الأحد، 1 فبراير 2015
قراءة في كتاب اللمسات الفنية عند مترجمي الخيام.. للشاعر الكبير إبراهيم العريّض
بين مكارثية ثقافية وتسلط كنسي
فالجميع بحاجة لمعرفة خريطة ودوائر الأزمات المتداخلة في بين الاجتماعي والديني، لفهم ما يحدث من جدل في هذه الحاضرة التاريخية ذات المذاهب المتعددة ومنها المذهب الإمامي الجعفري الذي يشكل المنتمون له أكثر من نصف سكانها، وهو مجتمع عريق في تدينه وفي محافظته، خاضع لمنظومة دينية تقليدية أصولية ذات اتجاهات مختلفة، وإخبارية.
وربما لا يتفق الجميع بشكل تام فيما بينهم حول حراكهم الاجتماعي العام، ولا تخلو هذه المنظومة من حراك ثقافي متصل بالجسم الاجتماعي العام في وطنها، كما أن لها علاقة واسعة واتصالا بالحراك العام في الساحة الاقليمية والاسلامية العامة، دون أن يصطدم، أغلب متبنيه، بأسس تلك المنظومة الأم وثوابتها العقدية التي ينتمي لها.
ولكن الفترة الأخيرة شهدت بروز أحداث وخلافات وتجاذبات تمثل انعطافة كبيرة في تاريخ الأحساء الاجتماعي، كان أبرزها «الجريمة الإرهابية في الدالوة» بما حملته من معطيات مؤشرات وتداعيات، بدءاً من الاستهداف وانتهاءا بالتشييع الذي أظهر وكشف تنافراً في البنية الفكرية لتلك المنظومة حول رؤيتها للمسيرة الاجتماعية..!
وهذا ما يدعونا للتعرف على هذه الخريطة «الاعتبارية» بشكل مكثف لمعرفة بعض الدقائق التفصيلية لما يحدث، لإن هذا الخلاف سابق لتلك الاستضافة، مما يؤكد أن ما ظهر بعدها لم يكن إلاّ امتدادا لما سبقها.
هناك تيارٌ «ديني تجديدي» يبحث عن تجديد الواقع وتطويره، بعيدا عن الجمود والتخلف والاستغلال الناجم عن سيطرة «بعض» رجال الدين على مفاصل المجتمع، كما يرى أن الاستفادة من الخطاب الثقافي عاملا مهما وأحد الأدوات الموثرة لهذا الغرض، باعتبار أن تجديد الخطاب الديني أفضل السبل لتجاوز العديد من الأزمات.
وهذا يعني تلاقي هذا التيار وتقاطعه مع تيار «ثقافي» متديّن، ولكن ينضوى في خيمته الثقافية «متلبسون» بالتنوير والثقافة، همهم الرئيس ضرب الدين والتشكيك بثوابته، فهم بذلك يمثلون «مكارثية فكرية» ولكن تجاه الدين وكل ما يتصل به.
كما يوجد تيار ديني «تقليدي محافظ» يرى في خطوات ذلك التيار «بشقّيه» ما يمثل تجاوزات تشكل تهديدا لسلامة المجتمع وسعيا لتشكيكه في عقيدته وثوابته، فاتخذ مواقفا متصلبة لمواجهته، وقد تلاقى في ذلك مع «بعض» رجال الدين المتنفذين الذين رأوا في استقلالية رجال الدين «التجديدين» خروجاً عن نفوذهم، فتموضعوا لمواجهتهم، لحماية نفوذهم وتسلّطهم الاجتماعي باسم الدين، ومارسوا تسقيطهم، فهم بذلك مثّلوا «تسلّطا كنسيا» جديدا.
سيبقى - حسب رأيي القاصر - وسيستمر الصراع بين هذه «المكارثية الفكرية» وبين هذا «التسلط الكنسي»، ما دام تقاطع المصالح بين تلك التيارات قائما ومتلازما، وسيكون ذلك واقعا مريرا، إن لم يتم التفكيك الواضح على أرض الواقع بينها، وسيكون ذلك ذريعة ووسيلة وغطاءا كسلاح مرفوع بين السيئين منهم، وهم في حصانة الطيبين، والأخطر أن يجد الاتباع أنفسهم جنودا مخلصين في جبهات تصفية حسابات لا علاقة لهم بها، وادوات تنفيذية فقط، لا يملكون في هذا الصراع قرارا.
فهل سنشهد هذا التفكيك قريبا، أم سنجد أنفسنا يوما جنودا لأحدهما..؟
أين حقوق المواطن من القرارات الملكية؟
الحديث حول التطورات والتغيرات السريعة والقرارات المفاجئة في السعودية منذ لحظة اعلان وفاة العاهل السابق الملك عبدالله وقبل دفنه، تمثل انقلابا للعهد السابق،... تحتاج إلى العديد من المقالات.
.. وهنا سيتم الحديث حول ما أعلانه العاهل الجديد الملك سلمان ابن عبدالعزيز، من توزيع راتبين لكل موظف حكومي، وذلك بلغة بسيطة، ومع بعض التساؤلات ربما تتناسب مع الاجواء المصاحبة لمناسبة عهد لـ ملك جديد.
اولا:
الثروة الوطنية ملك للشعب، وليس للحاكم وعائلته، وهي حق للشعب والرعية، ومن الظلم حرمان الشعب من حقوقه ومنها الثروة المادية التي أنعم الله على البلاد، والعباد أولى بخيرات الوطن متى توفرت في ظل عدم تمكن 80 % من الشعب من أمتلاك مسكن خاص في أوطانهم، وذلك بسسبب العوز والحاجة – الفقر-، فكان ينبغي أن تعمل الحكومة على اعطاء الشعب حقوقه ومنها المادية ليتمكن من القضاء على الفقر بكرامة وعزة، وليس كما يحدث حيث يتم التوزيع على بعض الشعب دون عدالة، وبالتقطير في المناسبات باسم هدية ومكرمة لكسب تأييد الشعب.
هل المبلغ الذي سيتم توزيعه على بعض المواطنين من الجيب الخاص للحاكم الجديد أو هو من المال العام؟.
اذا كان من المال العام، لماذا لا يوزع على الجميع بالتساوي والعدالة وبشكل دائم إذا كان متوفرا فهذا حقهم، أو يحول إلى صندوق الادخار للمواطنين (صندوق الأجيال)؟.
أين العدالة والمساواة في التوزيع بين المواطنين؟.
ما يحدث هو بداية لعهد لا يتناسب مع الإصلاح الشامل المطلوب بل فيه ظلم كبير للشعب المسكين الذي أصبح يفرح بالفتات من حقوقه الكبيرة، وحرمانه من حق المشاركة في القضايا المصيرية!!.
ولنركز حول ما حدث من مضاعفة الراتب فيه ظلم لفئات كثيرة من المواطنين وبالخصوص من لا يعمل في القطاع الحكومي ومنهم: المتسببون واصحاب الأعمال الحرة الصغيرة الذين يبحوث عن لقمة العيش في ظل منافسة العمالة الأجنبية لهم المدعومة من شخصيات متنفذة في الدولة؛ والعاطلون ولمن يبحثون عن فرصة عمل؛ ومن يعمل في القطاع الخاص حيث الرواتب ضعيفة والوظائف غير مستقر اي لا أمان وظيفي.
والمسكين من يعمل في القطاع الحكومي وراتبه ضعيف جدا لا يؤمن له حياة كريمة 2 الف حيث سيكون 4 آلاف ، ومن راتبه 25 الف سيكون 50 الف!!.
أين العدالة والمساواة بين المواطنين؟.
أليس من الأفضل ومن باب العدالة والمساواة أن يتم إعطاء كل مواطن موظف حكومي أو خاص أو غير موظف أو عاطل عن العمل لمبلغ مقطوع بالتساوي كحق وطني لكل مواطن؟.
من حرم الشعب من حقه من الثروة الوطنية وأين بقية حقوقه؟ .
والمثير في أمر توزيع الفتات مبلغ بسيط على المواطنين هو من حقوقهم الطبيعية من الثروة الوطنية، أن السلطة تصر على تسمية ذلك بالمكرمة الملكية، والأكثر غرابة ان عدد كبير من الشعب يردد ذلك الكرامة ويقدم الشكر والثناء على المكرمة رغم معرفة الجميع بالحقيقة!!.
ثانيا:
أين حقوق المواطن من اختيار الحاكم والنظام (الدستور) والمشاركة في تقرير مصير الوطن وأين حقوقه من ممارسة الحرية والتعبير عن الرأي والتعددية ونصيبه من الثروة وحق الانتخاب لمن يمثله في مجلس الشورى؟.
أين القوانين التي تحاكم وتجرم الفساد والمفسدين، ومن يسرقون الأراضي ويستغلون المناصب؟.
أين القوانين لمكافحة الفقر والبطالة والتشدد والكراهية والتحريض الطائفي؟.
أين الحلول لمعالجة أزمة السكن والفقر والبطالة والفساد والاعتقالات التعسفية للنشطاء والحقوقيين السلميين؟.
متى سيتم إغلاق ملف المعتقلين من النشطاء الساسة والحقوقيين والإصلاحيين، وقبل ذلك تحقيق المطالب الشعبية للإصلاح والتغيير؟.
وللحديث بقية حول تشييد وطن الكرامة والعزة لكافة المواطنين ...
الأربعاء، 28 يناير 2015
المجتمع … الإصرار على التخلف
لذلك نرى أن التخلف هو الرجوع أو عدم التقدم للأمام ورفض كل ما هو جديد ، وهذا ما جعل المجتمعات تزداد تخلفاً ، على الرغم من تطور العالم نحو المستقبل إلا أنها مازالت عاجزة عن تصحيح مساراتها في التفكير الذي تدكدك في رؤوسهم من شدة الهراء ، والتبعية المجتمعية لها الدور الأكبر في ازدياد التخلف والذي تختفي ورائه فئة تتستر بقناع التطور وهي خالية تماماً منه ، والمشكلة هي الخوف من معرفة الحقيقة ، والعداء و الكراهية لها ، على الرغم من وجود شتى الوسائل للوصول إلى المعلومات .
* وسائل الخلاص من التخلف :
لكي نتخلص من هذا التخلف توجد عدة أمور منها :
١. التعليم على أن يكون منهجه متزناً و رصيناً خال من الشوائب التي تحرض وتدعو إلى إسقاط الآخر لمجرد الاختلاف ، خال من العنصرية التي تميز بين فلان و فلتان ، خال من الطائفية ، و أن يكون ممتلئاً بالدعوة السلمية التي تحتوي على الحب و المودة لكي تستطيع المجتمعات التعايش مع بعضها .
٢. التربية داخل المجتمع تحتاج إلى أن تعود الناس كيفية الاحترام ، كيفية تقبل الآخر ، و أن ترسخ في العقول أن الاختلاف أياً كان فهو حق مشروع مادام أنه غير مسيء وإن كان مسيئاً يتربون على أن الإسلام يحث على الآداب وبهذا تكسب ود المخالف و إن كابر داخل نفسه .
٣. التوعية التي من خلالها يتم بث آلية الفهم و إدراك ما يجري من شتى النواحي بحيث لا تتخلخل أفكار المجتمع ، ويجب أن نكافح من أجل تقوية التوعية الصحيحة وذلك بالاستفادة ممن هو عصري كالأسلوب الراقي واستخدام الأدوات التي لها الأثر والفائدة ، ومن خلالها يتم الرفع من مستوى الوعي والثقافة والشعور بالقيمة الذاتية دون تدخل الفرضيات المعتادة .
٤. الابتعاد عن كل سلوك سيئ فيه أذى بالآخرين سواءً كان بالعنف أو بالتسلط ، والابتعاد عن كل من يحارب الآراء لمجرد عدم فهم أو تقديم ما يثبت .
وبهذه الحالة نستطيع أن نخلق مجتمعاً يمحو هذا التخلف الذي يتكاثر بين فترة وأخرى ، حتى أصبح العقل في خبر كان لا يعمل إلا بغيره ، وعليه نحتاج إلى تنميته لنخرج بنتائج إيجابية تساعدنا لبناء مجتمع متفهم يواكب ما يجري من تغيرات ، وبحاجة إلى نهوض ضد هذا التخلف الذي لم يجلب لنا إلا الويلات التي تسببت في خلق الكثير من المشاكل ومنها التدخل في شؤون الغير ، والتحكم بمستوى الإيمان في نفوس الناس ، وغيرها التي ربما لاتنتهي لو أحصيناها و لابد من قول الحق شريطة عدم خلطه مع الكلام البذيئ كما استعمله المتخلفون وأن يقتل الخوف الذي بسببه خرست الألسن حتى أصبحت لاتنطق إلا بأوامر الأسياد المجتمعية التي لا تقبل بأي رأي يخالفها ، وتمييز الحقيقة بعيداً عن الأهواء المزاجية و الرغبات الشهوانية .
** دور الصنمية البشرية في التخلف :
إن أفراد المجتمع المتأدلج الذي لاتنفك عنهم عقدتهم النفسية فيمن يحبون و يقدسون ، يبنون أفكارهم على أوهام الإعجاب لشخصيات متعددة ، ولم تكن محصورة في الشخصيات الدينية فحسب كما هو رائج بل هي موجودة في كل المجالات ، ولذلك وضعوا محاذير كثيرة في عدم التعرض لما يقولونه أو يكتبونه وكأنما هو نازل من الخالق عز و جل ، لذلك تغلغل التخلف في كل جهة مما أدى إلى الانشقاقات المجتمعية ، أدى إلى رفض التحقيق ، إلى إلغاء العقل دون أن يشعروا ماذا يفعلون ، جعلوا العقل يعمل في دائرة مرسومة لاتستطيع الخروج منها ، وإن أي محاولة للخروج منها ستنهال الافتراءات المكذوبة ، ثم أغلقوا باب النقد لكي لا تثار عليهم أسئلة تفتح أبواباً ذات مفاهيم جديدة ، فهم لا يريدون إلا المدح و التبجيل و التصفيق ، فإذا كانت الشخصيات المؤثرة بهذه العقلية ، فماذا سننتج غير الإكثار من صناعة الصنمية البشرية .
الثلاثاء، 27 يناير 2015
كاميرة "ميديا الكون" تغطي ورشة عمل للفنان التشكيلي الضامن
الاثنين، 26 يناير 2015
وسائط الإعلام الجديد وأثرها على الأسرة ..
وسائط الإعلام الجديد أفرزت الإدمان الإلكتروني الذي تسبب في تفكك أسري وما يرافقه من تزعزع في العلاقات والصلات الإنسانية والاجتماعية والتربوية، الذي تفشى عنه ظاهرة الطلاق وهجر الزوجات وإهمال الأبناء وتدهور القدرات المهنية وخسران وظيفي يستوجب ضرورة استعادة بناء دور الأسرة، الذي هدم بوضع برامج يومية تحد من تسلط هذه الآفة الشريرة والعودة لممارسة الحياة الأسرية بما تحتوي من نقاشات وحوارات وزيارات للأصدقاء ومزاولة النشاطات الرياضية والتواصل الاجتماعي والاندماج في معترك الحياة العادية بحلوها ومرها، فهي قواعد العيش الرغد والحياة السعيدة.
نجاحك يبدأ بتنظيم يومك ..
نمط الحياة المتسارع وضع الجميع أمام عديد من التحديات ولا عذر للتأخير تحت أي ظرف أو حجة والقوة الوحيدة والمناص الوحيد القادر على الوقوف أمام دكتاتورية هذه التحديات لمسايرة الركب ومتطلبات روح العصر هو استخدام قوة السرعة في تحقيق المصالح وقهر الصعاب والتغلب على المشكلات والعوائق وتهيئة الظروف بالتخطيط والجدول اليومي وتدوين المهام المطلوب إنجازها وعدم الاعتماد على الذاكرة حتى لا تتكالب المهمات والواجبات ونجد أنفسنا تحت طاحونة ضغوط الحياة المتسارعة وينتهي بنا المطاف إلى العجز والتخلي عن مسؤولياتنا وواجباتنا الوظيفية والأسرية والاجتماعية.
ظروف الحياة العصرية المتسارعة تفرض علينا كيفية تناول ظروفها العملية والاجتماعية والأسرية والترفيهية واجتماعاتنا وحواراتنا، كافة هذه التفاصيل يجب أن نتناولها عبر برنامج يومي يساعدنا على التخطيط من اللحظة التي نستيقظ فيها إلى اللحظة التي نستلقي على سريرنا مرة أخرى للنوم في نهاية اليوم ندوّن فيه جميع المهام والواجبات وأولوياتها لمسايرة متطلبات الحياة العصرية ومواكبة الركب المتسارع للإمساك بوسام النجاح.
أيام قلائل ويطل علينا عام جديد فلنجعل منه عام تغيّر في نمط حياتنا بالتخطيط والجدولة اليومية وأخذ العبرة من هفواتنا وتقصيرنا والنظر بعين التفاؤل لحياة جديدة تعزز طريقة تعاملنا مع الناس من حولنا بعيداً عن الغضب والانفجار العصبي وبهذا المنهج حتماً سنعيش حياة أفضل وأكثر انسجاماً وقبولاً من الأمس مما يطور أداءنا الوظيفي والاجتماعي والأسري.
صناعة المستقبل الناصع
الأمر الذي لابد أن ننطلق منه هو : أن الإنسان بطبعه محب للخير لنفسه ، لكنه إذا لم يسترشد بالمنهج السليم والصراط المستقيم فسيتخبط تخبط كبيراً وكثيراً وعميقاً . وإنما بعث الله عز وجل الأنبياءَ بالديانات من عنده عز وجل من أجل أن يضع معالم هذا المنهج ، معالم هذا الصراط . فقال عز وجل واصفاً نبيه الكريم { وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } [المؤمنون/ 73] .
وفي سورة الفاتحة التي يكررها كلُّ مصلٍ من المسلمين مراتٍ كثيرة في اليوم ، في الحد الأدنى سبعة عشر مرة ، يقول { اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ } [الفاتحة/ 6] . ولعل التعبير فيه دقة ، ولابد أن فيه دقة ، وهي أن الله سبحانه وتعالى ذكر في الآية قوله عز وجل { اهْدِنَا } . وفي ذلك إلماحٌ إلى أن الإنسان بقدراته الذاتية لا يستطيع أن يهتدي إلى الصراط المستقيم ما لم يعتصم بحبلٍ من الله عز وجل . فالهداية من الله ، وما نفعله نحن - في كل ما نخطوه ؛ في تعلمنا ، وفي تعليمنا - إنما هو طرقُ أبواب الهداية . فيقول عز وجل { وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا } [العنكبوت/ 69] .
وقد وصف الحقُّ عز وجل القرآنَ الكريمَ الذي لا ريب فيه أنه هدى . لمن ؟
للمتقين . فكيف يكون القرآن هدى للمتقين ؟! أوليس هو خطاباً لعموم الناس ؛ من اتقى ومن لم يتقِ ؟!
نعم ، هو كذلك ، لكن التقوى مراتب . والمتقون من أدنى مراتب التقوى هو الرغبة في أن يصل الإنسانُ إلى الهداية ، أما الذين ختم اللهُ على قلوبهم ، وطبع الله على قلوبهم ، هؤلاء كالأنعام وصفهم القرآن ، لا يمكن أن يستفيدوا ، ولا يهتدون سبيلاً .
والسبب هو أنهم لا يريدون ! والذين لا يريدون ليسوا من أهل التقوى . وبالتالي ، القرآن الكريم بدل أن يكون سببَ خيرٍ لهم وصفه اللهُ عز وجل بقوله { وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا } [الإسراء/ 82] . فهو حجة للمتقين ، وحجة على غير المتقين .
فإذا كان الإنسانُ محباً للخير لنفسه { وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ } [العاديات/ 8] ، ما الذي ينشده الإنسان في حب الخير ؟!
في الحقيقة هو يشيِّد مستقبله الذي يرجو أن يكون ناصعاً الله عز وجل . حدد لنا هذا المستقبل وملامحه ؛ سواء ما كان منه قريباً ، أو متوسطاً في مداه ، أو بعيداً في مداه ، أي في الدنيا والآخرة . ولا يمكن للإنسان أن ينحرف عن الله عز وجل في فترة من الزمن ثم يرجو أن يكون مهتدياً وذا مستقبل مشرق في ما يليه من الزمن !
لا ، لا يمكن ؛ لأن الله سبحانه وتعالى - كما جاء في الخبر - أبى إلا أن تجري الأمور والأشياء بأسبابها(١). هناك سننٌ ، هذه السنن والقواعد مَن لم يُجر حياتَه عليها ، وينظم حياته ؛ في أقواله وفي أفعاله ، في سره وفي علانيته ، على وفقها لا يمكن أن يحصل على هذه النتائج .
ولذلك ، الله سبحانه وتعالى يقول يقرر لنا قاعدة { وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى } [النجم/ 39] . تريد مستقبلاً ناصعاً اسعَ لأن يكون مستقبلُك هذا ناصعاً .
اخترت آيةً كريمةً ؛ من آياتٍ كثيرةٍ جداً في القرآن الكريم ، لتكون هي منطلق هذا الحديث ؛ فإن مشكلة الإنسان واحدة .
فمشكلة الإنسان هي قديمة ، وهي جديدة ، ليس هناك مشكلات جديدة على المستوى الفكري ، وعلى مستوى الاهتداء . هي واحدة ، من أول إنسانٍ إلى آخر إنسانٍ .
المشكلة في ما يتعلق بالاستقامة واحدة ، قد تتغير السيارات والطيارات والجسور والألبسة ، لكن جوهر الإنسان واحد . كِبر الإنسان في ما مضى هو الذي دفعه إلى أن يقع في ما وقع فيه من المعاصي ، هذا الكبر نفسه هو الذي سيودي بحياة المتكبرين الآن ، وهو الذي سيودي بحياة مَن سيتكبر في ما يأتي من الزمن .
والعلاج هو العلاج ، ليس هناك علاج آخر . الحل هو الاستسلام لله . ولذلك ، قاله الله عز وجل { وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ } [آل عمران/ 85] .
هناك ثنائيات متضادة .
من الثنائيات المتضادة : الجور والعدل ، الحق والباطل ، الخير والشر ، الحسن والقبيح ، وعشرات من الثنائيات التي ليست هي بعيدةً عن واقع حياتنا .
نحن حينما ننشد المستقبل الناصع أي أننا ننشد العدل ؛ لأن الناس يعرفون أن العدل هو أن يصل إلى كلِّ ذي حق حقُّه . لا يمكن أن يكون المستقبل ناصعاً إلا بالعدل . ولذلك نجد أن الجائرين والطغاة - عبر التاريخ - يرفضون أن يوصفوا بأنهم جائرون ، ويصرون على أنهم عدول ، وإذا كان لهم سلفٌ غيرُ عادل يصرون على أن ذلك السلف غيرَ العادل - أيضاً - هو من العدول ؛ لأنهم يريدون أن يستندوا في جورهم الجديد إلى جورٍ قديمٍ ، فإذا لَمَّعوا الجورَ السابقَ سهل عليهم تلميعُ الجور اللاحق .
الأمة بين ظالم الخارج والداخل
هل نحتاج إلى أن نصحح هذه المفاهيم ؟
الجواب : نعم ، اليوم الأمم ، بالخصوص الأمة الإسلامية ، تقع بين ظالمين :
أحدهما : ظالم خارجي .
والآخر : ظالم داخلي .
الظالم الخارجي يسيء إلى نبيك ، والظالم الداخلي ينتصر بالجور ، باسم النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .
هذا يسيء للإسلام والإنسانية والأمة ، وذاك أيضاً - بحسبانه أنه يحسن صنعاً - أيضاً يلحق ضرراً كبيراً بالأمة ، فإذا وقعت الأمة بين مطرقة هذا وسندان هذا تكون المشكلة مضاعفة ، والحل يكمن في ماذا ؟
في تربية هذا الإنسان الفرد ؛ حتى لا يكون ألعوبةً لمن يضحك على ذقنه ؛ فيدفع به إلى عالم يَحسب فيه أنه يحسن صنعاً ، وهو يسيء إلى نفسه ويسيء إلى غيره ، هؤلاء الذين جاء الله سبحانه وتعالى على ألسنة الأنبياء جميعاً بتكريس العدل أصبحوا يرفعون الجور دون أن يستحوا ، والسبب هو أنهم جهلة ، حمقى ، بسطاء ، سذج ، لم يركنوا ولم يلجئوا إلى ركن وثيق يبين لهم أن رسول الله في واد وما تقومون به في وادٍ آخر .
ليس من الإسلام ، ليس له في الإسلام سبيل ولا سبب ولا صلة ؛ لا من قريب ولا من بعيد ، هذه مشكلة !!
ذاك الظالم الخارجي يرتاح كثيراً ، لأنه إذا وجد في أعدائه بعضَ الحمقى يسمح لهم بأن يَعلوا صوتُهم حتى يخبو صوتُ العقلاء ؛ فيسهل عليه ضربُ العقلاء بهؤلاء السفهاء . الله سبحانه وتعالى يقول { وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُم } [النساء/ 5] فكيف بالأعراض ؟!
كيف بالدين ؟!
كيف بالسمعة ؟!
كيف بالتعاليم الإسلامية ؟!
هل تُسلَّم إلى سفهاء ينتقلون بالأمة من مطب إلى مطب ومن أزمة إلى أزمة ، وهكذا ، بل يسمحون لهذا السفه أن ينتشر ، وتتسع دائرته .
نفاق العالم الغربي
يُقتل منهم [ الغربيون ] ؛ بالظلم ، بالجور ، عشرة ، عشرون ؛ فينتفض العالم كلُّه انتصاراً لهؤلاء الذين قُتلوا ، ونُقِر أنهم قتلوا ظلماً ، لكن يقومون هم ومَن يلوذ بهم ، ومَن يدور في فلكهم ، بقتل المئات ، بل الآلاف ، بل عشرات الآلاف ومئات الآلاف ، فلا يتحرك في هذا العالم أحدٌ !!
السبب هو هذه الأمة ؛ التي أصابها شيءٌ من النحس لَما سلَّمت زمامَ أمرها لمثل هؤلاء الحمقى ، فاستجابوا لهم ، والله سبحانه وتعالى يقول { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا للهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ } [الأنفال/ 24] .
الأحمق لا يستشار ؛ فضلاً عن أن يُستعان به ؛ لأنه حتى لو كان صادقاً في نيته ، مخلصاً في دينه ، هو لا يحسن تدبيرَ أمره فكيف يُحسن تدبيرَ أمرك ! مثل هذا الذي لا يستشار كيف يستعان به ؟
كان عند العرب قبل في هذه السنيات شيئاً رجوا أن يكون ربيعاً فلما استعانوا بالحمقى حولوه إلى خريفٍ ! فأحرقوا البلدان ، وأفسدوا فيها ، وعاثوا فيها فساداً !
هل سيتخلص مَن استعان بهم ؟
وصلت اللحظةُ التي - إن كانوا عقلاء - سيتنبهون إلى أنهم أخطأوا في حق أنفسهم ، كما أخطأوا في حق غيرهم . مَن استعنتم بهم ؛ ظناًّ منكم أنهم سيحققون لكم الأهدافَ فإذا ببندقيتهم الحمقاء ترجع إليكم ، وإلى صدوركم ؛ حيث استعنتم بهم ، ونسأل الله عز وجل أن يكفي الناسَ جميعاً شركَّم وشرَّ مَن استعنتم به من الحمقى .
كيف نصنع مستقبلاً ناصعاً ؟
نحن كيف كأمة ، كمتدينين بهذا الدين الحسن ، بهذا الدين السماوي الذي ختم الله عز وجل به الديانات ، كيف نصنع لأنفسنا مستقبلاً راشداً ؟
لا حلَّ إلا أن نرجع إلى القرآن وما صح عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، ونسلك هذه الدروب فقط !
أما إذا سلكنا الدروب الأخرى فسنجد الويل ثم الويل لأنفسنا .
هذه الثنائيات - التي قلنا - إنما يتحرك نحوَها الناسُ من أجل أن يحققوا ما هو في مصلحتهم ، لكن بشرط أن يتوفروا على سلسلة من الشروط لابد أن يتوفروا عليها ، بعد أن يحسنوا تشخيصَ الواقع .
هذا التشخيص للواقع يتوقف على أن ننصت لصوت الحق ، وهو ما جاء في الآية الكريمة ؛ التي ذكرناها قبل قليل ، أن نستجيب لله وللرسول إذا دعانا لما يحيينا .
الآية التي سنقف عندها ، وسنؤجل الحديث إلى ما يأتي ، قول الله عز وجل في سورة النور ؛ بعد أن ساق عدداً من الآيات ، بيَّن فيها سلسلةً من الأخطاء التي يقع فيها المسلمون وكيف يجنبون أنفسهم الوقوعَ في مثل هذه الأخطاء ؛ كالبهتان ، قول الزور ، التعدي على الناس ، كيف ينجِّي الإنسان نفسه ، ليس من أخطاء الآخرين ، بل من أخطاء نفسه أولاً .
إذا لم ينجِّ الإنسانُ نفسَه ، ويصنع المستقبل الزاهر في نفسه وفي كينونته في الداخل ، لا يُرجى أن يكون عنصراً صالحاً لصناعة هذا المستقبل للآخرين .
يقول عز وجل فيها { وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ } [النور/ 34] .
سأؤجل الحديث - كما ذكرت - إلى الأسبوع الآتي ؛ حتى لا يطول بنا المقام .
لكن لاحظوا القاعدة التي تنطلق منها الآية ، هي أن الله عز وجل الخير منه ، والمستقبل هو أنا وأنت ، شرط أن نتوفر على التقوى ؛ وهو ما ينسجم مع قول الله عز وجل في المستقبل الآتي ، المستقبل الكبير حتى لا يشغلنا صنعُ المستقبل القريب عن صنع المستقبل البعيد .
ولا يقعْ في وهمنا أن هذا المستقبل القريب نستطيع أن نقطع صلتَه عن المستقبل البعيد ، يقول عز وجل { يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ } [الشعراء/ 88، 89] . فالسلامة الداخلية ، السلامة النفسية ، السلامة الفكرية ، السلامة الروحية ، ليس السلامة الجسدية التي يحرص عليها كلُّ الناس ؛ وقد أمرهم الله عز وجل أن يقوموا بها ، لكن هناك ما هو أهمُّ منها ؛ لأن جسدك هذا سيلازمك وفقاً لهذه السنين التي قدَّر الله عز وجل أن تمكث فيها على هذه الأرض ، خمسين سنة ، ستين سنة ، سبعين ، أقل ، أكثر ، ثم يختار اللهُ عز وجل أمانته ، ويعيدك إليه . بدنك - هذا - سيبقى في الأرض ، أما روحك وقلبك ؛ وهو الذي يتأسس عليه مستقبلك الناصع ، هذا ما ينبغي أن يُعالج ، ومرضك القلبي - جسدياًّ - ليس فيه الكثير من العناء ، الأخطر من ذلك ، بل لا قياس بين الخطرين ، هو أن يكون قلبُ الإنسان الإنساني ، روحه مريضة ، مثل هذا الإنسان يُخشى عليه أن ينتهي مصيره إلى مصير مثل هؤلاء المجرمين ؛ وإن رفعوا شعار ( لا إله إلا الله محمد ، رسول الله ) ، أو شعار أولئك الذين بحمقهم ظنوا أن مصيرَ فرعون سيكون بعيداً عنهم !
لا ، حتى فرعون لَما قال له الحقُّ قال آمنت بالذي { آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ } [يونس/ 90] ، لكن إذا وصلت المسألة إلى الحلقوم والحنجرة ، وانتهى المصير النهائي ، ليس هناك فائدة أن نصحح أخطائنا في اللحظات الأخيرة ، الأهم من هذا أن لا نسلك الطريق الخاطئ ، وإذا - لا سمح الله - وقعنا فيه أن نصححه في وسط الطريق ، أما في نهاياته فهذا تصحيحٌ غيرُ مضمون النتائج .
أسأل الله عز وجل أن يأخذ بأيدينا وأيديكم إلى ما يحب ويرضى .
اللهم صل على محمد وآل محمد .
اللهم كن لوليك الحجة ابن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه ؛ في هذه الساعة وفي كل ساعة ، ولياًّ ، وحافظاً ، وقائداً ، وناصراً ، ودليلاً ، وعيناً ؛ حتى تسكنه أرضك طوعاً ، وتمتعه فيها طويلاً .
اللهم انصر الإسلام والمسلمين ، واخذل الكفار والمنافقين . اللهم اشف مرضانا ، وارحم موتانا ، وأغن فقراءنا ، وأصلح ما فسد من أمر ديننا ودنيانا ، ولا تخرجنا من الدنيا حتى ترضى عنا يا كريم .
وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين .
هوامش:
(١) أصول الكافي ، ج 2 ، ص 183 ، كتاب الحجة ، باب معرفة الإمام والرد إليه ، الحديث 7 .


.jpg)

