الاثنين، 8 ديسمبر 2014

في دعوته للتشاور بين المؤمنين . . الشيخ عبد المحسن النمر : الواقع الشيعي متراجع في اتخاذ القرار على أساس التشاور


قال سماحة الشيخ عبد المحسن النمر في دعوته إلى التشاور بين المؤمنين أننا كمجتمع إسلامي تأخرنا عن تطبيق إرشادات الإسلام وتعاليم أهل البيت (ع) فيما يختص بإدارة شؤوننا على أساس التشاور الجماعي واستشفاف جميع الآراء للآخرين والاستفادة من عقولهم والاستنارة بأفكارهم، ما جعلنا في مؤخرة الركب الإنساني الذي تقدم علينا في إدارة أمور حياته بهذا النمط.
وابتدأ سماحته الخطبة تاليا الآيات الكريمة: (فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون* والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحشَ وإذا ما غضبوا هم يغفرون* والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون).
·      أهمية الاستشارة

وعلق سماحته: في ضمن سلسلة من آيات توضح حقيقة وكيان المجتمع الإسلامي وصفاته الأساسية المتجذرة فيه تظهر لنا هذه الإنارة الربانية (والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون)، هذه الصفة ليست أمرا جزئيا فالتشاور بين أبناء المجتمع الإسلامي وإدارة أموره بالتفاهم بينهم ليست قضية ثانوية وهامشية بل هي جذر من جذور تكوين المجتمع الإسلامي.
·      معانى الاستشارة وتجلياتها
التشاور وإدارة الأمور بين مختلف الفئات وفي تعامل الإنسان في شتى التعاملات يحتاج إلى استشفاف رأي من يرتبط به والجهات يشترك معها ويحتاج إليها في تحريك أموره.
لعلنا اليوم نشاهد في المجتمعات الإنسانية وخصوصا المجتمعات التي قطعت مشوارا متقدما في إدارة شؤونها، نجدهم لا يقدمون على أمر يمس وجودهم ومستقبلهم إلا بنحو من الاستشارة وجمع الآراء ثم الحركة طبقا لهذه التوجهات التي تمثلها فئات أبناء المجتمع الإسلامي.
مع الأسف الشديد نحن كأمة إسلامية تخلفنا عن الإسلام في نواح عديدة وتنازلنا عن جملة من مؤسسات الفكر الإسلامي والدعوة الإسلامية ومن أهمها هذا الجانب، نحن اليوم إذا قورنا بالمجتمعات الأخرى فإننا بلا شك في الدرجات المتأخرة في إدارة شؤوننا بالتفاهم الجماعي بين فئات المجتمع، نحن على منهج خلاف المنهج الذي جاءت به الرسالة الإسلامية، ولنقرأ جملة من الروايات التي أكدت على الاستشارة والاستفادة من الآراء، ولنقف موقف المتأسف على حالنا حينما تنازلنا وتأخرنا في تطبيق هذا الجانب الإسلامي المهم:
·      الاستهداء
 

1-  أول ركن من أركان الاستشارة هو الاستهداء، أي أن يضم الإنسان إلى فكره فكرا وإلى عقله عقلا وإلى معرفته معرفة وإلى معلوماته معلومات وإلى خبرته خبرة، ليستضيء له الطريق ويتضح له الموقف، يقول أمير المؤمنين (ع): "الإستشارة عين الهداية، وقد خاطر من استقل برأيه". إذا اعتقد الإنسان الشاب أنه لا يحتاج إلى استشارة أبيه أو استشارة عالم أو شخص آخر، وإذا رأت المرأة انها ليست بحاجة للاستشارة لأنها مستقلة، عند ذاك يكون الوقوع في الخطر.
 
المسؤول أيضا، وفي أي جهة من الجهات يكون، هو في أمس الحاجة إلى الاستشارة، ويقول أيضا (ع): " من شاور ذوي العقول استضاء بأنوار العقول"، كل رأي تضمه إلى رأيك يزيد في إضاءة الطريق وإنارته بالنسبة لك.
ويقول (ع): " حقّ على العاقل أن يضيف إلى رأيه رأي العقلاء، ويضم إلى علومه علوم الحكماء".
 
·      الوحدة والقوة
 

2-  الاستشارة هي توحيد فئات المجتمع وتوحيد للأسر، فحينما يتصرف الإنسان لوحده دون استشارة أحد سيشعر الجميع بأنه قد استبدّ برأيه واتخذ هذه المواقف على تقديره ومزاجه الشخصي دون أن يضم إلى ذلك آراء الآخرين، وهذا أمر في غاية الأهمية، وهو أمر يختلف عن الاستهداء، فتارة أنا أريد رأيا وفكرة وإضاءة جديدة، وتارة لا، حتى لو كنت عالما عارفا، إن أخذ رأي الآخرين يجعلهم يقفون على جانبك ويتحملون معك مسؤولية العمل.
-        عن رسول الله (ص) أنه قال:. لا مظاهرة أوثق من المشاورة".
-         وقال الله عز وجل في كتابه الكريم( فبما رحمة من الله لنت لهم، ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك)، ولو كان هناك مجال للحديث عن هذه الآية على وجه الخصوص، لوجدنا أن وحدة الأمة وتكاتف المجتمع يعتمد على هذا العنصر، إن من أهم معجزاتك التي منحك الله إياها هذه الرحمة التي لممت بها قلوب المؤمنين، فكيف وحّد الرسول (ص) قلوب الناس، قال تعالى في تمام الآية ( فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر).
 
-        رسول الله (ص) هو أكمل العقول ولا ينقص عقله في جهة من الجهات وأمر من الأمور أي شي، الله تعالى يأمره أن يمارس الاستشارة وأن يعامل قومه معاملة أصحاب الرأي، فهم لن يكونوا معك وحولك ما لم تعاملهم بالعفو والاستغفار والمشورة ( فإذا عزمت فتوكل على الله ).
 
 
 يقول مولانا الإمام الصادق (ع) مبينا أهمية التشاور في الأمور الجامعة التي تكون أمرا مشتركا بين المؤمنين وفي أي شكل من أشكال، يقول حاكيا عن وصية لقمان لابنه: "إذا سافرت مع قوم فأكثر استشارتك إياهم في أمرك وأمورهم"، الاستشارة مطلوبة ولكن إذا كان هناك أمر يمس مجتمعكم وكيانكم كالسفر مثلا حيث يشترك المسافرون في حركتهم ووقفاتهم وإدارة أمورهم وسكنهم فهنا يكونون في أمس الحاجة للاستشارة.

·      المشورة إحاطة
 
3-  إلى أن يقول (ع) بعد جملة من النصائح والتنبيهات " ولا تجب في مشورة حتى تقوم فيها وتقعد" أي لا تجب بمجرد الخاطر الذي يخطر ببالك، وإنما اعتن بالاستشارة وابذل جهدك وعنايتك وفكر بالأمر وقلب المسألة وانظر في جوانبها وأدر الرأي وتأكد بأنك أحطت وأشرت بما هو الأصلح والأحسن.

·      المشورة اعتدال
 
4-  الأمر الرابع أن الاستشارة تجنب متخذ القرار الإفراط والتفريط، الإنسان إذا كان يخوض في خضم مسألة عادة يتأثر بأجوائها إما خوفا أو رغبة أو آثار نفسية تقع في نفسه فيتحرك بحركة متأثرة بهذه العواطف، فيتخذ مواقفا إما ذات تطرف هنا أو هناك، إما إفراط في الحركة أو تفريط في الموقف.
-        يقول أمير المؤمنين (ع) " إنما حُضّ على المشورة لأن راي المشير صرف ورأي المستشير منسوب بالهوى " يعني حض العقل وأصحاب العقل وحض الدين على المشورة لأنك إذا استشرت مجموعة من الناس فهم ليسوا كله متأثرين بتأثرك، وليس لهم أهواء بنفس أهواءك، وإنما هناك آراء صرفة، طبيعة حال الإنسان الذي يواجه مشكلة أن يتأثر بها فيتخذ مواقف غير متوازنة وغير منضبطة، فإذا استشار الناس وقلب آراهم فسيجد فيهم من يكون موقفه متوازنا صحيحا.
 
·      قرار الجميع
 
5-  خامسا المسؤولية الجماعية، حينما يتفرد الإنسان برأيه فإنه لن يجد له من يعذره في موقفه، بل على العكس من ذلك حتى من يتخذ موقفا خاصا به دون استشارة فسيجد من يلومه من هذا الطرف أو ذاك، ممن يقبل هذا العمل والموقف أو يرفض، بعكس لو كان العمل قائما على الاستشارة، فإنه يتخذ موقفا جماعيا.
 
يقول الإمام الكاظم (ع): " من استشار لم يعدم عند الصواب مادحا وعند الخطأ عاذرا"، إذا هو أصاب وجاء بالنتيجة المطلوبة فسيمدحه الناس لأنه اتبع أسلوب التشاور، وإن أخطأ وهذا أمر طبيعي يحدث ولكن حين يكون القرار ناتجا عن تشاور فسيجد التفهم لأنه أخذ بمجموع الآراء.
 
·      الفئات المستفيدة والمعنيّة
 

وقدّم سماحته رسائل مباشرة خاصة ببعض فئات المجتمع كالشباب والأسر والقادة:
 
-        الشباب في مقتبل عمره يكون لديه الاعتداد والشعور بالرجولة والاستقلال فلا يرى أهمية لا ستشارة والديه أو أهل الخبرة وهذا خطأ فالاستشارة ليست علامة ضعف بل علامة قوة وسبب من أسباب متانة الموقف وحصانته. 
 
-        في رواية عن الإمام الرضا (ع) أنه كان في مجلس فدار الحديث عن أبيه الكاظم (ع) فقال: " كان عقله لا توازن به العقول، وربما شاور الأسود من سودانه" أي العبيد أو الذين يعملون عنده، فإذا كان الإمام الكاظم (ع) يشاور وإذا كان القرآن الكريم يخاط نبيه قائلا ( وشاورهم في الأمر)، وإذا كان رسول الله (ص) الإنسان الكامل مطلوب منه أن يشاور الآخرين فكيف بك أيها الشاب وكيف بنا نحن جميعا.
-        لا بد لنا من أن تكون حالة الاستشارة والتشاور حالة طبيعية جارية في أسلوب منهجنا وفي طريقة حياتنا.
 
·    الأسرة 

الوالدان، يستشيرون من؟ لا أقصد أنهما فقط يحتاجون استشارة المختصين في التربية، بل يحتاجون إلى استشارة أهلهم وأهل بيتهم والزوج يحتاج إلى استشارة زوجته وأبنائه، هناك عنصر تربوي مهم في استشارة الأبناء ومعاملتهم معاملة أصحاب الرأي وأصحاب الشأن فيما يعود لإدارة أمر المنزل.
 
لا تتفرد أيها الأب في اتخاذ المواقف، أو مثلا تحديد الجهة التي ستتوجهون نحوها في السفر، أو تفرض شكلا أو ذوقا خاصا، الروايات تذم من يجعل أهله يأكلون على مشتهاه، حين يحب ذوق معين أو مسكن معين فيجعل أهله يعيشون على ذوقه، الروايات تذم هذا الأمر وتوصي بإدارة الحياة بطريقة متقبلة من الجميع.
 
·      أصحاب القرار
 

قد يظن الإنسان أن صاحب المرتبة العلمية والاجتماعية هو إنسان يرجع إليه وهو مستغن عن الآخرين، لعل ما قرأناه في الآية القرآنية عن النبي (ص) وفي الحديث عن الإمام الكاظم (ع) جواب كاف وواضح، كل إنسان، بل كلما ازدادت مسؤولية الإنسان كلما ازادت حاجته إلى الاستشارة، وكلما ازداد مقام الإنسان ومرتبته كلما احتاج إلى أصحابه وأصحاب الرأي أكثر فأكثر، لا يوجد كبير ولا صغير ولا رجل ولا امرأة يستغني عن الأخذ برأي الآخرين والتعامل معهم.
 
·      واقع الاستشارة في البيت الشيعي

 
وإذا كان من تعليق فإن تجربتنا نحن أتباع مذهب أهل البيت مع الأسف الشديد لا تخلو من ضعف في جوانب كثيرة منها، في الطبقات العلمية عندنا، ولأكون واضحا في مرتبة المرجعية عندنا.
 
نحن تعودنا أن يكون ابن المرجع وأقاربه هم الذين هم الذين يشيرون عليه، وهذه المسألة يفترض أن يتوجه إليها أبناء المجتمع، يفترض أن تتضح عندهم هذه المسألة، المرجعية اليوم في أمس الحاجة، وذكرت أنه كلما زادت مسؤولية الإنسان كلما زادت حاجته للاستشارة، الآن جوانب الحياة تتسع، وفي المسائل التي يحتاج إليها في الفتيا وفي إصدار البيان الشرعي أخذت جانبا من الاتساع بحيث يصعب اتخاذ القرار بدون وجود مستشارين وأهل خبرة ومعرفة.
 
إننا ندعو الله عز وجل أن يزيد في إيماننا وفي تمسكنا بمنهج رسول الله (ص) وأهل بيته الأطهار، وأن يزيد في عنايتنا بشؤون مجتمعنا وأمتنا وأن يمن علينا وعلى المؤمنين جميعا بتوفيقه وهدايته ونصره والحمد لله رب العالمين.   

ليست هناك تعليقات: