دار المقال السابق حول التنافض في حياة سعيد عقل.. والفرق بين رقة إبداعه الشعري وغلظة أخلاقه.. وقد عرف التاريخ الماضي والحاضر كثيرا من الذين تصاب بالحيرة في تفسير حياتهم الداخلية والخارجية أو بين إبداعهم العلمي أو الجماعي وبين سلوكهم المكيافيلي المنح.
من أشهر هؤلاء في التاريخ الغربي الفيلسوف فرنسيس بيكون «1561 - 1626» فهو يلقب بحق بقائد الثورة العلمية لفلسفته القائمة على «المنهج التجريبي» وقد قال فيه أحد الفلاسفة «بيكون هو أبو الحقائق التي تولى نيوتن فيما بعد كشفها للناس»، ومثل هذا القول صدر من فلاسفة كثيرين في حقه.. بل وحتى السياسيين فقد قال عنه لينين «السلف الحقيقي للمادية الإنجليزية هو بيكون» واعترف كثيرون بأنه: «نقل أوروبا من التفكير الفلسفي التجريدي إلى التفكير العلمي التجريبي» وهو القائل: «العلم هو ذلك الذي يؤدي إلى تغيير حياة الناس».
مثل هذا الرجل الشاهق كان من جانب آخر منافقا غدارا.. فقد أبدى من الضراوة باتهامه ولي نعمته الكونت اوف اسكس الى ان ساقه للاعدام طمعا في الوجاهة وفي المال، فهل تصدق هذا في من كان من اهم اجزاء فلسفته: الانحرافات الفكرية التي قد يرتكبها الانسان وحددها بما سماه الاوهام الاربعة؟
يلتقي من يقرأ تاريخنا على امثال بيكون ومن اشهرهم الامام الغزالي الذي لم يفه بكلمة واحدة عند احتلال الصليبيين للقدس بحجة انشغاله بتأليف كتابه «احياء العلوم» وهي حجة ابتدعها مناصروه وكأن الوقوف ضد الغزاة يتعارض مع التأليف.
علم آخر من الاعلام التي في رأسها نار في تاريخنا هو ابن خلدون: لقد كان رائدا فذا لعلم الاجتماع.. وكانت «مقدمته» فتحا لنوافد كثيرة كانت مغلقة امام الفكر التاريخي هذا الرجل بهذه الريادة البتراء كان خانقا مستسلما امام اجتياح تيمور لنك لدمشق وقد ابدع المسرحي سعد الله ونوس في تصوير هذا الموقف المظلم من ابن خلدون الذي يملي على مريده شرف الدين ما يلي:
«ومد يده الي فقبلتها، واشار بالجلوس فجلست حيث انتهيت، ثم استدعى من بطانته الفقيه عبدالجبار فأقعده يترجم ما بيننا، ففاتحته وقلت: ايدك الله لي اليوم ثلاثون او اربعون سنة اتمنى فيها لقاءك.. فقال وما سبب ذلك؟ فقلت امران: الاول انك سلطان العالم وملك الدنيا... الخ».
اتعرف من قال فيه ابن خلدون هذا الكلام بعد ان قبل يده؟!! انه تيمور لنك.
الخميس، 15 يناير 2015
المفارقة «2»
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق