قبل ثلاثة أعوام ذهب أحد أفراد الأسرة للعمل أثناء العطلة الصيفية لدى أحد محلات الهايبرماركت، كان سعيداً بذهابه كل يوم للعمل، كنا نرى ذلك عندما يعود ويحكي لنا قصصه مع الموظفين والزبائن، والمواقف التي مرّ بها، وكيف تصرف هو وزملائه، كنت أشعر أنه سعيد ليس بالمكافأة التي يحصل عليها فقط، فسعادته كانت أعظم بما يكتسبه من خبرة ومهارة في مجالات لم يعرفها من قبل لا مع أقرانه في الحي ولا مع زملائه في المدرسة، فكما هو معروف أن العمل قيمة وليس أجرا، فهو - أي العمل - المسار الذي سيصنع للشاب مستقبله ويمكنه من امتلاك مهارة تعينه ليحقق تطلعاته.
نسمع عن ”السعودة الوهمية“ وهو مصطلح أصبح شائعاً في سوق العمل المحلية، ويعني أن يعمل مواطن أو مواطنة لدى منشأة في القطاع الخاص عملاً صورياً، بأن يتلقى مرتباً شهرياً دون أن يقوم بأي عمل سوى أن يسمح للمنشأة ”التي يعمل لديها“ بتسجيل اسمه لدى الجهات المعنية «وزارة العمل وصندوق تنمية الموارد البشرية والمؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية» باعتباره أحد موظفيها المواطنين، وقد سميت ”سعودة وهمية“ باعتبار أنها صفقة بين طرفين لتحقيق مصالح باطنة.
فالطرف الأول «صاحب العمل» لم يوظف المواطن بقصد أنه سيكون موظفاً منتجاً، بل لمجرد أنه مواطن وأنه سيحتسب في ”نطاقات“ بما يجعل المنشأة في النطاق الأخضر فتحصل على المزيد من التأشيرات، أي أن عين صاحب المنشأة على تأشيرات الاستقدام وليس على تطوير السعودي وتعليمه واكسابه الخبرة ليكون منتجاً يُعتمد عليه.
أما الطرف الثاني «العامل» فهو لم يأت ليعمل بجد واجتهاد وليداوم دواماً كاملاً وليكتسب الخبرة والمهارة وينمي علاقاته مع فريق العمل، بل أتى ليتلقى مبلغاً معلوماً من المال لقاء السماح للطرف الأول باستخدام رقم الهوية الوطنية وقيد الطرف الثاني بأنه يعمل لديه! هذا اتفاق عجيب بالفعل، فهو يقوم على إتلاف شبابنا، بأن يتلقوا مالاً ليس مقابل انتاج والتزام وانضباط وظيفي بل مقابل ”تأجير“ رقمه هويته.
قبل أيام قابلت أحد رجال الأعمال، وكنا نتحدث عن ظاهرة ”السعودة الوهمية“، فأخبرني أن في إحدى الشركات خصصت في مقرها غرفة مجهزة بالجرائد والوايف اي «لزوم الانترنت السريع» والماء والقهوة والشاهي، وعرفت بين موظفي الشركة بأنها ”سعودي روم“ أو الاسم الأدق غرفة للسعوديين الذين يعملون وهمياً ليقتلوا فيها أوقاتهم!
ومقارنة بسواها، فقد تعتبر هذه الشركة ”جادة“ حيث سمعت عن حالات لا يقابلوا الشاب بل يُوقع عقد عمل من خلال وسيط، وتُودع الشركة المبلغ المعلوم في حسابه شهرياً.
تأثير ما يسمى بالسعودة الوهمية وخيم على اقتصادنا وعلى شبابنا، فتأثيره على اقتصادنا أن المنشآت تسعى للحصول على أكبر عدد من العمالة الوافدة بأن توظف سعوديين، وهي بذلك تقول: إن السعوديين لا يصلحون للعمل وأنه لا بد أن أصل لنطاق يسمح لي بالاستقدام والاستقدام والاستقدام ولا شيء عدا الاستقدام، مما يؤدي إلى تضخم أعداد العمالة الوافدة، إضافة لذلك فهذا يعني بالضرورة تدني إنتاجية الفرد إذ أننا نعطي إتاوات لموظفين صوريين لا يعملون ونستقدم موظفين لكي يعملوا، وتبدو الصورة وكأن كلتا الفئتين ساهمتا في الإنتاج، والحقيقة ليست كذلك.
أما الأمر الأكثر خطورة فهو التأثير السلبي على الشباب ممن يقدم على أخذ المال دون أن يرى ضرورة للعمل، وهذا نوع من ”التنبلة“، إذ ان فكرة الريادة والطموح قائمة على العمل وبذل الجهد من أجل كسب المال، فإن أتى المال بدون جهد وعمل فهذا يعني نسف فكرة تنمية وتطوير ورعاية الرأسمال البشري من أساسها، فهي تقوم على مراكمة الخبرة مع مرور الوقت، يضاف لذلك أن نظريات وممارسات التحفيز والضبط الوظيفي والارتقاء بالإنتاج وعمل الفريق كلها تتبخر وتتلاشى، فهي ليست ذات صلة البتة بعقد عمل ليس القصد منه العمل ولا الإنتاج، بل يقوم على نيتين إحداهما ظاهرة «العمل» والثانية باطنة «استخدام رقم الهوية مقابل مبلغ معلوم» بما يجعل العقد صورياً.
لا أحد يعلم ما مدى انتشار ”السعودة الوهمية“ في سوق العمل المحلية، لكنها ظاهرة مدمرة أشبه ما تكون بالمخدرات، توهم الشاب أنه يعمل وهو حقيقة لا يعمل، وتوهم الجهات الحكومية بأن منشآتٍ وطنيةٍ توظف سعوديين وهي في الحقيقة تدفع لهم إتاوات وتعلمهم على الكسل والحصول على المال بلا جهد، وتعلمهم في مطلع حياتهم للتوقيع على عقد صوري فيه تمويه وتحايل، ولعل الحل للتخلص من جاهزة السعودة الوهمية هي في الفصل التام والبات بين توظيف السعودي في المنشأة وأحقية تلك المنشأة في الاستقدام، وجعل الأمرين مستقلين ومرتبطين بمعايير منفصلة.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق