الاثنين، 26 يناير 2015

صناعة المستقبل الناصع

سيكون حديثي عن ( صناعة المستقبل الناصع ) . والذي حداني لاختيار هذا العنوان هو ما تمر به الأمة من أزمات كثيرة ؛ تسبب في كثيرٍ من جوانبها أعداءُ الخارج ، وفي بعضها الآخر أعداءُ الداخل من حيث يشعرون أو لا يشعرون .
الأمر الذي لابد أن ننطلق منه هو : أن الإنسان بطبعه محب للخير لنفسه ، لكنه إذا لم يسترشد بالمنهج السليم والصراط المستقيم فسيتخبط تخبط كبيراً وكثيراً وعميقاً . وإنما بعث الله عز وجل الأنبياءَ بالديانات من عنده عز وجل من أجل أن يضع معالم هذا المنهج ، معالم هذا الصراط . فقال عز وجل واصفاً نبيه الكريم { وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } [المؤمنون/ 73] .
وفي سورة الفاتحة التي يكررها كلُّ مصلٍ من المسلمين مراتٍ كثيرة في اليوم ، في الحد الأدنى سبعة عشر مرة ، يقول { اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ } [الفاتحة/ 6] . ولعل التعبير فيه دقة ، ولابد أن فيه دقة ، وهي أن الله سبحانه وتعالى ذكر في الآية قوله عز وجل { اهْدِنَا } . وفي ذلك إلماحٌ إلى أن الإنسان بقدراته الذاتية لا يستطيع أن يهتدي إلى الصراط المستقيم ما لم يعتصم بحبلٍ من الله عز وجل . فالهداية من الله ، وما نفعله نحن - في كل ما نخطوه ؛ في تعلمنا ، وفي تعليمنا - إنما هو طرقُ أبواب الهداية . فيقول عز وجل { وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا } [العنكبوت/ 69] .
وقد وصف الحقُّ عز وجل القرآنَ الكريمَ الذي لا ريب فيه أنه هدى . لمن ؟
للمتقين . فكيف يكون القرآن هدى للمتقين ؟! أوليس هو خطاباً لعموم الناس ؛ من اتقى ومن لم يتقِ ؟!
نعم ، هو كذلك ، لكن التقوى مراتب . والمتقون من أدنى مراتب التقوى هو الرغبة في أن يصل الإنسانُ إلى الهداية ، أما الذين ختم اللهُ على قلوبهم ، وطبع الله على قلوبهم ، هؤلاء كالأنعام وصفهم القرآن ، لا يمكن أن يستفيدوا ، ولا يهتدون سبيلاً .
والسبب هو أنهم لا يريدون ! والذين لا يريدون ليسوا من أهل التقوى . وبالتالي ، القرآن الكريم بدل أن يكون سببَ خيرٍ لهم وصفه اللهُ عز وجل بقوله { وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا } [الإسراء/ 82] . فهو حجة للمتقين ، وحجة على غير المتقين .
فإذا كان الإنسانُ محباً للخير لنفسه { وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ } [العاديات/ 8] ، ما الذي ينشده الإنسان في حب الخير ؟!
في الحقيقة هو يشيِّد مستقبله الذي يرجو أن يكون ناصعاً الله عز وجل . حدد لنا هذا المستقبل وملامحه ؛ سواء ما كان منه قريباً ، أو متوسطاً في مداه ، أو بعيداً في مداه ، أي في الدنيا والآخرة . ولا يمكن للإنسان أن ينحرف عن الله عز وجل في فترة من الزمن ثم يرجو أن يكون مهتدياً وذا مستقبل مشرق في ما يليه من الزمن !
لا ، لا يمكن ؛ لأن الله سبحانه وتعالى - كما جاء في الخبر - أبى إلا أن تجري الأمور والأشياء بأسبابها(١). هناك سننٌ ، هذه السنن والقواعد مَن لم يُجر حياتَه عليها ، وينظم حياته ؛ في أقواله وفي أفعاله ، في سره وفي علانيته ، على وفقها لا يمكن أن يحصل على هذه النتائج .
ولذلك ، الله سبحانه وتعالى يقول يقرر لنا قاعدة { وَأَنْ لَيْسَ  لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى } [النجم/ 39] . تريد مستقبلاً ناصعاً اسعَ لأن يكون مستقبلُك هذا ناصعاً .
اخترت آيةً كريمةً ؛ من آياتٍ كثيرةٍ جداً في القرآن الكريم ، لتكون هي منطلق هذا الحديث ؛ فإن مشكلة الإنسان واحدة .
فمشكلة الإنسان هي قديمة ، وهي جديدة ، ليس هناك مشكلات جديدة على المستوى الفكري ، وعلى مستوى الاهتداء . هي واحدة ، من أول إنسانٍ إلى آخر إنسانٍ .
المشكلة في ما يتعلق بالاستقامة واحدة ، قد تتغير السيارات والطيارات والجسور والألبسة ، لكن جوهر الإنسان واحد . كِبر الإنسان في ما مضى هو الذي دفعه إلى أن يقع في ما وقع فيه من المعاصي ، هذا الكبر نفسه هو الذي سيودي بحياة المتكبرين الآن ، وهو الذي سيودي بحياة مَن سيتكبر في ما يأتي من الزمن .
والعلاج هو العلاج ، ليس هناك علاج آخر . الحل هو الاستسلام لله . ولذلك ، قاله الله عز وجل { وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ } [آل عمران/ 85] .

هناك ثنائيات متضادة .
من الثنائيات المتضادة : الجور والعدل ، الحق والباطل ، الخير والشر ، الحسن والقبيح ، وعشرات من الثنائيات التي ليست هي بعيدةً عن واقع حياتنا .
نحن حينما ننشد المستقبل الناصع أي أننا ننشد العدل ؛ لأن الناس يعرفون أن العدل هو أن يصل إلى كلِّ ذي حق حقُّه . لا يمكن أن يكون المستقبل ناصعاً إلا بالعدل . ولذلك نجد أن الجائرين والطغاة - عبر التاريخ - يرفضون أن يوصفوا بأنهم جائرون ، ويصرون على أنهم عدول ، وإذا كان لهم سلفٌ غيرُ عادل يصرون على أن ذلك السلف غيرَ العادل - أيضاً - هو من العدول ؛ لأنهم يريدون أن يستندوا في جورهم الجديد إلى جورٍ قديمٍ ، فإذا لَمَّعوا الجورَ السابقَ سهل عليهم تلميعُ الجور اللاحق .

الأمة بين ظالم الخارج والداخل

هل نحتاج إلى أن نصحح هذه المفاهيم ؟
الجواب : نعم ، اليوم الأمم ، بالخصوص الأمة الإسلامية ، تقع بين ظالمين :
أحدهما : ظالم خارجي .
والآخر : ظالم داخلي .
الظالم الخارجي يسيء إلى نبيك ، والظالم الداخلي ينتصر  بالجور ، باسم النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم  ) .
هذا يسيء للإسلام والإنسانية والأمة ، وذاك أيضاً - بحسبانه أنه يحسن صنعاً - أيضاً يلحق ضرراً كبيراً بالأمة ، فإذا وقعت الأمة بين مطرقة هذا وسندان هذا تكون المشكلة مضاعفة ، والحل يكمن في ماذا ؟
في تربية هذا الإنسان الفرد ؛ حتى لا يكون ألعوبةً لمن يضحك على ذقنه ؛ فيدفع به إلى عالم يَحسب فيه أنه يحسن صنعاً ، وهو يسيء إلى نفسه ويسيء إلى غيره ، هؤلاء الذين جاء الله سبحانه وتعالى على ألسنة الأنبياء جميعاً بتكريس العدل أصبحوا يرفعون الجور دون أن يستحوا ، والسبب هو أنهم جهلة ، حمقى ، بسطاء ، سذج ، لم يركنوا ولم يلجئوا إلى ركن وثيق يبين لهم أن رسول الله في واد وما تقومون به في وادٍ آخر .
ليس من الإسلام ، ليس له في الإسلام سبيل ولا سبب ولا صلة ؛ لا من قريب ولا من بعيد ، هذه مشكلة !!
ذاك الظالم الخارجي يرتاح كثيراً ، لأنه إذا وجد في أعدائه بعضَ الحمقى يسمح لهم بأن يَعلوا صوتُهم حتى يخبو صوتُ العقلاء ؛ فيسهل عليه ضربُ العقلاء بهؤلاء السفهاء . الله سبحانه وتعالى يقول { وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُم } [النساء/ 5] فكيف بالأعراض ؟!
كيف بالدين ؟!
كيف بالسمعة ؟!
كيف بالتعاليم الإسلامية ؟!
هل تُسلَّم إلى سفهاء ينتقلون بالأمة من مطب إلى مطب ومن أزمة إلى أزمة ، وهكذا ، بل يسمحون لهذا السفه أن ينتشر ، وتتسع دائرته .

نفاق العالم الغربي

يُقتل منهم [ الغربيون ] ؛ بالظلم ، بالجور ، عشرة ، عشرون ؛ فينتفض العالم كلُّه انتصاراً لهؤلاء الذين قُتلوا ، ونُقِر أنهم قتلوا ظلماً ، لكن يقومون هم ومَن يلوذ بهم ، ومَن يدور في فلكهم ، بقتل المئات ، بل الآلاف ، بل عشرات الآلاف ومئات الآلاف ، فلا يتحرك في هذا العالم أحدٌ !!
السبب هو هذه الأمة ؛ التي أصابها شيءٌ من النحس لَما سلَّمت زمامَ أمرها لمثل هؤلاء الحمقى ، فاستجابوا لهم ، والله سبحانه وتعالى يقول { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا للهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ } [الأنفال/ 24] .
الأحمق لا يستشار ؛ فضلاً عن أن يُستعان به ؛ لأنه حتى لو كان صادقاً في نيته ، مخلصاً في دينه ، هو لا يحسن تدبيرَ أمره فكيف يُحسن تدبيرَ أمرك ! مثل هذا الذي لا يستشار كيف يستعان به ؟
كان عند العرب قبل في هذه السنيات شيئاً رجوا أن يكون ربيعاً فلما استعانوا بالحمقى حولوه إلى خريفٍ ! فأحرقوا البلدان ، وأفسدوا فيها ، وعاثوا فيها فساداً !
هل سيتخلص مَن استعان بهم ؟
وصلت اللحظةُ التي - إن كانوا عقلاء - سيتنبهون إلى أنهم أخطأوا في حق أنفسهم ، كما أخطأوا في حق غيرهم . مَن استعنتم بهم ؛ ظناًّ منكم أنهم سيحققون لكم الأهدافَ فإذا ببندقيتهم الحمقاء ترجع إليكم ، وإلى صدوركم ؛ حيث استعنتم بهم ، ونسأل الله عز وجل أن يكفي الناسَ جميعاً شركَّم وشرَّ مَن استعنتم به من الحمقى .

كيف نصنع مستقبلاً ناصعاً ؟


نحن كيف كأمة ، كمتدينين بهذا الدين الحسن ، بهذا الدين السماوي الذي ختم الله عز وجل به الديانات ، كيف نصنع لأنفسنا مستقبلاً راشداً ؟
لا حلَّ إلا أن نرجع إلى القرآن وما صح عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، ونسلك هذه الدروب فقط !
أما إذا سلكنا الدروب الأخرى فسنجد الويل ثم الويل لأنفسنا .
هذه الثنائيات - التي قلنا - إنما يتحرك نحوَها الناسُ من أجل أن يحققوا ما هو في مصلحتهم ، لكن بشرط أن يتوفروا على سلسلة من الشروط لابد أن يتوفروا عليها ، بعد أن يحسنوا تشخيصَ الواقع .
هذا التشخيص للواقع يتوقف على أن ننصت لصوت الحق ، وهو ما جاء في الآية الكريمة ؛ التي ذكرناها قبل قليل ، أن نستجيب لله وللرسول إذا دعانا لما يحيينا .
الآية التي سنقف عندها ، وسنؤجل الحديث إلى ما يأتي ، قول الله عز وجل في سورة النور ؛ بعد أن ساق عدداً من الآيات ، بيَّن فيها سلسلةً من الأخطاء التي يقع فيها المسلمون وكيف يجنبون أنفسهم الوقوعَ في مثل هذه الأخطاء ؛ كالبهتان ، قول الزور ، التعدي على الناس ، كيف ينجِّي الإنسان نفسه ، ليس من أخطاء الآخرين ، بل من أخطاء نفسه أولاً .
إذا لم ينجِّ الإنسانُ نفسَه ، ويصنع المستقبل الزاهر في نفسه وفي كينونته في الداخل ، لا يُرجى أن يكون عنصراً صالحاً لصناعة هذا المستقبل للآخرين .
يقول عز وجل فيها { وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ } [النور/ 34] .
سأؤجل الحديث - كما ذكرت - إلى الأسبوع الآتي ؛ حتى لا يطول بنا المقام .
لكن لاحظوا القاعدة التي تنطلق منها الآية ، هي أن الله عز وجل الخير منه ، والمستقبل هو أنا وأنت ، شرط أن نتوفر على التقوى ؛ وهو ما ينسجم مع قول الله عز وجل في المستقبل الآتي ، المستقبل الكبير حتى لا يشغلنا صنعُ المستقبل القريب عن صنع المستقبل البعيد .
ولا يقعْ في وهمنا أن هذا المستقبل القريب نستطيع أن نقطع صلتَه عن المستقبل البعيد ، يقول عز وجل { يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ } [الشعراء/ 88، 89] . فالسلامة الداخلية ، السلامة النفسية ، السلامة الفكرية ، السلامة الروحية ، ليس السلامة الجسدية التي يحرص عليها كلُّ الناس ؛ وقد أمرهم الله عز وجل أن يقوموا بها ، لكن هناك ما هو أهمُّ منها ؛ لأن جسدك هذا سيلازمك وفقاً لهذه السنين التي قدَّر الله عز وجل أن تمكث فيها على هذه الأرض ، خمسين سنة ، ستين سنة ، سبعين ، أقل ، أكثر ، ثم يختار اللهُ عز وجل أمانته ، ويعيدك إليه . بدنك - هذا - سيبقى في الأرض ، أما روحك وقلبك ؛ وهو الذي يتأسس عليه مستقبلك الناصع ، هذا ما ينبغي أن يُعالج ، ومرضك القلبي - جسدياًّ - ليس فيه الكثير من العناء ، الأخطر من ذلك ، بل لا قياس بين الخطرين ، هو أن يكون قلبُ الإنسان الإنساني ، روحه مريضة ، مثل هذا الإنسان يُخشى عليه أن ينتهي مصيره إلى مصير مثل هؤلاء المجرمين ؛ وإن رفعوا شعار ( لا إله إلا الله محمد ، رسول الله ) ، أو شعار أولئك الذين بحمقهم ظنوا أن مصيرَ فرعون سيكون بعيداً عنهم !
لا ، حتى فرعون لَما قال له الحقُّ قال آمنت بالذي { آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ } [يونس/ 90] ، لكن إذا وصلت المسألة إلى الحلقوم والحنجرة ، وانتهى المصير النهائي ، ليس هناك فائدة أن نصحح أخطائنا في اللحظات الأخيرة ، الأهم من هذا أن لا نسلك الطريق الخاطئ ، وإذا - لا سمح الله - وقعنا فيه أن نصححه في وسط الطريق ، أما في نهاياته فهذا تصحيحٌ غيرُ مضمون النتائج .
أسأل الله عز وجل أن يأخذ بأيدينا وأيديكم إلى ما يحب ويرضى .
اللهم صل على محمد وآل محمد .
اللهم كن لوليك الحجة ابن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه ؛ في هذه الساعة وفي كل ساعة ، ولياًّ ، وحافظاً ، وقائداً ، وناصراً ، ودليلاً ، وعيناً ؛ حتى تسكنه أرضك طوعاً ، وتمتعه فيها طويلاً .
اللهم انصر الإسلام والمسلمين ، واخذل الكفار والمنافقين . اللهم اشف مرضانا ، وارحم موتانا ، وأغن فقراءنا ، وأصلح ما فسد من أمر ديننا ودنيانا ، ولا تخرجنا من الدنيا حتى ترضى عنا يا كريم .
وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين .


هوامش:

(١) أصول الكافي ، ج 2 ، ص 183 ، كتاب الحجة ، باب معرفة الإمام والرد إليه ، الحديث 7 .

ليست هناك تعليقات: