندخل دهاليز مظلمةً لا ندري كيف تُدار , كيف تنظم , هذا إذا أردنا لأنفسنا ثقافة الانضباط والدقة .
يجب أن نحافظ على هذه الثقافة ؛ لأن مثل ما أنك أنت إذا ما أخذت - لا سمح الله - ؛ لمجرد تهمة وشبهة ، لا ترضى لأحدٍ أن يحمِّلك ما لا تتحمله ، كذلك الله يقول { وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى } [المائدة/ 8] , حتى هذا الذي أُخِذ يجب أن يطالَب في حقه بالعدل ، قد يكون مجرد متهم , قد تكون هناك حيلة كبرى ومؤامرة كبرى ، يراد تمريرها على الأمة وإيقاع فتنة بين الناس ، ويُلبّس هذه القضية ؛ بطريقة محبكة ومفبركة ، على هذه الجماعة أو تلك الجماعة ، على هذا الفرد أو ذاك الفرد . لا , لا يجوز أحد أن يظلم .
أقول هذا ؛ حتى نجنب أنفسنا فلتان الخطاب , لأن قد يكون مَن أوقع هذه الجريمة ، أو أوعز بإيقاعها ، يرغب في إحداث جوٍّ يتيح له تمريرَ بعضَ ما يريد تمريره ؛ لإحداث المؤامرة الأكبر ؛ التي تعشعش في ذهنه .
ماذا يقول عز و جل في القرآن الكريم { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ } [الحجرات/ 6] , هذه الآية شأن نزولها ماذا كان ؟
النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ؛ في ما ينقل المفسرون والمؤرخون ، بعث واحداً من أصحابه ليجبي الزكاة من جماعة معينة , وكان بين هذا الذي بعثه النبي وبين أولئك خصومةٌ ؛ في أيام الجاهلية , سمعوا أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) بعث عامله ، أخذوا يستعدون لاستقبال هذا العامل الذي بعثه رسول الله ، فلما رأى هذا العامل المبعوث من النبي ، أولئك وقد شكَوا السلاح واستعدوا , وقع في وهمه - بحسن نية , بسوء نية ؟ - أن الجماعة يأبون دفع الزكاة لرسول الله (صلى الله عليه وآله ) - بادر ورجع إلى رسول الله . لم يقل وجدتهم على هذه الهيئة ! انتقل إلى النتائج , من الأخبار إلى التحليلات ، وانتقل إلى النتائج ، قال : يا رسول الله الجماعة يرفضون أن يدفعوا الزكاة . فنزلت الآية .
لأن النبي كان في صدد اتخاذ إجراء في حق هؤلاء الذين امنعوا من الزكاة الآية ماذا قالت ؟ هذا خبر كاذب ، ومن قاله فاسق { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ } [الحجرات/ 6] .
فلا يأتينَّ أحدٌ يمرر رسالة في الجريدة والواتساب ووسائل التواصل الاجتماعي ؛ التي سهلت على كثير من الناس أن يقعوا في الأخطاء والخطايا دون أن يشعروا , قال : قرأت في الواتساب ! ثم ماذا ؟
قرأت في الواتساب , الواتساب حاله حال الناس ، أحياناً يكون الناقل عادلاً ، وأحياناً يكون الناقل فاسقاً ، وأحياناً يكون الناقل متثبتاً ، وأحياناً يكون غيرَ متثبت ، { فتبينوا } ؛ لأننا إذا لم نتبين قد نقع في إصابة قوم بجهالة ؛ فنصبح على ما فعلنا نادمين .
الخطر الثالث : عدم الإنصاف
الإنسان إذا لم يكن من أهل الدقة والانضباط قد يقع في خلاف الإنصاف ؛ فيضيع حقوق الآخرين بسبب عدم دقته .
لاحظوا القاعدة التي يذكرها الفقهاء ( تُدرأ الحدود بالشبهات ) ، أو ( ادرأوا الحدود بالشبهات ) . تقع حادثة من الحوادث ؛ مثل هذه الحادثة التي وقعت في منطقة الدالوة ، إذا لم يتثبت القاضي - بالتثبت الشرعي - أن هؤلاء هم الذين نفذوا هذه الحادثة لا يجوز أن يطبق عليهم الحدَّ الشرعيَّ . لابد أن يتأكد ، ويتثبت ، أن هذا الفعل الإجرامي ؛ الذي يستحق فاعله هذا الحدَّ المعينَ ، مَن فلعله هو هذا الذي قبضنا عليه ، أما أن تتحرك نوازعه ؛ الحزبية ، المذهبية ، المناطقية ؛ فينفعل ، أو يقع تحت ضغط مثل هذه العوامل ؛ فيحكم عليه بالجور ! لا ، هذا يكون شقياًّ من الأشقياء ، ويترتب عليه الكثير والكثير .
وكم من الذين حُكِم عليهم في محاكم الدنيا شرقاً وغرباً ، ثم تبيَّن بعد ثلاثين سنة ، وخمسة وثلاثين سنة ، أخرجوه إلى المحكمة قالوا تبين لنا ؛ بعد دراسة الأدلة ، أن هذا الذي شُهِد عليه ، كانت تلك الشهادة شهادة زور ! بعد ماذا ؟!
بعد 35 سنة من سجنه ، وبعد تشويه سمعته ، وبعد أن قضى زهرة شبابه ، تخرجونه من السجن بكل بساطة . آسفين ! كيف آسفون ؟!
طبعاً ، هذا في حق فرد ، لكن كيف إذا كان هذا الفعل في حق جماعة ، وفي حق فتن - لا سمح الله - تحصل بين أمة وأمة , هنا يجب علينا أن نتثبت ولا نتسرَّع .
وقفة مع المطالبة بقانون تجريم الكراهية ...
الآن يطالب بعضُ الناس - نتيجة ما حصل من محنة في الدالوة - إلى أن نجني مكسباً مطلوباً ، الكل ينشده ؛ وهي أن نرفع من أجوائنا - نحن في مثل هذا البلد وغير هذا البلد - أجواء التحريض والشحن المضاد ؛ من هذا الطرف في حق هذا الطرف ، هذا مطلبٌ مشروعٌ ، وفي تقديري من أهمِّ ما يجب أن نسعى إليه .
هذه البلد - كغيرها من البلدان - ليس فيها طيفٌ واحدٌ ، فيها أطياف مذهبية متعددة , أطياف فكرية متعددة , وهذا البلد للجميع ، لا يجوز لأحدٍ أن يستأثر بمقدراته ، ولا بخيراته ، ولا بكل إمكاناته ، لكن كيف نحافظ على حقوق الجميع ؟
بالانضباط والدقة ؛ أي بالقانون . لكن لابد أن نتلفت إلى أن القانون - الذي يطالب به البعض - قانون منع الكراهية والتحريض , المطلب حقٌّ ، ليس هناك أحد من الناس لا يطالب به , لكن قف - هنيهة - لأسألك : مَن الذي سيضع هذا القانون ؟!
هل الشخص الذي يريد أن يضع هذا القانون هو لا يحمل في نفسه كراهيةً وبغضاءَ وشحناً ؟ أو أنه يعتقد بأن له امتيازاً معيناً ، وأن أولئك ليس لهم الامتياز المعين ؟!
لأن مثل هذا إذا تصدى لوضع القانون ، قد يكون هذا الذي طالب به سيكون هو ضحيةَ هذا القانون ، سيحمَّل هو نتيجةَ ما حصل ، وطالب أولئك - بسبب ما حصل - بهذا القانون ، يقال له : أنت الذي كنت السبب في حصول هذه الجريمة ! ما الذي تريدون ؟
نريد أن نمنعك من الكلام ؛ لأن ما تقوله هو ما يبعث الكراهية والشحناء ! هذه مشكلة ، نحتاج بالفعل إلى قانون ، لكن يضعه أهل القانون العادل ؛ من ذوي العقليات النظيفة ، والعقليات السليمة ؛ حتى لا يُظن أن هذه القناة ؛ التي كانت تحرض ، لا ، في الحقيقة هذا القناة كانت تبث الورود والخير لناس !! القناة التي تحرض تلك القناة !! ذاك الذي كان يطالب بحقه المشروع هو الذي كان يحرِّض ؛ حقه الفكري ، حقه العملي ، وذاك الذي كان يحرض هذا هو الذي يبعث أو يدفع الناس نحو العقيدة الصافية والإسلام الصحيحة !!
لاحظوا الآية القرآنية ماذا تقول { وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ } [الحجرات/ 9] .
دعوات الإصلاح بين الناس لا يجب أن نغتر بعنوان ( طلب الإصلاح ) ! المضمون الذي تريد أن تشيعه بين الناس - كإصلاح - ما هو ؟!
لأننا نخشى دائماً ، نخشى أن يكون الإصلاح .
أن يوطن اليهود في فلسطين ، ويشرد الفلسطينيون من فلسطين ، وهذا هو العدل والإنصاف !! لا ، ليس من العدل والإنصاف , اليهودي يأتي من بولندا ويأخذ ثمانين بالمائة من فلسطين ، ثم يقال : حل الدولتين ، ودائماً يقولون الحل العادل ، ومرِّر كلمة ( حل عادل ) ، ولا أحد يسأل الحل العادل كيف يكون ؟
قالوا : لك عشرة بالمئة - أنت أيها الفلسطيني - لك عشرة بالمئة ، اثنا عشر بالمئة ، من أرض فلسطين التاريخية ، وذاك الذي جاء من بولندا ، ومن ألمانيا ، ومن آفاق الدنيا ، يأخذ ثمانين بالمئة ، خمسة وثمانين بالمئة ، ثم يقال : هذا حل عادل ! أين هذا وأين هو العدل ؟!
فإذاً لا بد أن نشيع في أوساطنا ثقافة الدقة والانضباط ، وهذا يتطلب سعة في المعرفة ، ويتطلب استقامة نفسانية وأخلاقية ؛ حتى نعطي كلَّ ذي حق حقَّه , جعلنا الله وإياكم ممن يستمع القول فيتبع أحسنه .
اللهم صل على محمد وآل محمد .
اللهم كن لوليك الحجة ابن الحسن صلوات عليه وعلى آبائه ؛ في هذه الساعة وفي كل ساعة ، ولياًّ ، وحافظاً ، وقائداً ، وناصراً ، ودليلاً ، وعيناً ؛ حتى تُسكنه أرضك طوعاً ، وتمتعه فيها طويلاً .
اللهم انصر الإسلام والمسلمين ، واخذل الكفار والمنافقين .
اللهم اشف مرضانا ، وارحم موتانا ، وأغنِ فقراءنا ، وأصلح ما فسد من أمر ديننا ودنيانا .
ونسألك اللهم تكيد لمن كادنا ، وأن تجعل تدمير أعدائنا في تدبيرهم ؛ بالخصوص هؤلاء الوحوش ؛ الذي أخذوا يهددون الناس يميناً ويساراً ، اللهم اجعل تدميرهم في تدبيرهم ، واردد كيدهم في نحورهم ، وآمن بلادَنا وسائرَ بلاد المسلمين ؛ من كيد الكائدين والمعتدين .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق