من كتاب أرسله الإمام علي(ع) إلى عثمان بن حنيف عامله على البصرة
(أَمَّا بَعْدُ، يَابْنَ حُنَيْف فَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ رَجُلاً مِنْ فِتْيَةِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ دَعَاكَ إلى مَأدُبـَة فَأَسْرَعْتَ إِلَيْهَا تُسْتَطَابُ لَكَ الألوَانُ، وَتُنْقَلُ إِلَيْكَ الْجِفَانُ
وَمَا ظَنَنْتُ أَنَّكَ تُجِيبُ إِلى طَعَامِ قَوْم، عَائِلُهُمْ مَجْفُوٌّ ، وَغَنِيُّهُمْ مَدْعُوٌّ. فَانْظُرْ إِلَى مَا تَقْضِمُهُ مِنْ هذَا الْمَقْضَمِ، فَمَا اشْتَبَهَ عَلَيْكَ عِلْمُهُ فَالْفِظْهُ، وَمَا أَيْقَنَتَ بِطِيبِ وَجهِهِ فَنَلْ مِنْهُ ...الخ) نهج البلاغة
يمكن ان نستفيد من هذا النقد التقريعي ما يلي :
- عثمان بن حنيف صحابي جليل شارك النبي ص والامام علي ع في أغلب غزواتهم وله تاريخ حافل بالانجاز والعطاء وكان من النفر الذين تعاقدوا وتعاهدوا للاستشهاد دفاعا عن امير المؤمنين ع ، ولو استعرضنا الرموز في زمن اميرالمؤمنين ع فإن ابن حنيف سيكون في مقدمتهم ... ومع ذلك لم يتردد امير المؤمنين ع من توجيه النقد اللاذع اليه عندما ارتكب الخطأ ...
- ليس بالضرورة ان من يختاره المعصوم و(يثق به) يكون معصوما ، وليس بالضرورة ان العلم والتقوى والحسب والنسب والتاريخ الحافل بالعطاء يمنحون الانسان حصانة مضادة ودائمة من شهوة الغرائز ...
- رغم ان ما قام به ابن حنيف لم يكن بتلك الخطورة، وربما لم يتجاوز الموازين الشرعية، بل ربما يعتبره البعض من ابجديات العمل الاجتماعي ، الا ان الطبقة المقهورة من المجتمع كان لهم رأي اخر اقرهم عليه الامام ع ...
- النقد العلني للرمز المتصدي للشأن العام (ثقافة اسلامية) اصيلة ... وبإطلالة سريعة على خطب الامام علي ومراسلاته مع المخالف والمؤالف من الرموز يتضح لنا ذلك بشكل جلي ... ويبدو ان الامام ع اراد عامدا بهذا الخطاب العلني تحذير كل الرموز عن مثل هذه الاخطاء ولوكان يريده (سريا) لما عدمته الحيلة ...
- لا ينبغي السكوت عن بعض تجاوزات (الرمز)حتى وان كانت خطورتها طفيفة لأنها قد تمهد الطريق لتجاوزات اكثر خطورة ...
- من خلال مفردة (بلغني) ندرك ان ابناء المجتمع لهم حق مراقبة ورصد اخطاء (الرمز) المتصدي للشأن العام وانتقاده والتبليغ عنه بالوسائل السلمية المتاحة ...
- قدم ابن حنيف للطائفة وللدين خدمات جليلة طيلة ما يقارب الاربعين سنة بكل نزاهة واخلاص ، ورغم ذلك لم تمنحه هذه الخدمات حصانة خاصة تجعله فوق النقد ...
- ان انتقاد الرمز ومراقبته ليست من موارد (الغيبة) أو(التسقيط) أو (خط احمر) كما يحلو لبعض المتنطعين ان يروجوا له، ولو كان الامر كذلك لكان امير المؤمنين ع اول الناهين عنه ... اما بعض المقالات النقدية التي يتم فيها تجاوز الذوق العام فهي وان كانت نادرة وشاذه إلا انه لا ينبغي ان تُتخذ ذريعة لايقاف الحركة النقدية بالكامل ، ولكنها بحاجة الى تهذيب وتشذيب حالها حال الكثير من الشعائر التي طرأ عليها بعض التجاوزات .
- قد يقول قائل ان مدار الحديث اعلاه نقد صادر من معصوم اما عامة الناس فليسوا اهلا لمثل هذه الممارسة ؟! جوابنا عليه ان ترك العملية النقدية هو عين ترك الامر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي هو تكليف على الجميع ... وتركها ايضا يمنح الرمز (صك عصمة) ليعمل ما يريد بلا حسيب ولا رقيب ...
- هناك الكثير من الفوائد يمكن ان تُستنتج من الرسالة المذكورة تركتها للاختصار
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق