الأحد، 7 ديسمبر 2014

قصةُ حَسنٍ القصيرة


قبل أقل من ثلاثة أشهر تقدم للعمل شابٌ جامعي متحفز، لفت نظري أنه خريج من جامعتي، جامعة الملك فهد للبترول والمعادن بالظهران، منذ أشهرٍ عدةٍ. أتاني أحد الخبراء في المكتب ممن قابلوه قائلاً: يجب أن نوظف هذا الشاب، أجده متحفزاً للعمل، ويمتلك القدرات للتعلم والتطور. أجريت له مقابلة شخصية بعد تلقي تقارير المقابلات من الزملاء، وكانت جميعها إيجابية.
في مقابلتي له كان سؤالي الأول: لماذا تتقدم للعمل في مركز في الرياض يبعد عن أسرتك أكثر من 300 كم، يا حسن؟ أجاب: أرغب العمل في مجال الدراسات والبحوث. قلت: سؤالي لماذا لم تبحث عن العمل في مكان أقرب لسكن أسرتك؟! أجاب: بحثت ولم أجد عملاً. أثارت إجابته تساؤلات أكثر مما أجابت؛ فكيف لا يجد خريج من جامعة مرموقة بمعدل مرتفع وتخصص مطلوب وظيفةً في محيط أسرته؟! أؤكد لكم أن إجابته لم تك مفاجئة، فنحن نعاني من الهجرة الداخلية بحثاً عن العمل، وأوضح مثال كيف نمت عاصمتنا الرياض في فترة من الفترات بمعدل نمو سنوي للسكان فاق الأربعة بالمائة.
ولعل الرغبة في السيطرة على هذه الظاهرة، هي أحد المبررات الرئيسية لما تنادي به الخطة الخمسية الحالية بتحقيق التنمية المتوازنة؛ على مستوى مناطق المملكة، وضمن كل منطقة. وهنا يكمن التحدي بأن ننمي الاقتصاد المحلي في كل بلدة ومدينة وحاضرة، بما يمكنها من توليد فرص عمل، وفرص العمل المقصودة هنا ليست فقط تلك الناتجة عن الانفاق الحكومي مثل: وظائف التعليم والصحة والمرتبطة بالجهاز الحكومي فقط، بل كذلك وظائف القطاع الخاص، والتي يذهب نصيب الأسد منها للعمالة الوافدة من جهة، وينحصر القَيّم منها في المدن والحواضر الرئيسية.
وبالفعل توظف حسن، فوجده الجميع حسن الطلعة والطباع، يسبق فعله قوله، كأنه النسمة التي تنعشكَ ولا تزعجك؛ فقد كان مبادراً بهدوء، ومُنجزاً بسكون، يبدأ نهاره مبكراً ولا يغادر إلا مكملاً ما تحت يده من مهام بل ويطلب المزيد، يُقبلُ ببسمة متحفزة ويغادر ببسمةٍ متحمسة.
وبالأمس، في طريقي للأحساء، كنت أستمع لبرنامج عن حوادث نقل المعلمات وكيف أن معدلها أعلى بنحو 50 بالمائة من المعدل الوطني للحوادث المرتفع مقارنة بما هو سائد في بلدان العالم، وقد استضاف البرنامج مواطنين من أصحاب الرأي هما أ. سعد الدوسري ود. عبدالله الكعيد، فدفعهما الألم دفعاً للحديث بلغة واضحة بليغة بأنه ليس مقبولاً أن نمكث متلقين لحوادث مروعة حتى أصبح سماعها روتيناً يومياً مفجعاً، دون أن نفعل شيئاً ملموساً للحدّ من هذا الفعل القاتل لمواطنات كريمات، يجاهدن في سبيل خدمة الوطن وأهله، فمنهن من تترك بيتها قبل الفجر لتصل إلى مقر عملها تقلها سيارة وسائق لا أحد يعلم مدى قدرتهما على تحقيق اشتراطات السلامة للنقل المدرسي.
حرك حديثهما شجوني، فقد تحدث د. عبدالله الكعيد بحرقةٍ عن بناتنا اللاتي يقتلن على الطريق دون أن نفعل الكثير للحد من ذلك. ثم أن الأمر لا يقتصر فقط على بناتنا، ففي الليلة التي قبل شيعنا الشاب اليافع حسن، وفي الليلة التي قبلها وافاه الأجل المحتوم في مستشفى الملك فهد بالهفوف؛ إثر تعرضه لحادث مروع على الطريق السريع، لم يمهله طويلاً.
كنت أستمع لهما متجهاً إلى مجلس العزاء في حسن، الشاب الذي لم يمكث بيننا طويلاً، وقضى متنقلاً بين الرياض والأحساء. وبقبول تامٍ بإرادة الله، جل شأنه، شعرت بمرارة مضاعفة في فَقدِ شابٍ جاد كان يسعى لتحقيق ذاته وخدمة مجتمعه، فقضى على الطريق بحثاً عن مستقبلٍ وفرصةٍ وهو ما زال في بدايةِ البداية.

ليست هناك تعليقات: