المطالبة فن من حيث التوقيت و حجم المطالبة ، و المطالبات يراد منها دفع ضرر أو جلب منفعة ، و لهذا قيل ( درء المفسدة مقدم على جلب المنفعة ) ، و المطالبة ممن لا حول له و لا قوة إلا بالله ، و إن كانت من المخلوق للخالق أطلق عليها ( الدعاء ) . و القرآن الكريم يعطينا مسارات لآداب المطالبة ( الدعاء ) و فنونها ، و سنستند لبعض الأمثلة لاستظهار ما نود إظهاره من خلال الفقرات التالية :
1- الأنبياء أسوتنا في المطالبة
{ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ } نبي الله موسى - عليه السلام - عند دعائه قدم فضل الله عليه أولاً : { أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ } ثم بعد ذكر الفضل قال { فَقِيرٌ } ، إذن عند الطلب يقدم فضل المراد الطلب منه ، و أيضاً في طلب نبي الله أيوب - عليه السلام - : { وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ }
هنا الآية الشريفة بينت رحمة الله بعباده ، و القاسم المشترك بين الآيتين التوقيت المدروس من حيث الضرر الشديد الذي لحق بهما ، ليصبح مدخلاً للطلب ( الدعاء ) .
2- توجية بوصلة المطالبة
دائماً المتتبع للمطالبين و مطالبهم يلاحظ أن المطالب تصاغ بحيث يفهم منها أنها تنصب في مصلحة المطالبين و بالتالي ربما لا تكون الاستجابة من المطلوب منه . و لو تغيرت بوصلة المطالبة بحيث قدم الطلب باعتباره لمصلحة من يراد الطلب منه يقيناً ستكون الموافقة ، هذا الدرس نأخذه من نبي الله عيسى بن مريم - عليهما السلام - في طلبه المغفرة لقومه : { إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ } لا يخف على أحد أن الطلب جاء بصيغة { إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ } فلم يقل - عليه السلام - : { إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ [ قومي ] } بل قال { عِبادُكَ } و هذا أشبه بمن يتقدم بطلب لمسئول قائلاً : أبنائك يحتاجون بدلا من نسب المطالبين لشريحة معينة . و كذا التأكيد على أن هذا المطلب أو المطالب فيها مصلحة الطرفين الطالب و المطلوب منه حتى يستجاب للطلب .
3- حجم المطالب تدل على قيمة طالبها
إذا غامَرْتَ في شَرَفٍ مَرُومِ, فَلا تَقنَعْ بما دونَ النّجومِ *** فطَعْمُ المَوْتِ في أمْرٍ حَقِيرٍ, كطَعْمِ المَوْتِ في أمْرٍ
دائماً حجم المطالب تعطي صورة واقعية عن مكانة و قيمة الفرد أو أي مكون ، يذكر التاريخ أن نبينا ﷺ أسدى إليه أعرابي جميلاً ، فلما أتى الأعرابي المدينة المنورة قصد نبينا ﷺ فقال له : حاجتك . فقال الأعرابي : ناقة أركبها و عنز أحلبها فقال ﷺ : ( أيعجز أحدكم أن يكون كعجوز بني اسرائيل ) و اختصاراً لقصة بني اسرائيل عندما أراد نبي الله موسى الخروج من مصر و التعرف على قبر نبي الله يوسف ، و الذي لا يعرفه إلا عجوزاً من بني اسرائيل اشترطت أن تكون مع نبي الله موسى بالجنة حتى تدله على القبر فأوحى الله له الاستجابة لطلبها .
فهناك فرق كبير بين طموح الأعرابي بطلبه المتواضع ( ناقة و عنز ) من خاتم الأنبياء و المرسلين . و بين طلب تلك العجوز الذي اشترطت أن تكون في الجنة مع نبي الله موسى لتدله على قبر نبي الله يوسف - عليهما السلام - و الله سبحانه أيد ارتفاع سقف المطالبة من العجوز ، لأنه رحيم بعباده لذا أمر نبيه موسى بتحقيق رغبتها و طلبها .
4- الملك عبدالعزيز يستجيب للمطالب
ما سمعته ممن أثق به و هو الأستاذ سعد القرني أن أحد شيوخ القبائل المقربين من الملك عبدالعزيز طلبت منه أحدى النساء التوسط لدى الملك عبدالعزيز في إطلاق سراح زوجها الموقوف بسجن الرياض في الحق العام ، كان هذا الكلام قبل دخول شهر رمضان ، فوعدها شيخ القبيلة خيراً . و بالفعل ذهب للملك عبدالعزيز بنية طلب إطلاق سراح المسجون المقصود ، لكن ذات و نفسية هذا الشيخ كبيرة ، و في هذا الأمر المروم رأى من غير اللائق أن يقصد الملك في طلب صغير فيصغر في عينه ، و هو ما يصوره المتنبي في أبلغ تصوير ( وتعظم في عين الصغير صغارها وتصغر في عين العظيم العظائم ) . فتفتقت بذهن الشيخ أن يوجه بوصلة المطلب بصياغة تنصب في مصلحة الملك عبدالعزيز ، فبادر برأي مفاده أن شهر المغفرة و الرحمة رمضان المبارك مقبل و المساجين أهلهم بحاجة إليهم لقضاء احتياجاتهم و مشاركتهم فرحة العيد ، فذوي الحق العام لو يطلق سراحهم يكون تفضل منكم و في ميزان أعمالكم ، فاستحسن الملك عبدالعزيز - رحمه الله - الرأي - و أمر بإطلاق الكثير من المساجين بالمملكة في الحق العام ضمن ضوابط ، فكان السجين المقصود من ضمن المطلوق سراحهم . و لما رأى الملك عبدالعزيز ردة الفعل من العلماء و المواطنين جعلها سنة ، و سار عليها أبناؤه حتى يومنا هذا ، و أخذت بها دول الخليج .
5- هل حكومتنا تستجيب لمطالبنا
يقول إمامنا علي بن أبي طالب - عليهما السلام - : ( مَنْ طَلَبَ شَيْئاً نَالَهُ أَوْ بَعْضَهُ ) . كوجهة نظر إذا قُدم أي مطلب أو مطالب من وجهة وطنية و بوعي و بتوقيت و حجم يدل على ثقل من تقدم به فإن الاستجابة لنيل المطلب أو بعضه نتيجة طبيعية ، و إن الذين يمتعضون من هذا الرأي و يرفضونه فإنهم يقطعون الطريق على النَّاس ، و كأنما لسان حالهم يقول : لا تتقدموا بمطالب ، و هذا خطأ ( على المرء أن يسعى و ليس عليه إدراك النجاح ) . و هؤلاء لا يقدموا حلولاً بديلة و كل ما يفعلوه فقط الاعتراض و الامتعاض ، و هؤلاء مع الأسف الشديد ينصبون أنفسهم أوصياء و حماة و عند الشدة لا وجود لهم .
و من خلال تجارب عدة عبر رقم ( 969 ) الخاص بالتواصل و تقديم الشكوى ابتداء من خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله - حفظه الله - تستطيع تقديم الشكوى على أي جهة من تلفون المنزل الثابت و يأتيك رسائل بسير المعاملة تباعاً . لكن البعض فقط يلعن الظلام دون أن يشعل شمعة ، و الأنكى من ذلك يترصد و يستأسد على من يشعل هذه الشمعة .
الفكرة :
المطَالب تستجاب تبعاً لقدرة و حكمة المطالِب و باعتقادي من الأمثلة الناجحة الوفد المصري و حسن اختياره للشيخ الدكتور محمد حسان فهو نموذج للمتحدث الجدير للتمثل من حيث المنطق و الفصاحة و الذكاء في عرض المطلب بافتتاح سفارة المملكة بالقاهرة
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق