أكّد الشيخ عبد المحسن النمر إن الوصول للمعرفة الصحيحة والمطابقة للواقع هو مسؤولية كل فرد في الأمة، وبناءا على ذلك فإن من دورها الواجب عليها تهيئة وإعداد الأرضية لإنتاج العلماء والمراجع ثم اختيار الأصلح والأفضل من بينهم لأخذ المعرفة والموقف منه.
وافتتح سماحته الخطبة الأخيرة تاليا الآية الكريمة (هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين * وآخرين منهم لما يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم )
كما ضم سماحته إلى الآية رواية عن النبي (ص) فيما رواه الصدوق في ( من لا يحضره الفقيه): "يا علي أعجب الناس إيمانا وأعظمهم يقينا قومٌ يكونون في آخر الزمان لم يلحقوا النبي وحجب عنهم الحجة فآمنوا بسواد على بياض".
وقال: نبدأ حديثنا برواية عن رسول الله (ص) لنجعلها مع الآية منطلقا لفهم خصائص الزمان الذي نعيشه. نحن في هذا الزمن لم نرى النبي أو المعصوم، ومعنى أعجب أنه إما أنه من التعجب، لأن الظروف غير ميسرة للإيمان أو أعجب بمعنى أزهى وأجمل، وهذا يساعد عليه الجملة التالية " أعظمهم يقينا"، بالمجموع هناك أناس يأتون بعد زمن الرسول (ص) ولا يوجد لهم معصوم يرشدهم، ومع ذلك فإيمانهم أزهى وأجمل الإيمان، فبشرى لكم، هذه ايام عظيمة تمر على الأمة بذكرى تنصيب صاحب الزمان (عج).
نشير بشكل مختصر إلى تدرج المعرفة البشرية، وبالخصوص في مرحلة الرسالة الإسلامية.
· تسلسل الإيمان والمعرفة
تبدأ المعرفة وتدور وتتبلور حول المعرفة الدينية وحقيقة الدين فطوبى لمن أدركها، بدأت هذه المعرفة برسول الله (ص): (هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة)، أي المعرفة التشريعية والحكم المطابق للواقع، كل معرفة إنما أصلها وبذرها عند الرسول (ص).
ثم اتسعت دائرة المعرفة على أيدي الأئمة (ع) في المرحلة الثانية، أما المرحلة الثالثة فهي مرحلتنا، وهي مرحلة أمة المعرفة، حيث اقتضت الحكمة الإلهية أن تنتشر المعرفة ولا تبقى مقتصرة على صدور الأئمة (ع) بل تنتشر وتصل ذروتها وتصل كمال المعرفة على يد الإمام الحجة المنتظر (عج)، فطوبى لكم أنتم يا من تنقلون المعرفة للأمم الأخرى لكونكم الأمة الوسط التي تشهد على الناس، إذا كنتم صادقين في معرفتكم واتباعكم للحجة (ع)، الوسط أي الناقلين للمعرفة لسائر الأمم.
· خصائص أمة المعرفة
النهج الفكري كبديل عن النهج التلقيني، كان الناس في زمن الرسول والأئمة (ص) يصلون للمعرفة بالاتصال المباشر بالمعصوم أو بالمراسلة أو برواية مباشرة عن طريق أشخاص، وهذه وسائل مباشرة توقفت في زمننا فلا بد من الجهد وبذل الفكر والتأمل للوصول إلى أرفع مراحل المعرفة لكي يتكامل الإنسان، ولا بد من الدراسة والتعلم وهو المنهج الصحيح اليوم وهي مسؤولية الأمة بأكملها وليس جهة دون أخرى.
2- الاستقلالية
على الأمة أن تعتمد على نفسها لتصل للمعرفة. سابقا كان هناك قيادة تتبعها، بالطبع كانت هناك جهود وتضحيات لكن في زمننا هناك استقلالية واعتماد على الجهود الذاتية في الوصول للحقيقة، المسؤولية ليست خاصة بفئة دون أخرى بل على الأمة بمجموعها فنحن جميعا مكلفون. نعم إذا قام المجتهدون بالاجتهاد جاز لنا الاعتماد عليهم، ولكن إذا لم يكن هناك مجتهدون وجب علينا جميعا كأفراد الوصول للمعرفة. المعرفة ليست خاصة بذكر دون أنثى أو فرد دون آخر. يجب أن توفر الأمة المكان والكتب والمراكز وما إلى ذلك.
3- اختيار المرجعية الرشيدة، يجب أن يكون في كل زمان مرجع، وإلا لأثمت الأمة بأجمعها، لذا علينا إنشاء المرجعيات وتهيئة الأرضية لوجودهم هو دور المجتمع>
* الاحتياجات المعرفية للمرجع
ودور المرجعية لا يقتصر على علم دون علم، ولا ينحصر في حاجة دون حاجة، اليوم نعيش دائرة دائرة الحاجات، المرجعية لم تعد مقتصرة على العلوم المتعارفة في الحوزات بل لا بد من توفر علوم ومعارف أخرى في الحوزات ولدى المراجع أولا ومنها:
1- معرفة وفهم روح التشريع الإسلامي، ويحصل عليها العالم بالتدبر في القرآن الكريم، الأحكام في القرآن آياتها محدودة وباقي الآيات تتحدث تؤصل تكوين مدرسة فكرية، تملأ بها الفراغات الاجتهادية في جميع المجالات.
2- الإلمام الكامل بسيرة المعصومين، ولا سيما سيرة الرسول (ص)، وسيرة أمير المؤمنين (ع)، ومن خلال سيرتهم تتضح الملامح العامة للمواقف التي يحتاجها المجتمع المؤمن، لماذا تصرف الرسول (ص) بهذه الكيفية ولماذا تصرف أمير المؤمنين (ع) بكيفية أخرى، بتلك الكيفية ولماذا صالح الإمام الحسن (ع) ونهض الإمام الحسين (ع)، ولماذا كان زمان الإمام زين العابدين مختلفا عن زمن الإمام الباقر وعن زمان الإمام الصادق (ع) وهكذا، الأمة هي المسؤولة لأن تولد المراجع وأن تنتخب المراجع الأفضل. وهذا أمر درج عليه أتباع أهل البيت (ع).
3- فهم الحياة المعاصرة فإن هذا يوفر الأرضية للمرجع لاختيار الحكم الأفضل، هذه المسألة ليست اقتراحاً، بل بينها الشهيد محمد الصدر والشهيد المطهري وآية الله محمود الهاشمي في تبيين معنى المرجعية، فهو ليس مجرد مقترح أقدمه لكم بل قدمه أكابر علمائنا، نحن اليوم نحمد الله لأننا نمتلك أمثال هؤلاء المراجع، وما نراه من تقدم وتطور في أبناء مدرسة أهل البيت (ع) هو راجع لاتباع هذه الضوابط.
نسأل الله تعالى بحق مولانا صاحب العصر الذي نفتخر بالانتماء إليه بأننا زمن إمامته بأن يوفق الأمة لك خير وتقدم، وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق